الشرق الأوسطتقدير الموقفعاجل

ربع قرن على توقيف المسار الانتخابي في الجزائر: دروس وعبر

اعداد : دكتور لقرع بن علي –  أستاذ العلوم السياسية، جامعة مستغانم (الجزائر)

  • المركز الديمقراطي العربي

 

بحلول يوم 12 يناير 2017 تمر 25 سنة على توقيف المسار الانتخابي في الجزائر الذي جاء عقب استقالة الرئيس الراحل الشاذلي بن جديد، وانسحابه من المشهد السياسي الجزائري يوم 11 يناير 1992 أمام أعضاء المجلس الدستوري. وقد حدث ذلك نتيجة لفوز الجبهة الإسلامية للإنقاذ في الدور الأول من أول انتخابات تشريعية تعددية شهدتها الجزائر في يوم 26 ديسمبر 1991. هذا الفوز الذي كانت له تداعيات كبيرة على النظام السياسي في الجزائر وعلى الوضع العام للدولة ككل.

بعد مرور كل هذه السنوات يجب استخلاص الدروس والعبر من قرار وقف المسار الانتخابي باعتباره لم يكن قرار بسيطا بل كان قرارا استراتيجيا أفرز العديد من الانعكاسات السلبية على الدولة الجزائرية سياسيا ومؤسساتيا وأمنيا، حيث مازالت الجزائر تعاني من إفرازات هذا القرار إلى يومنا هذا.

  1. الفشل في إدارة الإصلاحات السياسية يؤدي إلى العنف:

لقد أبان قرار توقيف المسار الانتخابي عن حقيقة الإصلاحات السياسية التي بادرت بها السلطة برئاسة الشاذلي بن جديد. فقد ظهرت النوايا الحقيقية للنخبة الحاكمة بأنها كانت تهدف إلى تكييف النظام السياسي في الجزائر مع التحولات العالمية على إثر انهيار الأنظمة الاشتراكية في أوربا الشرقية وانهيار الاتحاد السوفياتي الذي أدى إلى نهاية الحرب الباردة ودخول العالم في نظام عالمي جديد بزعامة أمريكية جعلت نشر الديمقراطية من أولوياتها بعد انتصارها على الخطر الشيوعي. من جهة أخرى، ظهر جليا أن الإصلاحات جاءت لاحتواء الغضب الشعبي الناتج عن انخفاض أسعار البترول منذ سنة 1986 وانعكاساتها السلبية على الظروف المعيشية للمواطنين مما أدى إلى أحداث 5 أكتوبر 1988.

إن الإصلاحات السياسية التي بادرت بها السلطة بعد تلك الإحداث لم توضع لها  إستراتيجية مدروسة وفق أهداف وأولويات وأجندة زمنية مدروسة، بل تم إدارتها بشكل عشوائي غلب عليه الصراع الداخلي بين أجنحة النظام الحاكم. فهذه العشوائية في إدارة الإصلاحات هي التي أفرزت نتائج مخالفة لتوقعات السلطة الحاكمة مما أدى بصناع القرار للتدخل ووقف المسار الانتخابي. وقد أدى هذا القرار بدوره إلى دخول الدولة في مرحلة من الفراغ المؤسساتي باستقالة رئيس الجمهورية وتزامنها مع حل المجلس الشعبي الوطني ثم تأسيس مؤسسات انتقالية غير دستورية (المجلس الأعلى للدولة، والمجلس الاستشاري الوطني). والأخطر من ذلك هو دخول الجزائر في مرحلة طويلة من العنف والإرهاب دامت عشرية كاملة، حيث أدت إلى مقتل 200 ألف من السكان وخسائر اقتصادية ضخمة ما بين 20 إلى 40 مليار دولار إضافة إلى تشويه صورة الجزائر أمام الرأي العام العالمي.

  1. الجيش يمنع التغيير السياسي:

يعتبر الجيش في الجزائر القوة المهيمنة داخل النظام السياسي، فهو الصانع الفعلي للقرار السياسي وفي نفس الوقت هو الفاعل الأساسي في اختيار رؤساء الجزائر سواء بالانتماء إليه أو بحصولهم على مساندته. وقد استمد الجيش الجزائري قوته وفاعليته لكونه سليل جيش التحرير الوطني الذي كان له دورا فاعلا في استقلال الجزائر مما يدل على الشرعية التاريخية التي تتمتع بها المؤسسة العسكرية في الجزائر. ويعتبر الجيش كذلك هو المؤسسة الأكثر تنظيما وقدرة مقارنة مع باقي المؤسسات السياسية للدولة.

لقد لعب الجيش أدوارا فاعلة في الحياة السياسية داخل الجزائر منذ أحداث أكتوبر 1988 وصولا إلى اتخاذ قرار وقف المسار الانتخابي الذي اتخذته القيادة العسكرية لمنع وصول الجبهة الإسلامية للإنقاذ من الوصول إلى السلطة. فالجيش بهذا الموقف لم يعد قوة صانعة للقرار فقط بل أصبح قوة مانعة للتغيير السياسي في البلاد، وفي نفس الوقت أصبح حاميا للنظام الحاكم تحت غطاء حماية النظام الجمهوري.

ولهذا، فإنه بحكم الأوضاع التي تعيشها الجزائر حاليا من انسداد في الأفق السياسي وظهور مطالب بالانتقال الديمقراطي من طرف القوى المعارضة للسلطة الحاكمة، فإنه من بين الدروس التي يجب تعلمها من وقف المسار الانتخابي أنه لا يمكن إجراء تغيير سياسي في الجزائر أو المبادرة بدمقرطة النظام السياسي دون التفاوض مع المؤسسة العسكرية أو إشراكها في المسار التحولي. وهذا يعني أن قوى المعارضة مطلوب منها التفاوض مع السلطة الفعلية المتمثلة في الجيش وليس مع سلطة الواجهة. فالجيش اثبت في محطات عديدة أنه هو الفاعل الأساسي في النظام الجزائري الذي يملك القدرة على المبادرة بالتغيير السياسي أو منعه، وهذا ما أثبته وقف المسار الانتخابي في يناير 1992.

  1. التيارات العلمانية تريد ديمقراطية تقصي الإسلاميين:

بعد ظهور نتائج الانتخابات التشريعية في أواخر ديسمبر 1991 ظهرت التيارات العلمانية أول معارض لتلك النتائج لأنها أفرزت فوز الجبهة الإسلامية للإنقاذ، وذهبت إلى حد المطالبة بتدخل الجيش لحماية النظام الجمهوري وإنقاذ الجزائر من التيار الديني على حد تعبير العلمانيين. وفي هذا السياق، برز الدور السلبي الذي لعبه حزب “التجمع من أجل الثقافة والديمقراطية” بزعامة “سعيد سعدي”، و”الاتحاد العام للعمال الجزائريين”، كما برز الدور السلبي للعديد من جمعيات المجتمع المدني ذات الطابع العلماني. ولم تكتف هذه الفواعل بإعلان موقفها الرافض لنتائج الدور الأول من الانتخابات، بل طالبت بوقف المسار الانتخابي وأعطت شرعية لتدخل الجيش وقراره بإلغاء الدور الثاني من الانتخابات.

بناء على ذلك، يجب على التيارات العلمانية في الجزائر أن تتعلّم أن الديمقراطية التي تطالب بها هي مبادئ وقيم شاملة يجب الإيمان والتعامل بها مع الجميع، وهي غير قابلة للتجزئة أو التعامل بها بانتقائية. فالانتخابات الديمقراطية يمكن أن يفوز فيها حزب علماني مثلما يمكن أن تفرز فوز حزب إسلامي، وبالتالي يجب عليها القبول بنتائج الانتخابات الديمقراطية مهما كان الفائز بها لأن الأصل هو الدفاع عن القيم والمبادئ الديمقراطية.

من جهة أخرى، يجب على التيارات العلمانية ألا تتناقض مع مطالبها، فالديمقراطية تتنافى مع منطق الإقصاء الذي تريد هذه التيارات ممارسته على الإسلاميين. فبغض النظر عن الأخطاء التي ارتكبها الإسلاميون في تلك الفترة إلاّ أنهم يشكلون جزءا هاما من التركيبة السياسية للمجتمع الجزائري ولا يمكن إقصاؤهم. وفي نفس الوقت يجب القبول بهم والتعامل معهم بايجابية عندما يفوزون في الانتخابات، وترك المجال للناخبين كي يحاسبوهم في نهاية العهدة الانتخابية سواء بالتجديد لهم إن كان أداؤهم جيدا أو إسقاطهم بالانتخابات إن فشلوا في أدائهم مثلما حدث في تونس مؤخرا مع حركة النهضة الإسلامية التي وصلت للسلطة عن طريق الانتخابات وخرجت منها بواسطة الانتخابات.

  1. الجبهة الإسلامية للإنقاذ، حزب ولد كبيرا بخطاب شعبوي دون نضج ديمقراطي:

لقد كانت الجبهة الإسلامية للإنقاذ الحزب الأكثر فعالية في تعبئة الجماهير الجزائرية لاسيما بعد فوزها في الانتخابات المحلية سنة 1990، فرغم حداثة تأسيسها خلال تلك الفترة إلاّ أنها تمكنت بفضل خطابها الشعبوي من تعبئة مئات الآلاف من الناخبين خلال الانتخابات التشريعية يوم 26 ديسمبر 1991. وقد ركزت الجبهة منذ تأسيسها على ضرورة بناء دولة إسلامية في الجزائر، لكنها لم تبيّن الآليات التي ستعتمد عليها في بناء هذه الدولة، بل ذهب بعض قيادييها إلى وصف الديمقراطية بالكفر.

لقد أخافت التصريحات والشعارات التي أطلقها زعماء الجبهة الإسلامية للإنقاذ قطاعات واسعة من النخب داخل النظام السياسي في الجزائر لاسيما العسكريين والبيروقراطيتين والعلمانيين وجزءا من النخب المثقفة. فالجبهة بمواقفها المعادية للديمقراطية أعطت الفرصة لمعارضيها كي ينقلبوا على المسار الديمقراطي الناشئ، ومنحت للجيش شرعية التدخل لحماية النظام الجمهوري. فقيادة الجبهة لم تتعامل مع السلطة الحاكمة بمنطق الأخذ والعطاء، وإنما كانت متأثرة بنموذج الثورة الإيرانية مستهدفة تغيير طبيعة الدولة وإسقاط النظام السياسي. وهنا بجدر القول، أن أغلبية الناخبين التي صوتت لصالح الجبهة كان تصويتها عقابيا للنخبة الحاكمة ولجبهة التحرير الوطني من جهة، ومن جهة أخرى هي صوتت لها لعهدة انتخابية مدتها خمس سنوات وليس لعهدة أبدية تفعل فيها ما تشاء.

بناء على ذلك، يجب على الإسلاميين أن يتعلّموا من تجربة الجبهة الإسلامية للإنقاذ ومن وقف المسار الانتخابي. فالشعب الجزائري لا يريد خلافة دينية ولا يريد إسقاط النظام الجمهوري بل يريد قيادة رشيدة لديها مشروع مجتمع منبثق من المرجعية الإسلامية والعربية والأمازيغية للأمة من أجل بناء دولة قوية قادرة على مواجهة تحديات العصر. وفي نفس الوقت، يجب على التيارات الإسلامية أن تترك مجال العقيدة بين الإنسان وربه وتركز على البعد الحضاري في الإسلام مثلما فعل حزب العدالة والتنمية في تركيا، فالجزائر ملك لجميع أبنائها بغض النظر عن انتماءاتهم الإيديولوجية.

  1. حسين آيت أحمد وعبد الحميد مهري زعيمان سياسيان يجب التعلّم منهما:

في ظل حالة التطرف والإقصاء التي طغت على المشهد السياسي الجزائري غداة توقيف المسار الانتخابي سواء لدى السلطة الحاكمة وقيادة الجيش أو لدى التيار العلماني أو لدى التيار الإسلامي، ظهرت شخصيتان وطنيتان تتمتعان بالرؤية العقلانية والإستراتيجية للأوضاع حيث أثبت مسار الأحداث فيما بعد صدقية المواقف المعلنة من قبل هاتين الشخصيتين.

هاتان الشخصيتان هما الزعيم التاريخي “حسين آيت أحمد” والرجل الوطني “عبد الحميد مهري”. فالأول كان زعيما لأكبر حزب معارض في الجزائر “جبهة القوى الاشتراكية”، والتي احتلت المرتبة الثانية في انتخابات 26 ديسمبر 1991. وقد عبّر عن رفضه لتوقيف المسار الانتخابي معتبرا إياه انقلابا، وفي نفس الوقت عبّر عن رفضه للدولة الدينية مطالبا بضرورة الذهاب نحو مرحلة تأسيسية لإعادة بناء الدولة الجزائرية على أسس صحيحة.

في المقابل كان عبد الحميد مهري أمينا عاما لأكبر حزب سياسي في الجزائر “جبهة التحرير الوطني” وهي حزب السلطة حيث احتل المرتبة الثالثة في الدور الأول من الانتخابات التشريعية يوم 26 ديسمبر 1991. وعلى الرغم من المكانة التي يحتلها حزب جبهة التحرير داخل النظام السياسي في الجزائر إلاّ أن عبد الحميد مهري أضفى صبغة جديدة على هذا الحزب من خلال فصله عن السلطة الحاكمة، وجعله كبقية الأحزاب السياسية بحيث يجب أن يحتكم إلى الانتخابات لكي يفوز بالسلطة.

لقد كان عبد الحميد مهري من أبرز الشخصيات التي دافعت عن استمرار المسار الانتخابي واحترام الانتخابات، وضرورة التحاور مع الجبهة الإسلامية للإنقاذ بدل إقصائها. وفي نفس الوقت انتقد تدخل الجيش لوقف المسار الانتخابي معتبرا أن “الديمقراطية التي تحتاج للدبابة كي تحميها ليست ديمقراطية”.

وهكذا، فإنه بحكم الوضع الحالي المتأزم الذي تعيشه الجزائر تبرز القيمة الرمزية لكلا الشخصيتين. فالبلاد بحاجة ماسة إلى رجال داخل السلطة الحاكمة لديهم حكمة عبد الحميد مهري، وهي بحاجة إلى معارضة لديها مصداقية حسين آيت أحمد.

في ذكرى توقيف المسار الانتخابي هل تؤدي الانتخابات التشريعية لسنة 2017 إلى تغيير سياسي؟

بناء على ما سبق ذكره، يجب على السلطة الحاكمة والأحزاب السياسية قراءة مسار الأحداث التي شهدتها الجزائر منذ أكتوبر 1988 وصولا إلى توقيف المسار الانتخابي في يناير 1992، حيث يجب عليها الاستفادة من تلك المرحلة والتعلّم منها قصد مواجهة المخاطر المحتملة في الوقت الراهن ومستقبلا.

في هذا السياق، تشهد الجزائر في بداية شهر ماي 2017 انتخابات تشريعية جديدة تعد السادسة من نوعها في عهد التعددية الحزبية. وبالنظر إلى التجارب الانتخابية السابقة، فإنه من المستبعد أن يحدث تغيير جذري في المشهد السياسي حيث ستحافظ جبهة التحرير الوطني على ريادتها وفوزها بأغلبية المقاعد النيابية، وستكون متبوعة بالحزب الثاني للسلطة المتمثل في التجمع الوطني الديمقراطي. من جهة أخرى، سوف يتم تقسيم بقية المقاعد على باقي الأحزاب المشاركة، حيث ستقوم السلطة بمكافأة هذه الأحزاب –لاسيما الأحزاب الإسلامية- كمقابل لمشاركتها في هذه الانتخابات التي تشير المعطيات الأولية إلى استمرار المواطنين في العزوف عن التصويت فيها، والأكثر من ذلك قد تجد الأحزاب السياسية صعوبة في استقطاب مرشحين ذوي كفاءة ونزاهة لترشيحهم في قوائمها.

المركز الديمقراطى العربى

المركز الديمقراطي العربي مؤسسة مستقلة تعمل فى اطار البحث العلمى والتحليلى فى القضايا الاستراتيجية والسياسية والاقتصادية، ويهدف بشكل اساسى الى دراسة القضايا العربية وانماط التفاعل بين الدول العربية حكومات وشعوبا ومنظمات غير حكومية.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى