عاجل

الاتفاق الروسي – التركي واثره في حل الازمة السورية

اعداد الباحث : محمد كريم جبار الخاقاني – المركز الديمقراطي العربي

 

من اسس العلاقات الدولية هي تسوية المنازعات التي تحدث بين الدول لامر ما كأن يكون اعتداءعلى سيادة او تنازع حول حدود دولة ما فيؤدي الى قيام نزاع بينهما مما يتطلب الوقوف على اسبابه ليسهل الحل من قبل الاطراف التي تريد لعب دور الوسيط ،وانتقل النزاع والصراع الى داخل الدولة الواحدة لتتطور وسائل فض المنازعات بين مكونات الدولة نفسها ،ذلك بسبب التباين في الرأي وكل من الاطراف المتحاربة يرى انه على حق وان موقفه صواب وفيما عداه هو المعتدي وهو الخطأ،لهذا نجد ان ساحة الصراع تتسع كلما طال عمره ،وبالتالي تصبح الحلول صعبة ان لم تكن مستحيلة بسبب التصلب في مواقف الاطراف المتنازعة وعدم تنازلها في سبيل حل المسألة بينهم ،وفي الازمة السورية والتي شارفت على الدخول في عامها السادس نجد ان النزاع لربما يجد بارقة امل في انتهائه فمن مبادرات عديدة قامت بها الامم المتحدة والجامعة العربية لم تسفر عن شيء وجولات في جنيف لحل النزاع بين طرفي الازمة ،ورحلات مكوكية لمبعوثي الامين العام للامم المتحدة لتقريب وجهات النزر بينهما ودون فائدة تذكر ،ولتزايد الاطراف المشاركة في الازمة من خلال حروب الوكالة من خلال دعم دولي واقليمي لكل من طرفي الازمة ،نجد تباعد افاق الحل ،بسبب تعنت كل طرف وبالنتيجة تزايد مآسي الشعب السوري الذي تشرد نصفه في منافي الارض والاخر بقي تحت نيران الطرفين هنا وهناك ،فكل طرف لديه داعم دولي واقليمي يسهم في رفع سقف توقعاته اذا ما كانت النتيجة على الارض لصالحه ولهذا يتعذر ايجاد حل مناسب على الرغم من الجهود والوساطات الكثيرة التي قامت ولازالت تقوم بها المنظمات الدولية ،فعلى الصعيد الدولي للازمة السورية نجد بأن دخول الجانب السوري الى جنب النظام السوري اعطى دفعة معنوية له في تدعيم ساحته الداخلية ضد الفصائل المسلحة التي هي الاخرى مدعومة من اطراف اخرى ،هذا الوضع الجديد اسهم في ميل التوازن لصالح النظام السوري بفعل التحالف الثلاثي السوري الروسي الايراني الامر الذي جعل من طموحات الجانب الحكومي ترتفع نتيجة تحرير العديد من اراضيه التي كانت تحت سيطرة المعارضة المسلحة ،لهذا يمكن تسجيل بعض الملاحظات حول عملية النزاع السوري وكما يأتي :

_ان الجانب السوري قد استعاد توازنه في حربه ضد المجاميع الارهابية التي سيطرت على مساحات واسعة من سورية بفعل الدخول الروسي الى جانبه وتزويده بالسلاح اللازم لمواجهته.مما عكس طبيعة المعركة من حالة رد الفعل الى حالة الفعل .

_ان التحالف الروسي السوري الايراني كان بمواجهة الجهات الداعمة للمعارضة السورية المسلحة ومنها دول تركيا وقطر والسعودية والتي كانت مؤيدة لها في هدف اسقاط نظام بشار الاسد ،الامر الذي ساهم في تزويد المعارضة بالسلاح والمال لتحقيق تلك الاهداف وكل حسب سياسته الخارجية ،اي بمعنى ان هذه الدول اجتمعت معا نتيجة توحيد هدف اسقاط النظام السوري انطلاقا من اهدافها الخارجية.

_ان روسيا بفعل التدخل العسكري لصالح النظام السوري قد استعادت دورها الدولي والذي كان مغيبا عن مسرح الاحداث العالمية بفعل انفراد الولايات المتحدة بمقاليد السياسة العالمية منذ تفكك الاتحاد السوفيتي السابق وبالتالي كانت لروسيا اهداف من هذا التدخل ومنها ابعاد النظر عن التدخل في اوكرانيا وضمها شبه جزيرة القرم ولهذا كانت تبحث عن هدف خارجي يعيد لها هيبتها من جهة ويبعد انظار المجتمع الدولي عن الاحداث الاوكرانية من جهة اخرى ،لهذا وجدت في الازمة السورية وبأعتبارها حليفا استراتيجيا تأريخيا لسوريا فرصة للقيام بهذا الدور وايضا ايجاد مؤطى قدم في تحقيق حلمها في الوصول الى المياه الدافئة ،لقد تحقق ذلك عمليا بسبب التواجد العسكري لروسيا في سوريا وان كان بطلب سوري رسمي هذه المرة لقتال الجماعات الارهابية.

_ان تعقد حل الازمة السورية يرجع بالاساس الى التداخل الدولي والاقليمي فيها ،فمن ناحية التدخل الدولي نجد ان الولايات المتحدة وبفعل سياسة اوباما كانت لاتريد الانخراط عسكريا في سوريا كما حدث في ليبيا ولهذا تراجعت فرص اسقاط النظام بسبب ذلك ،الامر الذي جعل من الدول الاقليكية تتدخل لتحقيق اهدافها التي تريدها لهذا دعمت بكل ما اوتيت من قوة الفصائل المسلحة لهذه الغاية على امل تغيير نظام بشار الاسد وتمكين قوى الاخوان المسلمين من حكم سوريا وكانت هذه الفكرة مدعومة من قبل تركيا الاردوغانية مندفعة بنتائج التغيير المصري وصعود الاخوان المسلمين الى قمة النظام فيه مما يعني تقارب الرؤى والافكار بين تركيا ومصر في هذه الناحية وهذا يؤدي الى استنساخ التجربة التركية في الحكم وهذه المرة من سوريا ،وبالتوازي مع ذلك نجد ان قطر والسعودية دعمت التوجه التركي على الرغم من الملاحظات وعدم الاندفاع بشكل قوي منهما للتوجه التركي الا انهم توحدوا على هدف واحد وهو تغيير نظام بشار الاسد ،هذا الوضع كان له انعكاسات مباشرة على مجرى الاحداث لاحقا في سوريا .

_ان تركيا لديها حدود مباشرة مع سوريا وخصوصا في الجهة الجنوبية منها وهي منطقة التواجد لمنظمة حزب العمال الكردستاني والتي تعتبرها انقرة منظمة ارهابية وبالتالي تريد تحقيق حلمهاىفي دولة كردية بعد احداث الازمة السورية ولاسيما بعد نجاح قوات سوريا الديمقراطية بتحقيق انتصارات على داعش في الشمال السوري وتحرير عين العرب (كوباني)وغيرها من مناطق التواجد الكردي في شمال سوريا واخضاعها لسيطرتها واقامة منطقة حكم ذاتي فيها ولاسيما بعد الدعم الامريكي لتلك القوات الكردية مما سبب قلقا لتركيا من هذه الناحية.

_ان الولايات المتحدة تدعم القوات الكردية والتي تتواجد في الشمال السوري وخاصة فيما يتعلق بالسلاح والتدريب لافرادها انعكس على العلاقات بينها وبين تركيا وخاصة بعد الانقلاب العسكري الفاشل على حكم اردوغان ،خاصة اذا ما علمنا بأن تركيا تعتبر تلك القوات الكردية وحزب العمال الكردستاني ،منظمتين ارهابيتين ولهذا تجد تركيا بأن موقف الولايات المتحدةمتناقض تماما في الازمة السورية .

_ان من اسباب التوتر الامريكي التركي هو الدعم الامريكي للقوات الكردية وهذا يعني من وجهة النظر التركية يعني تشجيع الاكراد في تلك المنطقة في الجنوب التركي والشمال السوري الى العمل على تشكيل دولة لهم ،مما يعني كذلك العمل بشكل مشابه لما حدث في احداث مابعد حرب الخليج الثانية والتي اسست منطقة ملاذ آمن للاكراد في شمال العراق وبالتالي من الممكن قيام دولة كردية في تلك المنطقة نتيجة الدعم الدولي لمطالب الاكراد ،لهذا نجد تركيا تدعم الفصائل المعارضة لنظام بشار الاسد بما تستطيع من المال والسلاح لغرض انشاء منطقة امنة لهم فيها وذلك لانعكاسات الازمة على الداخل التركي ،من حيث اعتبار ما يجري على مقربة من الحدود التركية ما هو الا اخلال بامن تركيا القومي وخاصة هي منطقة تواجد عناصر حزب العمال الكردستاني والذي تصفه تركيا بأنه ارهابي .

