fbpx
الشرق الأوسطتقدير الموقفعاجل

إشكاليَّة بناء المفاهيم وقياس الديمقراطية: تقييم لمؤشرات بديلة “قراءة نقديّة”

اعداد : محمود عبدالعال – باحث زائر في “المركز الديمقراطي العربي”

 

توطئة:

تنبع أهمية دراسة مؤشرات قياس الديمقراطيّة انطلاقًا من هيمنتها على حقل النظم السياسيّة المقارنة في الآونة الأخيرة باعتبارها أحد أبرز أشكال الحكم. فأصبحت مبادئ الديمقراطيّة بمؤشراتها(2) ضرورة لتحقيق شرعيّة النظم الوطنيّة وما يلحق بها من تفاعلات مع العالم الدوليّ ومؤسساته. تُركز هذه الورقة بالأساس على مراجعة ورقة Jay Verkuilen حول تقييم مؤشرات قياس الديمقراطيّة الحاليّة وتطورها.

يسعى Verkuilen في هذا الفصل إلى تقييم مقاييس الديمقراطية الحاليّة لا سيما فيما يتعلق بقضايا آليات تجميع المعلومات ومعالجتها، بناء المفاهيم، ووضع المؤشرات. يهدف هذا التقييم إلى رصد التحديات والنواقص التي يجب أن تتبعها مقاييس الديمقراطية لتلاشي عدم دقة القياس.

من ناحية أخرى يُعاني العالم العربي من عجز المقاييس العالميّة للديمقراطيّة في توصيف/قياس وضع الديمقراطيّة في العالم العربيّ خاصة مع اختلاف شكل النظم السياسية وتباينها بين الملكيّة والجمهورية. وتعجز المقاييس المحليّة أيضًا من تحقيق ذلك سواءً لأسباب تتعلق بالموضوعيّة أو ضعف الموثوقيّة وما يرتبط بها من معايير المؤشر ذاتها. وستتناول الورقة مراجعة هذا الفصل من خلال ثلاثة تحديات تتعلق ببناء المفاهيم والقياس وتجميع المعلومات، ثم نختتمها بالإشارة لقصور المؤشرات حاليًا فيما يتعلق بالحالة العربيّة وذلك بالتركيز على التقرير الأخير الصادر 2016لمؤشر فريدم هاوس.

  • تحدي بناء المفاهيم

يتعلق التحدي الأول في قياس الديمقراطية بآلية وحدود بناء المفاهيم لتكون عاكسة للمشكلة وواقعها، وكذلك بما يضمن تجنب مشاكل الخلط والتكرار والانحياز المسبق، بمعنى أن يكون المفهوم حاملًا في ذاته حكمًا مسبقًا((3. يرتبط بذلك ضرورة ان تكون المفاهيم مجردة. فقد نشعر للوهلة الأولى أن هذه المرحلة إجرائيّة لكن المُدقق في الأمر يعي جيدًا أن مرحلة بناء المفاهيم يترتب عليها نجاح المؤشر من عدمه، فيُقاس النجاح/الفشل للمقاييس بالنظر إلى دقتها ومدى تفاعلها مع الواقع وتحدياته. ويرتبط ذلك مباشرًة بالانتقادات الموجهة للمقاييس التي تتفاعل مع الحالة العربيّة باعتبارها لا تُراعي خصوصيّة الحالات وطبيعة كل دولة وكذا الاختلاف في نظمها السياسيّة والاجتماعيّة والاقتصاديّة والمؤسسيّة(4)، وذلك كله يرتبط بمفاهيم التمثيل الشعبي التي تختلف وفقًا للثقافة والتمثيل الاجتماعي،فصلاحية مؤشر لدولة ذات أبعاد ثقافيّة واجتماعيّة معينة قد لا يكون صالحًا للإسقاط على حالات أخرى مختلفة(5).

  • تحدي القياس

تعد مرحلة القياس وبناء المؤشرات من أهم المراحل، حيث أنها تتفاعل مباشرة مع المتغيرات. ويُعد خطأ التحيز والحكم المسبق من أكبر الإشكالاتفي هذه المرحلة. فيكمن التحدي الأكبر في بناء جسر بين المفهوم مجردًا وآلية قياسه)6(. وترتبط هذه المرحلة بخطر الوقوع في فخ تعدد المفاهيم وتنوعها، بما يُعرض الباحث لخطر تعدد المؤشرات، وهذا قد يُبدِد مجهوده في التحقق من صحة هذه المؤشرات بدلًا من تطويرها وإعادة اختبار مدى صحتها ودقتها.  تحتاج هذه المرحلة إلى بناء مؤشرات كمية بسيطة يسهل اختبارها والتحقق منها، وذلك دون إنكار أهمية الجمع بين المؤشرات الكميّة والكيفيّة. وتكتسب مرحلة بناء المقاييس ومؤشراتها أهميتها باعتبارها مرحلة أولية للتحقق من المقياس وكذا آثاره، فتبرير الاختيار يرتبط مباشرة بالموثوقيّة وما يتعلق بها من القدرة على التفسير وتقديم مبررات الاختيار مع الاخذ في الاعتبار هامش الخطأ بما لا يؤثر على صحة ومصداقية القياس.

ويواجه مؤشر فريدم هاوس انتقادات ترتبطبفشله في تقديم تبريرات اختيار مؤشراتها وكذا آلية القياس التي تتغافل التباينات بين الدول)7(، وهذا يرتبط بمصادر المعلومات والقدرة على الحصول عليها. وتكمن إشكالية المقياس في مدى صلاحية الاوزان التي يتبعها لاختبار جميع المؤشرات بنفس الطريقة، وفي هذه الحالة يُقترح استخدام طريقة الاوزان الترجيحيّة حسب حجم المؤشر وفاعليته في الديمقراطية(8)، فضمان حقوق المثليين على سبيل المثال كأحد مؤشرات اللبرلة والدمقرطة لا يُمكن مساواته بمؤشر الانتخابات المفتوحة والنزيهة.

  • تحدي تجميع المعلومات

يتعلق بتحدي تجميع المعلومات المنظورات المختلفة لهذه المعلومات ومبررات انتقائها عن غيرها، أو الإجابة على تساؤل لماذا التركيز عليها عمَّا سواها. ويُؤسَس على مرحلة تجميع المعلومات مراحل بناء المفاهيم والقياس، لذا تبدو هناك ضرورة لتحقيق التوازن سواء في انتقاء المعلومة أو تقديم مبررات اختيارها. ويرتبط بذلك ضرورة انتقاء المعلومات وتركيزها حتى لا نقع فريسة لتعددها. فالمعلومات التي يتم انتقائها واختيارها يجب أن تكون متبوعة بأهداف ومبررات انتقائها عن غيرها. ضرورة أن تؤخذ اختلاف الأوزان في الاعتبار بمعنى تعيين أوزان لكل عنصر. ويلزم في هذه المرحلة ضرورة أن تكون عملية جمع المعلومات خاضعة لمجموعة من القواعد واللوائح الثابتة التي لا تميز بين الحالات وبعضها)9). ويرى Verkuilen أن إشكاليّة تجميع المعلومات، بما تحوي من آلية الانتقاء وتقديم مبررات لهذا الانتقاء، من أهم التحديات التي تواجه مقياس منظمة فريدم هاوس، وذلك يضعها محل تشكك دائم(10). وفي هذا الصدد، تعتبر عملية جمع البيانات المكثفة ضروريّة في تبرير النتائج التي يتوصل لها المقياس بشرط أن تكون خاضعة لقواعد وإجراءات محددة ومجردة(11).

تحديات قياس الديمقراطيّة في الدول العربيّة

تقع معظم مؤشرات قياس الديمقراطية في فخ إغفال المناطق الرمادية سواء في درجات الديمقراطيّة أو درجات السلطويّة، فتعد المناطق الرمادية هي أهم أهداف قياس الديمقراطية، حيث أنها تعكس درجة احتماليّة وقابليّة النظم السياسيّة سواء للدمقرطة أو الارتداد نحو سلطويّة أكثر.

يُعاب على مؤشر فريدم هاوس على سبيل المثال كونه يعتمد في نهاية نتائجه المقياس الإسمي (دول حرة، حرة جزئيًا، غير حرة)، فهو بالتالي يغفل اختلاف درجات الديمقراطيّة. فوفقًا لتقرير المنظمة لعام 2016(12)تقع دول مثل كوريا الشماليّة والمملكة العربية السعوديّة، التي تقوم على حكم العائلة وغياب كامل لأي شكل من أشكال الديمقراطيّة والتمثيل والحريات المدنيّة إلى جانب إغفال حقوق المرأة تمامًا، والجزائر التي تمتلك نظامًا تمثيليًا بطريقة أو بأخرى لجانب قدر ليس هيّن (مقارنة بالسعوديّة) من احترام الحقوق المدنية والسياسيّة(13). فكل هذه الحالات تتخذ التصنيف النهائي نفسه (غير حرة) على الرغم من وجود مساحة كبيرة من التفاوت بينهم، وهذا جعل البعض يصف المؤشر بأنه يتغافل الألوان الرمادية، التي كما ذكرنا تُعد مدخلًا هامًا للتنبؤ باحتماليّة الانتقال -ولو تدريجيًا-نحو الديمقراطيّة.

خاتمة:

ختامًا نخلص إلى أهمية البعد التفسيري للمقياس، وضرورة ألَّا تكون النتائج أرقامًا صماء، فمثلًا قد نحكم على نشر قضايا الفساد في دولة ما بنتيجة قد تعبر عن غرق هذه الدولة في الفساد، وذلك دون الأخذ في الاعتبار أن مجرد الكشف عن هذه القضايا قد يكون مؤشرًا للشفافيّة وحرية الصحافة والإعلام.

أما فيما يتعلق بقياس الديمقراطيّة نفسها، ينبغي على المقاييس العاملة في هذا الشأن البحث أولًا عن مدى صلاحيّة الدولة للقياس الديمقراطي، بمعنى فحص مدى وجود مقومات أساسيّة لقيام مجتمع مؤسساتي قبل أن يكون أهلًا للديمقراطيّة أم لا. وبهذه الخطوة نتلاشى خطأ مقياس فريدم هاوس الذي يُصنف دولة تفتقر للمؤسسات، الحريات، القوانين، والانتخابات كحالة المملكة العربية السعودية ودولة مثل الجزائر لديها كل هذه المقومات بأنها غير حرة.

الهوامش:

  1. Jay Verkuilen, Conceptualizing and Measuring Democracy: An Evaluation of Alternative Indices, In: Gerardo L. Munck, Measuring Democracy, 2nd ed (USA: The Johns Hopkins University Press, 2009), Pp13-39.
  2. شمل مؤشرات قياس الديمقراطيّة العديد من العناصر أهمها؛ حرية التعبير، حرية الصحافة، حرية ونزاهة الانتخابات، التداول السلمي للسلطة، حكم القانون، الشفافيّة، المحاسبة، الحوكمة والتداول السلميّ للسلطة..إلخ.
  3. Jay Verkuilen, Ibid, Pp.21-16.
  4. – مي ماهر الجمال، نحو بناء مؤشر مصري للديمقراطيّة: نظرة على المؤشرات والمقاييس الدوليّة، (القاهرة: مركز المعلومات ودعم اتخاذ القرار، 2014)، ص5، على الرابط: http://www.socialcontract.gov.eg/media/MediaCenter/785afadb-b1d6-4360-a4af-dc2088905396.pdf تاريخ الدخول: 2/11/2016.
  5. – CHRISTIAN CARYL, The Full Measure of Freedom, Foreign Affairs, 25/7/2012, available at: http://foreignpolicy.com/2012/07/25/the-full-measure-of-freedom/ Accessed on: 4/11/2016.
  6. – Jay Verkuilen, Ibid, Pp.25-26.
  7. Ibid, P.26.
  8. – مي ماهر الجمال، مرجع سابق، ص3.
  9. Jay Verkuilen, Ibid, P.28.
الوسوم

المركز الديمقراطى العربى

المركز الديمقراطي العربي مؤسسة مستقلة تعمل فى اطار البحث العلمى والتحليلى فى القضايا الاستراتيجية والسياسية والاقتصادية، ويهدف بشكل اساسى الى دراسة القضايا العربية وانماط التفاعل بين الدول العربية حكومات وشعوبا ومنظمات غير حكومية.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق