fbpx
الشرق الأوسطتقدير الموقفعاجل

تقدير إستراتيجي: التصورات الأمريكية حول مصير نظام كوريا الشمالية

اعداد : نوح فسيفس – باحث في العلاقات الدولية والقضايا الإستراتيجية

  • المركز الديمقراطي العربي

 

 

 

مقدمة:
لم تخرج كوريا الشمالية من مرحلة الحرب الباردة بإحساس كافٍ من الأمن والطمأنينة المعززة، وذلك على خلاف العديد من الأعضاء الآخرين في الحلف المضاد للولايات المتحدة الأمريكية، فخلال العقود السابقة كان الوضع في شبه الجزيرة الكورية – وخاصة المسألة النووية لدى كوريا الشمالية – من أكثر هواجس السياسة الخارجية الأكثر إلحاحاً في الولايات المتحدة الأمريكية.

وقد رأينا خلال العقد المنصرم من القرن الحادي والعشرين الولايات المتحدة الأمريكية وشركائها يشنون حرباً لا هوادة فيها ضد العراق من أجل اسقاط نظام صدام حسين، الذي أصبح عبئاً ثقيلاً على السياسة الدولية، وكان المحافظون الجدد في واشنطن يعتقدون أن تلك الحرب ستمثّل تحذيراً استراتيجياً كافياً سيمتد أثره، بطريقة ناجعة، إلى الأنظمة المارقة الأخرى حول العالم،وبالتالي يمكن للولايات المتحدة الأمريكية أن تهيمن هيمنة حميدة على التفاعلات الكونية برمتها، بحيث لن يجرؤ أحد على معارضتها أو تجازوها، بل سوف يستفيد العالم منها بصفتها نموذجاً للديمقراطية الرغيدة، غير أنه في واقع الحال حققت الإستراتيجية الأمريكية نتيجتها المنطقية، بإزالة النظام العراقي من السلطة، في حين أخفقت في تحقيق أجندتها الأخرى من الحرب، ولم تنل الثقة النهائية من قبل أطراف دوليين مشاركين في اللعبة السياسية.

فالعالم اليوم ليس أحادياً أو ثنائياً في قطبيته، ولم يعد هناك مكانة واقعية لمبدأ الهيمنة المطلقة على العالم، وهي الحقيقة التي بدت مستمسكاً قوياً في عصر ما بعد الحرب الباردة.

معالم البيئة الدولية الراهنة:
ومن السخرية حقاً أن نرى أحداً في هذا العالم لم يزل يفكر بعقلية السياسة الإمبريالية كمرجعية لبناء القوة العظمى. لقد أصبحنا في عالم يعتمد بعضه على بعض، في ضوء تغير دوال القوة، ومضاعفات العولمة، والخلاصة أنه طرأ تحول عاصف في طبيعة النظام الدولي. ومن البديهي أن يؤدي التغيير في هيكل القوة إلى تحديد الخيارات الإستراتيجية العظمى للأمم، وبالمثل قد تنبعث مخاطر نشوب الحروب الوقائية والإقليمية الكبرى؛ في حال ظهرت قوى طموحة تمتلك ميزات عالمية، بحيث تعمد إلى تغيير ميزان القوى الدولي لصالحها، وبالتالي يصبح البحث عن الاستقرار الإستراتيجي في العالم هو المهمة الكبرى في السياسة الدولية، وإذا بقيت الولايات المتحدة الأمريكية على وجه التحديد، خارج هذه الدائرة – وهو احتمال غير منطقي البتة – فقد تسيطر قوة معادية على الأقاليم القارية المهمة، ومثل هذا الوضع يُفرز مزيداً من الاضطراب في ميزان القوى العالمي، ومن ثم يزيد من مخاطر اندلاع حرب باردة جديدة في العالم.

وإذا ما قررت الولايات المتحدة الأمريكية أن تضطلع بدور الزعامة العالمية، فإنه سيتعين عليها أن تحول دون حدوث هيمنة معادية على المناطق الحيوية، أي تلك المناطق التي تحتوي موارد اقتصادية وفنية وبشرية كافية، بحيث إذا وقعت تحت سيطرة قوة معادية، فسيشكل ذلك تحدياً عالمياً خطيراً.

وعلى وجه الخصوص، فإن منطقة شرق آسيا ينطبق عليها هذا التعريف بشكل مؤكد، فهي تشكل أكبر المناطق دينامية فيمنظومة الاقتصاد العالمي، على نحو يُثير الإعجاب تارة، ويبعث على التوجس تارة أخرة، وذلك أنه من البديهي أن تتجه دول المنطقة مع مرور الوقت، إلى الحصول على مقومات القوة السياسية والعسكرية، بما يتناسب مع قوتها الاقتصادية المعيارية، والسبب المباشر لهذا الموقف هو عدم وجود البديل للبيئة الأمنية على النحو الذي كان سائداً إبّان الحرب الباردة.

وعلى الرغم من أن الولايات المتحدة الأمريكية هي مهندسة الترتيبات الأمنية في شرق آسيا، إلا أن حلفاء أمريكا التقليديين في المنطقة، ازدادت ثقتهم بأنفسهم بعد الحرب الباردة، وباتوا ينظرون إلى واشنطن بعين الحذر والريبة، في اشارة إلى نزوع الأمريكيين إلى إجراء تقليص نسبي للنفوذ في آسيا.

شرق آسيا: عبء الماضي
لقد أسفر الغموض الإستراتيجي في شرق آسيا عن الإسراع في بناء ترسانات اقليمية مثيرة، في إطار مبدأ الدفاع عن النفس، وربما يرجع بناء هذه الترسانات في جزء كبير منه إلى اعتبارات توازن القوى، ولذلك فإن أفضل ما يوصف به الاتجاه الإستراتيجي في تلك المنطقة في الوقت الراهن هو احتدام المنافسة على تحديث القدرات النوعية العسكرية، ويجدر وصفه بسباق تسلح اقليمي.

ثمة سبب جوهري يحتّم إعادة تقييم المتطلبات الأمنية التي اكتسبت مكانة مميزة في شرق آسيا،ألا وهو “الخيار النووي”، وذلك أن المناخ الإستراتيجي المضطرب عقب الحرب الباردة، اقترن بنزعةٍ عارمةٍ نحو إثبات الوجود على مستوى كل دولة، الأمر الذي أثار جدلاً مستمراً حول قدرة المنطقة على صنع سلاح نووي، بعد أن أُدرجت النزعة النووية ضمن مضامين “المعضلة الأمنية” في نسق العلاقات الدولية، حيث يُقيّم كل طرف درجة التهديدات التي يتعرض لها بناء على قدرات الخصم، وبذلك يتهيأكل الأطراف للتعامل مع الاحتمال الأسوأ.

إن تأطيرنا السابق سوف يدفعنا إلى التساؤل عن الجدوى الحقيقية لتأسيس ترسانة نووية في شبه الجزيرة الكورية “السمكة الصغيرة في قلعة الحيتان”.

كانت هذه القضية ولا تزال مُثار نقاشٍ عميقٍ في السياسات الإستراتيجية العالمية، لا سيما في ظل تعاظم الشكوك المحيطة حول النظام الحاكم في كوريا الشمالية، إنه نظام ذو طابع غريب، فهو مولع بالابتزاز الممزوج بالتهور والاندفاع غير المتوازن، ولذلك إن إحدى المشكلات الأساسية لفهم الوضع الراهن هي تقدير العمر الافتراضي للنظام الكوري الشمالي والحالة التي سيؤول إليها، في حال انفتاحه على العالم اقتصادياً ودبلوماسياً، والدور الذي يؤديه برنامجه النووي في النسق الإستراتيجي الذي يعتمده للبقاء في السلطة.

إذا ما نظرنا من زاوية التراكم التاريخي، نرى أن كوريا الشمالية تمتلك خصائص فريدة، لقد أظهر النظام الحاكم فيها مرونة لافتة للنظر في وجه الزلزال الأيديولوجي لانهيار الشيوعية في أماكن أخرى من العالم، وقد استطاع البقاء أيضاً في السلطة، برغم المصاعب الاقتصادية الجمّة، ولم تتعرض للخطر الأسس السياسية – الأيديولوجية التي يحكم فيها النظام بلاده، وبدل أن تؤدي العزلة السياسية الدولية إلى زعزعة قبضة الزعيم “كيم إيل سونج”، وجدنا أن السلاسة النسبية لانتقال السلطة في عائلة كيم إيل، تبرهن بجلاء على أن الجهاز الأساسي للسطلة ما يزال قوياً، ويبدو قادراً على المضي قدماً في تنفيذ أهدافه ذات الأولوية العليا، وعلى رأسها: الحفاظ على خيار حيازة قدرة نووية أساسية.

بصورة أعم، يتعين إجراء مراجعة عن كثب للمعطيات التي تنبعث من عوامل سياسية محلية، لها دلالات ارتباطية في تفسير سلوك النظام الكوري الشمالي نحو اثبات الذات وإطلاق نزعة التحدي كصيغة ثابتة في أنساق السياسة الخارجية تجاه العالم الآخر.

وقد انعكس هذا النمط من التفكير على تحديد خيارات الدبلوماسية الكورية الشمالية خلال عملية التفاوض مع الولايات المتحدة الأمريكية بشأن برنامجها النووي المثير للجدل، إذ تعتزم بيونغ يانغ على مسايرة الجانب الأمريكي بالشكل الذي يضمن تخفيف وطأة العقوبات المفروضة عليها، مع الحفاظ في الوقت نفسه على الخيار النووي ضمن أولويات استراتيجيتها العظمى.

وحتى يمكن فهم أسس هذا المدخل؛ من المهم أن ننظرفي مستوى التنازلات التي وافقت عليها كوريا الشمالية، والتي لم تصل إلى حد التخلي عن طموحاتها النووية تحت أي ظرف كان، ولذلك قررت مقايضة التنازلات التي لا تلغي ذلك الخيار، كما أنها تبدو غير مستعدة للمساومة على قرارها النووي من أجل الاعتراف بالشرعية السياسية لنظام الحكم فيها. والسؤال المهم هو : ما الذي ترتكز عليه زعامة كوريا الشمالية في صمودها الطويل في وجه العزل والحظر الدوليين ؟.

تصورات الزعامة الكورية:
بالنسبة لكوريا الشمالية، هناك معادلة ثابتة، فحيازة سلاح نووي يوفر لها رادعاً استراتيجياً فعالاً في مواجهة التهديدات النووية الأمريكية، ويمثّل لها في نفس الوقت “معادلاً استراتيجياً” لموازنة تنامي القوة العسكرية النوعية لكوريا الجنوبية واليابان، ومن ناحية ثالثة، فإنه يعتبر بمثابة “بديل استراتيجي” للتعويض عن خسارة داعميها الدوليين روسيا والصين.

وعلى أي حال، يمكن للأسلحة النووية أن تقلل من حدة الأخطار التي من المحتمل أن تتعرض لها كوريا الشمالية في حالة الانزلاق إلى مواجهة إقليمية في مناطق جوارها.

إن لدى الزعامة السياسية في كوريا الشمالية قناعة راسخة بأنه يمكنهم تحقيق هدنة على أسس مقبولة لهم عبر التهديد بالتصعيد النووي.

من الناحية الإستراتيجية، إذا ما وضعنا بعين الاعتبار المتطلبات الطموحة للردع النووي فإننا نجد أن إجراء التجارب النووية كان حصيلة منطقية.

إن كل تجربة لسلاح نووي، هي في جوهرها، إعلان عن امكانية استعماله، والدول التي تمتلك قدرات نووية إنما تزيد التوترات القائمة بينها وبين الدول المجاورة المتنازعة معها، إذا ما افترضنا بطبيعة الحال، أن تلك الدول سوف تحذو حذو بعضها البعض في بناء قدرات نووية لتحقيق أغراض الردع المستتر، وعلينا ألا نستبعد أن تسعى اليابان إلى الحصول على قدرة نووية بشكل لا يسترعي الانتباه، وفي فترة زمنية فارقة، في حال توفر قرار سياسي لذلك. وفي هذه الحالة، يكمن الخطر في تخلي اليابان عن سياسة الاعتماد الشديد على الولايات المتحدة في قضايا الأمن القومي.

وإذا كانت القدرات النووية الكورية الشمالية وبرنامج التحديث الدفاعي يشكلا تحدياً لمصالح الولايات المتحدة الأمريكية وقدراتها في شرق آسيا، فإن حالة عدم الاستقرار الداخلية تشكل تحدياً آخر.

ويأتي هذا التهديد بعدم الاستقرار على أشكال مختلفة، فإذا ما تعرض النظام لخطر زعزعة استقراره الداخلي أو المعارضة الداخلية، فمن شأن امتلاك سلاح نووي أن يردع القوى الخارجية عن محاولة استغلال ضعف كوريا الشمالية، وربما يدفع تلك القوى إلى العمل على تثبيت دعائم الاستقرار. وتفترض هذا السياق أن امتلاك الأسلحة النووية سوف يمثل ورقة المساومة الأخيرة بيد الزعامة الحاكمة في حال انهيار النظام.

ولعل التهديد الآخر الذي قد يولّد حالةً من عدم الاستقرار فمرده إلى احتمالية حدوث انشقاقاتٍ داخليةٍ قد تُضعِف السيطرة المركزية على الأسلحة النووية، واستخدامها في حرب أهلية، وهو ما ينطوي على تهديدات خطيرة ليس على مستوى الأمن الإقليمي فحسب، إنما يطال ذلك التهديد الأمن القومي الأمريكي أيضاً.وعلى صعيد شامل فإن حصول كوريا الشمالية على قدرات نووية مع قدرات نوعية في مجال شن الهجمات يمكن أن يُضعف الثقة بشدة، في فاعلية الدور الأمريكي بمواصلة مهمةالضامن النهائي للسلام والاستقرار في المنطقة.

في الواقع، يبدو أن كوريا الشمالية تعمل وفق قواعد لا يمكن التنبؤ بها، ولم تكن قرارات زعامتها بإجراء التجارب الصاروخية والنووية منسجمة مع النظريات الأكاديمية الخاصة بالعلاقات الدولية أو بانتشار أسلحة الدمار الشامل، والتي تتخذ فيها القرارات الإستراتيجية ذات الصلة بالتسلّح بناء على التهديدات الخارجية على وجه الحصر تقريباً، وينطبق هذا النموذج على منطقة شرق آسيا، ففي تقديرات نظام صارم مثل كوريا الشمالية نادراً ما تكون الاعتبارات السياسية الداخلية واردة عندما يتعلق الأمر بالأسلحة النووية، ويبدو أن الخيار النووي لكوريا الشمالية مفيد لممارسة القهر والإكراه على جيرانها من جهة، أو أن تحول دون بناء تحالف معاد لها.

وفي حال وضعنا في الحسبان رغبة زعامة كوريا الشمالية في السيطرة على شقيقتها كوريا الجنوبية بهدف ضمها تحت راية النظام الشمالي؛ فإن الخيار النووي سوف يكون بمثابة الحَكَم لما ستتمخض عنه مثل هذه الأزمة. ويشيعُ في أوساط النخبة السياسية في الولايات المتحدة الأمريكية بأن كوريا الشمالية عازمة في تصميمها نحو إعادة توحيد شبه الجزيرة الكورية ضمن سلطتها الاستبدادية، وعلينا هنا أن نستحضر أحداث الحرب الكورية عام 1950.

مضامين الرؤية الأمريكية:
وإذا ما كانت الولايات المتحدة الأمريكية لن تنأى بنفسها في حال تعرضت حليفتها، كوريا الجنوبية، لهجوم مباغت من قبل الشمال؛ فإن حيازة قدرة الردع النووي يمكن أن يعتبر بديلاً للتدخل الصيني كوسيلة بيد النظام الكوري الشمالي للدفاع عن نفسه حتى الرمق الأخير.

ويشعر الأمريكيون بأن كوريا الشمالية متشددةً في عزمها على الانتقام من الولايات المتحدة وحلفائها في العالم، وما دام النظام الحالي في السلطة، خصوصاً في ظل الأحوال المضطربة، فلسوف تزداد فرص إقدامه على تصرفات طائشة نابعة من التهور واليأس، ومن الممكن تماماً أن يوجه ضربات ضد الولايات المتحدة الأمريكية أو اليابان أو كوريا الجنوبية. ولعل أقل ما يقال بشأن قدرات كوريا الشمالية التخريبية والاستفزازية التي تزعزع الاستقرار، أنها تُسبّب قلقاً ذو أهمية قصوى بالنسبة للولايات المتحدة.

ومن منظور أمريكي، فإنه يبدو منطقياً أن يتم بذل كل ما هو ممكن للحيلولة دون اقدام نظام كوريا الشمالية على شن هجمات نووية. إن سياسة النبذ والعزل لم تحمل أي نجاحات بشأن تخلي بيونغ يانغ عن برنامجها النووي، بل عززت النزعة التاريخية لدى الزعامة الكورية، بأن تمضي قدماً في عقيدة التحدي وعدم الخضوع لإرادة المجتمع الدولي.

لا يمكننا التعويل على أن النظام الشمالي سوف ينكسر تحت ضغط العزلة الدولية أو الحظر الاقتصادي، فقد رأينا كيف أن صدام حسين استطاع الالتفاف على نظام العقوبات على نحو أكثر فاعلية، دون أن تتحقق رغبة واشنطن بإسقاطه طوال 12 عاماً، إذ احتاج الأمر بعد ذلك إلى شن حرب شاملة في العراق.

ولذا يكون الرهان على ورقة العزلة الدولية غير ذي جدوى، لا سيما إذا ارتبط الأمر بالأنظمة الشمولية والاستبدادية، التي يعد نظام كوريا الشمالية نموذجاً فاقعاً لها.

غير أن ما ذكر أعلاه لا يجوز أن يدفع المرء إلى استبعاد امكانية حدوث فوضى على مستوى البلاد مستقبلاً، فحدوث تدهور اقتصادي طويل وشديد، ربما يكون مقترناً بصراع عارم على الزعامة السياسية، يمكن أن يُخلّف شللاً سياسياً واضطرابات اجتماعية قد تهدد النظام الداخلي في كوريا الشمالية.

إلى ذلك يتزايد الاحتمال بأن تواجه الولايات المتحدة الأمريكية وكوريا الجنوبية مشكلة أخرى،مصدرهافقدان السيطرة الحكومية على السكان، ومن شأن هذه التطورات المقلقة أن تخلق بشكل شبه مؤكد أعداداً هائلة من اللاجئين، وأن تتردد أصداء الصدمة في شبه الجزيرة الكورية.

من الأهمية بمكان أن نُدرك صعوبة فهم ما يحدث حالياً في كوريا الشمالية، فقد أصبح هذا البلد اليوم في موضع تمحيصٍ دقيقٍ، ربما أكثر من أي وقت مضى طوال تاريخه، فلا أحد يمكنه الجزم بما قد يحصل في هذا العام أو في العام الذي يليه، قد يسقط النظام في الشمال جرّاء أزمة سياسية داخلية، أو تحرك دولي خارجي تقوده الولايات المتحدة الأمريكية، فقد تضطر الولايات المتحدة الأمريكية إلى الخروج عن سياسة “الصبر الإستراتيجي” لجهة اتخاذ ترتيبات مضادة لغل يد النظام الحاكم في كوريا الشمالية عن استخدام الأسلحة النووية، وهذا السيناريو ليس بعيد التحقق، لكن هذا التصرف ذاته قد يحتمل عواقب وخيمة لا تحمد عقباها.

والمشكلة الأكثر إلحاحاً هي أنالانهيار المفاجئ للنظام الكوري الشمالي سوف يكتنفه الكثير من الأعباء التي تنوء بحملها الكواهل.

ويبدو أن الولايات المتحدة الأمريكية لا ترغب في أن تتكرر تلك الغلطة التي وقعت في ألمانيا عشيّة السقوط المفاجئ لجدار برلين، بالنظر إلى الصعوبات السياسية والمادية واللوجستية لعملية التوحيد في ألمانيا، ولعل هذا ما ترغب فيه القيادة السياسية في كوريا الجنوبية أيضاً.

وفي كل الحالات تريد الولايات المتحدة أن تتجنب “دواءً قد يكون أسوأ من المرض نفسه”، سواء تعلق الأمر بضربة عسكرية لكوريا الشمالية، أم انهيار مفاجئ للنظام دون أن تكون هناك استراتيجية بديلة للتعامل مع الانحرافات غير المواتية.

ثمة حقيقة أخرى تهمنا في هذا التحليل، وهي وجود وجهة نظر واسعة الانتشار مؤداها أن النظام الكوري الشمالي سوف يسقط في نهاية المطاف، والمسألة مرتبطة بعامل الزمن فقط، فإذا كان الأمر كذلك فليست هناك ضرورة للمخاطرة بوقوع حرب بسبب البرنامج النووي. لكن هذا الموقف يفترض عدم وقوع تطورات غير سارة نحو التصعيد المتبادل.

خاتمة:
وما يُمكن قوله خلاصة، أن مضامين الصدام أضحت متقاربة أكثر في سياسة الولايات المتحدة الأمريكية حيال كوريا الشمالية، بعدما تقهقرت الخيارات الدبلوماسية في ترويض نظام بيونغ يانغ، وإذا كانت التصورات الأمريكية حول مصير نظام كوريا الشمالية والعلامات الدالة على زواله تحمل أي دلالات، فمن الصعب التصديق بأن شبه الجزيرة الكورية ستبقى منقسمة إلى شمال وجنوب إلى ما لا نهاية.

وحين ننظر إلىكوريا المحصورة بين ثلاث قوى عالمية، اثنتين منها تمتلك ترسانات نووية (روسيا والصين) مع دول ثالثة ذات تاريخ امبراطوري لكنها لا تمتلك قدرة نووية حتى اللحظة (اليابان)، لكنذلك لا يعني أنها لن تنزع إلىحيازة أسلحة نووية في حال توفرت الإرادة السياسية لذلك، ولذا فإن الدوافع التي تحفّز الولايات المتحدة إلى توحيد كوريا تبدو قوية جداً،كما أن وجود كوريا موحدةً سوف يضمن تحولها إلى دولة صناعية وتقنية كبرى في آسيا.

ومن الممكن الادعاء لاحقاً أن كوريا ترى في سلاحها النووي ضماناً أقوى لردع أي تحرك ياباني نحو الهيمنة الإقليمية، إذا علمنا أن الكوريين ينظرون إلى اليابان بأكبر درجة من الريبة وعدم الثقة. ولسوف تستطيع كوريا بما لها من ثقل وقدرات أن تكون شوكة في حلق اليابان، بل وأن تتفوق عليها في القوة العسكرية على أقل تقدير.

وقد تُثار شكوك روسيا والصين أيضاً إذا أقدمت الولايات المتحدة الأمريكية على صياغة معادلة جديدةلا تراعي مخاوفهما الأمنية في تلك المنطقة. ولسوف يقع على عاتق الولايات المتحدة مهمة إزالة أي نوع من الحساسيات إزاء سياستها لمستقبل شبه الجزيرة الكورية، على النحو الذي يضمن الحيلولة دون نشوء سوء تفاهم خطير.وبكل بساطة علينا أن نحيا بُرهة من الدهر لنرى ما ستفعله إدارة الرئيس دونالد ترامب أمام هذا السيناريو.

المركز الديمقراطى العربى

المركز الديمقراطي العربي مؤسسة مستقلة تعمل فى اطار البحث العلمى والتحليلى فى القضايا الاستراتيجية والسياسية والاقتصادية، ويهدف بشكل اساسى الى دراسة القضايا العربية وانماط التفاعل بين الدول العربية حكومات وشعوبا ومنظمات غير حكومية.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى