الشرق الأوسطتحليلاتعاجل

مساهمة المرأة الجزائرية في الثورة التحريرية 1954- 1962 م

اعداد : فريدة روطان

 

مقدمة  :

وريدة لوصيف ، زهرة ظريف حسين ، باية حسين ، جميلة بوحيرد ، حسيبة بن بوعلي ، مريم بوعتورة ، جميلة بوعزة ، وريدة مداد ، فضيلة سعدان ، فاظمة نسومر …الخ ، أسماء خلدها التاريخ ، هنّ شهيدات الجزائر التي كافحنّ بالنفس والنفيس من أجل ألوان العلم الوطني الجزائري لأجل نيّل الحرية واستنشاق هواء الاستقلال منذ اندلاع الثورة التحريرية المظفرة عام 1954م الى غاية الإعلان عن استقلال الجزائر 1962م ، هنّ نموذج للمرأة الجزائرية التي لم تتوان ولم تتردد في تحمل المسؤولية اتجاه الثورة التحريرية المجيدة ، فناضلت وقاومت وكافحت الإستعمار الفرنسي بكل الطرق وأخلصت لوطنها الجزائر، فأخذ نشاط المرأة الجزائرية خلال الثورة التحريرية عدّة أنماط و أشكال.

فما مدى مساهمة المرأة الجزائرية في الثورة التحريرية خلال الفترة الممتدة من 1954-1962م؟

الفرضية المركزية :

تباينت مساهمة المرأة الجزائرية خلال الثورة التحريرية بين العمل الميداني والنضال الكفاحي  والوقوف جنباً الى جنب مع أخيها الرجل .

مظاهر مساهمة المرأة الجزائرية داخل الجزائر : 1

اندلعت الثورة التحريرية ضدّ الاستعمار الفرنسي في الفاتح من نوفمبر 1954م ، تحت قيادة جبهة التحرير الوطني.  والتفّ الشعب الجزائري تحت لوائها ، وصدقت بذلك مقولة العربي بن مهيدي قائد الولاية الخامسة : ” إلقوا بالثورة الى الشارع فان الشعب سيحتضنها ” ، وتوحدّت كلمة الشعب عبّر مختلف ربوع الوطن لأول مرة منذ دخول المستعمر الفرنسي سنة 1830م(1)  ، فالمرأة الجزائرية كانت بالنسبة للجزائر هي الجزائر نفسها وهي الأمة بكاملها باعتبارها الوعاء الذي يضمن الاستمرارية ، فقد كانت دائمًا على موعد مع التاريخ فناضلت بعنف وقاومت بشجاعة جنبًا الى جنب مع أخيها الرجل عبّر مختلف مراحل التاريخ خاصة أثناء المقاومات الشعبية ضدّ الاستعمار الفرنسي ، وخاصة خلال ثورة نوفمبر 1954م . انّ المشاركة التاريخية الفعلية للمرأة الجزائرية في صفوف الكفاح المسلح كان عبّر تأديّة مهام عديدة اقتضت عليها درجات مختلفة من الالتزام والخطورة ، فحقق هذا المخلوق الضعيف جسديًا ولكن المفعم بالقوة الروحية العظيمة التصدّي لتعسف وقهر المستعمر الغاشم والمساهمة في تحرير الجزائر(2).

كانت الثورة التحريرية الجزائرية ضدّ الاستعمار الفرنسي إحدى أقوى الثورات التي انتزعت الاستعمار بفعل تعبئة جزء كبير من الشعب على اختلاف مستوياتهم العلمية والاجتماعية ، فكانت بذلك مساهمة المرأة الجزائرية من أهم انجازات الثورة التي تمكنت من إدماج هذا المخلوق الرقيق في دواليبها بعد أن عانت من فترة عزلة أملتها عليها القوانين الرجعية التي فرضها المستعمر.

عاشت المرأة الى جانب الرجل تُدّعِم الثورة بالنفس والنفيس ، فكانت المجاهدة في ميادين القتال والفدائية في المدينة  كانت الممرضة التي تسهر على راحة الجرحى والمصابين ، كانت الإدارية والمعلمة والمحافظة السياسية ، تطهو الطعام للمجاهد ، كانت وكانت …الخ ، انّ المرأة الجزائرية كانت ولا تزال قلعة الصمود والمقاومة ، هي عماد الأسرة ، خزّان الوطنية ، حافظة على الانتماء الحضاري للأمة عقيدةً وسلوكًا ، وبلغت بذلك الانتماء للأبناء والأحفاد عن طريق التربية بواسطة الحكايات والأساطير الملحمية والقصص الشعبية عن بطولات الأجداد  للإبقاء على جذوة المقاومة والروح الوطنية للأبناء ، وفي أحضانها نشأ وترعرع الأبطال من الشهداء والمجاهدين أبطال الحرية المدافعون عن الكرامة والهوية الوطنية  فدخلت الميادين بنفسها ، فساهمت بكل طاقاتها في خدمة الثورة على مختلف مستوياتها وطبقاتها الاجتماعية ، وتحملت الصعاب في كل مكان كمُحاربة أو سجينة معتقلة (3) ، فقد قال عنها شاعر الثورة مفدي زكريا :

جلجل صوت نشيد اللواء فتعنوا الرؤوس له خاشعة

(4) .  وبنت الجزائر تتلو نشيد العذاري ، فتصغي له الدنا راكعة

فالمرأة الجزائرية شاركت في أحداث البلاد بكل ما لديها من جهد بدني ومعنوي  و بالكلمة اللفظية تتغنى لتُثير حماس المجاهدين والمجاهدات ، لتدفع بذلك الثورة الى الأمام بصمود وبجرأة مما يزيد الثوار اصرارًا وعنادًا أكثر ، وكانت تُقدم المثال بشجاعتها وتضحياتها في سبيل الحرية ، فكان منها المجاهدة والشهيدة والأسماء عديدة وعديدة في ذلك ، وهناك الكثيرات من المجهولات في السهول و الجبال ، في التلال والصحاري (5) ، ويكفي ضرب مثال عن فاظمة نسومر التي قادت جيشًا كاملاً في الجبال وأعترف بشجاعتها قادة الحرب الفرنسية أين لُقبت بجان دارك جرجرة (6) .

تُعتبر المرأة الجزائرية الركيزة الخلفية للعمل الثوري فقد تحملت مهمات كثيرة و متنوعة ، نذكر منها على سبيل المثال لا الحصر مايلي :

– القيام بشؤون الأسرة والأولاد ، خاصة اذا ما علمنا أن أغلب المجاهدين كانوا بالبوادي وفي الجبال ، وفي مناطق نائية فمنطقة الولاية الخامسة والسادسة على سبيل المثال سجل فيها نسبة حوالي 10% من القوة الرجالية بمتليلي شاركوا في النشاط الثوري .

– القيام بإعداد التموين الجيّد من طعام ، مؤونة ، خياطة لمراكز الجيش في المدن والقرى المختلفة ، خاصة في منطقة متليلي ، المنبعة ، بريان ، قرارة ، منطقة القبائل .الى جانب العناية بالشؤون الاقتصادية كالفلاحة ، الرّي ، الرعيّ .

الاهتمام بأطفال وأرامل الشهداء والمجاهدين الغائبين عن بيوتهم ، وكذا السجناء والمعتقلين في – العناية بشؤون الجرحى   المعارك ، و في المستشفيات السريّة داخل المدن وخارجها .

– القيام بمظاهرات أمام البلديات ضدّ تجنيد الأبناء في صفوف الحركة في إطار معاقبة الأُسر التي كان لها أفراد منخرطون في صفوف جيش التحرير الوطني (7).

وبالتالي اذا كانت المرأة الريفية الجزائرية قد تحملت أعباء الثورة  التحريرية في الجبال والقرى فان المرأة الجزائرية في المدن هي الأخرى قامت بواجبها الوطني وكانت السنّد القويّ للمقاومين والفدائيين داخل المدن  ، أين تكثُر أجهزة القمع البوليسي وحيث المراقبة المستمرة على كل ما هو متحرك داخل المدن ، لذا حلّت محلّ أخيها الفدائي في العديد من المهام المعقدة والجدّ خطيرة (8) .

كما شاركت في العديد من مناطق العمليات خلال الثورة وقال الباحث  Turshen Meredithعنها : أنها شاركت بفاعلية كمقاتلات وجواسيس وفي جمع التبرعات وكذلك كممرضات وغسل الملابس وكطاهيات . كما أكدّت المجاهدة وارد أنه جاء في الإحصائيات الموجودة بوزارة المجاهدين أنه تمّ تسجيل سنة 1956م حوالي 400 مجاهدة  في الجبال مقابل 300 ألف رجل . فالمرأة تقدمت في المظاهرات وكانت ضمن الصفوف الأمامية ، كما الشأن في مظاهرات 11 ديسمبر 1960م وواصلت تضحياتها في الدراسة أيضًا لتغادر  المدارس والمعاهد والجامعات في إضراب عام 1956 م وكانت تقرأ بيانات الإضراب كما الشأن مع الشهيدة نادية بولقون .

لقد جاء في مؤتمر الصومام المنعقد عام 1956م ضمن إحدى مقرراته التي أشادت إشادة واضحة بفاعلية المرأة الجزائرية في ثورة نوفمبر المظفرة أين أقر المجتمعون بذلك الدور بقولهم : انّنا لننحني بإعجاب وتقدير لذلك المثل الباهر الذي تضربه في الشجاعة الثورية فتيات ونساء وزوجات وأمهات الجزائر ، ذلك المثل الذي تضربه جميع أخواتنا المجاهدات اللائي يشاركن بنشاط كبير وبالسلاح أحيانا في الكفاح المقدس في سبيل تحرير الوطن ، ولا يخفى أن الجزائريات قد ساهمن مساهمة ايجابية فعالة في الثورات الكثيرة التي توالت وتجددت في الجزائر منذ عام 1830م ضدّ الاحتلال الفرنسي ، وكانت على طوال تلك الفترة متيقنة أن الثورة ستنتهي لا محالة بالحصول على الاستقلال(9) .

2- مظاهر مساهمة المرأة الجزائرية خارج الجزائر

لقد عاشت المرأة الجزائرية نفس أجواء الحماس للثورة التحريرية من خارج أرض الوطن ، من خلال تشجيعها للمرأة داخل الوطن ومساندتها بالكلمة ورفع الشعارات واللافتات ، فشاركت في العديد من المظاهرات خارج أرض الوطن في العديد من عواصم العالم مُنددات بالاستعمار الفرنسي وجرائمه ، فلعبت دورًا في مظاهرات 17أكتوبر 1961م بفرنسا من خلال مشاركتها فيها في الصفوف الأولى حاملات شعارات النصر والاستقلال للجزائر وتنديدًا بجرائم فرنسا وذلك أمام مقرات الأمن والشرطة في مختلف مدن فرنسا ، فجابت شوارع باريس وهي تلك التي كانت تسكن في الأكواخ القصديرية  كانت مرفوعة الرأس ، متحضرة متحديّة رجال بابون ، فعندما أُعتقلت نساء أكتوبر بغتة قمن أمام الصحافة بإخراج الأعلام الجزائرية مرددات الأناشيد الوطنية .

كما سُجل تأييدها ودعّمها في مختلف منابر المنظمات والهيئات الدولية أين مثلت المرأة الجزائرية في المؤتمر الدولي الرابع للاتحاد النسائي الديموقراطي الذي انعقد في فيينا سنة 1958م ، حيث انطلق صوتها بالقول : باسم المرأة الجزائرية أطلب من المؤتمر أن يراعي في اللائحة الختامية بأن المرأة الجزائرية لا تطلب في الوقت الحالي حقوق العمل أو تحسين مستوى العيش ، بل إيقاف هذه الحرب.

خاتمة :

المرأة الجزائرية بمساهمتها المادية و المعنوية في الثورة التحريرية و بتشجيعها لأخيها المجاهد و الشهيد في الجبال و بزغرودتها في حالة النصر و الاستشهاد على حدّ سواء ، وبأناشيدها أيضًا لم تقم سوى بواجبها اتجاه الوطن والذي لا يزال ليومنا هذا بحاجة لتعاون و تظافر جهود كل أبنائه ، فعلى المرأة الجزائرية اليوم أن تستلم مشعل الحرية والاستقلال من أختها المجاهدة والشهيدة ابان ثورة التحرير لتكمل دربها للمحافظة على وطنها الجزائر ولتبقى وفيّة لدمائها الطاهرة في سبيل أن يظل العلم الوطني الجزائري يرفرف عاليًا في كل البقاع ، مستنشقين اليوم كلنا هواء الحرية والنصر . فالمجد والخلود لشهدائنا الأبرار ، وتحيا الجزائر برجالها ونسائها .

ولابدّ من الخروج بمجموعة من التوصيات  لهذه الورقة البحثية ونختصرها في أربع نقاط مهمة :

  • دوّر المرأة الجزائرية ابان الثورة التحريرية فعّال من خلال قيامها بعدّة مهام موكلة لها .
  • مساهمة المرأة الجزائرية ابان ثورة التحرير المجيدة يُعبّر عن مدى عضوية المرأة الجزائرية في المجتمع الى جانب الرجل ومساهمتها جنبًا الى جنب له في أمور الثورة وتسيير المعارك ضدّ الاستعمار الفرنسي .
  • لابدّ من أن نستفيد من خبرات وتجارب نضال المرأة الجزائرية في سبيل نيل الاستقلال والمحافظة على الجزائر وترقية تلك الخبرات في وقتنا الحالي .
  • ضرورة الاستماع الى صوت التجربة التاريخية للمرأة الجزائرية .

قائمة المراجع :

1- ونيسي زهور ، المرأة والثورة ، الملتقى الوطني الأول حول كفاح المرأة المنعقد بعنابة يومي 910  جويلية 1996م مطبوعات المركز الوطني للدراسات والبحث في الحركة الوطنية وثورة أول نوفمبر 1954م، ص .206.

2- بوقصبة شريف ، دوّر المرأة في الثورة التحريرية 19541962م، دورية كان التاريخية ع. 27، مارس 2015 ، ص . 84 – 88 .

3-   خليفي عبد القادر ، القول ، المرأة والثورة التحريرية ، انسانيات ، 2004 ، ص ص . 25-26 .

4- زكريا مفدي ، الياذة الجزائر ، المعهد التربوي الوطني ، وزارة التربية الوطنية ، الجزائر : دون تاريخ .

5- لونيسي ابراهيم ، نساء جزائريات تحت التعذيب : الجميلات الثلاث نموذجا ، حولية المؤرخ ، 2002م، ص.2 .

6- ن . مريم ، دوّر المرأة الجزائرية في حرب التحرير ، وقفات من الذاكرة ، المساء ، 17فيفري 2013م .ص ص.1.

7- سويلم مختار ، دوّر المرأة الشعانبية في الثورة التحريرية ، نواصر عائشة (الخنساء الأخرى للشعانبية أنموذجًا ) الواحات للبحوث والدراسات ، المجلد 7، ع.2 ،2014م ، ص.3.

8 – Turshen Meredith , Algerian women in the leberation struggle and the civil war , from active participation to passive victimes , social research vol:69,N.3Fall , 2002 , p.889-890.

9- سويلم مختار ، مرجع سبق ذكره ، ص. 6.

الوسوم

المركز الديمقراطى العربى

المركز الديمقراطي العربي مؤسسة مستقلة تعمل فى اطار البحث العلمى والتحليلى فى القضايا الاستراتيجية والسياسية والاقتصادية، ويهدف بشكل اساسى الى دراسة القضايا العربية وانماط التفاعل بين الدول العربية حكومات وشعوبا ومنظمات غير حكومية.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق
إغلاق