fbpx
مقالات

فلسفة الحاجة و الإتاحة والموائمة

بقلم : د. إبراهيم حسن الغزاوي – رئيس مركز دلتا مصر للبحوث والتدريب

 

العقل أعدل الأشياء قسمة بين البشر…… ديكارت مرة رابعة….
وعود إلى ابتداء….
تناوبتني فكرة التراوح بين الحاجة والإتاحة في منهج الاستهلاك المعاصر لبني البشر…. في بلادي تحديدا … ولكن لا ضير من غيرها أيضا… ولم لا ..ومن المقارنة ما يصلح للحياة مسارا ومنهاجا…
نعم..كم هي فكرة غريبة ..لكنني هكذا …من حين لحين أجدني أسبح في الغرابة بفكري… لكنها ليست غرابة الهدف بقدر ما هي غرابة النهج الذي انقاد إليه… وصولا للهدف..
والهدف ..سهل وبسيط .. على غرابة النهج… فهو لا يتجاوز تسليط الضوء على عطب السلوك الإنساني..في وقت لا يكاد لأحد منا أن يجد متسع للنظر في هذا السلوك..وهنا يبين عظم الهدف واقعا..وإن كان عاديا ومقبولا ..بل حتميا في المعتاد من الأوقات وبين المعتاد من البشر….
أما غرابة النهج… لأنه غير مطروق بكثرة على أهميته ووجوبية تغطيته منا جميعا…فلا ضير إذن من شطحات الفكر في تحليل السلوك..لكي نرى ما غاب عنا ولو لدقائق…ربما بعد ذلك يكون لكل منا في شأن نفسه شئون أخرى..يعدل بها مسار ..أو يتغير بها نهج….أو يرشد من خلالها طريق وسلوك….
والواقع أن منطق الحاجة ، وهو منطق معتاد بين بني البشر وبين غيرهم من الخلائق الحية أيضا…لا يكاد يميز بيننا كبشر وبين غيرنا من الدواب مثلا …فكل الخلائق الحية التي تنمو وتموت لها مساراتها المرتبطة بوجودها والتي تقام على الاحتياج وقدرتها على توفير هذا الاحتياج…
والمشكل الأول في منطق الحاجة إن تسيد سلوك البشر…أنه يحولنا من نماذج إنسانية فطرية متكاملة معتدلة إلى آليات استهلاكية يصبح الوفاء بحاجاتها هي أهم همومها إن لم يكن همها الوحيد….
بمعنى ..أن استسلام الإنسان لمنطق الحاجة بلا تحفظات يجعلنا عبيد لتلك الحاجات… بنفس طريقة لهاث قطيع الدواجن على سبيل المثال المتأدب وراء أكلها وقت التغذية..فنراها منهمكة ومطهمة وغارقة في الأكل والشرب ….وهذا ليس عيبا فيهم ..لكنه لا يصح أن يكون قائما بنفس المنطق بيننا كبشر….بل هو مقبول وحتمي لكن كما أسلفت بتحفظات… تبقى على الفطرة الإنسانية يقظة ومتوازنة بين حاجة الأكل وحاجة الروح والنفس والفكر …
أما ثاني المشكلات هنا ..في منطق الحاجة الصرف…أنه يسخر قدراتنا كبشر لوجهة واحدة..هي اللهاث وراء الحاجة…فتتحول الحاجة إلى هدف سامٍ تشد إليه الرحال … وتترك من أجله المهمات…. وهنا الكارثة الكبرى…
نعم…
الكارثة الكبرى أنها ، أي الحاجة، تتحول إلى بؤرة الاهتمام ومحط اللهاث ومسعى الجهود… وكارثيتها ببساطة أنها تفرض علينا مسارا ماديا صرفا وقاتما ..يبعدنا عن إنسانياتنا…ويقربنا أكثر منن غير بني البشر من خلائق الرحمن التي بلا عقل…. نفس المسار الذي يؤدي بنا للبطش بعضنا ببعض …فتشيع المادية القميئة وفكر المكسب بلا ضمير…وهل يلزم أي جماعة لكي تنهار من داخلها لأكثر من هذا التطاحن المحموم على المكاسب المادية؟
دور العقل هنا واضح وجليْ….
أنه يرسم لنا مسارات أكثر توازنا…فلا نترك القيم مثلا لكي نكسب المال….ولا نهمل العادات الطيبة لكي نزيد الدخل… ولا نطغى بالسلوك الهمجي في الاستهلاك ..فيأخذ القوي ما يزيد عن حاجته ولا يجد الضعيف ما يقتات به …
ومن أهم مسارات التوازن التي يفرضها عقل الإنسان … اعتبار الإتاحة ..الذي يجب أن يكون في قلب الصورة الكبرى …لكي يحدث التوازن في مسار اللهاث وراء الحاجات…
نعم…
ومنطق الإتاحة هو في نفسه منطق بسيط للغاية أيضا..لكنه قد يستعصى علينا في أوقات الأزمات….فمعروف أنه وقت الأزمات أو الحروب …تتبدل وضعية الحياة للتوجه نحو الصعوبة النسبية ….مقارنة بأوقات الفيض من النعم والاستقرار…وهو ما يفرض علينا ..باعتبارنا بشر وعقلاء أن نعمل العقل هنا في السيطرة على منطق الحاجة لكي تحكمه فلسفة الإتاحة ….
والإتاحة هنا أقصد بها مدى وفرة الحاجات ..سواء كانت مادية مثل السكر والزيت واللحوم والفاكهة ..أو معنوية ..بالتعليم والثقافة والعادات والتقاليد وغيرها ….
وفي شأن المادي من هذه الحاجات ….تتجلى أهم صفات الإنسان وهي العقل..الذي يجب أن يذكرنا بأننا نستوفي حاجاتنا بقدر توافرها وليس بقدر احتياجاتنا المتصورة لها …..
وما الفارق؟
الفارق عظيم الشأن..فحينما نكون كمجتمع إنساني في وقت ضيق..يجب أن تتبدل سلوكيات الاستهلاك لدينا لتتجه نحو الترشيد والتقليل والتعقل..وليس اللهاث كما هو الحال لدينا الآن….
والفراق هذا يظهر في حقيقة أن سيادة منطق الحاجات يؤدي إلى تكريس الأزمات كل يوم في حياتنا …لأن سلوكياتنا كمجتمع يغلب عليها الانقياد وراء الحاجة للسلعة ..وهي حاجات لا تنتهي ولا حدود لها … ولو لم ندخل منطق الإتاحة ..هنا تحدث الأزمة…. فترتفع الأسعار ويدخل في الصورة المحتكرين والتجار الجشعين وأصحاب مصالح الاحتكار..الذين يعيشون أزهي أيام تجارتهم القميئة وقت هذه الأزمات ..عندما لا ينضبط سلوك العامة استجابة لمنطق الضيق الواقعي في الحياة …
والعقل هنا ..مدعوما برغبة يجب أن تتوافر لدينا … هي رغبتنا في مكافحة الغلاء … يفرض علينا أن نحد تماما من سلوكنا الاستهلاكي بصفة عامة..حتى تمر البلاد من الحرب التي تشتعل فيها وفي المنقطة بكاملها …
وهل هناك حرب ؟
نعم …هناك حرب شرسة ..ربما أكثر شراسة من حروب السلاح التقليدية ..هي حرب النفوس البشرية الجشعة والجانحة والهدامة والأنانية…
بالفعل هناك حرب شنها تجار الاحتكارات …بلا ضمير ولا خشية من قانون ..ولا تهيب لدولة أو سلطة ….
وهناك حرب شنها الإرهابيون ..ضد القانون والدولة الحديثة والاستقرار ….
وهناك حرب يشنها المجرمون والجانحون..الذين يجدوا ضالتهم في ضعف قبضة الدولة وتراجع هيبة القانون والعدالة في أوقات الأزمات… عندما لا يكون لديهم وازع من ضمير أو رادع من موجبات المواطنة الصحيحة..وكيف لنا أن نتلكم عن مجرم وضميره؟ ولو كان لديه ضميره معتدلا لما أصبح مجرما من الأساس…
وهناك حرب تضييق الخنق التي تمارسها بعض القوى الإقليمية والدولية أحيانا لأغراض سياسية بحتة بغرض إنهاك نظام الحكم … وهي حرب أيضا تنهك الاقتصاد وتؤثر سلبا على معدلات التنمية والتطور…
وهناك حرب غيبة الضمير الوطني لدى الكثيرون من الانتهازيين الذين وجدوا في وقت ما بعد الثورة مرتعا لطموحاتهم غير السوية للإثراء على حساب المواطن الفقير والمعدم..ولتذهب الدولة والمواطن إلى الجحيم…
وهناك الحرب الأهم..وهي حرب الاحتياج الشديد لكل مؤسسات الدولة الإدارية لطي تعيد التوافق مع مرحلة ما بعد ثورتين متتاليتين لكي تكون قادرة وراغبة أبضا في تقديم خدمات عادلة وحقيقة للمواطن المصري ..تحفظ بها كرامته داخل بلده ..فال كرامة لمصري في الخارج إن لم تحفظ له الكرامة في وطنه ….
ورب مهاجم الآن ..أرى النقد يطفح على فكره…هل تريد منا كأفراد فقط أن نعتدل والدولة ليس عليها واجب؟
هنا سأبتسم كما اعتدت أن افعل…وأرد عليه ..من فضلك اقرأ مقالتي مرة أخرى ..وإجابتي في الفقرة الأخيرة…. ولكن على العموم آنا أتراوح بين كتاباتي بين واجبات الفرد وواجبات الدولة..وكلاهما مكمل للآخر ….
واختتاما للطرح… تتبدى قيمة العقل والحكمة الفردية والجمعية للناس ..في الموازنة والموائمة بين منطق الحاجة ومنطق الإتاحة…. حتى تمر البلاد من عثرتها بسرعة …هنا فقط تنعدل المسارات وتتهيأ المجتمعات في مصر وغير مصر للتغيير الإيجابي… وهو مسار طويل للتغيير ..لنما فيه مقالة مطولة إن كان لنا في العمر بقية…
ليس بالدولة والحكومة فقط تتقدم الأمم..لكن إن لم يعتدل سلوك الفرد والجماعة وتتهيأ للتغيير من داخلها..فلا حكومة ولا ألف حكومة تقدر على التنمية بمفردها بمعزل عن المواطن…. وهذا لا يقلل من دور الدولة الأهم في إحداث التغيير المنضبط …
وأخيرا …
العقل أعدل الأشياء قسمة بين البشر…. فهيا لنستخدمه …

المركز الديمقراطى العربى

المركز الديمقراطي العربي مؤسسة مستقلة تعمل فى اطار البحث العلمى والتحليلى فى القضايا الاستراتيجية والسياسية والاقتصادية، ويهدف بشكل اساسى الى دراسة القضايا العربية وانماط التفاعل بين الدول العربية حكومات وشعوبا ومنظمات غير حكومية.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى