مقالات

جمهورية سوريا الفيدرالية أولاً ما في جعاب الفيدرالية الديمقراطية لشمال سوريا

بقلم الباحث السياسي : سيهانوك ديبو

 

(نحن شعوب روج آفا- شمال سوريا من الكرد والعرب والسريان الآشوريين والتركمان والأرمن والشيشان والشركس، مسلمين ومسيحيين وإيزيديين وبمختلف مذاهبنا وطوائفنا نعي بأن الدولة القومية التي جعلت كردستان وبيت نهرين وسوريا ساحة للفوضى التي تشهدها منطقة الشرق الأوسط، وقد جلبت المشاكل والأزمات الحادة والمآسي لشعوبنا…..) بهذه؛ ابتدأت ديباجة العقد الاجتماعي للفيدرالية الديمقراطية لشمال سوريا، وكما كل ديباجة؛ في أنها جزء لا يتجزأ من العقد الاجتماعي، فإنه تأكيد على مسألة التعددية الاثنية والدينية في شماليِّ سوريا وكل سوريا بل وفي كل الشرق الأوسط، وأن قضايا الشعوب وحق تقرير مصيرها في الانتماء –كما- إلى سوريا باتت متفق عليها ومضمونٌ مضامينها بشكل جمعي، ولا يمكن بعد اليوم لأية جهة ولا لأيِّ طرف أن ينحو منحى التهميش والإنكار تجاه الثقافات القومية الأخرى.

وأن هذه الديباجة مع الأبواب الأربعة التي جاءت بعدها؛ بدءً من باب المبادئ العامة، وباب الحقوق والحريات العامة، وباب النظام المجتمعي، وأخيراً باب الأحكام العامة، متوزعة في 85 مادة؛ تؤكد بأن سوريا أمام طريقين إما الانشطار؛ كما حالتها الحاليّة وبانتظار التهيئة بما يلزم من اتفاقات وتغيير في مساراتها إلى انتاج جديدة مغايرة تنحو مجملها إلى ترسيخ الفوضى وتعميق الهدم وبالتالي تكريس حالة الطلاق المجتمعي السوري، أو طريق مغاير للأول ومخالف له؛ طريق التوحيد والاتحادية والمجتمعات المنظمة، وهو ما تم التأسيس له منذ أربع سنوات بشكل مؤسساتي في 21 كانون الثاني 2014، ومنذ حوالي أربعين سنة بشكل نظري وعملي.

عشرين يوماً يفصلنا عن الذكرى الثالثة لتأسيس الإدارات الذاتية الديمقراطية في الجزيرة وكوباني وعفرين. وبكل ما شائَبتها من نواقص وأخطاء؛ إلّا أنها اليوم تظهر بمظهر القراءة القويمة للواقع السوري ولأزمته.

وإن استمرارها فقط متجاوزة الأفخخ المنصوبة من قبل ثلاثية التخلف:

أنظمة الاستبداد القومي، وتكتل التطرف الديني، ونواقل النمذجات المتكونة ما قبل نماذج الاتحادات والدول الوطنية، تفيد بأنها بدت تناغماً متقدماً مع الحقيقة المجتمعية وأصل تكوين المجتمعات في الشرق الأوسط.

ولأنها كذلك فقد أفرغت كل مؤامرات الحصار وحشد ومن ثم توجيه المجاميع المسلحة إلى روج آفا بغية إفشال التجربة، وجعلت كل المحاولات الهادفة إلى خلق فتنة بينية سواء بين الأخوة أو بين المكونات أشبه بالمستحيل. استمرت هذه التجربة بلون كردي في أغلبها، وخلقت معها تحولاً كبيراً والتفاتة منقطعة النظير من قبل المكونات.

إذا كانت هناك من صفة ملائمة تفيد مضمون ثورة روج آفا فإنها صفة (عهد التعارف الجديد بين المكونات) في الوقت الذي نشهده من حجز لمثيلها على أشدّه في بقية المناطق السورية، واليوم نرى ولا يمكن لأحد أن لا يرى كذلك في أن تغييراً ديموغرافياً يحدث في مناطق كثيرة من سوريا بدأت من داريّا ويبدو أنه لن يتوقف حتى الوصول إلى مشهد الاصطفاف –هذه المرة- على أساس الطوائف، وما تم تسميته في حلب من إجلاء طوعي للمدنيين بعد أبشع عملية بيع للمعارضة السورية، هو بالأساس التهيئة للمشهد النمطي، والتأسيس لوضع الحجر الأولي للأنماط المتجاورة العدائية.

كرد الأمة الديمقراطية ومهمة تقريب المسافات المحلية والإقليمية والدولية الكرد المقتنعين بفلسفة الأمة الديمقراطية؛ لم يكن اختيارهم للخط الثالث من باب الصدفة؛ إنما من أبواب عدم انتاج التجارب الفاشلة بكل ما امتلكوا من أن الأزمات هي معرفية بالدرجة الأولى.

ولأنهم يمارسون ما يعتنقونه فإنهم مدركين اليوم بأنهم أمام طريقين أيضاً لا ثالث لهما؛

أولاهما الارتهان إلى النظرة الأشد سوءً في تاريخهم الحديث والمعاصر بمفاد من أذْهبَ بالقضية الكردية وبدد الحلم الكردي هو من بمستطاعه إحياؤها فقط؛ أي اقتراف الخطأ نفسه المرتكب من قبل الثقافات الأخرى والتي وجدت نفسها في جغرافيات مستحدثة مستقطعة لا يمكن توازنها؛ لأنها بالأساس لا تمتلك الأرضية كي تتناسق عليها وتتزن وفقها وتستقر على أساسها فتتقدم.

ثانيهما؛ من خلال استنبات الحل، أي أن الحل موجود بالأساس؛ لكن؛ راكمه الكثير من الطبقات اللزجة والأغبرة وجلب التأطير غير الموفق وغير المتوافق مع حقيقة العيش المشترك.

وكرد الأمة الديمقراطية يعون أكثر من غيرهم بأن المزج بين حرية كردستان وإقامة الدولة القومية سيكون إخفاق آخر يضيف إلى سلسلة الإخفاقات التي اعترت وتُعرّي الدول القومية بكل ما جلبته من تهميش للقوميات وتأجيج الحروب الثقافية والدموية والإنكار والإبادات ضد المختلف عنها؛ ولأنها كذلك؛ فأصبحت الشعوب الموجودة اليوم مهمشة في وضع ِقبل تأطير النموذج القومي ومهددة بمزيد من التهميش.

وبأن حرية كردستان تتحقق في ديمقراطية الشعوب؛ الجميع يقبل بالجميع وفق خصائصه وفقاً لثقافته، وهنا يلزم رافعة للنهوض وتحقيق هذه المعادلة الصعبة المتمثلة بالشرق الأوسط الديمقراطي، وهذه الرافعة هي الفيدراليات الديمقراطية؛ كما نموذج الفيدرالية الديمقراطية لشماليّ سوريا، على أساس المفهوم الجغرافي وليس القومي، والذي يكون بمثابة توسيع الأرضية المناسبة للانطلاق إلى كامل سوريا وحل ديمقراطي لأزمتها التي أثبتت تجربة الأعوام المنقضية بأن جميع المحاولات التي بُذِلت كانت مصيرها الفشل؛ من جنيف واحد إلى جنيف الثالثة، وما بينها من مؤتمرات في عواصم متعددة.

ربما سنكون منصفين لو قيّمنا تعذر الوصول إلى الحل، وأن الشغل العالمي والإقليمي حيال الأزمة السورية لم يرتقي إلى وضع مؤَسِّس لأية ملامح أساسية أو ثانوية يتم وفقها اختراق للأزمة وتهيئة أجواء موجّهة لحلها.

أي أن الفيدرالية الديمقراطية لشمال سوريا بمستطاعها أن تلعب دور صانع القواسم المشتركة بين الرؤى المختلفة؛ لأنها بالأساس خلاصة موضوعية، وإحداثية سوريّة جيوسياسية تُحْدِثُ الانتقال السياسي وتمثل روح التغيير الديمقراطي والتحول إلى أن تكون سوريا لكل السوريين؛ الجميع متساوين في الكيفية المثلى للإدارة المشتركة للبلد الواحد ومانعين سويّة لأي انتاج محتمل للنظام التوليتاري، وبكل ما ينجم عن ذلك من تحقيق النتائج المرجوة المتعلقة بإنتاج الانتماء والهوية الوطنية –التي لم تتحقق حتى اللحظة في أي محلٍّ من محلات الشرق الأوسط برمته- وتحقيق مسائل التنمية والتماس مفهوم ديمقراطي للمواطنة، فالأخيرة قد تكون فاتحة الكليّة المجتمعية الديمقراطية وقد تكون أيضاً فاتحة للإبادة وللإنكار وعباءة تختبئ فيها أسوء القوانين اللاإنسانية.

كما حدث في اشتراكية فرعون، وكما نشهده في الاختباءات المتحصلة في نماذج الدول المُدعيّة لعلمانية ومارست من خلال هذا الزعم العلمانية كافة صنوف الإبادة والإنكار والإمحاء؛ مثل النظام الاستبدادي في سوريا.

الهديّة لا يمكن لأحد مهما بلغ قوة وشأناً أن (يزيل) روج آفا كمصلح؛ كثورة؛ كمفهوم؛ كظاهرة محلية- إقليمية- دولية بكل ما ارتبط بها من رمزية أممية مقاومة ضد الإرهاب والتطرف الديني والاستبداد.

  • فكيف يتبادر لحظة واحدة لنفس متسوّلة أن يسأل في أن كرد الأمة الديمقراطية أن يفعلوا ذلك، وهم الذين قاموا بدور رُسِلِ روج آفا والمبشريّن بمضامينها في العيش المشترك والمجتمع الديمقراطي على أساس حرية المرأة؟

بعض الأسئلة يجب أن لا تطرح؛ مثال: هل يستطيع النار أن يطفئ نار مثله؟ وإذا أصّر السائلين على ذلك؛ سيتبادر بشكل فوري على ذهنية المتلقي والمراقب والمعني؛ إمّا أن يكون السائل سائلاً بيد من يجعله على الدوام سائلاً في الاتجاه الذي يريده ويرغبه تلك الأيادي؛ شأن ذلك السائل:

  • ما دخلنا في تحرير تل حميس (منطقة أهاليها من المكون العربي جنوب القامشلي 35 كم)، وما علاقتنا بتحرير منبج؟ والكثير مها؟

نرى بأن هؤلاء تحكمهم قصديّة السؤال ولا يهمهم معرفية الجواب والافتراض الموجود؛ وهؤلاء أصابهم التآكل بعد التهميش والضياع الذي لحق بهم جرّاء أنفسهم بشكل أساس. أو يكون من يسأل منطلقاً من حرصه على أن تكون روج آفا، فالذاكرة مليئة بالنكسات والمؤامرات من مهاباد إلى اليوم، ولا يمكن أن تنتهي؛ حتى يصبح الكرد قادرين على منع ذلك ومنع أن يحدث كل شيء يشبه ما حدث سابقاً.

الكرد والعرب والسريان والآشوريين والتركمان وكل المكونات في الفيدرالية الديمقراطية لشمال سوريا؛ يشكلون اليوم الكتلة التاريخية التي تحمي هؤلاء جميعاً وكل السوريين، وتقطع الطريق على كل محاولة تقوض الحق الكردي وحل للقضية الكردية. فهذا المهمة الأولى أمام من أسس هذه الفيدرالية بهذا الإسم.

إنجاز تاريخي جديد يضيف إلى سجل المنتصرين بمن مثّلهم في اجتماع رميلان الأخير. وأنها هدية كبيرة صنعتها العقول بدفء قلوب معتنقيها؛ هدية إلى السوريين بكل شعوبها وفي المقدمة الشعب الكردي في روج آفايي كردستان.

المركز الديمقراطى العربى

المركز الديمقراطي العربي مؤسسة مستقلة تعمل فى اطار البحث العلمى والتحليلى فى القضايا الاستراتيجية والسياسية والاقتصادية، ويهدف بشكل اساسى الى دراسة القضايا العربية وانماط التفاعل بين الدول العربية حكومات وشعوبا ومنظمات غير حكومية.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى