مقالات

البراغماتية التركية ولعبة المصالح الجديدة

 

اعداد الباحث : محمد كريم جبار الخاقاني 

لطالما مثلت النفعية (البراغماتية) سمة مميزة لتوجهات السياسة الخارجية التركية وخصوصا بعد وصول حزب العدالة والتنمية الى سدة الحكم في عام 2002،فتركيا التي كانت مغيبة عن منطقة الشرق الاوسط بفعل انتهاجها التوجه غربا على امل ان تكون احدى دول الاتحاد الاوربي وما يزال هذا الحلم يراودها ولكن دون اغفال مسألة العمق الاستراتيجي والذي يمثله محيطها الاقليمي ،فهي لم تترك الحلم الاوربي وسارت بتوجهات جديدة اعادت مكانتها الاستراتيجية في المنطقة بفعل خطط فريقها السياسي المكون ثلاثي اسلامي معاصر وهم اردوغان واوغلو وغول ليطلقوا اساسيات النزعة التركية الجديدة والمتمثلة بتصفير مشاكل تركيا مع جوارها والعالم والانطلاق بعمق هذه المرة في قضايا الشرق الاوسط لتكون لاعبا اقليميا كبيرا لتوازن بقية اللاعبين الاخرين والمتحكمين بشؤون بلدانه ،ايقنت تركيا بأن مكافأة دورها في الحرب الباردة بأعتبارها مصدا للشيوعية وعدم تمددها لهذا نجد بأن الولايات وجدت فيها ،الدولة الاقليمية لما بعد الحرب الباردة فكان الاختبار الاول لها بحرب الخليج عام1991وما تقديمها التسهيلات المطلوبة للقوات الامريكية والبريطانية من خلال استخدام قاعدة انجرليك الا بداية عهد جديد تطمح اليه ولكن تزامن ذلك ترتيبات داخلية ،حيث عانت من تداعيات ا قتصادية تركت اثارا سلبية على اقتصادها نتيجةىالتزامها بقرارات مجلس الامن التي فرضت على العراق في عام 1990ولهذا تكبدت تركيا خسائر اقتصادية كبرى ،كانت لها انعكاسات كبيرة على اوضاعها الداخلية ،اضف الى ذلك ،الانقلاب العسكري على حكومة اربكان الاسلامية .التي اجبرت على التنازل عن الحكم لصالح العسكر ،الامر الذي ادخل البلاد في دوامة عدم الاستقرار لفترة ،لحين عام 2002وما شهدته من تحولات في بنية الدولة التركية في عهد حزب العدالة والتنمية والتي جاءت بخطة عمل مسبقة ،لهذا اكتسحت البرلمان وشكلت الحكومة بمفردها ،الامر الذي يحدث لاول مرة في تاريخ تركيا الحديث ،هذه الاسباب جعلت من السياسة الخارجية التركية تدور في فلك النفعية وصولا لتحقيق الاهداف والتي تمثلت بصياغة جديدة لترتيبات الشرق الاوسط الكبير وبرعاية امريكية . مسبقةان البراغماتية التركية ترجع في الاساس الى الدوافع والاثار التي نجمت عن تغيير في اولويات سياساتها الخارجية بعد تولي حزب العدالة والتنمية السلطة في عام 2002وما تبعه من الشروع في عمليات متعددة الابعاد في قضايا المنطقة وكانت بذلك تريد اعطاء مزيدا من الاهتمام لمتطثة قد غابت عن التفكير الاستراتيجي التركي منذ عقود طويلة بسبب توجهات صانعي سياساتها التي تريد الانتماء شكلا ومضمونا الى الغرب ومحاولة الحصول على عضوية الاتحاد الاوربي ،هذا ما تنبهت اليه حكومة اردوغان ،فعملت الى تفعيل الحلم الاوربي وبالتوازي مع الانخراط شيئا فشيئا في قضايا المنطقة لبناء قاعدة اساسية تجعل من تركيا الاردوغانية لاعبا مركزيا في الشرق الاوسط ،لهذا كانت اللبنة الاولى في سساسة خارجية فعالة لجعلها دولة مركز وليست دولة هامشية ،فنراها قد استنفرت جهودها من خلال رفضها لمحاولات الولايات المتحدة الامريكية لضرب العراق والتمهيد لاحتلاله في عام 2003من خلال السماح لقوات التحالف الدولي بأستخدام اراضيها للشروع في عملية تحرير العراق ،وكذا الحال مع انتهاجها لدبلوماسية ناعمة شكلت اساس التوسط بين ايران والدول الكبرى فيما يتعلق بطبيعة برنامجها النووي اضافة الى الاحتكاك المباشر مع اسرائيل بعد حادثة الاعتداء على سفينة الحرية ،وغيرها من مساهماتها الاخرى في ترتيبات المنطقة والتي اكدت حضورها المحوري في القضايا الخاصة في المنطقة فكانت طرفا موازيا لقوى اقليمية اخرى ، كل هذه الشواهد كانت تصب في امر وهدف واحد الا وهو ان تركيا اليوم هي تمثل النموذج الذي يجب الاقتداء به في دول المنطقة من حيث انها تمثل الاسلام السياسي المعاصر والذي يمثله حزب العدالة والتنمية والديمقراطية التي تكون ركيزة اساسية في العملية السياسية من حيث الانتقال السلمي للسلطة وبالتالي يكاد يشكل النموذج التركي تجربة رائدة في المنطقة الشرق اوسطية . ان متغيرات ما بعد حرب العراق فرضت على الجميع ان يتعامل مع المشروع الامريكي من حيث الانتقال الديمقراطي الذي بشرت به الولايات المتحدة الامريكية وذلك بأطاحتها بنظام صدام حسين مما يؤكد على ان المرحلة ستكون بداية تغيير شامل على مستوى القمة اي تغيير الانظمة السياسية وبما يلبي متطلبات المرحلة ،هذا ما فهمته تركيا ولكن لديها تخوفات من تلك المتغيرات التي غيرت من مفاهيم وتصورات في المنطقة ،ويمكن القول بأن من ابرز ما تتخوف منه تركيا في تلك المرحلة هو هواجسها من المشروع الامريكي الرامي الى تعزيز الفيدرالية كنظام حكم جديد في العراق مما يسمح ذلك للاكراد بأقامة مشروعهم الحلم بدولة تتوفر فيها مقومات لأقامتها من حيث شعب وسيادة وارض وهذا ما عملت لأجله الولايات المتحدة وشركاؤها منذ عام 1991،وبالتالي اصبح الهاجس الكردي يؤرق تركيا الى حد كبير لاسيما في ظل الدعم الامريكي هذا من جهة ومن ناحية اخرى تعتبر تركيا بأن اقامة الفيدرالية في العراق هو تشجيع للاقلية الكردية فيها مما يساعد على اثارة المشاعر القومية لهم للمطالبة بحقوقهم مثلما يحصل في الحالة العراقية . ان تركيا تعتبر ما يجري في الشمال العراقي هو امتداد للداخل التركي وهي بذلك تكون من اساسيات الامن القومي التركي لاسيما بعد اعتبار تركيا لعناصر حزب العمال الكردستاني والذي ينشط في جنوب شرق تركيا ،بالمنظمة الارهابية وهذا ما يفسر انطلاق عملياتهم من شمال العراق في جبال قنديل حيث يتخذونها مقرا لهم ،هذه التخوفات التركية انعكست في طبيعة العلاقات مع العراق وبالتالي شهدت تلك العلاقة توترات مستمرة ،لهذا عملت تركيا ومن منطلق البراغماتية الى تعزيز العلاقات مع اقليم كردستان العراق وخصوصا في جانبها الاقتصادي مما اعطى مجالا للتحرك التركي بشكل واسع من حيث الاستثمارات في المنطقة الشمالية مما عزز من جانب العلاقة التعاونية والتي اعتمدتها تركيا.

مما اسهم في تخفيف الضغط ولو قليلا على الجانب التركي نتيجة الاتفاق مع حكومة الاقليم ،هذا من ناحية استثمار الاتراك لكل ما يسهم في تعزيز العلاقات بدلا من التوترات ،ومنذ انطلاق ثورات ما يعرف بالربيع العربي والانخراط التركي مستمر فيها وذلك بدافع النفعية والمصلحة التركية ،فهي تنظر الى كل حالة وحسب طبيعة المصلحة التركية ،فنراها ايدت الثورات في مصر وتونس وبشكل يدعم التحول الديمقراطي لأن الحركة الاخوانية في مصر تعتبر النموذج التركي مثالا للحكم الاسلامي المعاصر الذي يجمع بين متطلبات التغيير الديمقراطي واساسيات الحكم الاسلامي اي الجانب الوسطي ولهذا دعمت تركيا مطالب الشعبين التونسي والمصري ،بينما نجدها اكثر تدخلا في الشأن السوري والليبي ،على الرغم من العلاقات الجيدة التي كانت تربطها بكلا النظامين ،ان براغماتية تركيا دفعتها الى تبني مواقف اكثر تشددا تجاه النظام السوري والليبي ،فهي دعمت التدخل العسكري،في ليبيا لأسقاط نظام حكم العقيد معمر القذافي وبالتالي وعلى الرغم من المصلحة الاقتصادية التي كان نظام ليبيا السابق يزود تركيا بالنفط وعقد العديد من الاتفاقيات الاقتصادية التي عززت من الحضور الاقتصادي التركي ،ولكن لهدف منفعي تركز في اولويات السياسة الخارجية التركية جعل ها تضحي بتلك الامتيازات من اجل الحصول على اهداف اكبر واعمق لاسيما في ظل الانفتاح التركي في افريقيا في السنوات الاخيرة والتي فتحت جملة من الاهداف التي تجعل من تركيا لاعبا كبيرا في السياسة الدولية واعتمادها سياسة الدبلوماسية الناعمة والمساعدات لبعض الدول الافريقية مما شكل فرصة جديدة لها للولوج في مناطق كانت بعيدة عن طموحاتها واهدافها،وفي الجانب السوري ،عملت تركيا على على عقد اتفاقيات مع نظام بشار الاسد لتعزيز العلاقات الثنائية وتجاوز المشاكل التي تعيق سبل تطويرها ولكن لتركيا وكما في الحالة العراقية ،لها تخوفات من طبيعة النظام السوري وما ستفرزه تطورات المطالبات الشعبية ،من حيث التخوف من اثارة النزاع حول لواء الاسكندرونة والتي اقطتعته تركيا من سوريا وضمته الى اراضيها بموجب اتفاق مع الدول المناصرة عقب احداث الحرب العالمية الاولى ،هذا الامر لا يزال مستمرا ،وذلك بسبب ان سوريا تعتبر تلك الارض المقتطعة منها هي ارض سوريا على الرغم من الاتفاقيات السابقة اضافة الى الخاصرة الرخوة لتركيا ولاسيما في جنوب شرقها حيث تواجد عناصر حزب العمال الكردستاني فيها وبالتالي اعتبار ذلك تهديدا لامنها القومي وان من ابرز محطات الثورة السورية كما تسمى ان تركيا عملت على دعم المعارضة وبمشاركة خليجية قطرية وسعودية وتوحدت اهدافهم جميعا في اسقاط النظام السوري على الرغم من التباين في مواقف كل طرف منهم فتركيا دعمت الجيش السوري الحر وهي تؤيد تولي حركة الاخوان المسلمين للنظام بعد رحيل بشار الاسد ،بينما نجد ان قطر والسعودية لا تؤيد ذلك لأختلاف الرؤى والافكار بينهم وبين تلك الحركات ،هذه المواقف جعلت من تركيا طرفا داعما لبعض الفصائل المسلحة وبعد اطالة امد النزاع لسنوات عديدة في ظل عدم احراز اي طرف من طرفي النزاع اي نصر يمكنه من فرض شروط المنتصر على الطرف الاخر ،ولكن هذه الامور انقلبت بعد الدخول الروسي المباشر في الازمة السورية مما اعطى دافعا للنظام السوري لتحقيق بعض الانتصارات في المعركة .فقد شكلت معركة حلب وتحريرها انعطافة في مسار المعركة لصالح النظام وروسيا مما جعل القوات التركية تتحرك الى منطقة الباب لتحقيق هدف الوصول اليها وقطع امدادات قوات سوريا الديمقراطية هذه التشابكات والتعقيدات في الازمة السورية مهدت الطريق لعقد اجتماع ثلاثي للاطراف الفاعلة في اللمعركة الدائرة في سوريا ،مما يعني التحول في الموقف التركي لاسيما بعد عودة العلاقات التركية الروسية الى سابق عهدها والذي تراجع بعد حادثة اسقاط الطائرة الروسية من قبل المقاتلات التركية مما ادى الى انقطاع العلاقات بينهما وتوترها اكثر مما انعكس في طبيعة القتال الدائر على الارض السورية ،هذا العامل دفع الى تحقيق التقدم من قبل روسيا والقوات السورية وتحريرها اراضي كانت تحت سيطرة الفصائل المسلحة . ان الاجتماع الثلاثي الروسي التركي الايراني وما اسفر عنه من اتفاق حول حل الازمة السورية ووقف اطلاق النار بين الجانبين ،ساعد على تكريس السيطرة التركية على بعض الفصائل المسلحة والمحتلة لبعض المناطق وهذا اكسبها موقفا داعما للروس قبال الجانب الامريكي تجاه الازمة السورية مما يعني تحولا في الاهداف التركية وانتقالها من جهة الى اخرى انطلاقا من قاعدة المنفعة التي ستجنيها تركيا من ذلك الاتفاق ،فهو اكد المكانة التركية كأحد الاطراف الفاعلة المهمة في حل الازمة السورية من خلال تحكمها ببعض الفصائل المسلحة والتي تسميها بالمعارضة المعتدلة وهذا كان سبب الانقسام بين الطرف الروسي والامريكي ،كذلك استغلال الاتراك لتوترالعلاقات مع الولايات المتحدة ولاسيما بعد الانقلاب العسكري الفاشل وعدم تسليم فتح الله غولن المعارض التركي والموجود في الولايات المتحدة على الرغم من مطالبة الحكومة التركية بتسليمه ،هذا الامر جعل بعض الركود يسيطر على علاقاتهما مما اسفر عن تحول تركي لناحية الروس خدمة لمصالحها واهدافها . ان السياسة التركية قائمة على اساس ماهي المصلحة والمنافع التي ستعود على تركيا اذا ما تحولت من طرف الى اخر ولاسيما في ظل قراءة للاحداث ،فهي تسلك بذلك نهجا براغماتيا في علاقاتها مع الدول سواء كانت صديقة ام عدوة.

الوسوم

المركز الديمقراطى العربى

المركز الديمقراطي العربي مؤسسة مستقلة تعمل فى اطار البحث العلمى والتحليلى فى القضايا الاستراتيجية والسياسية والاقتصادية، ويهدف بشكل اساسى الى دراسة القضايا العربية وانماط التفاعل بين الدول العربية حكومات وشعوبا ومنظمات غير حكومية.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق
إغلاق