_ان عدم تحقيق اي من طرفي النزاع على نصر حقيقي وحاسم يسهم في اطالة امد الصراع بينهما وبالتالي بقاء المسألة دون حل لعدم توفر الارادة السياسية وحسم موضوع الصراع ونتيجة التدخلات الدولية والاقليمية نجد بأن الحل قد يكون بعيدا لتعارض اهداف الاطراف الداعمة لطرفي النزاع واختلاف توجهاتهم.

_ان انعكاس اوضاع ما بعد الانقلاب العسكري الفاشل في تركيا ضد نظام اردوغان،ادى الى ازدياد الضغوط تركيا للعب دورا كبيرا في الازمة السورية وذلك بسبب التوتر في علاقات تركيا بالولايات المتحدة على اثر ذلك الانقلاب وتداعياته من حيث عدم الادانة المباشرة للولايات المتحدة لمرتكبي الانقلاب اضافة الى رفضها تسليم فتح الله غولن كما طلبت السلطات التركية منها ذلك ،كل هذا ادى الى تأزيم في العلاقة معها وبالتالي انعكس في الازمة السورية وتدخلها المباشر في احداثها وخصوصا في الشمال السوري وتوغلها في تلك المنطقة لقطع طريق تقدم القوات الكردية والتي تحاول الوصول لمنظقة الباب والتي تشكل عمقا استراتيجيا للاكرادفي الشمال السوري.

_ان تقدم القوات السورية وبمساندة الروس وتحريرهم مدينة حلب اسفر على احداث تغييرات استراتيجية في الموازين العسكرية ، بالخصوص اذا ما علمنا بأن مدينة حلب تمثل من ناحية اقتصادية اهمية كبرى لسوريا وبالتالي استعادة تلك المدينة من قبضة الارهاب هو ضربة للدول الداعمة للفصائل المسلحة وبالتالي تكوين قوة في موقف نظام بشار الاسد ،لهذا نجد بآن تركيا حاولت استثمار ذلك بالتقارب مع روسيا وخاصة بعد استعادة العلاقات رونقها بعد زيارة اردوغان لموسكوبعد حادث اسقاط الطائرة الروسية وما تلاه من توتر روسي تركي وانعكاسه في حل الازمة السورية .

_ان التحضير لعقد اجتماع ثلاثي روسي ايراني تركي في موسكو لبحث الازمة السورية والتوصل الى حل مرضي لكل الاكراف وانهاء معاناة الشعب السوري قد تعرض الى ضربة قوية قبل يوم من انعقاده وذلك بسبب اغتيال السفير الروسي في تركيا مما اعطى انطباعا لدى المتابعين بأن ذلك سيؤدي بلا شك الى توتر العلاقات بين تركيا وروسيا وعودتها الى المربع الاول وهو ما عولت عليه بعض الدول وخصوصا ممن تدعم الفصائل المعارضة المسلحة والتي تريد اسقاط نظام بشار الاسد .

_ان القيادة الروسية تعاملت مع الحادث بدبلوماسية ولم تعطي الفرصة للمراهنين على توتر العلاقات بينها وبين تركيا على اثر ذلك الحادث بل على العكس من ذلك نراها تعاملت مع الحادث بتنسيق مع الجانب التركي لكشف ملابسات الحادث مما اسفر في اليوم التالي للحادث وهو اجتماع وزراء الخارجية للدول الثلاث الى التوصل لاتفاق لوقف اطلاق النار بين النظام السوري وبين الفصائل المسلحة ،والمؤكد في الاتفاق هو تعزيز دور تركيا فيه كضامن للفصائل المسلحة،وروسيا كضامن للنظام السوري مما يعني ان تركيا هي لاعب اساسي في الازمة السورية وبالتالي فهي تستطيع التأثير على الفصائل التي تحت سيطرتها لتحقيق اهدافها وهذا ما كانت تسعى اليه ولهذا فأن تركيا قد تخلت عن هدف اسقاط بشار الاسد كما ادعت في بداية الازمة في تحول عن اهدافها مع شركاؤها الخليجيين مما يعني تواصل الجانب البراجماتي لسياستها الخارجية.

الوسوم

المركز الديمقراطى العربى

المركز الديمقراطي العربي مؤسسة مستقلة تعمل فى اطار البحث العلمى والتحليلى فى القضايا الاستراتيجية والسياسية والاقتصادية، ويهدف بشكل اساسى الى دراسة القضايا العربية وانماط التفاعل بين الدول العربية حكومات وشعوبا ومنظمات غير حكومية.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق