الشرق الأوسطتقدير الموقفعاجل

المغازلة الدبلوماسية المصرية – التركية واحتمالية عودة العلاقات بين البلدين

اعداد الباحث : عبدالرحيم شعبان أحمد نوبي محمد – المركز الديمقراطي العربي

مقدمة:

تشكل التصريحات التي أدلت بها الخارجية المصرية والأزهر الشريف بخصوص الأحداث الإرهابية الأخيرة في تركيا تطورا جديدا من نوعه في التصريحات الرسمية الصادرة من الجانبين المصري والتركي حول بعضهما البعض منذ العام 2013، وهذه التصريحات التي أدانت العمليات الإرهابية ربما تكون مؤشرا على جديد في العلاقات بين مصر وتركيا.

فتعتبر مصر وتركيا دولا من الدول الأعمدة التي يقوم عليها أمن واستقرار المنطقة، بالإضافة إلى أنهما تلعبان دورا كبيرا في سياستهم الخارجية في أغلب القضايا التي تخص منطقة الشرق الأوسط، ولكل من البلدين حضارته وخصوصيته الثقافية المتميزة، إلا أن العلاقات بين البلدين تمر بمرحلة حاسمة في تاريخ العلاقات بينهما وهذا ما سيحاول هذا التقرير توضيحه.

العلاقات التاريخية بين البلدين:

العلاقات بين مصر وتركيا هى علاقات ضاربة في التاريخ، ويرجع تاريخ هذه العلاقات إلى العام 1517م عندما قامت الدولة العثمانية باحتلال مصر، وانتزاعها من أيدي المماليك، وتحويلها لولاية عثمانية تابعة لها، واستمرت كذلك حتى أصبحت مصر ولاية ذات طابع خاص في الدولة العثمانية، وذلك عندما حاول والي مصر محمد على الإستقلال بها والإنقلاب على السلطان العثماني، وكاد أن يستولي على الأناضول، إلا أن تحالف الدول الأوروبية ضده أنهى ذلك، حتى انفصلت مصر عن الدولة العثمانية رسميا في العام 1914 عند بداية الحرب العالمية الأولى، وإعلان بريطانيا العظمى الحماية على مصر، وبالتالي فصلت مصر عن الدولة العثمانية والتي تحولت للجمهورية التركية فيما بعد واستمرت العلاقة بين البلدين، ومع مرور التاريخ وصلنا الآن ونحن في أغسطس / آب 2016 إلى مرحلة حاسمة في العلاقات بين البلدين.

السؤال الرئيس الآن الذي يطرحه المهتمون بالشأن التركي – المصري هو ما هي احتمالية أن تعود العلاقات الطبيعية بين البلدين في الوقت الحالي ؟

ومن هنا يحاول هذا التقرير الإجابة على هذا التساؤل.

أسباب توتر العلاقات بين البلدين:

نجد هنا أن السبب الرئيسي الذي قد أوصل العلاقات المصرية التركية إلى هذا التوتر هو عملية العزل التي حدثت للرئيس محمد مرسي في 3 يوليو 2013، والتي أتت بعد تظاهراتع حاشدة ضده، والرئيس محمد مرسي نجد أنه كان حليفا وصديقا للرئيس أردوغان، ففي العام الذي تولى فيه مرسي الحكم في مصر وصلت العلاقات بين البلدين لقمة التعاون، كما أن الرئيس أردوغان – والذي كان رئيسا للوزراء آنذاك- قد زار مصر في زيارة تاريخية وألقى كلمة حماسية تحت قبة جامعة القاهرة في أواخر العام 2012، وأكد فيه على أهمية العلاقات المصرية التركية، وأن تركيا ستقوم بدعم لامحدود لمصر.

إلا أن عملية عزل الرئيس مرسي قد تسببت في خلط لأوراق أردوغان في فقده لحليف رئيسي له، ونجد أن حلفاء أردوغان قد بدأوا في التساقط من قبل، بداية من توتر العلاقات مع إسرائيل عقب حادث السفينة مرمرة، ثم انقلاب أردوغان على الأسد في سوريا مع بداية الثورة السورية في مارس 2011، والتي تحولت لحرب أهلية وأصبحت تركيا لاعب رئيسي فيها، ثم تكلل ذلك بخسارة أردوغان لمرسي في مصر، ومن ثم أصبح أردوغان يهاجم الرئيس المصري عبدالفتاح السيسي في المحافل الدولية وفي أغلب المناسبات التي يتكلم فيها عن مصر، والذي يعتبره أردوغان أنه طاغية ودكتاتور.

شروط الدولتين لعودة العلاقات بينهما:

هنا نجد أن كل من الدولتين له العديد من الشروط التي يريد أن يفرضها على الطرف الأخر، لإعادة تطبيع العلاقات بين البلدين، وتمثل منطقة اشتباك بين الطرفين.

مصر تشترط:

  • الإعتراف ب 30 يونيو كثورة شعبية وإرادة للشعب المصر.
  • التوقف عن دعم وتـأييد جماعة الإخوان المسلمين في مصر.
  • عدم التدخل في الشئون الداخلية لمصر.

وفيما يلي تفصيل هذه الشروط المصرية:

  • الإعتراف ب 30 يونيو كثورة شعبية وإرادة للشعبا لمصر.

فأولا تطلب مصر من تركيا أن تعترف بأن ما حدث في 30 يونيو و3 يوليو 2013 هو تعبير عن الإرادة الشعبية المصرية في عزل الرئيس محمد مرسي من منصبه، ولذلك خرجت التظاهرات في جميع أنحاء مصر للتعبير عن غضبها من نظام مرسي، وأن توافق قيادات الجيش والأزهر والكنيسة وأغلب قيادات الأحزاب السياسية والرموز الوطنية قد أجمعوا في 3يوليو 2013 على أنه يجب عزل مرسي من منصبه بناء على مطلب الجماهير في الشوارع، وهذا ما تعتبره تركيا انقلابا على الديموقراطية والشرعية.

  • التوقف عن دعم وتـأييدجماعة الإخوان المسلمين في مصر.

فالموقف التركي من جماعة الإخوان المسلمين يحمل الكثير من التعاطف والتأييد الامحدود، ومن هنا بخصوص هذا الأمر تريد مصر من تركيا:

  • الإعتراف بجماعة الإخوان المسلمين كجماعة إرهابية.
  • إيقاف بث قنوات الجماعة من تركيا.
  • التوقف عن استضافة قيادات وأعضاء الجماعة في تركيا.

فبخصوص جماعة الإخوان المسلمين، فإن مصر قد أعلنت من قبل جماعة الإخوان المسلمين كجماعة إرهابية، وهذا ما ترفضه تركيا، ويرجع ذلك إلى الإتفاق الفكري بين جماعة الإخوان المسلمين في مصر وبين حزب العدالة والتنمية الحاكم في تركيا، والذي يعتبره البعض امتدادا لجماعة الإخوان في تركيا.

ونجد أيضا أن أغلب القنوات المؤيدة لجماعة الإخوان في مصر يبث أغلبها وإن لم يكن كلها من الأراضي التركية، وتنقل هذه القنوات صوت الجماعة ومن أمثلة تلك القنوات الشرعية ومكملين ورابعة وغيرها.

كما أننا نجد أن أغلب أعضاء جماعة الإخوان المسلمين في خارج مصر يقيمون في تركيا، حيث تعمل تركيا على استضافتهم والترحيب بيهم.

كل هذه الأمور بخصوص جماعة الإخوان المسلمين تريدها مصر من تركيا.

  • عدم التدخل في الشئون الداخلية لمصر.

باعتبار أن مصر دولة مستقة ذات سيادة، قترى مصر أنه من غير المبرر أن تتدخل تركيا في الشئون الداخلية المصرية، وخصوصا الكف عما يفعله أردوغان من مهاجمة الرئيس عبدالفتاح السيسي.

أما عن تركيا فإنها أيضا لها العديد من الشروط التي تشترطها على مصر لتطبيع العلاقات معها فإنها تشترط:

  • إيقاف الإعدامات بحق أعضاء جماعة الإخوان المسلمين.
  • عودة الديموقراطية لمصر.

فتركيا تطلب من مصر أن تقوم بإيقاف تنفيذ أحكام الإعدام الصادرة بخصوص أعضاء جماعة الإخوان المسلمين وخصوصا الرئيس محمد مرسي، والذي ترفض تركيا مسألة إعدامه وتدافع عنه دائما، والمسألة الثانية وهى أن تقوم مصر بإعادة بناء المؤسسات الديموقراطية فيها، وهذا ما يمثل نقطة اختلاف شديدة مع مصر.

هل ستعود العلاقات بين البلدين قريبا ؟ :

عقب الأعمال الإرهابية التي تعرضت لها تركيا في 17 أغسطس / آب الحالي من العام 2016، نجد أنه وفي خطوة فريدة من نوعها منذ العام 2013 قد أدانت الخارجية المصرية والأزهر الشريف أدانتا تلك الأحداث وأبديا تعاطفهما مع الشعب والدولة التركية، وهذا لم يحدث حتى في فترة الإنقلاب الفاشل في تركيا في يوليو/تموز الماضي.

في هذه المسألة نجد أنه على الرغم من اللهجة الشديدة التي يهاجم بها الرئيس أردوغان نظيره المصري الرئيس عبدالفتاح السيسي إلا أن أحمد داوود أوغلو رئيس الوزراء التركي السابق وبعض المسئولين الأتراك يتكلمون كثيرا عن دور مصر الإقليمي وكذلك عن ضرورة إعادة العلاقات الطبيعية بين البلدين، وهذا ما كانت المواقف الرسمية في مصر تبدي عدم ارتياحها من هذه التصريحات، ولا تأخذ الأمر على محمل الجد، إلأ أن المبادرة في هذه المرة قد جاءت من الجانب المصري، فيبدو أن الأمور قد تغيرت إلى حد ما في مصر، وربما يبدو ذلك في محاولة من مصر لتحسين العلاقة مع تركيا.

لماذا عودة العلاقات الآن؟ :

العلاقات بين مصر وتركيا حاليا من الممكن وبشكل كبير أن تعود لطبيعتها وخصوصا بعد ظهور بوادر ذلك من تصريحات الخارجية المصرية من الأحداث الإرهابية في تركيا، وذلك بسبب وجود العديد من المؤشرات ولعل أهمها:

  • إعادة تركيا للنظر في سياستها الخارجية عقب الإنقلاب الفاشل.
  • العلاقات الإقتصادية بين مصر وتركيا.
  • العلاقات التاريخية بين البلدين.

وفيما يلي تفصيل هذه الأمور:

  • إعادة تركيا للنظر في سياستها الخارجية عقب الإنقلاب الفاشل.

ربما نجد أن تركيا قد أعادت وبشكل سريع صياغة لسياستها الخارجية عقب الإنقلاب العسكري الفاشل في يوليو الماضي، فأعادت العلاقات مع إسرائيل لطبيعتها قبل الإنقلاب بأيام، وذهب أردوغان في زيارة تاريخية لروسيا لإعادة العلاقات بين البلدين، وزار وزير خارجية إيران تركيا لتعميق التفاهم بين البلدين، إذا هنا فلماذا لا يكون الدور القادم هو إعادة تركيا لعلاقتها مع مصر؟.

  • العلاقات الإقتصادية بين مصر وتركيا.

تبلغ حجم العلاقات التجارية بين البلدين حوالي 5 مليار دولار، وهذا ربما يعطي للتطبيع دافع قوي في ظل الأزمة الإقتصادية التي تمر بها مصر، وسيكون زيادة هذه النسبة دافع جيد لإقتصادها، كما أنه توجد حوالي 418 شركة ومصنع تركي في مصر، أضف إلى ذلك أن البلدين من الممكن أن يتشاورا ويتبادلان الخبرات في مسألة السياحة.

  • العلاقات التاريخية بين البلدين.

جيث أن تركيا ومصر شعبان من الشعوب الإسلامية، والتي لكل منهما حضارة وثقافة مميزة, واستطاعت مصر احتواء الثقافة التركية العثمانية في ثقافتها المصرية، فعلى سبيل المثال نجد العديد من المصطلحات التركية في اللهجة العامية المصرية مثل ( بوسطجي، عربجي، أجزخانة…إلخ), فالأمر أكبر من مسألة علاقة بين نظامين.

إذا فإعادة العلاقات يتوقف في نهاية الأمر في أن تتجاوز الدولتان القضايا الخلافية، ثم التشاور حولها لاحقا، كما حدث بين تركيا وروسيا، إلا أنه في حالة عدم التراضي وإصرار كل طرف على شروطه فإن الأمور لن يحدث فيها تطور سريع، أو على الأقل في الفترة الحالية، فالأمر هنا ستتضح أموره في التطورات التي ستحدث في الأيام القادمة في التصريحات الرسمية للبلدين.

الوسوم

المركز الديمقراطى العربى

المركز الديمقراطي العربي مؤسسة مستقلة تعمل فى اطار البحث العلمى والتحليلى فى القضايا الاستراتيجية والسياسية والاقتصادية، ويهدف بشكل اساسى الى دراسة القضايا العربية وانماط التفاعل بين الدول العربية حكومات وشعوبا ومنظمات غير حكومية.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق
إغلاق