fbpx
مقالات

أردوغان .. يخسر مرة أخرى

بقلم : عبدالله عبدالحميد فرحان
المتابعون العارفون بالشأن التركي، والمتحمسين منهم لسقوط مشروع أردوغان في المنطقة قبضوا على صدورهم هذه المرة :
– ماذا لو نجح الإنقلاب وأعاد مشروع أردوغان على المدى الطويل ..؟
– وماذا لو فشل الإنقلاب وأنعش مشروع أردوغان على المدى الزمني القصير ..؟

خلال عقد من الزمن (٢٠٠٢- ٢٠١١م) تعزَّز الموقف السياسي لأردوغان محلياً وإقليمياً، مدعوماً بحزمة من النجاحات السياسية والاقتصادية والإدارية، وممتشقاً جملة من الخطابات والمواقف الإنفعالية الدعائية، تحدث الشارع العربي (بتحفيز من حركات الإسلام السياسي) عن أردوغان المُخَلِّصْ، وعن معجزة العدالة والتنمية..

في السنوات الأخيرة .. اتجه للإنقلاب على كل نجاحاته السابقة، مثلما انقلب على أصدقائه وحلفائه السابقين (فتح الله غولن، عبدالله غول، أحمد داوود أوغلو، الأكراد، الأقلية العلوية، وغيرهم)، وشرع في ضرب خصومه السياسيين بقسوة، متنقلاً بين طاولات القمار السياسي، عابثاً بأوراق تركيا السياسية والثقافية والاقتصادية في المنطقة، لا مبالياً بحساسية الموقف الداخلي ديمغرافياً وأمنياً واجتماعياً.

عقب فشل حزب العدالة والتنمية في الفوز بأغلبية برلمانية مريحة وتشكيل حكومة ائتلافية، تحديداً في ليلة الانتخابات التركية البرلمانية الأول من نوفمبر ٢٠١٥م، جمعني تساؤل مع صديق متخصص في الشأن التركي، ما الذي سيخسره أردوغان لو فاز بالأغلبية المريحة، لماذا يفشل في استيعاب القوى السياسية المنافسة واحتوائها، ولماذا يصر أردوغان على تحمل مسئولية (خسائر محققة قادمة) منفردا..؟

لقد نجحت أحداث ليلة السادس عشر من يوليو ٢٠١٦م في منح أردوغان جرعة تعاطف وتضامن واسعة من العالم والإقليم، حتى أن ألد مناوئيه وأشرس معارضيه أعلنوا رفضهم للإنقلاب، فيما قد لا يُفْلِتَ أردوغان هذه الفرصة للإنقضاض على بعض خصومه، واختراق المؤسسة العسكرية، وسَنّ تشريعات جديدة تَحُدّ من الحريات العامة، وتزيد من صلاحيات مؤسسة الرئاسة.

ما حدث بالمحصلة، يمثل انتكاسة كبيرة للمشروع التركي في المنطقة، يتسارع تدحرج كرة الثلج في الداخل، ويرتفع منسوب الإخفاقات والمشكلات في الداخل التركي، يتوقع كثيرون أن طريقة أردوغان في التعامل مع الأزمة ستعمق الإنقسام في المجتمع والجيش التركيين، واللذان سيواجهان تحديات أمنية تتجاوز ربما حجم التحديات السياسية والأمنية التي تعصف بتركيا منذ أشهر وتهدد سلامة نسيجها الاجتماعي والسياسي.

خلال تاريخها الحديث، شهدت تركيا أربعة انقلابات عسكرية، لكن هذا الإنقلاب يأتي في ظل تحديات كبيرة لا تبدأ بالحرب التي يخوضها الجيش التركي مع الإنفصاليين الأكراد، ولا تنتهي بحلقات متسارعة من التفجيرات والعمليات العسكرية التي تطال قوافل وثكنات الجيش التركي.

وفيما تصول وتجول عشرات الجماعات المسلحة والمتطوعة، وتحوم أسراب جيوش العالم على طول الحدود الجنوبية للبلاد في مشهد أقرب إلى الحرب الكونية، يجري الحديث عن إنقلاب هو الأول الذي يشهد انقساما داخل المؤسسة العسكرية التركية التي طالما عُرِفَتْ بانضباطها وتماسكها، ودون أي غطاء شعبي أو سياسي كما جرت عليه انقلابات سابقة في تركيا والمنطقة.

يلمس المتابع البسيط غياب الكثير من المنتجات والسلع التركية التي لطالما ضجت بها رفوف المحلات والمراكز التجارية في المنطقة العربية، تأتي محاولة الإنقلاب (إن صح تسميتها بذلك) فيما تشهد العلاقات التركية بمحيطها العربي أسوأ حالاتها، لم تعد البضائع التركية تتدفق عبر سوريا التي تفتك بها الفوضى والحرب، واتفاقية نقل البضائع التركية عبر مصر (الرورو) لم يتم تجديدها، وتحديات اقتصادية كبيرة ذات طابع سياسي مع الروس والأرمن والأوروبيين وغيرهم.

إنَّ الصور التي شاهدها العالم للمعارك والقصف في المدن التركية ستحضر في ذهن كل من ينوي السفر إلى تركيا للسياحة او الاستثمار أو غيره، هذا إن لم تستدعي تلك الصور صورا أخرى من الانتكاسات الأمنية والسياسية داخل تركيا، وهي ولا ريب تزيد من شهية الأقليات الساعية للتخفف من قبضة أنقرة، وترفع من هامش القوى الدولية والإقليمية صاحبة الحسابات الثقيلة مع الأتراك.

يبقى المتغير الأكثر تأثيرا في المستقبل التركي عموما والمشروع الأردوغاني خصوصا هو أردوغان ذاته، لقد رمى خصومه السياسيون (بإدانتهم الإنقلاب) الكرة في ملعبه، يتوقع كثيرون أن يندفع أردوغان خلف شهوة الانتصار وصكوك التخوين، ما سَيُزيد من فاتورته، فيما يذهب آخرون إلى أن مواقف أردوغان تتجه لتكون أكثر براغماتية وأقل عدائية مستشهدين بالتنازلات التي قدمها للروس والإسرائيليين، والتي لم تشمل بالمحصلة جوار تركيا الجغرافي والعربي …

المركز الديمقراطى العربى

المركز الديمقراطي العربي مؤسسة مستقلة تعمل فى اطار البحث العلمى والتحليلى فى القضايا الاستراتيجية والسياسية والاقتصادية، ويهدف بشكل اساسى الى دراسة القضايا العربية وانماط التفاعل بين الدول العربية حكومات وشعوبا ومنظمات غير حكومية.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى