fbpx
الشرق الأوسطتقدير الموقفعاجل

الوجيز في السياسات العامة العراقية بعد 2003م

اعداد:  د. حسن سعد عبد الحميد  – م.م عدنان عبد الأمير الزبيدي

كلية العلوم السياسية – جامعة النهرين

  • المركز الديمقراطي العربي

 

أولاً : السياسة العامة المفهوم والخصائص

تعد السياسة العامة احدى أخصب المواضيع وأعقدها ، حيث لقيت إهتماماً واسعاً من قبل الباحثين والمختصين ، فالسياسة العامة هي ( ذلك الممر الحلزوني المؤطر واللامؤطر أحياناً والذي يجد المارون أنفسهم فيه مجبرين على المرور منه ، صناعاً ومستفيدين ومتنفذين) .

أن الحديث عن موضوع السياسة العامة أصبح شائعاً في الحياة العامة مثلما هو شائع في قائمة الدرس ، فقد يستخدم بمعنى واسع كقولنا ( السياسة الاقتصادية العراقية ) أوبمعنى ضيق كقولنا ( سياسة أذابة الجليد عن الطرقات ) .فالسياسة العامة أصبحت اليوم موضوعاً حتمياً لأستكمال دور المواطنة في الحياة الاجتماعية الواسعة ، وهي طريق الحكومة في التعبير عن فعلها ونشاطها ووجودها ، فالسياسات العامة ليست مجرد خطة أرشادية أو دليلاً مرورياً بقدر ما هي ضرورية لأستمرار العيش والحياة ، وهي بتعبير أدق علم و فن ادارة الدولة .

أن للسياسة العامة معنى عام في بلورة العلاقات وأقامة التفاعلات بين مكونات النظام الاجتماعي والسياسي ، بما في ذلك العلاقات والممارسات المتجسدة عن السلوكيات للمؤسسة الرسمية ما يدفع للقول أن مضمون السياسة يتجلى في خصائصها وسماتها ، ومن هذه الخصائص أن السياسة العامة هي فعل ورد الفعل للمؤسسة الحكومية ، أي أن السياسة العامة قرار تتخذه الحكومة لعلاج مشكلة ما يعاني منها المجتمع ، فالحكومة لا ترسم سياسات عامة بدون وجود مشكلة عامة ، فالمشاكل الأجتماعية لا تصبح سياسات عامة إذ لم تقم الحكومة بتبنيها وأصدار قرارات وقوانين بشأنها.

فالسياسات العامة تتم في أطار تنظيمي محدد له صفة دستورية قانونية ، فعملية صنع السياسة العامةتسير وفق الاطار التنظيمي والدستوري للدولة هو ما يجعلنا أن نميز بين السياسة العامة وباقي السياسات الاخرى التي تتخذ في سياسات المؤسسات الخاصة.

ومن الخصائص الأخرى أن تطبيق السياسة العامة عام وشامل على كل أفراد المجتمع الذين

تخدمهم هذه السياسة فضلاً عن ان السياسات العامة تتخذ بالتشاور بين المسؤولين الحكوميين وغير الحكوميين أو على الأقل تعبر عن وجهات نظرهم جميعاً ، فالسياسة العامة نشاط هادف مقصود بالنسبة للمجتمع والنظام السياسي والتي من شأنها العمل على خلق توازن بين كل الفئات والجماعات المصلحية ، فهي عملية ديناميكية حركية قد تكون أحياناً غير معلنة أو غير مؤطرة بقانون أو نظام.

ومن أحدى اهم خصائص السياسة العامة ما يسمى ( الجدوى السياسية ) بالنسبة للنظام السياسي أي ما يطلق علية بفكرة تحقيق الرضا أو القبول من قبل المجتمع على مخرجات النظام السياسي في مجال السياسات العامة ، فقدرة بقاء النظام السياسي في السلطة يقف بصورة او بأخرة على جودة مخرجاته من قرارات وقوانين وأوامر بخصوص علاج المشاكل العامة .

وتعد ايضاً المشروعية من احدى خصائص عملية صنع السياسة العامة ، أذ تتطلب الاخيرة إنتاج مجموعة من القرارات والقوانين والتي تترجم إلى إجراءات ملموسة ، لذلك يجب ان تدخل عملية صنع السياسة العامة ضمن المشروعية القانونية ( الدستور ) الذي يشكل وعاء السياسة العامة ،

وعادة ما تقوم الاجهزة الحكومية بأعداد دراسات قانونية تؤطر كل سياسة عامة تعتزم الدولة أقرارها ، ويشير بذلك إلى الحدود القانونية التي تحيط بكل قرار غير سليم يخرج عن نطاق المشروعية القانونية .

ثانياً : اهداف السياسة العامة

أن أدراك الهدف من وراء صنع وتنفيذ السياسة العامة يمكن استيضاحه في بادىء الأمر عبر الأسباب الموجبة لدراسة السياسة العامة ، فدراسة السياسة العامة ضرورية لاكتساب أكبر قدر ممكن من المعرفة حول طبيعة البرامج والاستراتيجيات التي تتبعها الدولة وطبيعة المراحل التي مرت بها ومدى اهميتها للمجتمع . فكلما زادت معرفتنا بتلك البرامج والسياسات زادت قدرتنا على معرفة ما يتعين الأفراد والجماعات والمنظمات أن تفعله من اجل تحقيق اهدافهم الخاصة التي يبتغوها من وراء تنفيذ تلك السياسات العامة .

أن الهدف من وراء صياغة السياسة العامة وتنفيذها جاء لتحقيق وضع مقترن برغبة لتحقيقه ومن خلال تركيز كل الامكانات المادية والبشرية نحوها ، فهدف السياسة العامة عبارة عن نتيجة يراد الوصول اليها في زمن محدد باقل التكاليف واعلى العوائد والمنافع الاجتماعية . فهدف السياسة العامة الصريح علاج مشلكة يعاني منها المجتمع شرط أن تكون مشكلة (عامة) تمس أكبر قدر ممكن من القطاعات المجتمعية ، خصوصاً أن شعار السياسة العامة هو تحقيق المصلحة العامة المرتبط بالرفاهية الاجتماعية في المجتمع . ولتحقيق هدف علاج المشكلة العامة فأنه يتم التعامل معها حسب طبيعة المشكلة أولاً ومدى تداخلها مع المشكلات الفرعية الاخرى ، وقياساً على ذلك يتم تصنيف الاهداف وفق مدى تعقيد المشكلة العامة من عدمها من خلال :-

1- الهدف الكلي ، وعادة ما يكون المنطلق العام للسياسة العامة (المصلحة العامة) .

2- الاهداف البعيدة المدى قد تكون لخمس سنوات أو أكثر .

3- أهداف قصيرة المدى ضمن اطار مشكلة بسيطة متداخلة مع مشكلة أكبر ، وهي بذلك قد تتداخل أحياناً مع الأهداف البعيدة المدى .

4- الاهداف اليومية والتي تكمل بعضها بعضاً (الاهداف الوظيفية المتكررة) كتقديم الخدمات اليومية (صحية ، خدمية…) .

أن تحقيق هذه الأهداف خصوصاً على صعيد السياسات العامة في العراق ليس من السهولة بمكان ، لأن فاعلية السياسات العامة في تحقيق الاهداف المرغوب بها يتطلب توافر شروط معينة في بيئة عملها ، منها :-

1- استقلالية عمل مؤسسات صنع السياسات العامة والرسمية بسلطاتها الثلاث وغير الرسمية والتوازن والكفاءة في العمل ، ففقدان الاستقلالية سيؤدي حتماً نحو هيمنة السلطة التنفيذية على رسم وتنفيذ السياسات العامة وبالتالي الفشل في تحقيق الهدف العام .

2- دقة تشخيص المشكلة والتخطيط العلمي في علاج المشكلة ، وهذا ما نجد به تراجعاً في العراق خصوصاً على الصعيد الاقتصادي والأمني . فكثيراً ما يتم تنفيذ سياسات عامة أمنية وافتصادية ليتم الغائها بعد فترة قصيرة لعدم قدرتها على حل المشكلة بسبب الضعف في تشخيص المشكلة وغياب التخطيط العلمي السليم للتعامل معها .

3- تقديم وتأهيل القدرات المالية والبشرية اللازمة لنجاح تنفيذ السياسات العامة ، والافتقار لتلك القدرات سيجعل من تلك السياسات مجرد حبر على ورق .

ثالثاً : السياسة العامـة العراقيــة بيـن الواقــع والطمـوح

يعـد مفهوم السياسة العامـة من المفاهيم الحديثـة نسبيـا , والتي من خلالها يحلل الواقع السياسي للأنظمة السياسية في الوقت الحاضر , من خلال معرفـة كيف تصنع السياسة العامة , وكيف تنفـذ وما هي نتائجها وآثارهـا المتوقعة على الافراد والجماعات في اي مجتمع , فالسياسة العامة تعني تلك الأهداف والخطط والبرامج التي تضعها سلطـة عامة لإيجاد الحلول العملية لمشاكل وقضايا عامـة , من خلال مؤسسات رسمية وغير رسميـة ولفتـــرة زمنية معينـة         , وترسم تلك السياسة وفق دستور الدولة والأيديولوجية السائدة فيها , والموارد المتاحـة لها     , وتحاول السياسة العامـة أن تحقق أهـداف بعيـدة المـدى ( استراتيجية) , وأهـداف قصيرة المدى ( تعبويـة ) , وأهداف آنيـة ويوميـة ( وظيفيـة ) , لتحقيق مصلحة عامـة , وتحدد ملامـح تلك السياسة العامـة مـن خلال القرارات والقوانين التـي تشرع من خلال سلطاتها التشريعية      ( البرلمان ) , وتنفـذ من قبل كوادرها الاداريـة , ومن هنا جاءت مقولـة                          (( أن السياسة تحت رحمـة الاداريين )) , فالحكومـة هي المخطط والمنظم والمنسق والمشرع والمنفـذ للسياسات العامـة في أي مجتمع لإيجاد الحلول للمشاكل التي تواجـه  داخليا وخارجيـا .

والسياسة العامـة العراقيـة بعد العام  ( 2003) كانت تعانـي مـن ضبابيـة وعدم وضوح في التخطيط والتنفيـذ والتقويم لإسباب كثيـرة لعل ابرزها :-

  • الدستور العراقي الدائم لعام ( 2005) , إذ يعاني من ضبابيـة أغلب مواده الدستوريـة سواء في المجال السياسي أو الاقتصادي أو الاجتماعي .
  • عدم وضوح الايدلوجية السائدة دستوريا , هل الدولـة تسير في ايديولوجية اشتراكية ام رأسمالية , وهل نحن بصدد بناء دولة مدنية حديثة علمانية أم اسلامية .
  • تداخـل الصلاحيات بين المركز واقليم كردستان , والمركز والمحافظات غير المنتظمة بإقليم , وأثر في عرقلـة وضعف تخطيط وتنفيذ السياسات العامة .

وتميزت السياسة العامـة العراقية بعد العام ( 2003) بعدم الرشد والعقلانيـة في اتخاذ القرارات المهمة لحل المشاكل السياسية والاقتصاديـة والاجتماعيـة لأسباب أهمها :-

1 طبيعة النظام البرلماني المطبق في العراق , إذ يعاني من التناقض بين النظريـة والتطبيق , وخاصة سماته الدخيلـة لما يعرف بالديمقراطية التوافقية ( المحاصصة ) , والتي عرقلـة اقرار الكثير من القوانين المهمة , والتي تعتبر الأداة الجوهرية في تنفيذ أي سياسة عامـة .

2 عدم نضج الثقافـة السياسية لأغلب النخب السياسية الحاكمة , كونها ثقافـة سياسية تغلب عليها الهوية الفرعية بعيدا عن الهوية الوطنية الشاملة .

3 مصادر أشارة صانع القرار في العراق تتسم بعدم الكفاءة , وهي فئـة المستشارين القريبين من صانع القرار , إذ تتميز بافتقارها للمعلومات الدقيقة والعلمية وتخلف النظام المعلوما – اتصالي في ايصال المعلومات الصحيحة والمؤكدة لصانع القرار , وهو شرط أساس في نجاح أي سياسة عامة لأي دولـة .

4 الافتقار إلى التنسيق العالي المستوى بين صانع القرار العراقي وبين بيوت الخبرة ومراكز الابحاث الاكاديمية والمتخصصة في المجالات السياسية والاقتصادية والاجتماعية , باعتبارها المتخصصة في رفد صانع القرار بالمعلومات المهمة عن أي مشكلة عامة داخلية أو خارجية وتزويده بالبدائل الناجحة لحلها.

5 سيادة السمة الارتجالية في تخطيط وتنفيـذ وتقويم السياسة العامة العراقية , ومما جعلها انموذجا للخيار الواحـد , وعدم القدرة في المناورة في ايجاد البدائل الاخرى لحل أي مشكلة عامـة تواجـه المجتمع العراقي .

واستنادا لما تقدم نعتقـد أن السياسات العامـة العراقية في الأغلب الاعم لم تحقق اهـدافها في ايجاد الحلول السليمة للمشاكل التي واجهتها الحكومات العراقية , سوى كانت امنيـة أو سياسية أو اقتصادية واجتماعية للإسباب آنفـة الذكر , ويمكـن إيجاز ابرز الحلول الطموحـة لإيجاد سياسة عامـة رشيدة في العراق  وكما يأتي :-

1- تعديل الدستور , وخاصة في تحديد واضح لفلسفـة الدولـة السياسية والاقتصاديـة والاجتماعيـة , بمواد دستورية واضحة بعيدة عن الغموض , كونها القواعد الآمرة العليا في أي نظام سياسي , والتي يعتمـد عليها في سن  القوانين  من قبل مؤسسات الدولة الدستورية والتي تنظم عمل الحكومة ومؤسساتها , إذ لا يمكن تشريع أي قانون من دون غطاء دستوري , اعتمادا على مبدأ علوية وسمو القواعد الدستورية على ما سواها من القوانين الاخرى .

2- الغاء التشوهات التي طرأت على النظام البرلماني العراقي , لاسيما ما يسمى بنظام المحاصصة والديمقراطية التوافقية , والتي كانت السبب الرئيس في عرقلـة اقرار القوانين المهمـة في حل اغلب مشاكل البلاد المجتمعيـة العامـة .

3- ترشيح واختيار نخب سياسية وطنية تحمل ثقافـة سياسية شاملـة بعيدا عن الثقافات الهامشية والفئويـة التي كانت عقبـة كبرى في تشريع القوانين وتنفيـذها بصورة صحيحة

4- تشريع القوانين المهمة والضرورية لبناء أي دولـة مدنيـة حديثـة , كقانون الاحزاب , وقانون التعيين المركزي , وقانون الخدمة المدنية , وقانون النفط والغاز , وغيرها من القوانين المهمـة الأخرى المعطلة والمنصوص عليها دستوريا , إذ أن هناك أكثر مـن   ( 250) قانون لم يشرع لحد الان .

5- ضرورة إيجاد مصادر معلومات وفق نظام اتصالـ – معلوماتي عال المستوى حديث , وتقديم الاستثارة من بيوت الخبرة ومراكز الابحاث لصانع القرار  التي تقدم الخيارات المتعددة لحل أي مشكلة تواجـه النظام السياسي , وعدم الإكتفاء بالبديل  الواحد والارتجالي غير المدروس , فضلا عن كون مراكز الابحاث المتخصصة تعـد الأكثر كفاءة بتزويـد صانع القرار بالمعلومات والحلول العلمية الناجحة التي تحقق أكثر المكاسب بأقل الخسائر , وهذا من صفات القرار السياسي الرشيد .                                ويعـد الأنموذج الامريكي في صنع القرار السياسي الأفضل عالميا كونها القوة الاكبر سياسيا واقتصاديا وعسكريا , إذ تتميز سياسة الولايات المتحدة الامريكية باعتمادها على أكثر ( 3500) مركز ابحاث وبيت خبرة , تزود صانع القرار بالمعلومات والخيارات المتعددة لحل أغلب المشاكل الداخلية والخارجية , إذ يلحظ أن اغلب السياسات الخارجيـة الامريكية متأثرة بشكل كبير بنظريات لعلماء السياسة الامريكان , كنظرية الفوضى الخلاقـة والشرق الاوسط الجديد وسياسة تجزئة التجزئة .

وعليه أن وجود سياسة عامة عراقيـة رشيدة وقادرة على إيجاد الحلول السليمة للمشاكل التي تواجـه الحكومـة والمجتمع العراقي يعتمـد على الأخذ بالمقترحات المذكور والاستفادة من تجارب الحكومات والشعوب في اتخاذ السياسات العامة الرشيدة والتي تحقق أهداف المجتمع في الرقي والتقدم والرفاه.

المركز الديمقراطى العربى

المركز الديمقراطي العربي مؤسسة مستقلة تعمل فى اطار البحث العلمى والتحليلى فى القضايا الاستراتيجية والسياسية والاقتصادية، ويهدف بشكل اساسى الى دراسة القضايا العربية وانماط التفاعل بين الدول العربية حكومات وشعوبا ومنظمات غير حكومية.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى