الشرق الأوسطتقدير الموقفعاجل

الانقلاب التركى ومستقبل الازمة السورية

إعداد الباحث  :شريف مازن إسماعيل فرج – المركز الديمقراطي العربي

 

المقدمة

تبنت تركيا قبل محاولة الانقلاب العسكرى الفاشل فى 15 يوليو 2016 سياسة خارجية نشطة ارتكزت على مفهوم” العثمانية الجديدة” وسعت نحو تطبيق هذه السياسة من خلال عدة أدوات وسياسات أخرى لعل من أهمها “سياسة تصفير” المشكلات والتى تشير إلى إنهاء جميع الخلافات مع الدول الأخرى وأن تكون تركيا على مسافة واحدة من جميع الدول ويظهر ذلك بصورة واضحة فى خطوات التقارب التى أتخذتها تركيا تجاه إسرائيل ومحاولتها لأنهاء الأزمة مع موسكو، أما فيما يتعلق بمنطقة الشرق الأوسط فمنذ البداية سعت تركيا إلى أن تصبح هى الدولة ذات الدور الأقليمى الأوسع نطاقاً فى المنطقة فقد أيدت حركات الربيع العربى بدرجات متفاوتة ففى الحالة المصرية أيدت تركيا الأنتفاضة المصرية منذ البداية أما فى الحالة الليبية فقد وقفت فى البداية موقف حياد نظراً للاستثمارات التركية الكبيرة فى ليبيا وكذلك فى الحالة السورية حاولت تركيا ان توفق بين الحفاظ على مصالحها التى تربطها بنظام بشار ودعمها للثوار ولكن فى النهاية أنحازت تركيا لدعم الثوار وأتخذت موقف المعارض تجاه النظام فوفقاً لرئيس الوزراء التركى فى ذلك الوقت “أحمد داوود أوغلو” أن حركات الربيع العربى هى الحركة الطبيعية للتاريخ وأن التجديد والتحول نحو ديمقراطية حقيقة هو أمر طبيعى وضرورى بالنسبة للدول العربية وطالب من حكام الدول العربية عدم الوقوف فى وجه موجه التغيير والتجديد.

وبعد سقوط نظم الحكم فى دول الربيع العربى سعت تركيا إلى تعزيز قوتها الناعمة من خلال تصدير نموذجها القائم على ثلاث محاور أساسية “الديمقراطية –العلمانية –التقدم الأقتصادى” لدول الربيع العربى وعملت تركيا فى هذا الإطار على التسويق لهذا النموذج من خلال كونها دولة ديمقراطية علمانية تحت سقف إسلامى وأعتمدت فى هذا الإطار على التيار الأسلامى وعملت على دعمه بصورة كبيرة للوصول إلى الحكم خاصة جماعة الأخوان المسلمين ممثل فى حزب الحرية والعدالة فى مصر وحزب النهضة فى تونس أما فى الدول التى أستمر فيها النزاع ما بين الثوار والنظام كما هو الحال فى ليبيا وسوريا واليمن فقد أستمرت تركيا فى تدعيم التيار الأسلامى داخل قوات المعارضة خاصة فى سوريا لذلك مثلت محاولة الإنقلاب العسكرى الأخيرة فى تركيا نقطة تحول وعلامة إستفهام حقيقية حول طبيعة الموقف التركى ومدى استمرارية السياسة الخارجية التركية تجاه الأزمة السورية.

محددات الموقف التركى من الأزمة السورية

يطرح الموقف التركى فى سوريا العديد من حول طبيعة هذا التدخل ومححداته ولماذا يتخذ الموقف السورى شكل انتقادى حاد انظام بشار ؟ولماذا تتدخل تركيا فى شئون سوريا الداخلية؟ وهل يعنى هذا التدخل نهاية التقارب بين الدواتين؟ فى حقيقة الأمر بالنظر إلى محددات الموقف التركى تجاه الأزمة السورية نجد أن هذا الموقف تحكمه عدة محددات:

أولاً البيئة الدولية :

يتمثل هذا المحدد فى التوافق التام فى موقف كل من الولايات المتحدة وأوروبا مع الموقف التركى إزاء الأزمة السورية والتأكيد على ضوروة الإطاحة بنظام بشار وحق الشعوب فى الحصول على نظم ديموقراطية كما تعمل تركيا على صعيد المؤسسات الدولية مثل مفوضية اللاجئين ومفوضية حقوق الأنسان والعديد من المنظمات الأخرى لتكريس رفض النظام السورى ونشر ما يمارسه النظام من عنف مفرط تجاه العديد من المدانيين مما حولهم إلى لاجئين ،كما يعد حلف الناتو هو الأداة الاساسية لتركيا إذا ما أرادت إنشاء مناطق وملاذ آمنة للاجئين السوريين من ثم فأن البيئة الدولية كانت ولاتزال بصورة كبيرة مواتية لتبنى تركيا هذا الموقف.

ثانياً البيئة الأقليمية:

 فدائماً ما تسعى تركيا إلى أن تصبح صاحبة الدور الأقليمى الفعال والمؤثر فى منطقة الشرق الأوسط ومن ثم كان تدخلها فى الأزمة السورية وموقفها المعارض لنظام الأسدمتماشياً مع هذه الرؤية وأكثر تأكدياً لها ،وقد جاءت أيضاً البيئة الأقليمية مناسبة ومواتية لدفع تركيا لتبنى هذا الموقف فبالنظر إلى الدول التى تنافس تركيا فى دورها الأقليمى فى المنطقة نجد أن يوجد ثلاث منافسين لتركيا لكى تصبح الدولة صاحبة الدور الأقليمى الفعال فتوجد مصر ولكن فى ذلك الوقت وقبل حدوث إنقلاب 30 يونيه 2014 كانت القوى الشعبية والمؤسسية مؤيدة للثورة السورية وحق الشعب السورى فى التخلص من الأستبداد ،كما أن إيران نظرت إلى ما حدث فى المنطقة العربية بإعتباره أمتداداً للثورة الأسلامية الإيرانية وأن الدول العربية قد أستمدت وقود الثورة من الثورة الإيرانية ،أما فيما يتعلق بإسرائيل فعلى الرغم من أن إسقاط نظم الحكم فى الدول العربية مثل تهديداً لمصالحها إلا أنه رأت أنه من الضرورى أن تساند هذه الحركات والإنتفاضات خاصة فى ظل الموقف الأمريكى المؤيد والمساند لها .

الإنقلاب التركى ومستقبل الأزمة السورية

قد يبدو للوهلة الأولى أن محاولة الإنقلاب الفاشلة فى تركيا مثلت نقطة توقف لمراجعة السياسات التركية خاصة وأن أحد أسباب تحرك الجيش فى تركيا ومحاولة إنقلابه على الديمقراطية هى ما توجهه الحكومة التركية من مساندات ودعم للثوار بصورة عامة والتيار الأسلامى على وجه الخصوص فى سوريا وغزة على حساب زيادة ميزانية الجيش ويظهر ضلك بصورة أسياسية من خلال أن معظم الضباط المشاركين فى الأنقلاب التركى يرفضون  فكرة تسليح قوات المعارضة السورية أو دعمها أو حتى التواصل معها،كذلك رغبة الجيش فى تبنى سياسة عدم التدخل فى الشئون الداخلية للدول العربية المجاورة خاصة التى أشتعل فيها فتيل الصراع بين النظام والمعارضة ووفقاً لما سبق يمكن القول بأن محاولة الأنقلاب العسكرى فى تركيا هى ترجمة لتيار معارض للتيار الأوردغانى الذى يرى ضرورة أن تكون تركيا هى الدولة ذات الدور الأقليمى الرائد والفعال فى المنطقة ،حيث يرى التيار العسكرى كما يصفه البعض أن تركيا يجب أن تنكفأ وتهتم بشئونها الداخلية وأن إستعادة الأمجاد العثمانية من خلال التحول إلى قوة إقليمية مهيمنةهو محاولة لمحاكاة التاريخ يصعب تحقيقها خاصة وأن الملابسات والظروف والأوضاع مختلفة تماماً عما كانت عليه فى الماضى.

ففى حقيقة الأمر يمكن القول بأن الرئيس أوردغان سوف يستمر فى سياساته الخارجية فيما يتعلق بالأزمة السورية ولكن سوف يصبغها بالطابع العقلانى فعمليات الأعتقال والتطهير التى يقوم بها أوردغان داخل الجيش منشأنهاأنتقذفبالجيش التركى فى حالة من الفوضىهذا بالأضافة إلى كون الحكومة التركيةمتورطةفيحربأهليةمعحزبالعمالالكردستاني،وكونهاأيضاًمستهدفةمنهجماتجهادية وبالتالى سوف يمثل ذلك كله عبء حقيقى على قدرة الحكومة التركية على التحرك بحرية واستمرارها فى حرب بالوكالة مع النظام السورى لذلك يدرك الرئيس أوردغان أن الأستمرار فى دعم الثوار السوريين ضد نظام بشار سوف يكون ضعيفاً خلال هذه المرحلة لكنه لن ينعدم خاصة مع اقتراب الأنتخابات التركية وظهور العديد من الاضطرابات الداخلية وإنشغاله بتكريس الديمقراطية وتطهير الجيش من الإنقلابيين لذلك تدرك النخبة التركية أنه على الرغم من قرارها المتمثل فى الاستمرار فى دعم الثوار السوريين فقد تغلق هذه النخبة أعينها عما يدور داخل سوريا فى لحظة ما حاسمة.

واتساقاً مع الطابع العقلانى الذى تتبناه النخبة التركية بعد محاولة الإنقلاب الفاشلة عمل أوردغان على تنويع أدوات الضغط على النظام السورى فإلى جانب الدعم العسكرى والمادى الذى تقدمه تركيا إلى الثوار فى سوريا، أتجهت تركيا إلى تطوير أداة أخرى وهى الدعم والمساندة الدبلوماسية للثوار السوريين فعلى المستوى الدولى عملت تركيا على تحسين علاقتها مع روسيا التى تعد فاعل أساسى فى الأزمة السورية وذلك من أجل محاولة تغير بوصلة موسكو من الدعم المطلق والمتشدد لبشار إلى تقديم تنازلات حقيقة للثوار السوريين بما يساعد الوصول إلى تسوية حقيقة وجذرية كذلك قامت تركيا بإنشاء قاعدة جوية فى إنجرليك والتى تنطلق منها العديد من الطلعات الجوية الأمريكية التى تقصف قوات داعش فى سوريا ،أما على المستوى الأقليمى فقد أتجهت تركيا إلى التطبيع مع إسرائيل وتحسين العلاقات معها وذلك من أجل جذب تعاونها ودعمها للثوار السوريين إنطلاقاً من كونها دولة ديمقراطية وكذلك حق الشعوب فى التخلص من الأستبداد والحصول على نظام ديمقراطى حقيقى.

وأستمراراً للمحور الأقليمى وافقت تركيا على طلب المملكة السعودية بإنشاء محور سنى لمواجهه إرهاب داعش والمخاطر الإيرانية وكذلك مساندة ودعم الائتلاف الوطنى لقوة الثورة والمعارضة السورية ودفع النظام السورى إلى التنازل عن فكرة الإستمرار فى السلطة والتوجه نحو تسوية مقبولة ،ويشير توجه تركيا إلى تبنى أداة جديدة فى دعمها للثورة السورية إلى إدراك النخبة التركية لوجود معطيات جديدة قد تحد من أستمرار دعمها المادى والعسكرى للثوار السوريين وأن بعض هذه المعطيات تدفع النخبة التركية إلى إعطاء الأولوية فى الوقت الراهن إلى معالجة بعض المعضلات والعقبات الداخلية على حساب بعض قضايا السياسة الخارجية التركية ،ولكن لابد من الإشارة إلى أن هذا الطابع العقلانى فى السياسة الخارجية التركية تجاه الأزمة السورية لا يعنى توقف الدعم التركى والمساندة التركية للثورة السورية ولكنه يعنى أن النخبة التركية تدرك أن هذا الدعم قد يتأثر بالتحولات الداخلية التى تشهدها تركيا لذلك قد ينخفض هذا الدعم ولكنه لن يتوقف لذلك عملت النخبة التركية على إيجاد وسيلة أخرى لتأييد الثوار السوريين وذلك من خلال الأداة الدولية الدبلوماسية ،فالحديث عن إنتهاء أو توقف سياسة الدعم التركى للثوار السوريين والتيارات الأسلامية المعارضة للنظام السورى ممثلين فى الائتلاف الوطنى لقوة الثورة والمعارضة السورية فى ظل وجود الرئيس أوردغان فى السلطة يعد بمثابة السذاجة السياسية فلا يمكن الحديث عن سياسة خارجية جديدة لتركيا فى ظل حكم أوردغان وإنما قد تفرض التطورات والمعطيات الداخلية إدخال بعض التعديلات الطفيفة غير الجوهرية على السياسة الخارجية التركية .

قائمة المراجع :

1-ارون لاند،(كيفسيؤثرالانقلابالفاشلفيتركياعلىسوريا؟)،ترك برس،2016.

متاح على الرابط التالى:http://www.turkpress.co/node/24427

2-باتر فخر الدين ،(الانقلابالتركيوالسياسةالخارجيةسوريا،إيران،روسيا،السعوديةوأوروبا)،السفير،2016

متاح على الرابط التالى:https://assafir.com/Article/1/506855

3- عقيل محفوض،سوريا وتركيا “نقطة تحول” أم “رهان تاريخى”؟،المركز العربى للأبحاث ودراسة السياسات،2012،ص27،ص53.

4-منذر خام،(تقلبات المواقف التركية فى الأزمة السورية)،الحياة، 2014.

متاح على الرابط التالى: http://www.alhayat.com/Articles/650232/

5- ميشال نوفل،العثمانيةالجديدةوالشرقالأوسطرؤيةعربية،مركز المسبار للدراسات والبحوث،2013.

متاح على الرابط التالى :http://www.almesbar.net/

الوسوم

المركز الديمقراطى العربى

المركز الديمقراطي العربي مؤسسة مستقلة تعمل فى اطار البحث العلمى والتحليلى فى القضايا الاستراتيجية والسياسية والاقتصادية، ويهدف بشكل اساسى الى دراسة القضايا العربية وانماط التفاعل بين الدول العربية حكومات وشعوبا ومنظمات غير حكومية.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق
إغلاق