الدراسات البحثيةالعسكرية

منظمة الدفاع عن الشرق الأوسط :مُقترح لإقامة ناتو عربي – إسرائيلي

العدد الثاني مارس لسنة “2017 ” من مجلة العلوم السياسية والقانون

احدى اصدارات المركز الديمقراطي العربي

 

اعداد : السفير بلال المصري  – سفير مصر السابق لدي أنجولا وساوتومي والنيجر

 

نشرت صحيفة THE WALL STREET JOURNAL في 15 فبراير من مراسلتها ببيروت ماريا أبي حبيب بالإحالة علي مسئوليين شرق أوسطيين قولهم أن إدارة الرئيس الأمريكي Trump تُجري محادثات مع حلفاء عرب لتشكيل حلف عسكري يجمعهم يمكن أن يتقاسم المعلومات الإستخباراتية مع إسرائيل من أجل المساعدة في مواجهة إيران عدوهم المُشترك , وإتصالاً بذلك نشر موقع صحيفة الأهرام القاهرية في 6 مارس 2017 أن رئيس هيئة أركان الجيش المصري إلتقي الجنرال Petr Pavel رئيس اللجنة العسكرية بمنظمة حلف شمال الأطلنطي NATO بحضور عدد من قادة الجيش المصري , وأشار الموقع أنه وفقاً لبيان صادر عن الجانب المصري فإن الجانبين ناقشا مسائل إقليمية من بينها الموقف في ليبيا كما ناقشا التطورات الأخيرة ذات الصلة بالحرب علي الإرهاب والتنسيق والتعاون بينهما في هذا المجال , ومن جانبه أثني الجنرال الأمريكي علي الجهود المصرية في مواجهة الراديكالية والإرهاب وشدد علي دعم حلف الأطلنطي الكامل لهذه الجهود لتحقيق الأمن والإستقرار في الشرق الأوسط , من جهة أخري نشر موقع Middle East Eye في 2 مارس 2017 كما نشرت وكالة Anadolu التركية في13 مارس 2017 أن هناك حديث عن أن الرئيس الأمريكيDonald Trump يبحث عن تكوين تحالف بين دول عربية وإسرائيل لمواجهة جماعة داعش الإرهابية وإيران وأن هذا التحالف سيشمل دول مثل مصر والأردن والتي بينها وبين إسرائيل معاهدتي سلام , والمملكة العربية السعودية والإمارات العربية المُتحدة واللتان لا تربطهما علاقات دبلوماسية بإسرائيل , وأحالت الوكالة علي الإعلام الأجنبي إشارته إلي أن هذا التحالف الذي علي نمط منظمة حلف شمال الأطلنطي NATO سيُركز علي تقاسم مُنتظم للمعلومات الإستخباراتية والسماح للشركات العسكرية الإسرائيلية بالعمل في العالم العربي , كما أشارت إلي أن محللين يعتقدون أن التحالف المُقترح ما هو إلا مناورة إسرائيلية لتحويل التركيز من علي الصراع الفلسطيني الإسرائيلي وإغراء الشركاء الخليجيون , كما أن هذا التحالف يمكن أيضاً أن يكون إيذاناً لتدخل أمريكي أكبر في الشرق الأوسط يخدم بالتالي مصالح إسرائيل , وأحالت علي صحيفة الأهرام القاهرية قولها أن ورقة بحثية أعدها مركز أبحاث أمريكي عن تشكيل تحالف عسكري بالشرق الأوسط قُدمت إلي عواصم عربية , وأن هذا المُقترح سيشمل مصر والسعودية والكويت والإمارات العربية المتحدة والبحرين وعُمان والأردن فيما ستكون وضعية ” المراقب ” لإسرائيل , وسيكون هدف التحالف الرئيسي هو مواجهة داعش وإيران والتطرف الإسلامي , وأخيراً أحالت وكالة Anadolu أيضاً علي الخبير العسكري المصري صفوت الزيات إستبعاده تكوين مثل هذا التحالف وقوله ” إن المملكة العربية السعودية ودول الخليج العربي متحالفين مع تركيا وهي الدولة العضو بحلف NATO وهي دولة شرق أوسطية ذات وزن ثقيل , ومن ثم فلا مبرر للسعودية للإقتراب من إسرائيل طالما لم تُحل المشكلة الفلسطينية ” , فيما قال محلل آخر هو أنس القصاص ” إن دول الخليج علي إتصال (بإسرائيل) بعد علاقات ضبابية معها وذلك كجزء من جهودها في البحث عن شريك قوي ضد إيران ” وفيما يتعلق بالتحالف المُشار إليه قال ” إننا نتجه إلي ذلك ” مُضيفاً قوله ” إن المعادلة مازالت بعد غير جاهزة علي أية حال ” .

تقدير مـوقـف:
بادئ ذي بدء تنبغي الإشارة إلي أنه سيكون من المفيد – حتي مع النفي المُطلق من كل الأطراف لإقامة مثل هذا التحالف ليعمل علي أرض الواقع في بيئة سياسية تتسم بالسيولة والضابية وعدم الإتزان داخل المعسكر العربي – مناقشة هذا المُقترح , فذلك بالضرورة كاشف عن وهن وإضطراب إرادة العمل العربي المُشترك طيلة 60 عاماً مضت , فربما تكفي الإشارة إلي أن ترديد هذا المُقترح تزامن مع الإجتماع الوزاري الأخير لوزراء الخارجية العرب بالجامعة العربية والذي لم يشارك فيه سوي 14 وزير من 22 وزير خارجية فيما أناب وزراء خارجية السعودية والبحرين والكويت ولبنان والمغرب واليمن والصومال ممثليهم الدائمين لدي الجامعة للمشاركة في هذا الإجتماع التمهيدي للقمة العربية بالأردن .

من أجل محاولة تقدير موقف إنشاء تحالف شرق أوسطي مرتبط برباط ما بحلف الأطلنطي أو علي غراره وذلك وسط تدفق المعلومات المتضاربة عن الوضع السياسي العام والثنائي بالشرق الأوسط فإنه يمكن بواسطة إستدعاء التاريخ التعرف -علي الأقل- علي الإتجاه المُرتقب لمثل هذا المقترح بإستخدام المقارنة بين ما في باطن التاريخ والواقع العربي فيما يتعلق بالإرتباطات الدفاعية بين الدول العربية في إطار الجامعة العربية علي نحو خاص وهي هشة وشكلبية علي كل حال في التحليل النهائي لها , وفي سبيل ذلك أعرض لسوابق تاريخية رئيسية ذات صلة مباشرة بتلك المقارنة أو تكاد أن تكون كذلك , وكذلك لحالة التنظيم العسكري في إطار الجامعة العربية والذي يعكس وبدرجة ما أيضاً صعوبة التعاون الثنائي أو الثلاثي بين الدول العربية التي بينها وبين الولايات المتحدة إرتباطات عسكرية خاصة .

(1) منظمة الدفاع عن الشرق الأوسط :
في مطلع الخمسينات من القرن الماضي إجتهدت الدبلوماسيتين البريطانية والأمريكية في تأمين إقامة حائط صد قوي في منطقة الشرق الأوسط المُتاخمة للإتحاد السوفيتي لمنع وردع ومواجهة المد الشيوعي المُتجه إلي هذه المنطقة وفي سبيل ذلك وفي مناخ سياسي مُضطرب بالشرق الأوسط أجري البريطانيين إتصالاتهم مع عواصم المنطقة لإقامة نظام دفاعي أخذ مُسميات قريبة من بعضها البعض لكنها في النهاية عسكرية , وفي الواقع فإن الدعوة البريطانية لإقامة هذا النظام كان في خلفيتها حدثان مؤثران علي الموقف العربي والمصري بصفة خاصة , إذ أن بريطانيا والولايات المتحدة وفرنسا أصدروا إعلاناً ثلاثياً في مايو 1950 بشأن ما وصفوه بجهود السلام بين إسرائيل والعرب وعرض ثلاثتهم في هذا الإعلان أي محاولة لمراجعة أو تغيير خطوط الهدنة بالقوة وترشيد شحنات الأسلحة للمنطقة ( وهو ما مثل لاحقاً نقطة إختناق في العلاقات المصرية مع بريطانيا والولايات المتحدة ولولاها لقبلت مصر مشروع قيادة الشرق الأوسط في سياق مُعين) , أما التطور الآخر فكان النقطة الحرجة التي وصلت إليها العلاقات البريطانية المصرية بسبب إصرار مصر علي السيادةعلي السودان ورفع مصر للقضية برمتها لمجلس الأمن الدولي , وكانت مصر الملكية تدرك وبوعي عميق أن طرح موضوع قيادة الشرق الأوسط محاولة إلتفاف بريطانية علي قضية الجلاء البريطاني عن قاعدة القناة البريطانية وكذلك محاولة أمريكية لتنفيذ سياسة الإحتواء Containment في الشرق الأوسط , ومن ثم قامت مصر الملكية من جانب واحد بإلغاء معاهدة 1936 وأصبح الوجود البريطاني في قاعدة القناة (شرقي السويس) إحتلالاً بيناً لابد من مقاومته وبالوسائل العسكرية , مما أعطي الدوافع الأمريكية البريطانياً مبرراً أكبر لإقامة قيادة الشرق الأوسط .

واصلت مصر الملكية معارضتها لإقامة قيادة الشرق الأوسط علناً عندما أذاع في رئيس الوزراء المصري مصطفي النحاس باشا أول يناير 1952رده علي بيان الجنرال روبرتسون القائد العام البريطاني للشرق الأوسط الذي أشار فيه إلي تمسك بريطانيا بحلف الشرق الأوسط , كما أكد فيه أنه من الخطأ الإعتقاد بأن الإرهاب المصري (هجمات الفدائيين المصريين ضد القاعدة البريطانية في قناة السويس) يؤثر في تصميم القيادة الابريطانية , وتضمن رد رئيس الوزراء المصري أن مصر لن تبحث في أي إقتراح مع الغرب حتي يتم الجلاء , وفي هذا الوقت إحتج السفير البريطاني في القاهرة لدي الخارجية المصرية علي الإعلان عن مكافأة ألف جنية مصري منحتها جريدة “الجمهور المصري” الأسبوعية لمن يأتي برأس الجنرال أرسكين قائد القوات البريطانية في منطقة القناة , وفي 8 يناير 1952 أعلن عزام باشا أمين عام الجامعة العربية عن إقتراح يدعو إلي عقد تحالف بين مصر والولايات المتحدة , وفي 10 يناير 1952 ردت الحكومة المصرية علي بيان الرئيس الأمريكي هاري ترومان ورئيس الوزراء البريطاني ونستون تشرشل بأنها لا تقبل ربط قضيتها بمشكلة الدفاع عن الشرق الأوسط ضد الشيوعية , وفي 10 فبراير 1952 صرحت مصادر أمريكية أن الولايات المتحدة تشدد الضغط علي بريطانيا للموافقة علي المبادرة بإقامة قيادة مُتحالفة في شرق البحر الأبيض المتوسط , وفي 19 فبراير عُقد إجتماع بين وزير خارجية بريطانيا والسفير المصري في لندن لإيجاد قاعدة مُشتركة لحل النزاع المصري البريطاني في الوقت الذي أضعف هذا النزاع أمل الدول الأربع الكبري في إنشاء قيادة للشرق الأوسط , ومن ناحية أخري أعلن مُتحدث أمريكي ” إنه لو سمحنا للشرق الأوسط بالوقوع في قبضة روسيا فلن نستطيع المحافظة علي أوروبا الغربية حتي ولو إعتمدنا علي كل رجل قادر في أوروبا والولايات المتحدة ” , وفي هذا الوقت اُعلن عن نقل عتاد عسكري بريطاني من منطقة القناة إلي جزيرة قبرص , ومن ناحية أخري أعلن مصدر صحفي أمريكي أن سلاح الطيران الأمريكي يعمل علي إنشاء قاعدة جوية بالقرب من العاصمة نيقوسيا .

كانت مسألة إقامة منظمة الدفاع عن الشرق الأوسط من الأهمية بحيث أنها كانت من بين ثلاث نقاط خضعت للنقاش بين علي باشا ماهر والسفير البريطاني بالقاهرة في 27 فبراير 1952 وهذه النقاط هي بحث الجلاء عن مصر من الوجهة الفنية البحتة وموعد الإستفتاء في السودان وقصر الدفاع الإقليمي علي الدول العربية وجيرانها ( تركيا وإيران وأفغانستان والباكستان ) , وإتصالاً بذلك مباشرة , أعلن في 11 مارس 1952 عن إجتماع وزير الخارجية البريطاني في لندن بموسي شاريت وزير خارجية إسرائيل لبحث مسألة الدفاع عن الشرق الأوسط وأبلغه شاريت بأن مساهمة إسرائيل في قيادة الشرق الأوسط رهن بعقد صلح مع العرب , وفي 17 مارس أُعلن أن الخارجية البريطانية تقوم بدراسة ميثاق قانون الضمان الجماعي العربي ولا تري مانعاً في وقت ما من ضم نصوصه إلي مقترحات مشروع قيادة الشرق الأوسط ( لتوأد إستقلالية النظام الأمني العربي) , وبعد ذلك بيومين وصل إلي القاهرة وزير خارجية العراق فاضل الجمالي لشرح مشروع العراق لتنسيق الدفاع عن الشرق الأوسط لرئيس الوزراء المصري , وبعد ذلك بيوم أعلن عبد الخالق حسونة باشا أمين عام الجامعة العربية ” إننا بدأنا مرحلة إستطلاعية مع بريطانيا , وتشترط مصر المساواة وتسليح جيشها للإشتراك في الدفاع عن الشرق الأوسط وتقصره علي صد العدوان بعد الجلاء , أما الإستفتاء في السودان فمرهون بجلاء الإنجليز وبالتعاون مع الامم المتحدة لا تحت إشرافها ” , وفي 27 مارس ألمح رئيس وزراء العراق نوري السعيد في مباحثاته ببغداد مع الجنرال روبرتسون القائد الأعلي البريطاني في الشرق الأوسط إلي إيجاد تسوية للنزاع المصري البريطاني لما له من علاقة بمشروع الدفاع الإقليمي , وفي 6 مايو 1952 نشرت صحف القاهرة عن تردد أنباء عن إقتراح أمريكي بريطاني بشأن إنشاء إتحاد عربي يرتبط بحلف الأطلنطي ( وهو نفس الفكر الذي يُري حالياً مخبوءاً في خلفية مقترح إقامة تحالف شرق أوسطي ضد إيران والإرهاب الإسلامي) .

تطور التناول البريطاني الأمريكي لمسألة النظام الدفاعي عن الشرق الأوسط إذ أُعلن في 11 يونيو 1952 عن أنه يجري إعداد مُقترحات رباعية جديدة بشأن إقامة نظام للدفاع عن الشرق الأوسط تقدم إلي مصر والدول العربية , وتعتبر المقترحات السابقة أساساً للمشروع الجديد ومنها إعداد قبرص لتكون مقراً للقيادة العامة , وفي 25 يونيو صرحت الدوائر البريطانية أن وزير الخارجية البريطاني سيسلم السفير المصري في لندن رد بريطانيا علي مذكرة مصر الشفهية خلال الأيام القادمة وتتضمن نقطة الإلتقاء موافقة مصر علي الإنضمام إلي مشروع الدفاع المُشترك وقبول بريطانيا مبدأ سيادة مصر علي السودان , لكن لم يكن لذلك التصريح علاقة بالواقع , إذ أعلن المتحدث الرسمي المصري في 28 يونيو 1952 أن مصر مُتمسكة برفض كل محاولة من بريطانيا أو غيرها لإشراكها في أي نظام دفاعي قبل تحقيق الجلاء ووحدة وادي النيل , وفي 8 يوليو 1952 نشرت صحف القاهرة أنه من المتوقع أن يتم عقد معاهدة الصداقة المصرية الأمريكية قبل نهاية الشهر الجاري , وعلقت علي هذا الخبر بالقول بأن الولايات تقدمت لمصر بمشروع هذه المعاهدة منذعام 1948 .

ظلت مصر مُتمسكة بموقفها الرافض وبقوة لفصل مشاركتها في منظمة الدفاع عن الشرق الأوسط أو الدفاع الإقليمي عن قضيتي الجلاء والسيادة المصرية علي السودان , ولذلك أُعلن في 12 يوليو 1952 عن أن مؤتمر الدبلوماسيين البريطانيين العاملين بالشرق الأوسط ناقش مشروع إنشاء القيادة الخاصة بالدفاع عن الشرق الأوسط بدون إشتراك مصر فيها وإتخاذ قبرص مقراً لها علي أن يكون ذلك خطوة أولي نحو تنفيذ المشروع الكامل , لكن وعلي نحو مواز أعلنت الولايات المتحدة في 6 أغسطس 1952 عن رفضها للمشروع البريطاني المُؤقت الخاص بالدفاع عن الشرق الأوسط لعدم إشتراك أكثر من دولة فيه ( في الواقع إعتقد الأمريكيين أن عدم مشاركة مصر إفراغ للمضمون الجدي للقيادة)

كان مشروع قيادة الشرق الأوسط أبعد ما يكون عن تلبية الحد الأدني من الشروط المصرية للمصالحة مع البريطانيين فمصر رأت أن معاهدة 1936 سيحل محلها إتفاقية متعددة الأطراف قد تضم نيوزيلاند وأستراليا وجنوب أفريقيا ودول الهلال الخصيب وإيران والمشيخيات العربية بالخليج العربي وإسرائيل وكانت القوات البريطانية المُتمركزة في قاعدة قناة السويس سيستمر تمركزها لكن في إطار قيادة الشرق الأوسط أي أن الجلاء عن مصر سوف يترسخ , وقد أشارت نشرتي وزارة الخارجية الأمريكية بتاريخ 25 أكتوبر 1951 وبتاريخ 19 نوفمبر 1951 إلي الإعلان الرباعي الصادرعن بريطانيا وتركيا وفرنسا والولايات المتحدة في هذا الشأن وورد فيه ” إن الغرب يبحث عن سبل تطوير ” موقف قوة في الشرقين الأدني والأوسط يلقي إجماعاً بعد إندلاع الحرب الكورية في يونيو 1950. لأن النظام الدفاعي البريطاني في المنطقة أثبت أنه لا قيمة له لقضية الحلفاء خلال سني الحربين العالميتين ” , و ” إن مشكلة الإستراتيجية الغربية هي الحفاظ علي قاعدة قناة السويس داخل فلك الحلفاء ” ونظراً لصعوبة المفاوضات التي كانت جارية بين البريطانيين والمصريين في الفترة من يونيو 1950 وحتي يوليو1951, فقد أخذت (الولايات المتحدة) بزمام المبادرة بإغراء بريطانيا وفرنسا وتركيا ليصبحوا مع الولايات المتحدة مسئوليين عن قيادة حلفاء الشرق الأوسط والتي ستُدعي مصر للإنضمام إليها كعضو مُؤسس . إن النظام المعروض , يُؤمل منه تشكيل تحالف مُشترك لقاعدة بريطانية شاملة في منطقة القناة ستفي بالمطالب المصرية بإستبعاد الهيمنة البريطانية وإحتياجات التحالف في نفس الوقت …. إن الحلفاء كانوا قلقين إزاء مسألة تقوية دفاعهم ضد إتحاد الجمهوريات السوفيتية في ضوء رفض مصر للإقتراح الرباعي ” , ” كما أن إصدار البرلمان المصري في 15 أكتوبر 1951 قوانين تلغي إتفاقات الحكم الثنائي المُوقعة بين مصر وبريطانيا في عام 1899 بشأن إدارة السودان ومعاهدة 1936 دعا الحلفاء الأربع إلي إصدار بيان في 10 نوفمبر 1951 أرسوا فيه مجموعة من المبادئ يمكن لأي من دول الشرقين الأدني والأوسط بموجبها الإنضمام الطوعي للمنظمة المُقترحة برعاية الحلفاء ” , وإزاء أهمية وضع مصر الجيوسياسي لإقامة هذه المنظمة فقد أرسلت إليها دعوة رسمية في 13 أكتوبر 1951 للمشاركة في ” قيادة الشرق الأوسط ” , وتضمنت الدعوة 10 نقاط من أهمها النقطة الثامنة التي نصها ” وحفاظاً علي روح ما ورد بهذه الترتيبات فإن مصر ستكون مدعوة لقبول مركز في أعلي السلطة والمسئولية بالقيادة المُتحالفة بالشرق الأوسط وتعيين ضباط مصريين للإنخراط في هيئة أركان القيادة المُتحالفة للشرق الأوسط ” وأشارت النقطة التاسعة إلي ما نصه ” ستُعطي تسهيلات التدريب والتجهيز بالمعدات لقوات مصر من الأعضاء المُشاركين في القيادة المُتحالفة والذين هم في مركز يسمح لهم بذلك . ” , أما النقطة العاشرة فقد أشارت إلي ما نصه ” إن التنظيم التفصيلي لمنظمة الدفاع المتحالف للشرق الأوسط وعلاقتها تحديداً مع منظمة حلف شمال الأطلنطي NATO سيُشرع في العمل بشأنها بالتشاور بين كل القوي المعنية , ولهذا الغرض وجب إرسال الأعضاء المُؤسسين للقيادة المُتحالفة للشرق الأوسط ممثلين عسكريين لإجتماع يُعقد في القريب بهدف إعداد مُقترحات تفصيلية للإرسال للحكومات المعنية ” .

وبالرغم من أن مقترحات إقامة القيادة المُتحالفة للشرق الأوسط ظلت علي الورق , إلا أن الكرملين لم يقف مكتوف الأيدي ذلك أن قرب منطقتي الشرقين الأدني والأوسط من حدود الإتحاد السوفيتي أثار موجة من التصريحات العدائية من السوفييت لأن المنطقتين فيما لو مُررت مقترحات هذه القيادة وأنضمت إليها دول الإقليمين فإنهما ستكونان في حوزة بل قبضة القوي الغربية وفي مقدمتها الولايات المتحدة , ولهذا تبودلت المذكرات بين الإتحاد السوفيتي والولايات المتحدة في شأن خطة إقامة هذه القيادة منها المذكرة السوفيتية المُؤرخة في 24 نوفمبر 1951والتي وردت فيها هذه العبارة ” إن مقترحات والإعلان من جانب الحكومات الأربع يعطي دليلاً علي أن خطط منظمة ما يُسمي ” بقيادة الشرق الأوسط ” لا تعدو وأن تكون إلا محاولة لجعل بلاد الشرقين الأدني والأوسط متعهدين عسكريين (المعني الأكثر وضوحاً مقاولين عسكريين) لكتلة حلف شمال الأطلنطي NATO , وإتصالاً بذلك فإن الحكومات الأربع صاحبة مبادرة إقامة قيادة الشرق الأوسط ممن لديهم قوات وقواعد ببلاد الشرق الأدني يعززون بالفعل قواتهم هناك ” * ( J.C.HUREWITZ . DIPLOMACY in the NEAR AND MIDDLE EAST A Documentary Record .1914- 1956 . VOLUME 2 page 329 . D.VAN NOSTRAND COMPANY ,INC.) , وفي الواقع فإن ما ورد بمضمون هذه المذكرة السوفيتية يمكن للمرء أن يعتقد بدون شك في أنها يمكن أن تصلح للتكرار والإرسال مُجدداً في أيامنا هذه من الجانب الروسي للجانب الأمريكي في شأن ما تردد عن إقامة تحالف علي غرار التحالف الأطلنطي يضم دول شرق أوسطية (بدون إيران هذه المرة) حتي وإن أشار مؤسسي تحالف الشرق الأوسط الجديد أن حلفهم لمواجهة إيران والإرهاب فالخطوط المتداخلة للإستراتيجيتين الروسية والإيرانية في الشرق الأوسط تحديداً لا تجعل الروس في غني عن الإعتقاد بأن هذا التحالف في النهاية آت داخل خطوطهم هم أيضاً , وقد ورد في نص مذكرة الرد الأمريكية بعد الإشارة إلي أن السوفييت ضخموا مسألة قيادة الشرق الأوسط وأن إتهامهم بأن قيادة الشرق الأوسط ذات ” نوايا عدوانية ” أكد الأمريكيون للسوفييت ما نصه ” إن إعلان المبادئ المنشور بمعرفة المملكة المتحدة وفرنسا وتركيا والولايات المتحدة في 10 نوفمبر 1951 جعل الأمر واضحاً بجلاء بأن قيادة الشرق الأوسط معنية بتحقيق : (1) إنشاء تنظيم تعاوني دفاعي طوعي لمد عموم منطقة الشرق الأوسط بالأمن في حالة ما إذا أضحت هدفاً لإعتداء خارجي و (2) لمساعدة بلدان المنطقة في الحفاظ علي وتقوية إستقلالها وحريتها حتي لا يكدر مناخ ملبد بسحب الخوف تطور وإزدهار إقتصادها ومؤسساتها الإجتماعية وذلك من أجل أمنهم , إن مقترحات قيادة الشرق الأوسط تأسست علي الحق الأصيل في الدفاع عن النفس والمُبين في المادة 51 من ميثاق الأمم المتحدة ” ثم أشارت المذكرة في موضع آخر منها إلي ” الولايات المتحدة تذكر الحكومة السوفيتية بأنه وبتاريخ 25 نوفمبر 1940 قدم مفوض الشعب للشئون الخارجية لإتحاد الجمهوريات السوفيتية Molotov بمقترح سلمه إلي Schulenberg سفير الحكومة النازية الألمانية تضمن تحديداً لمناطق النفوذ بين قوي المحور وإتحاد الجمهوريات السوفيتية , وتضمن هذا المُقترح فيما تضمنه أن يُتاح لإتحاد الجمهوريات السوفيتية إقامة ” قاعددة للقوات البرية والبحرية ” في شريط من أراضي منطقة المضايق التركية وفي المنطقة الواقعة إلي الجنوب من Batum و Baku في الإتجاه العام نحو الخليج الفارسي والمُتعارف عنه أنه مناط التطلعات السوفيتية . في ضوء الموقف السوفيتي إزاء منطقة الشرق الأوسط منذ نهاية الحرب العالمية الثانية , فإن حكومة الولايات المتحدة يمكنها فقط أن تفترض أن الأهداف الموضوعة بواسطة السيد Molotov عام 1940 تظل هي سياسة الحكومة السوفيتية ” * (المرجع السابق) , ومثلما هي الطبيعة التطابقية لمضمون المذكرة السوفيتية مع السياق العام لمجريات الأوضاع السياسية والإقتصادية بالشرق الأوسط كانت المذكرة الأمريكيبة المُؤرخة في 18 ديسمبر 1951 كذلك .

تثبت الوثائق الرسمية الأمريكية أن الإهتمام الأمريكي بمنطقتي الشرقين الأوسط والأدني إضطرد وتسارع بعد الحرب العالمية الثانية , فبعد زهاء 4 أشهر من توليه منصبه كوزير لخارجية الولايات المتحدة قضي John Foster Dulles الفترة من 11 إلي 28 مايو 1953 في أسفار جاب خلالها دولاً عدة بهاتين المنطقتين ووضع تقريراً عن وقائع زياراته لها , ومن أهم الفقرات الواردة بهذا التقرير ما نصه ” واليوم فإن الشعوب العربية تخشي من أن الولايات المتحدة سوف تساند دولة إسرائيل الجديدة في توسعها العدواني , وهم أكثر خشية من الصهيونية من خشيتهم من الشيوعية ويخشون من ان تصبح الولايات المتحدة مساندة للتوسعية الصهيونية ” , وفي الفقرة الرابعة الخاصة بالسلام بين العرب وإسرائيل أشار وزير الخارجية Dulles إلي ” أن إسرائيل يجب أن تكون جزءاً من مجتمع الشرق الأدني وهذا ممكن , وأنه ولتحقيق ذلك فإن علي الجانبين أن يُقدما تنازلات وأن مسئولية جلب السلام للمنطقة تقع علي عاتقهما وسوف لا تتردد الولايات المتحدة في إنتهاز أي وسيلة لإستخدام نفوذها للترويج لخفض التوتر بالمنطقة خطوة خطوة ” .

ضغطت قضيتي الجلاء البريطاني عن مصر والسيادة المصرية علي السودان علي المقترح البريطاني الذي كانت الولايات المتحدة تتابعه بإهتمام وبقليل من المشاركة إلي أن تقدمت بعد أن وضح من خلال مداخلة للسيد لويس جونز مدير إدارة الشرق الأدني بالخارجية ألقاها في حلقة دراسية في مجلس العلاقات الخارجية عام 1950 حول السياسة الأمريكية في الشرق الأوسط أنه ” في الوقت الذي كانت فيه القوة البريطانية تتراجع فيه , تلقت الولايات المتحدة من أصدقائها بالشرق الأوسط كثيراً من الإقتراحات لتقديم إلتزامات فإبن سعود والأتراك (رفضوا الإنضمام لقيادة الشرق الأوسط إلي أن يتأكدوا من قبول عضويتهم بحلف الأطلنطي) الذين كنا نساعدهم مالياً كانوا يريدون معاهدات تحالف ومساعدة ثنائية بل إن بعض المصريين من ذوي الأفكار الحسنة كانوا يريدون من الولايات المتحدة تقديم الأسلحة والقوات كوسيلة للتخلص من الإحتلال البريطاني البغيض …..” , وكما أشار صحفي أمريكي شهير فإنه وخلال عامي 1949 – 1950 توصل المسئولون المعنيون في واشنطن إلي إستنتاجات عديدة أولاً كان محسوساً أنه ربما أن الوقت قد حان لإعتبار الإتفاقيات الثنائية غير ناجعة في الشرق الأوسط وإن ظلت السعودية حالة خاصة … وخلص الصحفي إلي أنه وتأسيساً علي الإعتبارات السابقة إقترح خبراء الشرق الأوسط الأمريكيون في واشنطن أن يكون الرد الفعال علي المشكلة القائمة بالشرق الأوسط هو نظام جديد متعدد الأطراف * ( جيفري أرونسن . واشنطن تخرج من الظل / السياسة الأمريكية تجاه مصر 1946 – 1956 . تقديم محمد سيد أحمد وترجمة سامي الرزاز . دار البيادر للنشر والتوزيع طبعة أولي 1987) , وتم إيفاد جورج ماك جي للقاهرة في منتصف فبراير 1951لتحديد الآراء الأمريكية بشأن النظام الدفاعي الجديد وعرض هناك مساعدة عسكرية وإقتصادية أمريكية غير محددة لعرقلة التخريب الشيوعي وعبر عن قلق الولايات المتحدة من أن ” الحياد المصري ” يشكل عقبة أمام تعزيز تحالف معاد للسوفييت في الشرق الأوسط , وكانت التعليمات المُعطاة لماك جي هي في الحقيقة من واقع خطاب كتبه وزير الخارجية الأمريكي دين إتشسون لوزير الدفاع جورج مارشال في أواخر يناير 1951 يطلب فيه تعاون وزارة الدفاع في إجراء إستعراض للسياسة في الشرق الأوسط , ووفقاً لما جاء في مذكرات إتشسون فإن الخطاب كان يحدد الحاجة لتنظيم ما أعقب الحرب من تقسيم المسئولية الغربية عن عسكرة الشرق الأوسط في الحرب الباردة , وكان وزير الخارجية إتشسون يري كما ورد بمذكراته أن مشروع قيادة الشرق الأوسط لم يكن إلا وسيلة بريطانية لوقف تآكل النفوذ البريطاني , وأنه ومع ذلك أيدت الخارجية الأمريكية قيام هذه القيادة علي أمل ربطها بها مستقبلاً , وكانت هذه القيادة وفقاً للويس جونز ” محاولة لصنع أحجار بناء من الطين دون تقويتها بالقش ” وكان الدور الأمريكي في هذه القيادة مُنحصراً في في المشاركة في هيئة الأركان المُندمجة . * ( المرجع السابق صفحة 67)

أشار الصحفي الأمريكي جيفري أرونسن في معرض بيان تعثر الخطة البريطانية / الأمريكية لإقامة نظام دفاعي بالشرق الأوسط مُتصل بجهود حلف شمال الأطلنطي لمواجهة الخطر والمد الشيوعي إلي ما نصه ” ولكن من سوء حظ وزارة الخارجية الأمريكية , فإن العسكريين كانوا لم يتولوا السلطة في مصر بعد (يقصد قادة الإنقلاب العسكري في 23 يوليو 1952) أما أولئك الذين كانوا مايزالون يتولون الحكم في مصر (أي السياسيين المدنيين) فقد نظروا إلي الإصلاحات الواردة في إقتراح القوي الأربع (الإعلان الرباعي المُشار إليه آنفاً) بإعتبارها مجرد واجهة لإستمرار إخضاع مصر سياسياً وعسكرياً , وبناء علي هذا الموقف فقد أعلن السفير المصري في واشنطن في 15 أكتوبر 1951 رفض مصر لإقتراح قيادة الشرق الأوسط علي أساس أن مصر لم تُستشر مسبقاً بشأن المقترحات المُشتركة المُقدمة إليها , ولم تُدع للمشاركة في وضعها (إحساس عال من هؤلاء بالمكانة لا بالضعة) ولم تقف علي مضمون هذه الإقتراحات إلا يوم تقديمها , وأنه ومع ذلك فقد كانت هذه المُقترحات موضع دراسة مُتأنية من الحكومة المصرية التي وجدت فيها إستمراراً لإحتلال مصر ليس من قبل بريطانيا فحسب وإنما من قبل قوي أخري أيضاً وهو الإحتلال الذي ثارت عليه مصر علي مدي70 عاماً , وعليه فإن هذه المُقترحات لا تعترف بالأماني الوطنية المصرية ولا تضع حداً لإحتلالها من قبل بريطانيا * ( المرجع السابق صفحة 68) , وكان رفض مصر لإقامة قيادة الشرق الأوسط MEDO عبارة عن قتل للمشروع حتي ولو كانت هناك ثمة إمكانية لإقامة تحالف بدون مصر تم الحديث بشأنها لوقت قليل . * ( NADAV SAFRAN . FROM WAR TO WAR .PEGASUS NEW YORK 1969 . Page 103)

أما فيما يتعلق بمنظمة الدفاع عن الشرق الأوسط فقد أشار الوزير Dulles في تقريره إلي ” أنها إمكانية مستقبلية أكثر من كونها عاجلة والعديد من الدول الأعضاء بالجامعة العربية في شجار مع إسرائيل أو الولايات المتحدة أو فرنسا ويولون القليل من الإهتمام لخطر الشيوعية السوفيتية , وعلي أية حال فهناك كثير مما يقلق من قرب الإتحاد السوفيتي (من المنطقة) وعموماً فإن الصف الشمالي من أمم هذه المنطقة علي وعي بهذا الخطر . هناك ثمة رغبة غير واضحة لحيازة نظاتم دفاع جماعي وبينما ننتظر الإنشاء الرسمي لتجمع أمني , فإن الولايات المتحدة يمكنها أن تقدم مساعدة مفيدة بتقوية الدفاع المُترابط لهذه البلاد التي تريد ذلك ولا يكون ذلك ضد بعضها البعض أو ضد الغرب لكن لمقاومة التهديد المُشترك لكل الشعوب الحرة” , وكان الجانب العسكري في صدارة أولويات الإستراتيجية العالمية للولايات المتحدة جنباً إلي جنب مع برنامج النقطة الرابعة الذي قال عنه الرئيس ترومان في رسالة للشعب الأمريكي في يناير 1952 ” ليس في سائر نواحي سياستنا الخارجية ناحية أخطر ولا أهم من هذه النقطة , إذ لاشيئ أكثر منها أيضاحاً لما نعمل وبياناً لما نناضل وشرحاً لما نريد أن نحققه , إن هدفنا من هذا البرنامج هو ان نمكن غيرنا من مشاركتنا في المعرفة التي أُتيناها والخبرة الفنية التي إكتسبناها ونطبقها بروح التعاون ” , وفي أواخر عام 1951كان لبرنامج النقطة الرابعة مشروعات جديدة في 33 دولة , ولهذا نجد الرئيس ترومان عندما تطرق لموضوع السلامة في الشرق الأدني شدد علي الإهتمام الأمريكي علي الجانب العسكري / الدفاعي في هذه المنطقة حيث قال ” ونحن عاملون مع غيرنا من الأمم علي تعزيز مقدرة الشرق الأوسط الدفاعية بإنشاء قيادة له , تتولي معاونة دوله في إعداد العدة لمقاومة العدوان السوفيتي , إن سياسة أمريكا ترمي إلي ما وراء الموقف الحاضر في الشرق الأوسط ” * (سياسة أمريكا الخارجية في عام 1952 . ترجمة الأستاذ عباس حافظ . من سلسلة كتب عن السياسة الخارجية . صدر في مارس 1952 من مكتب الشئون العامة في واشنطن . صفحة 40) .

كان هناك تناول آخر لبريطانيا والولايات المتحدة لمشروع الدفاع عن الشرق الأوسط بعد الإنقلاب العسكري في مصر في 23 يوليو 1952 إذ أكد رئيس الوزراء المصري في 10 أغسطس 1952 أن بريطانيا لم تفاتح مصر حتي الآن بشأن المشروع ودور مصر فيه , فيما أشارت الصحف البريطانية بأنه في حالة قبول مصر المساهمة فيه فإن اللواء محمد نجيب (قائد الإنقلاب) سيتولي منصباً هاماً من مناصب القيادة العليا للهيئة علاوة علي منصب القائد العام لقاعدة قناة السويس, كما أن الولايات المتحدة بعد إنقلاب 23 يوليو 1952 – كما أشار إليه الصحفي الأمريكي جيفري أورونسن – تلقت من النظام المصري ” الحالي ” تأكيدات سرية بأن مصر مُستعدة للتعاون مع الغرب في مقابل مساعدات إقتصادية وعسكرية , وأنه في هذه الحالة فقد يوفر إمدادها بالمعونات العسكرية مفتاحاً لحل مشكلة قناة السويس , وقد يدخل مصر في منظمة الدفاع عن الشرق الأوسط ( وهو الأسم البديل لقيادة الشرق الأوسط وهو أقل طموحاً من سابقه فهو إطار تنظيمي لكن بلا قوات) , ومن المُؤكد تقريباً أن موافقة مصر علي المشاركة فيها ستُفضي إلي إلتزام الدول العربية الأخري بذلك ( المرجع السابق.صفحة 101) .

أشار الصحفي جيفري أرونسن أن اللواء محمد نجيب أفاده في 10 ديسمبر 1952 ” أن مصر لا تستطيع أن تبقي مُحايدة ولا تنوي ذلك , وأنه بالنسبة للحرب الباردة فإنها تنتمي للغرب ” , وبالإضافة إلي ذلك أعرب اللواء نجيب عن رغبته ليس فقط في الحصول علي معونة عسكرية أمريكية بل وفي وجود بعثة عسكرية مثلما هي في تركيا , وظل البريطانيين بالرغم من تأثير قوي وضاغط لمفاوضاتهم مع مصر يعملون مع الأمريكيين لتحقق نظام دفاعي عن الشرق الأوسط والذي رآه كلاهما مفيداً علي صعيدين الأول بريطاني وهو إيقاف تقلص التواجد العسكري البريطاني في الشرق الأوسط والثاني عام وهو القدر من الإمكانية المتاحة للدمج بين منظمة (أو قيادة) الدفاع عن الشرق الأوسط وبين حلف شمال الأطلنطي مع منح دور للدول العربية المتحمسة لممارسة دور المتعهد أو المقاول العسكري , ولهذا وافقت إدارة الرئيس ايزنهاور في 9 مارس 1953 علي الصفقة الكاملة التي تقدم بها رئيس الوزراء البريطاني أنتوني إيدن لتسوية المسألة المصرية والتي تضمنت : (1) الإحتفاظ بقاعدة قناة السويس في وقت السلم بحيث يُعاد تشغيلها فوراً في وقت الحرب و(2) ترتيب الدفاع الجوي عن مصر و(3) إنسحاب مرحلي للقوات البريطانية المسلحة من الأراضي المصرية و(4) إشتراك مصر في منظمة الدفاع عن الشرق الأوسط و(5) برنامج للمساعدات العسكرية والإقتصادية لمصر , ولم يوافق مجلس قيادة (الثورة المصري) علي هذه المقترحات ورفض تدخل الولايات المتحدة بأكثر من بذل المساعي الحميدة وكانت المقترحات البريطانية المُشار إليها تحظي بقبول أمريكي .

علي كل الأحوال فقد كان مُقترح إنشاء قيادة أو منظمة للدفاع عن الشرق الأوسط هو الأساس الذي يُبني عليه المُقترح الحالي أو المُرتقب في تكوين تحالف أو قيادة لمواجهة الإرهاب وإيران , وهو التحالف الذي يجمع دول مُختارة بعناية من قبل القيادة العسكرية المركزية للولايات المتحدة USCENTCOM والمؤسسات المعنية بواشنطن , فعندما قام وزير الخارجية الأمريكي Dulles بزيارته للشرق الأوسط في لفترة من 11 إلي 28 مايو 1953 كان ذلك في إطار توجه أمريكي بوضع الشرق الأوسط داخل سياسة الإحتواء من أجل تطبيق ترتيبات الدفاع عن مصالح الولايات المتحدة والتي من بينها وقف ومواجهة وردع الزحف الشيوعي والحفاظ علي أمن إسرائيل ولهذا فقد أشار معهد بروكينجز في بحث وُضع عام 1950 إلي أن وسائل الدفاع الأمريكية مرحلية وكانت – وفقاً لهذا البحث – علي النحو التالي :

– إستخدام التسهيلات التي تتوفر لبريطانيا في منطقة الشرق الأوسط مثل القواعد الأمريكية بالظهران بالسعودية وأضنه بتركيا والقواعد البريطانية بالأردن وليبيا للإضطلاع بمتطلبات الدفاع .
– تساعد كل من بريطانيا والولايات المتحدة الدول التي تقبل التعاون مع الغرب في الدفاع عن العالم العربي ضد الخطر الشيوعي وأول هذه الدول تركيا .
– توصي دول الغرب بعض دول المنطقة بأن تكون فيما بينها منظمة إقليمية للدفاع دون أن تشترك فيها الدول الغربية (نفس سيناريو اليوم) , وهذه المرحلة هي التي بدأ بها حلف تركيا – باكستان (المُوقع في أبريل 1945) والذي تطور لاحقاً وأتخذ نطاقاً أوسع مدي .
– إذا ما نجح الغرب في تكوين هذه المنظمة الجديدة فسيتسني للولايات المتحدة وبريطانيا أن تشتركا في هذه المنظمة كأعضاء مساهمين بواجب الدفاع .
– تنضم هذه المنظمة بصورتها النهائية إلي منظمة حلف شمال الأطلنطي , وبذلك تكتمل سياسة الحصر من المحيط الأطلنطي حتي الحدود الغربية لشبه القارة الهندية ( وهي مرحلة أعتقد أن المقترح الحالي لإقامة تحالف شرق أوسطي سيصل إليها )
أنتهي أمر بحث هذه القيادة أو المنظمة عندما تداخلت خطوط قضية تمويل السد العالي وصفقة السلاح التشيكي لمصر كما هو مُتداول ومعروف , ففي لقاء جمع وزير الخارجية محمود فوزي بنظيره الأمريكي Dulles أشار الأول إلي أن منظمة الدفاع عن الشرق الأوسط هي ” بالتأكيد مسألة غير مُحددة المعالم ” , وأردف قائلاً ” هناك أحياناً إختلافاً عميقاً بين الأوراق المُوقعة وبين طبيعة الأشياء ” , بل إن الرئيس اللواء محمد نجيب قال لوزير الخارجية Dulles في لقاءه به بالقاهرة أنه يمكن تطوير ميثاق الأمن الجماعي العربي ثم أشار إلي أنه واثق من أنه وبعد جلاء البريطانيين أنه يستطيع التوصل لإتفاق مع إسرائيل , لكن Dulles ربط بين تزويد مصر بالسلاح الأمريكي والسلام مع إسرائيل والأمن الجماعي , وإعترف Dulles بأنها ( أي قيادة الشرق الأوسط) أصبحت غير ذات بال مُعبراً عن إعتقاده في إمكانية إيجاد شيئ آخر , وأنتهي أمر مشاركة مصر في منظمة الدفاع عن الشرق الأوسط نتيجة المساومات والتسويف البريطاني والأمريكي لطلبات التسليح المصرية وربطها تلازمياً مع المفاوضات بشأن الجلاء عن مصر والسلام مع إسرائيل وأعلنت وزارة الخارجية المصرية في 27 ديسمبر 1954 عن ” إعتزام مصر إنتهاج سياسة عدم تعاون في الحرب الباردة “وهي سياسة كان من بين عناصرها الإعتراف بجمهورية الصين الشعبية وإقامة علاقات دبلوماسية بجمهورية ألمانيا الديموقراطية وزيادة عدد وحجم البعثات الدبلوماسية المصرية لدي دول الكتلة السوفيتية .

كما كان مُتوقعاً وبناء علي نتائج العدوان الثلاثي علي مصر التي كان من أهمها إنحسار الدور العسكري / الدفاعي لبريطانيا في الشرق الأوسط , فقد تولت الولايات المتحدة وضع أساس أمريكي محض لإستراتيجيتها العسكرية في الشرق الأوسط إستمد مفهومه الإساسي من مفهوم قيادة الشرق الأوسط , وكان هذا الأساس – الذي يمكن إعتباره أحد الموارد الرئيسية للإستراتيجية العسكرية الأمريكية في الشرق الأوسط – هو مشروع إيزنهاور المُعلن في 5 يناير 1957 , ومن المهم جداً الإشارة إلي الأفكار الأمريكية التي تحكمت في صياغة هذا المشروع لصلة ذلك بنفس التفكير الأمريكي حالياً , فقد قال إيزنهاور في خطابه أمام الكونجرس في 5 يناير 1957 ” منذ وقت طويل وحكام روسيا يسعون في سبيل السيطرة علي الشرق الأوسط ويصدق هذا علي القياصرة كما يصدق علي البلاشفة ” وأضاف ” ليست رغبة روسيا في السيطرة علي الشرق الأوسط ناجمة عن مصلحتها الإقتصادية في المنطقة , فروسيا لا تستخدم قناة السويس إلي حد كبير ولا تعتمد عليها , ففي عام 1955 كانت حركة المرور السوفيتية في القناة لا تمثل إلا ثلاثة أرباع الواحد في المائة من مجموع حركة المرور , وليس للسوفييت من حاجة لموارد البترول في هذه المنطقة فهم يستطيعون تدبير الأسواق لهذه الموارد , بل الحق أن الإتحاد السوفيتي مصدر كبير لمنتجات البترول , إن السبب في إهتمام روسيا بالشرق الأوسط هو السيطرة الغاشمة وحدها …. ” (وهو نفس الدافع الغربي) , وأضاف وزير الخارجية Dulles لهذا إيضاحاً عندما قال في مؤتمراته الصحفية ” إن بعض الدول الغربية (فرنسا وبريطانيا) كانت قادرة إلي وقت قريب علي صد العدوان الشيوعي في الشرق الأوسط , ولكنها أصبحت لأسباب سيكولوجية ومالية وسياسية مختلفة عاجزة الآن عن مواجهة هذا الخطر” , كان مشروع إيزنهاور ينطوي علي جانبين أساسيين هما الجانب العسكري وأوضحه وزير الخارجية Dulles بجلاء في كلمته لأعضاء لجنة الشئون الخارجية بالكونجرس في 17 يونيو 1957 وقال” إن في وسع الولايات المتحدة أن تساعد دول الشرق الأوسط علي إنشاء قوات أمن مناسبة خاصة بها , دون أن يؤدي ذلك إلي بدء سباق للتسليح بين الدول العربية وإسرائيل , وذلك لأن مثل هذه القوات المحلية المحدودة المُجهزة أحسن تجهيز والموالية للولايات المتحدة عنصر أساسي من عناصر الدفاع ولاسيما ضد أعمال التخريب ” , أما الجانب الإقتصادي فيتمثل في قيام الولايات المتحدة بتقديم مساعدات إقتصادية لدول الشرق الأوسط , ولقد أوجز وزير الخارجية Dullesمرامي الولايات المتحدة في المنطقة عندما صرح أمام لجنة الشئون الخارجية بمجلس النواب الأمريكي في 15 يناير 1957 بقوله ” إن الولايات المتحدة تؤمن بأن معونتها العسكرية والإقتصادية ضرورية لتفادي ضياع الشرق الأوسط ” .

رفضت مصر كذلك مشروع إيزنهاور ومعها المملكة العربية السعودية وقبلته باكستان وإيران والعراق وإيران وهي دول حلف بغداد الذي عارضته مصر أيضاً بإعتباره إمتداداً لسياسة تكوين الأحلاف والمحاور التي نأت عن الإنخراط فيها مصر آنئذ , وأعلن الرئيس عبد الناصر في يناير 1957 بالإشتراك مع الملك سعود والملك حسين معارضة سياسة ” ملأ الفراغ ” وأعلن ثلاثتهم عدم السماح بأن تكون دولهم منطقة نفوذ لأية دولة أجنبية .

(2) الدفاع في إطاري الجامعة العربية والثنائي :
كانت الجهود / الضغوط أو لنقل التحركات البريطانية / الأمريكية بشأن إقامة قيادة الشرق الأوسط كتنظيم عسكري تنطلق من نقطتين مختلفتين فقد كانت بريطانيا تري عدم إشراك دول الشرق الأوسط في الدفاع عن المنطقة لتخلف هذه الدول حربياً وإقتصادياً علي أن تحتفظ بريطانيا بقوات في الشرق الأوسط لضمان مصالحها علي أن تقوم الولايات المتحدة وتركيا وإسرائيل بالدفاع عن المنطقة علي أساس أن مفهوم الدفاع هنا ينصرف علي مواجهة العدوان السوفييتي بقوات مُدرعة منقولة جواً تعاونها سيطرة جوية وتتواجد هذه القوات في شرق الأردن ومصر والعراق , أما الولايات المتحدة فقد كانت تري أن تنهض دول المنطقة بواجبات الدفاع عنها ( وهو ما سينهض به إن نشأ تحالف الشرق الأوسط المُقترح حالياً من جهة أمريكية غير مُحددة) بحيث تنخرط دول الشرق الأوسط في منظمة الدفاع عن الشرق الأوسط وعلي هذا الأساس ينبغي أن تُحل المشاكل التي كانت عالقة آنئذ مثل البترول الإيراني وقناة السويس , وكما تقدمت الإشارة فقد رفضت مصر الملكية والجمهورية مُقترح إقامة قيادة أو منظمة للشرق الأوسط , وكانت الدول العربية الرئيسية والمُستقلة علي وعي بضرورة التضامن فيما بينها وإنطلاقاً من ذلك أُعلن في 7 أكتوبر 1944 عن ميلاد الجامعة العربية وكان من الأهداف الأساسية التي رمي إليها العرب من مولدها : تحقيق الإستقلال لكافة الدول العربية وتوحيد السياسة العسكرية بين جميع الدول العربية , وتنفيذاً لهذا الهدف دعت مصر ووقعت مع الدول العربية معاهدة الضمان الجماعي في 17 يوليو 1950 التي تضمنت :

أولاً / عند وقوع إعتداء من دولة من الدول الأعضاء أو كان يُخشي وقوعه فللدولة المُعتدي عليها أو التي يُخشي الإعتداء عليها أن تطلب دعوة مجلس الجامعة العربية للإنعقاد لإقرار التدابير اللازمة لدفع هذا الإعتداء وذلك بإجماع الآراء .
ثانياً / إذا كان الإعتداء من دولة من الدول الأعضاء لا يدخل صوت الدولة المُعتدية في إجماع الآراء , وإذا وقع الإعتداء ولم تتمكن الدولة من طلب عقد مجلس الجامعة فلممثل تلك الدولة الحق في طلب إجتماع المجلس .
ثالثاً / يعتبر الإعتداء علي أي دولة من الدول الأعضاء إعتداء علي جميع الأعضاء , لذا يجب أن تبادر جميع الدول إلي معونة هذه الدولة مُتخذة جميع التدابير لرد الإعتداء وإعادة الأمن والسلام .
رابعاً / تتعهد كل دولة من الدول الأعضاء بألا تعقد إتفاقاً دولياً يناقض هذه المعاهدة .

لكن وخلافاً لما تم الإتفاق عليه في مؤتمر وزراء الخارجية العرب بالقاهرة في ديسمبر 1954 وُجهت أول ضربة لمعاهدة الضمان الجماعي العربي من العراق حين قبل الإنضمام لحلف بغداد , وهو الحلف الذي إنضمت إليه بريطانيا وإيران إليه وكان مقره بغداد وعقد مجلسه الدائم أولي جلساته في قصر الزهور ببغداد في 21 نوفمبر 1955 برئاسة رئيس الوزراء العراقي نوري السعيد وضم كل من إيران والعراق وباكستان وتركيا والمملكة المتحدة وقبلت الولايات المتحدة دعوة دوله للمساهمة في إجراءات الإجتماع بإيفاد مراقبين ورحب مجلس الحلف برغبة الولايات المتحدة لتأسيس لجنة إرتباط سياسية وعسكرية دائمة وأن يكون لها مراقب في الإجتماع التأسيسي للجنة الإقتصادية , وأُعلن عن إلغاء معاهدة 1930 المعقودة بين بريطانيا والعراق ووُقعت معاهدة تحل محلها نصت علي التعاون والإرتباط العسكري والسياسي بين البلدين وعلي حق بريطانيا في إستخدام المطارات والقواعد العسكرية العراقية لصالح الجيش البريطاني , وكان الأردن في سبيله للإنضمام إلي هذا الحلف لولا ثورة الشعب الأردني ضد حكومة هزاع المجالي التي كان من أبرز نتائجها طرد جلوب باشا , بينما رفضت مصر عرضاً تركياً بالإنضمام لهذا الحلف تأكيداً لسياستها القاضية بعدم الإنخراط في أية أحلاف حفاظاً علي حيادها .
خرجت العلاقات الدفاعية العربية من إطار الجامعة العربية لتستقر في إطار ثنائي إما لإنه بديل أو لأنه ضروري في ضوء عدم

الإستقرار والإستقطاب الذي إتسمت به العلاقات العربية في فترتي الخمسينات والستينات والأثر السلبي للإنقلابات العسكرية والتقسيم التعسفي للعالم العربي ما بين نظم وُصفت جزافاً بالرجعية ونظم أخري وُصفت بغير تحري الدقة بالتقدمية , مما أدي إلي إنقسام العالم العربي هذا الإنقسام الذي بدأ بمحاولة الرئيس المصري جمال عبد الناصر بفرض وجهة نظره بشأن الإرتباطات العسكرية لبعض النظم العربية بالقوي الدولية وكانت حالة حلف بغداد هي أول حلقة رئيسية من حلقات الإنقسام العربي مروراً بحرب اليمن التي خاضها الرئيس جمال عبد الناصر ضد الإمام محمد البدر حميد الدين القوة الشرعية الحاكمة في اليمن دعماً لما سُمي بالثورة اليمنية التي أطاحت به في 26 سبتمبر 1962 وكان هذا الإنقلاب أحد حلقات الإنقلابات العسكرية بالعالم العربي التي رسخت ما أُصطلح عليه بتسلط العسكرتارية علي مصير الشعوب العربية وكانت أقوي كوابح العملية الديموقراطية العربية , وكانت حرب اليمن بالإضافة إلي كونها أحد ظواهر الضعف السياسي كانت أيضاً أحد عوامل رئيسية في نكبة حرب 5 يونيو 1967 فقد تمركز في اليمن ما لا يقل عن 70,000 جندي مصري بعيداً عن مقر الصراع الوحيد الذي يتحتم علي مصر التفرغ له وهو الصراع مع إسرائيل ,وآثر الرئيس عبد الناصر دعم النظام الجمهوري باليمن الذي تعرض لإنقلاب آخر سُمي بالإنقلاب الناصري في 15 أكتوبر 1978 الذي فشل في الإطاحة بحكم الرئيس علي عبد الله صالح الذي تمسك بالسلطة والفساد في آن واحد حتي أسقطته الثورة الشعبية اليمنية التي بدأت من جامعة صنعاء في 11 فبراير 2011 .

في محاولة لرفع فاعلية معاهدة الضمان الجماعي التي تأثرت بحالة الإنقسام بسبب المحاولات الغربية لإستقطاب الدول العربي لإنشاء تنظيمات تحقق هدف رئيسي هو حماية المصالح الغربية بالشرق الأوسط أعلنت مصر وسوريا عن معاهدة للدفاع المُشترك بينهما وُقعت في20 أكتوبر 1955 إعمالاً لما نصت عليه الفقرة الأولي من المادة التاسعة من ميثاق جامعة الدول العربية , وأشارت المادة الثانية من هذه المعاهدة علي ” تعتبر الدولتان المُتعاقدتان كل إعتداء مُسلح يقع علي أية دولة منهما أو قواتهما إعتداء عليهما ….. وتتعهد الدولتان المُتعاقدتان بألا تعقد أيا منهما صلحاً مُنفرداً مع المُعتدي أو أي إتفاق معه دون موافقة الدولة الأخري ” , ثم وعلي غرار هذه المعاهدة وقعت مصر والسعودية معاهدة دفاع مُشترك في 27 أكتوبر 1955 , ثم صدر في 10 أبريل 1956 بيان رسمي مُشترك عن سوريا والأردن مُكوناً من 4 نقاط ورد في النقطة الأولي منه ” … ويؤكد الطرفان أن مسئولية الدفاع عن بلديهما وعن الوطن العربي العام تجاه الخطر اليهودي العدواني إنما هي مسئولية مشتركة بين جميع الدول العربية ” وفي النقطة الثانية أشار البيان إلي ” إعتبار الدول العربية وحدها صاحبة الحق في الدفاع عن نفسها وصد العدوان عن أراضيها ” وفي النقطة الثالثة ” يؤكد الطرفان سياستهما المبنية علي عدم الإنضمام إلي أية أحلاف أجنبية ” , وفي جدة وُقع في 21 أبريل 1956 إتفاق عسكري ثلاثي ضم مصر واليمن والمملكة العربية السعودية وأشارت المادة الرابعة من الإتفاق إلي أن إجراءات وضع الإتفاقية موضع التنفيذ موكولة إلي مجلس أعلي ومجلس حربي وقيادة مُشتركة وتم إيضاح مهام هذه الجهات الثلاث تفصيلاً في المواد 6 و 7 و 8 , وبعد زيارة وفد عسكري أردني للقاهرة في الفترة من 28 أبريل وحتي 5 مايو 1956صدر بيان رسمي أشار إلي ” أنه وبعد دراسة مُستفيضة لكافة المسائل العسكرية تم بعون الله تعالي وضع إتفاق تُوحد بموجبه جهود الجيشين الشقيقين وتنسقهما بما يضمن الدفاع عن مصالح الأمة العربية وكيانها علي أسس واقعية عملية رائدها التعاون الكامل ” , وتُوجت هذه التحركات أخيراً في إجتماع لقادة مصر والسعودية والأردن وسوريا بالقاهرة في 19 يناير 1957 إنتهي إلي توقيع ” إتفاقية التضامن العربي ” وبها ملحق من أربع مواد تتعلق بالإلتزامات المالية من مصر وسوريا والسعودية لدعم الأردن بعد سحب بريطانيا دعمها المالي له وإنضمامه لإتفاقية التضامن العربي .

أثبتت حربي العدوان الثلاثي في أكتوبر 1956 و 5 يونيو 1967 أنه مالم تتوفر قيادة سياسية رشيدة نتاج لعملية ديموقراطية شفافة وحقيقية فلا مناص من أن تكون القرارات العسكرية خاطئة توقيتاً ومضموناً , وبالتالي فلا يمكن القول والحالة هذه أن أي تنظيم عسكري / دفاعي بين دول يتولي السلطة فيها قادة ديكتاتوريين سمتهم الرئيسية النرجسية والتيه بحب زائف من جماهيير ضللها إعلام مسف أو دعم وهمي من من مؤسسات شكلية أقامتها هذه النظم الديكتاتورية وكانت في الواقع مؤسسات كسيحة غير مُنتجة فالقرار ليس قرارها في النهاية لأنها تصدع بما تُؤمر , وبالتالي فلا يماري أحد أن ما كان يُسمي بالقيادة العربية المُشتركة أدت ما عليها إلي أن وقعت هزيمة 5 يونيو والضربة الكارثية التي دمربها جيش الدفاع الإسرائيلي ثلاث جيوش عربية في آن واحد مما أكد حقيقة واحدة وهي أن النظم العربية بقضها وقضيضها ومؤسساتها العسكرية لم تكن إلا دمي مُصمتة Dummies , وللأسف فقد كان من بين نتائج حرب 1967 تأسيس خط إنتاج جديد لنظم مُستذلة أسبغت مسميات براقة علي حقائق الذل منها الحوار الإستراتيجي والتعاون الإستراتيجي والمساعدات الإقتصادية والعسكرية مع الولايات المتحدة الداعم الرئيس لمن سلبوا فلسطين , وكان الغزو الأمريكي للعراق في 20 مارس 2003 نقطة الوصول الأولي للفوج الأول من قادة الذل العربي في الفترة من أبريل 2003 وحتي يومنا هذا بغض النظر عن وجهات النظر المضطربة بشأن قيادة الرئيس صدام حسين للعراق و تطلعات الثورة الإيرانية منذ فبراير 1979, فهؤلاء القادة أنفسهم وبدلائهم هم من أفرغوا الجامعة العربية من أي معني من معاني التضامن ومن ظواهر وهن الجامعة العربية : (1) تأسيس تنظيمات جانبية مثل مجلس التعاون الخليجي ومجلس العمل العربي والإتحاد المغاربي , و(2) حالة الجاهزية العربية للتضامن مع تنظيمات تشكلها دول وقوي دولية مثلت ومازالت المصدر الرئيسي للإستعمار الجديد مثل حلف الأطلنطي الذي ضرب ليبيا ولا أقول القذافي فقد تعاملوا معه ردحاً من الزمن , و(3) إفتقاد الجامعة العربية لتنظيم دفاعي فعال وهذا ما يمكن إيضاحه بإختصار من أكثر من مشهد .

المشهد الأول :
أصدر مجلس جامعة الدول العربية القرار رقم 6161 في دور الإنعقاد رقم 117 في 9 مارس 2002 وكان موضوعه مشروع الإتحاد العربي , ويقع هذا المشروع (ميثاق جامعة الوحدة العربية) في سبع فصول وإعلان عن تشكيل قوة دفاع عربية وأهدافه أكثر شمولية من الأهداف الواردة بميثاق الجامعة العربية وتركز علي تحقيق التكامل الإقتصادي والسياسي وتشجيع الوحدة الإندماجية , وكيان هذا المشروع عبارة عن كيان لإتحاد تعاهدي تحت مُسمي جامعة الوحدة العربية وله شخصية دولية , أما مؤسسياً فهذا الكيان يتضمن أجهزة أكثر تعدداً من تلك التي لدي الجامعة العربية وبسلطات أوسع , ومن بين هذه الأجهزة المجلس الإتحادي الأعلي وأعضاءه رؤساء الدول العربية وقراراتهم مُلزمة لجميع الدول وسلطاته أوسع إذ له أن يصدر قوانين وإقرار سياسة الدفاع المُشترك وتوقيع عقوبة تجميد العضوية ( وهو ما لا ينص عليه ميثاق الجامعة العربية) , وهناك المؤتمر القومي العام وهو هيئة تشريعية عربية مُؤلفة من عدد متساو من الأعضاء يمثلون كل دولة , ويبدي هذا المجلس الرأي فيما يُحال إليه من المجلس الإتحادي من مشروعات / قرارات وله أن يقترح توصيات , وهناك المجلس التنفيذي للإتحاد وأعضاؤه هم رؤساء الدول وهو ينفذ سياسة المجلس الإتحادي الأعلي ويقترح السياسة العامة لجامعة الوحدة , ويشرف علي أعمال المجالس والأجهزة المُتخصصة (لا نظير له في ميثاق جامعة الدول العربية) , وهناك أيضاً المجالس التنفيذية المُتخصصة ومنها مجلس الشئون الخارجية / شئون الدفاع / الشئون الإقتصادية , وعضوية هذه المجالس للوزراء أو من في حكمهم , وإختصاصات مجلسي الدفاع والشئون الإقتصادية أكثر عمقاً مما ورد بشأن مجلس الدفاع العربي المُشترك بموجب إتفاقية الدفاع العربي المُشترك عام 1951 , وكذا المجلس الإقتصادي , أما المصرف العربي المركزي , فلم يرد له ذكراً في ميثاق الجامعة العربية الحالية , وكذا محكمة العدل العربية , أما فيما يتعلق بقوة الدفاع , فبموجب ما تضمنه مشروع الإتحاد العربي والذي قدمته ليبيا يتوجب علي كل دولة عربية وضع جزء من سلاحها البحري تحت تصرف قيادة موحدة بإشراف مجلس الدفاع .

بحث مجلس الجامعة العربية بدءاً من دورته العادية 106 وحتي الدورة العادية 115 في 13 مارس 2001 هذا المشروع الليبي وفقاً لقرار القمة العربية في 23 يونيو1996 , وطيلة هذه الفترة إتخذ عدة قرارات بشأنه أهمها تكليف لجنة مُتخصصة مفتوحة العضوية إضافة للأمانة العامة لبحثه في ضوء ملاحظات الأعضاء لعرضه علي المجلس ثم رفعه للقمة لإقراره وهو ما لم يحدث حتي الآن , وقد عقدت اللجنة السباعية المُخصصة والتي كانت تضم مصر ويرأسها أمين عام الجامعة إجتماعات عدة لهذا الغرض , وكانت ليبيا علي وعي مبكراً بأن هناك دول عربية لا تحبذ إنشاء هذه القوة وإلا لما أُجل وأحيل مشروع الإتحاد العربي وما يتعلق به من إنشاء قوة الدفاع إلي ” لجنة مُخصصة “AD HOC , ولذلك أرسلت ليبيا رسالة للأمين العام للجامعة في 25 فبراير 1998 تطلب منه مواصلة هذه اللجنة لعملها في إطار ما قرره مجلس الجامعة في شأن محكمة العدل العربية وميثاق الشرف العربي والتعاون العربي وآلية جامعة الدول العربية للوقاية وإدارة وتسوية النزاعات حيث لكل منها ” لجنة مُخصصة ” , وبعرض وجهة النظر الليبية المُشار إليها علي مجلس الجامعة نص في دورته 109 بقراره رقم 57425 في 25 مارس 1998 علي ” إعتبار المشروع بنداً دائماً علي جدول أعمال المجلس لحين الإنتهاء من صياغته ورفعه لمؤتمر القمة ” , وفي النهاية خلصت ” اللجنة المُخصصة ” إلي وضع تقرير في إجتماعها رقم 6 في 10 أغسطس 1998 تضمن توصية بأن ” يتفضل مجلس الجامعة فيحدد للجنة المخصصة منهاج العمل الذي ستتبعه في ضوء وجود منهجين الأول منهج اللجنة المُقترح بالإستفادة من مشروع الإتحاد العربي في صياغة مشروعات تطوير الجامعة , والثاني وهو المنهج الليبي ويتجه إلي دراسة المشروع ككل ومُستقلاً عن مشروع تعديل ميثاق الجامعة , وعلي أية حال فقد ظل المشروع بنداً دائماً علي الدورات العادية لمجلس الجامعة من الدورة 110 حتي الدورة 115 ولم تتلق الأمانة العامة أي مقترحات / ملاحظات من الدول الأعضاء تستدعي دعوة اللجنة المُخصصة للمتابعة , والمُثير في هذا الموضوع أن الأمانة العامة للجامعة العربية كانت تري أنه تمت الإستفادة فعلاً من مشروع الأإتحاد العربي في آلية الإنعقاد الدوري للقمة بإقرار آلية فض وتسوية المنازعات العربية , إلا أن المندوب الليبي لدي الجامعة طلب رسمياً في 7 أغسطس 2001 ضرورة إستمرار عرض المشروع كبند دائم علي جدول أعمال المجلس في مارس من كل عام , وقد أصدر مجلس الجامعة الوزراي القرار 6161 في دورته 117 في 9 مارس 2002 مُتضمناً دعوة اللجنة المُخصصة لمواصلة إنجاز عملها وإتصال الأمين العام بوزراء الخارجية لتقديم ملاحظاتهم .

كانت مصر لا تري في مشروع الإتحاد العربي بديلاً عن الجامعة العربي – بوضعها المُتردي – وإنما تراه إطاراً فكرياً به أفكار عديدة يمكن الإهتداء بها لتطوير الجامعة , وأيدت مصر التوصيات الصادرة عن اللجنة المُخصصة بشأن المفهوم التوجيهي لأعمال اللجنة وتحديد المبادئ والأفكار التي يمكن الإستفادة منها في عملية التطوير تلك , وكان الموقف السعودي مُضاد للمشروع الليبي خاصة وأن ليبيا أصرت علي تجديد طرح المشروع بل وهددت بالإنسحاب من الجامعة ( وفقاً لما ورد بخطاب القذافي بمناسبة إعلان سلطة الشعب في 2 مارس 2002) بعد تغليب مبادرة الأمير عبد الله التي طرحتها السعودية بشأن حل النزاع العربي/ الإسرائيلي علي قمة بيروت في 28 مارس 2002 علي الأفكار التي طرحها القذافي علي قمة عمان التي سبقت قمة بيروت التي شهدت تنابذاً علنياً بين القذافي والأمير , ومع ذلك وفي نفس السياق الذي ميز السياسة الليبية بالتضارب نجد أن القذافي نفسه وفي حديثه لتليفزيون أبو ظبي الفضائي في 17 ابريل 2002 يدعو إلي قيام ثلاث وحدات عربية الأولي تضم دول الخليج العربي واليمن والثانية تتكون من العراق وسوريا وفلسطين والثالثة تضم دول شمال أفريقيا والسودان , أي أنه في الوقت الذي تتجه فيه السياسة الليبية وبإصرار إلي تحقيق مشروع الإتحاد العربي كشكل تراه متقدماً للجامعة العربية , فهي تدعو أيضاً إلي تجزئة الكتلة العربية لثلاث أجزاء علي أساس جغرافي جهوي بحت .

ولست في إحتياج لأعلق علي الفجوة التي إتسعت بين واقع العرب الحالي وهذا المشروع الطموح للوحدة العربية فهذه الفجوة صنعها قادة العرب وأغلبهم إن لم يكن كلهم غير مُؤهلين لتحقيق الوحدة لأسباب مختلفة منها أن تكوينهم النفسي كاره لفكرة الوحدة لأن تكوينهم تسلطي موغل في الفردية , كما أنهم من الضعف والوهن العقلي لدرجة أنهم يفتقدون إدراك العلاقة الحرة مع شعوبهم فأغلبهم إن لم يكن كلهم في قطيعة مُستمرة مع مبدأ الديموقراطية , لذا فالوحدة لم تتحقق في دولهم فكيف تتحقق علي مستوي الأقطار العربية والحالة هذه ؟ لكني عمدت إلي بيان هذا المشروع لكي يعرف من يريد أن يعرف إلي إي درك أسقط هؤلاء العرب والعروبة , فلا حديث اليوم عن وحدة بل تحالفات وقتية لأداء مهمة مُحددة المهام والتوقيتات ومن أسف أن يأتي تصميم هذه التحالفات من الخارج مُفصلاً , وما زالت الجامعة العربية كما كان سيزيف في الأسطورة الأغريقية يحمل الصخرة حتي يصل بها لأعلي الجبل فتسقط من جديد لسفح الجبل ليحملها مجدداً , وهكذا كان موضوع تشكيل قوة الدفاع العربية التي تضمنها ” مشروع جامعة الوحدة العربية ” يتحدث عنه وزراء الدفاع العرب داخل الجامعة العربية وبمجرد إنتهاء الجلسات يعودون للحوار الإستراتيجي مع البنتاجون أو وزارة الدفاع الروسية وبذلك التصور فقط يمكن لمن يريد أن يري مدي القبح في سمات التحالف الدائر الحديث عنه حالياً ” لمحاربة الإرهاب وإيران ” .

المشهد الثاني :
وافق القادة العرب في القمة العربية السنوية بشرم الشيخ في نهاية مارس 2015من حيث المبدأ علي إنشاء قوة عسكرية عربية مُشتركة , وذلك علي خلفية الصراعات في اليمن وسوريا وليبيا وتشكيل السعودية لتحالف من 10 دول تنفذ ضربات جوية في اليمن ضد الحوثيين وفلول الرئيس المُطاح به علي عبد الله صالح , وما يعتقده القادة العرب من خطر من التنظيمات الإسلامية علي نظمهم , وعلي أية حال فمن بين المعلومات المُتوفرة عن هذه القوة التي لم يُعلن بعد عن تشكيلها أنه قد أُنيط أمر تنظيمها ووضع تفاصيلها للممثلين العسكريين للدول أعضاء الجامعة العربية وأن كل الدول أعضاء الجامعة وهم 22 دولة سيشاركون في هذه القوة , كما أفاد مسئوليين مصريين وكالة Associated Press في 29 مارس 2015 أن هذه القوة قوامها 40,000 فرد مدعمة بما يناسبها من سلاح الجو والبحرية والمدرعات الخفيفة , وبالفعل عُقد إجتماع عسكري علي مستوي رؤساء الأركان بمقر الجامعة في 21 أبريل 2015 تبعه إجتماع آخر في مايو 2015 لمناقشة إمكانية تشكيل قوة عربية عسكرية مُشتركة لمواجهة ” خطر التطرف المتنامي بالمنطقة ” علي ضوء توصيات قمة شرم الشيخ , ومما رددته وسائل إعلام عن هذا الإجتماع أن المشاركة في هذه القوة ” إختياري ” وأن العراق قد أبدي تحفظاً علي المشاركة فيها , وفي تصريح له أعرب رئيس هيئة اركان القوات المُسلحة المصرية عقب الإجتماع الثاني لرؤساء الأركان العرب أن هناك ضرورة لإستكمال تشكيل القوة العسكرية العربية المُشتركة قبل نهاية يونيو 2015 بحيث تُعرض علي القادة العرب لمناقشتها في القمة اللاحقة , ومازال الحديث دائراً .

تـــقـــديــر المـــوقـــف:
إن الشروخ التي أصابت حائط الصد العربي في مواجهة القوي الدولية ذات الميول الإستعمارية بسبب الهزائم العسكرية في أعوام 1948 و 1956 و 1967 التي مُنيت بها دول المواجهة العربية , أدت إلي نتائج سلبية مختلفة منها تقليص الإرادة السياسية العربية جماعياً وفردياً وبالتالي تآكل إستقلال القرار العربي , ولذلك يمكن القول أنه بإنتهاء مهمة مبعوث الأمم المتحدة السفير جونار يارنج في مهمته من أجل تسوية الصراع العربي الإسرائيلي وفقاً لقرارات مجلس الأمن والجمعية العامة للأمم المتحدة ذات الصلة وقبول الرئيس جمال عبد الناصر لمبادرة وزير الخارجية الأمريكي وليم روجزر في عام 1969 كانت البداية الفعلية لما أطلق عليه الرئيس السادات لاحقاً ” عملية السلام ” التي إنتهت بتوقيع معاهدة السلام بين مصر وإسرائيل في 26 مارس 1979 والتي تقرر بعدها برنامج المساعدات الإقتصادية والعسكرية لإسرائيل ولمصر وهو البرنامج الذي يستخدمه المسئوليين الأمريكيين بالإدارة والكونجرس لتوجيه الموقف المصري كلما أمكنهم ذلك وفي الوقت اللازم وللوجهة التي تتفق والصالح الأمريكي بالإضافة إلي تلويح آخر بخفض المشاركة الأمريكية في القوة متعددة الجنسيات والمراقبين في سيناء , ويتم ذلك في إطار تنسيق إسرائيلي أمريكي إذ أن إتفاقيات ومذكرات التفاهم الإستراتيجي الموقعة بين الولايات المتحدة وإسرائيل وُضعت من أجل أمن إسرائيل لا من أجل أهمية مصر ولذلك فلا يمكن تصور أن الإستخدام والتوظيف الأمريكي للمعونات العسكرية / الإقتصادية وللمشاركة الأمريكية في القوة متعددة الجنسيات تتم إلا من واقع نصوص إتفاقيات التفاهم والتنسق الإستراتيجي ومنها إتفاقية التعاون الإستراتيجي بين الولايات المتحدة وإسرائيل الموقعة في نوفمبر 1998, وفي الواقع العملي فإن هذا البرنامج كان المدخل الواسع لممارسة الولايات المتحدة التأثير الحاسم علي القرار المصري الذي وبعد إغتيال الرئيس السادات في 6 أكتوبر 1981 وصل في مستوي إستقلاليته إلي أدني من الحد الأدني المُحتمل وبلغت قوة التأثير الأمريكي للحد الأقصي متجاوزة بكثير الحد الضشئيل الذي كان مُتاحاً للولايات المتحدة وقت طرح مشروع إقامة قيادة الشرق الأوسط في خمسينات القرن الماضي .

كان لمكانة مصر الجيوسياسية الفريدة في محيطيها العربي والشرق أوسطي تأثير واضح في إسقاط أي ترتيبات أمنية أو عسكرية مصدرها قوي دولية خارجية وتحديداً الولايات المتحدة الأمريكية وبدا ذلك في رفض إقامة قيادة الشرق الأوسط التي يُراد تجديدها الآن بتحالف يجمع دول منطقة الشرق الأوسط ( دول الخليج العربي بالإضافة إلي مصر والأردن وتركيا لمواجهة ما يُسمي بالإرهاب وإيران التي كانت فيما مضي جزءاً من مخطط قيادة الشرق الأوسط) , كما بدا أيضاً من حضها للدول العربية لتوقيع معاهدة الضمان الجماعي في إطار جامعة الدول العربية والإتفاقات الثنائية والثلاثية التي شكلت تحالفاً عربياً بإيد عربية , لكن- وكما سبقت الإشارة – فقدت مصر مكانتها أو تكاد في فترة الرئيس المخلوع مبارك تدريجياً طيلة فترة حكمه من أكتوبر 1981 حتي فبراير 2011 ففي هذه الفترة تآكل دور مصر الأفريقي والعربي بل ومكانتها داخلياً كدولة لها إعتبار في نفوس مواطنيها إذ أن الدولة كانت تُدار برئيس غير مؤهل علي الإطلاق لتولي منصب قيادي ومعه ثلة من المنتفعين الفاسدين الذين لم تكن لديهم ذمة وكانوا أقرب إلي اللصوص المُفرج عنهم حديثاً وكانت السياسة العامة لهذه المجموعة مع رئيسها هي سياسة إدارة الأعمال الخاصة Business Oriented Policy , ووصل عهد مبارك إلي حد التنسيق الأمني المتكامل مع النظام الأمني الإسرائيلي وفقدت مصر ثقة الشعوب العربية وأحتفظت بفتات من المكانة الصورية لدي بعض القادة العرب الذين هم في النهاية علي شاكلة مبارك , لكن نظامه كان يدين ببقاءه حياً – بالرغم من أن خزانة الدولة مُفلسة – لإسرائيل وللولايات المتحدة التي كانت تربطه بها رابطة الولاء الطوعي مما أضعف من المؤسسة العسكرية المصرية بالمعايير الحرفية وقضي علي مدنية الدولة فزاد ضعفها , بل وصل الأمر إلي حد أن مصر إرتبطت بما يُسمي ببرنامج التعاون الفردي ICP مع حلف شمال الأطلنطي في 9 أكتوبر 2007 ويركز هذا البرنامج علي دعم التعاون الفني العسكري بين مصر وحلف NATO من خلال تبادل الخبرات والتدريب وعقد ندوات وورش عمل في مجالات عمليات حفظ السلام وامن الحدود ومكافحة الإرهاب وعمليات الإغاثة والإنقاذ ومكافحة الهريب .

يمكن القول بأنه في حالة نشوء تحالف شرق أوسطي بوحي أو إشراف أو إدارة الولايات المتحدة فإن برنامج التعاون الفردي بين مصر وحلف NATO يشكل والحالة هذه نهاية عصبية تربط ما بين كيان التحالف الشرق أوسطي والذي ستتضح ملامحه من هيكله التنظيمي والدولة المنضوية تحت لواءه – إن كان له لواء – ومجمل أهدافه التي من المُعتقد أنها ستتجاوز الهدفين المُعلنين له وهما من وجهة نظر دول التحالف الشرق أوسطي الجديد مواجهة إيران والإرهاب والذي من المُتيقن منه أنه تحالف آني أي عملية مقاولات أو بلغة التجارة شركة محاصة Joint Venture .

قبل أن نمضي قدماً في تقدير موقف إقامة تحالف شرق أوسطي برعاية أمريكية , تنبغي الإشارة إلي أن ما هو مطلوب تحقيقه من أهداف عبر هذا التحالف يتم تنفيذه بالفعل بصفة فردية أو ثنائية من قبل الدول التي يمكن أن يتشكل منها هذا التحالف لو أنه نشأ بالفعل , وتأسيساً علي ما تقدم بيانه يمكن القول أن هناك إمكانية عملية لإقامة تحالف شرق أوسطي يضم دول عربية وإسرائيل وتركيا لمواجهة إيران والإسلام الراديكالي (الأسم المُعدل حتي إشعار آخر للإسلام ذاته وما يتعلق به من سياسة / إقتصاد / ثقافة ألخ) فالمهم ألا تكون هناك قوة مُنظمة معارضة لنظم حكم مفروضة علي الشعوب … نظم بينها وبين الديموقراطية طلاق بائن , وذلك في ضوء الآتي :

* أنه وبعد ثورات الربيع العربي وإحباطها وكبح تقدمها من قبل المؤسسات العسكرية مدعومة من الخارج وتحديداً من الولايات المتحدة وإسرائيل والإتحاد الأوروبي بإستخدام كل الوسائل المتاحة منها الأدوات الإستخباراتية والأمنية والمالية (دعم صندوق النقد الدولي بإقراض أنظمة تفتقد الرشد المالي والشفافية وضعف وتهاون الأجهزة الرقابية وتقترب من حافة الإفلاس) , أصبحت هذه النظم بالفعل داخل بيت الطاعة الأمريكي ولا شبهة إرادة لديها لرفض أي توجيهات أمريكية بإقامة تحالف مهما كانت أهدافه غير نقية فهناك وحدة رؤية بالنسبة للإرهاب بين دول التحالف المُفترض والولايات المتحدة فالإرهاب هو التنظيمات التي تتبني الإسلام السياسي نهجاً وإن لم تكن تنظيمات عنفية فلا غرو من إستفزازها لتنتهج العنف وإن لم تفعل يمكمن للإعلام المُدار أن يشيطنها فتصبح تنظيمات إرهابية أو كأنها كذلك , ومع تولي إدارة يمينية بشكل فج منذ يناير الماضي زادت خشية هذه النظم من الخروج عن النص الأمريكي , ولذلك فلا يمكن لهذه النظم أن تكرر رفض قيام هذا التحالف مثلما نظم أتهمها العسكريون بالرجعية في خمسينات القرن الماضي رفضت وبتعال مُستحق إقامة قيادة للدفاع عن الشرق الأوسط وردت عليه بتوقيع معاهدة للضمان الجماعي في إطار الجامعة العربية ثم إقامة تحالفات عسكرية ثلاثية وثنائية – حتي وإن لم تكن هناك فاعلية لاحقاً لما وقعت عليه من إتفاقيات , وبالرغم من أن مصر رفضت الإشتراك في تحالف دولي تقوده الولايات المتحدة وعضوية دول الخليج العربي والأردن لقتال تنظيم الدولة بالعراق وفي سوريا , إلا أن هذا الرفض كان مؤسساً علي عدم إتفاق سياسي مع السياسة الخارجية لإدارة الرئيس Obama أكثر من كونه رفضاً خالصاً , فمصر والدول العربية الخليجية غضت الطرف عن الغزو الأمريكي للعراق وتعاملت مع نتائجه تدريجياً بل إن مصر / مبارك أدت دوراً مخزياً بمعاونة الولايات المتحدة علي غزو بلد عربي وأنزوت الجامعة العربية مكتفية بصراخ مكتوم وتماهت مع رغبة النظم العربية في جعل الجامعة العربية معرضاً فنياً لعرض لوحات فنية عن الوحدة والإتحاد .

* لا يمكن إستبعاد أن الدعوة إلي قيام تحالف شرق أوسطي جديد ( بديل لقيادة الشرق الأوسط في خمسينات القرن الماضي مع تعديل بسيط وهو وضع إيران بدلاً من الإتحاد السوفيتي كمبرر لقيامها وإضافة الإرهاب العدو المُشترك للنظم القائمة قسراً عن إرادة الشعوب وللولايات المتحدة التي تنكر علي الشعوب الديموقراطية الحية لا المُعلبة التي يروج لها المعهد الديموقراطي الأمريكي) هي في الواقع دعوة أمريكية أصيلة وإن لم ينشأ هذا التحالف اليوم فسينشأ غداً طالما بقيت نظم الموالاة الطوعية التي تدين ببقاءها للإرادة الأمريكية أوالروسية – حسب الحالة – وغيرهما , إذ أن أن الدول العربية تفتقد – بنظمها المبتسرة القائمة – إرادة الفعل المكتمل الرشيد , فكما إتضح من العرض السابق أنه هذه الدول ذهبت خارج الإطار الجماعي الموضوع في إتفاقية الضمان الجماعي العربي وعقدت تحالفات ثنائية أو ثلاثية لتحقق ما تضمنه الضمان الجماعي ومع أن هذه الثنائيات والثلاثيات كانت بإرادة عربية محضة إلا أنها تحطمت في النهاية مع حرب اليمن وفض تحالف طبيعي مُتمازج بين السعودية ومصر اللتين تحولتا إلي خصمين لدودين بسبب الحملة العسكرية – غير المُبررة – في اليمن والتي مهما قيل عن النعم التي نتجت عنها إلا أنها نعم ظاهرية فلا أمكن لمصر في النهاية من غلق باب المندب أو خليج العقبة للنهاية ولا كان لغلقهما من تأثير حاسم علي العمل العسكري الإسرائيلي إذ أن إسرائيل تلقت دعمها من القواعد الأمريكية في إيطاليا وأسبانيا والأسطول السادس بالبحر المتوسط ومن أدلة ذلك أنه في حرب المدرعات التاريخية إبان معركة 6 أكتوبر 1973 إستولت مصر علي دبابات إسرائيلية سجلت عداداتها مسافات تتراوح ما بين5 كم إلي 6كم بقد تسلمتها إسرائيل جواً من المخازن الأمريكية بهذه القواعد , وأنا لا أقلل هنا من أهمية غلق مضيق لكن اليمن الملكية سبق أن وقعت مع مصر إتفاقاً عسكرياً في خمسينات القرن الماضي ولم يكن هناك مبرر لهدم دولة حتي يمكنني إغلاق مضيق غير حاسم عسكرياً فخليج العقبة مهم لحركة التجارة الإسرائيلية بين ميناء إيلات وموانئ شرقي أفريقيا لكنه أقل في الأهمية العسكرية , ومما يؤكد أن الإتجاه الأمريكي لقيام هذا التحالف سيستمر هو ما حدث عقب الغزو الأمريكي للعراق فعندما بدأت المقاومة العراقية ضد العسكريين الأمريكيين والتي أكد جراهام فوللر النائب الأسبق لرئيس المخابرات الأمريكية بأثرها السيئ عندما قال إن الإدارة الأمريكية لا يمكنها أن تحتمل إستمرار قتل جندي أمريكي كل يوم لمدة ستة أشهر , مما دفع الإدارة الأمريكية في يونية / يوليو 2003 لطرح فكرة إرسال قوات حفظ سلام عربية للعراق ولم تتحمس الدول العربية التي عاونت أو علي الأقل إرتضت بإهانة غزو بلد عربي كبير لهذه الفكرة ليس من باب العروبة لكن من نفس الباب الذي دخل منها الأمريكيون بغداد باب الخسة والتآمر وهو باب مفتوح حتي يومنا هذا للأسف , صحيح أن بعض السذج صدقوا أن العرب لم يصدعوا للأمر الأمريكي لأنهم إن شاركوا أو أرسلوا قوة حفظ سلام للعراق فإنهم يشرعون الإحتلال الأمريكي له , وهؤلاء السذج تناسوا أن العراق جغرافياً واقع بين أربع دول عربية وتركيا وإيران .

* بالرغم من تردي العلاقات بين مصر والسعودية في الشهور الماضية إلا أن كلاهما قاعدة إنطلاق مهمة للقيادة المركزية العسكرية الأمريكية في الشرق الأوسط ولمجمل الإستراتيجية الأمريكية في الشرق الاوسط , وأن لهما أن يختلفا كما يحلو لهما , لكن أن يؤثر خلافهما أو إختلافهما علي السير المُنتظم والتنفيذ المُحكم للإستراتيجية الأمريكية في الشرق الاوسط فهذا مما لا يمكن لأي من الإدارات الأمريكية المتعاقبة أن تسمح أو تقبل به , فهي من بين أهم نقاط الأمن القومي الأمريكي بما يعني أنها من أهم مناطق توطن المصالح الأمريكية وعلي رأسها إسرائيل التي تعد من منظور الأمن القومي الأمريكي مصلحة إستراتيجية وما الدول العربية المحيطة بها إلا مجرد وسائل لتحقيق ودعم وتنمية هذا المصلحة القومية الأمريكية , وبالتالي فليس أمام السعودية إلا تنقية الأجواء كلما أمكنهما ذلك ويمكن لذلك أن يتم بوساطة أمريكية موضعية أي عن طريق السفراء الأمريكيين في القاهرة والرياض والكويت وأبو ظبي وعن طريق القنوات الرئاسية بالدول العربية التي يُحتمل دخولها في هذا التحالف , ومما ييسر تنقية الأجواء أن أشباح ثورات الربيع العربي تطارد مخيلة الساسة في الشرق الأاوسط بنفس الوتيرة ولابد من التخلص من هذه الأشباح الآن وللابد ” من أجل الإستقرار في الشرق الأوسط ” , ولهذا نجد أنه وبالرغم من تكدر العلاقات السعودية المصرية في العام المنصرم إلا أن مصر مازالت عضواً بالتحالف العسكري – وإن بصفة رمزية – الذي تقوده السعودية لتطويق المقاتلين الحوثيين باليمن ,مدت بقرار جمهوري منذ نحو ثلاثة أشهر أو أقل مشاركتها في هذا التحالف لأنه تحالف مُتسق إلي حد كبير مع مجمل الإستراتيجية الأمريكية في المنطقة التي رفضت دعوة سعودية سابقة لتشكيل قوة عربية للتدخل في سوريا في بداية إحتدام المعارك بين المعارضة السورية والنظام في دمشق .

* يأتي تكوين التحالف المقترح من جانب الولايات المتحدة وبدفع منها مفيداً لمصر إذ أنه إستعدت جيداً للعب دور عسكري خارج حدودها فقد بلغت قيمة تعاقدات التسليح المصري المُوقعة عام 2015 نحو 11,9 مليار دولار وتعد ثاني أكبر تعاقدات علي قائمة مشتريات الدول النامية من السلاح وهذا المبلغ عبارة عن 5,9 مليار دولار تعاقد مع فرنسا مقابل 24 طائرة مُقاتلة طراز Rafale و1,1 مليار دولار لعدد 2 حاملتي Mistral لطائرات الهليوكوبتر ثم وفي عام 2016 وقعت مصر وفرنسا عقداً إضافياً بقيمة 1,1 مليار دولار لشراء طائرات وسفن وقمر صناعي لنظام الإتصالات ثم وقعت صفقة أخري مع روسيا لشراء 46 طائرة هليوكوبتر هجومية من طراز Kamov Ka-52 لإستكمال سعة حاملتي الطائرات Mistral سيجري تسليمهم لمصر خلال عام 2017, ويقيم خبراء هذه الصفقات بأنها غير مناسبة لمواجهة تحديات مصر الأمنية الداخلية والخارجية ولا حتي تتسق مع أهداف سياستها الخارجية (المُعلنة) , إلا أن هذا الكم من المشتريات من الطائرات المُقاتلة والهليوكوبتر الهجومية وحاملتي الطائرات Mistralمتعددة الأغراض تُستخدم تقليدياً لإظهار القوة أو تنفيذ عمليات هجومية , وأشاروا – بناء علي ذلك – أن هذه المشتريات تثير تساؤلات عما إذا كانت الدولة المصرية تتوقع صراعاً علي غرار الذي في سوريا حالياً وهو ما أشار إليه الرئيس المصري بالفعل في خطاب علني له في 26 سبتمبر 2016 عندما أشار إلي أن الجيش يمكن أن ينتشر في ربوع مصر في 6 ساعات وهي نفس الفترة التي مني خلالها الجيش المصري بهزيمة من أسرع وأثقل الهزائم في التاريخ العسكري العالمي , ويدعم هؤلاء وجهة نظرهم تلك بالإشارة إلي ما ورد بتقرير لمعهد ستوكهولم الدولي لأبحاث السلام Stockholm International Peace Research Institute أشار إلي أن مجمل قيمة ما نُقل من سلاح لمصر مقوماً بأسعار عام الأساس 1990 تبلغ في المتوسط 611 مليون دولار سنوياً في الفترة من 2000 حتي 2013 منها مبلغ 1,47 مليار دولار أُنفقت علي التسليح عام 2015 وحده أو ما يُعادل 32% من كل ما نُقل من سلاح لمصر منذ عام 2008 , ويثور تساؤل آخر عن مبرر هذا القدر غير المسبوق من التسليح بينما وصل التعاون الدبلوماسي والأمني مع إسرائيل إلي مستوي تاريخي , فيما يُقدر آخرين أن هذه المُشتريات تأتي في إطار سياسة تنويع مصادر التسليح خاصة بعد أن أوقفت الولايات المتحدة عقب إنقلاب 2013 شحنات الأسلحة وهو ما لا أتفق معهم بشأنه لأن إستمرار المعونة العسكرية الأمريكية السنوية التي تبلغ 1,3 مليار دولار لمصر تتناقض مع هذه السياسة , هذا بالإضافة إلي أن 24 طائرة Rafale لا تكفي لتأكيد هذه السياسة إن كانت مُتبعة , وعزز هذا القدر من التسليح عقيدة لدي مصر بأنها مؤهلة – كما كانت دائماً – لريادة أي تحالف عسكري وهي مشكلة أخري تواجه الإدارة الأمريكية – في حال تصميمها علي تكوين هذا التحالف – إذ أن هناك ثمة تباينات في الإهتمامات العسكرية علي الصعيد الإقليمي ناهيك عن سمة السيولة والإضطراب التي ميزت السياسة المصرية منذ تولي المجلس العسكري السلطة في مصر في 11 فبراير 2011 , وقد تجاوزت هذه التباينات أقصي خط لها أن تقف عنده لتتحول إلي تنافس ولدينا حالة جيبوتي مثالاً تطبيقياً .

ذكرت مصادر دبلوماسية مصرية في 6 ديسمبر 2016 لصحيفة العربي الجديد أن القاهرة بدأت منذ حوالي شهر “ تحركات لوقف الاتفاق بين السعودية وجيبوتي لإقامة قاعدة عسكرية للمملكة على مداخل خليج عدن وأن مصر ترفض هذا الاتفاق بشكل كامل، على اعتبار أن تلك المناطق محسوبة على نفوذ دبلوماسي مصري يقع في نطاق أمنها القومي، باعتباره عمقاً استراتيجياً مصرياً في أقصى الجنوب ” , وأضافت المصادر “ مع أن القاهرة تتفهّم التحرك السعودي ، الذي يأتي لزيادة الضغط في إطار الصراع مع إيران، وتحديداً في الحرب التي تقودها الرياض ضد الحوثيين في اليمن نظراً لما تتمتع به جيبوتي من موقع استراتيجي على البحر الأحمر عند خليج عدن ، لكنها ترى أن هذا التحرك يتعارض مع قواعد وأعراف متعارف عليها بين الدول العربية وهو وقوع تلك المناطق في إطار النفوذ الدبلوماسي والاستراتيجي المصري لما لها من تأثير مباشر على قضية المياه وحوض النيل وممر قناة السويس (من المثير للتأمل تقدير المصدر الدبلوماسي المصري المذكور سابقاً، بأن إقامة قاعدة للسعودية في جيبوتي له علاقة سلبية بقضيتي مياه النيل وقناة السويس، فيما لا علاقة البتة بين هذه القاعدة وهاتين القضيتين ، لأن الذي له علاقة فعلية وأثر تأثيراً كبيراً على موقف مصر من هاتين القضيتين هو توقيع إثيوبيا وست من دول حوض النيل العشر عام 2010 للإتفاق الإطاري الذي ينكر على مصر حقوقها التاريخية في مياه النيل، ومن ثم فلقد أُعتبر توقيع مصر وإثيوبيا والسودان في 23 آذار مارس 2015 في الخرطوم على وثيقة إعلان المبادئ إسباغاً لقدر من الشرعية على إقامة سد النهضة قبل الإنتهاء من المفاوضات الفنية بشأن الطاقة التخزينية له) ، إلا أنها ترى أنه لو كانت السعودية تريد أن تؤمّن تلك المنطقة وتضمن عدم سيطرة إيران عليها فهناك تفهّم (مصري) لذلك، إلا أن ذلك لا بد أن يكون في ظل مشاركة مصر وتواجدها وإشرافها ” ومع أنه ومن الوجهة المبدئية ، لا بد من الإشارة إلى أن ما نقل عن هذه المصادر في صحيفة عربية لا يعبّر عن وجهة نظر مصرية رسمية – حتى الآن – إذ لا يتصور أن تكون وجهة النظر المصرية الرسمية – بإفتراض صحة أو تطابق ما نُقل عن المصدر الدبلوماسي المصري مع ما لدى وزارة الخارجية والمخابرات المصرية من معلومات , إلا أن قرائن مختلفة تدل علي أن هذا الحديث فيه كثير من الحقيقة , ومع أن إفتراض وقوع جيبوتي في نطاق نظرية الأمن القومي المصري صحيح لكنه صحيح أيضاً بالقدر نفسه وربما أكثر بالنسبة للسعودية , فالتطورات في اليمن تلزم المملكة بالتطبيق الصارم لنظرية أمنها القومي التي يقع اليمن في موقع القلب منها فعلى سبيل المثال عندما إعتقدت مصر بأنها مسؤولة عن حماية ثورة اليمن في 26 أيلول سبتمبر 1962 وأرسلت 130,000 جندي لهذه المهمة وواجهت السعودية عسكرياً هناك أدى ذلك في النهاية مع عوامل أخرى إلي هزيمة مصر أمام إسرائيل في حرب 1967, فقد كان كلاهما ينظر إلى اليمن بإعتباره ذا صلة بأمنه القومي ، إلا أنه من الإنصاف الموضوعي القول بأن اليمن قضية أمن قومي مباشرة للسعودية فيما هي قضية “ذات علاقة ما” حالياً وليس سابقاً بالأمن القومي المصري، ومن ثم فلا ترقى إلى مستواها من الخطورة للأمن القومي السعودي , وكان يجب على مصر – على إفتراض صحة كلام المصدر المصري أعلاه – أن تتسق مع ما تعتقده من علاقة جيبوتي بأمنها القومي بأن تكون أسبق من السعودية في إقامة قاعدة لها فيها، حيث أعلن وزير خارجية جيبوتي عدم ممانعة حكومته له، وبخاصة أنه منذ نحو عام تعاقدت مصر على شراء غواصة وحاملة طائرات من ألمانيا وفرنسا، ومن المفروض نظرياً أن يبرر ذلك رغبتها تلك – لو أنها أبدتها لجيبوتي – في تأجير قاعدة عسكرية لها هناك وإلا فما هو مبرر شراء مصر لحاملة طائرات وغواصة بعد أن تحولت إسرائيل عدو الأمس إلى شخصية إعتبارية بموجب معاهدة السلام التي وقعتها مصر معها عام 1979؟ .

* إن تكوين تحالف الشرق الأوسط علي غرار حلف الأطلنطي أو ربما بالإرتباط به لا يعد جديداً في بابه فقد إجتمع وزراء دفاع ورؤساء أركان الدول أعضاء لجنة حوض بحيرة تشاد في نيامي عاصمة النيجر في 8 مايو 2012 لبحث الأمن في نطاق بحيرة تشاد وإعادة تنشيط ما يُطلق عليه ” القوة المُشتركة متعدة الجنسيات للأمن ” وذلك لمواجهة جماعةBoko Haram الإرهابية بمقاييس قادة دول المنطقة والإستراتيجيين الأمريكيين والفرنسيين المعنيين بالأمن في منطقتي الساحل والصحراء الكبري , وسيلقي هذا التحالف الدعم والمساندة من العسكرية الأمريكية لانه يعمل في إطار تعزيز الأهداف غير المُعلنة لقيادتين عسكريتين أمريكيتين هما القيادة العسكرية المركزية والقيادة العسكرية الأمريكية لأفريقيا AFRICOM , إذ أنه من الضروري ونزولاً علي نتائج الصراع الدائر في اليمن الذي وسع من مفهوم الأمن القومي السعودي إلي حد إقامة قاعدة عسكرية سعودية في جيبوتي أي في القرن الأفريقي أن يمتد المفهوم الإستراتيجي للشرق الأوسط ليضم إليه جيبوتي التي أصبح بها نقطة إرتكاز للعمل العسكري السعودي في اليمن , ومصر من جانبها سترحب بالتحالف أكثر وأكثر إن أتاح لها إتجاهاً عسكرياً جنوبياً وهو إتجاه يعمل علي محوره الإرهاب أيضاً ومن ثم فسيتعاون تحالف الشرق الأوسط مع القيادة العسكرية المركزية الأمريكية وربما سُيفتح باب آخر أمام العسكرية المصرية للتعاون مع القيادة العسكرية الأمريكية لأفريقيا التي بموجب منطوق إنشاءها المُعلن في 6 فبراير 2007 فإن مصر خارج نطاق ولايتها , وهو ما أزعج العسكرية المصرية – لأسباب خارج نطاق الموضوع – ويؤكد ما تقدم ماكشفت عنه وثيقة نُشرت علي موقع WikiLeaks وهي عبارة عن برقية سرية مؤرخة في 11 مارس 2008 من القاهرة إلي وزير الدفاع الامريكي وصورة مُوزعة علي القيادة العسكرية المركزية بشأن لقاء قائد AFRICOM / William Ward مع رئيس الأركان المصري وبعض كبار القادة العسكريين المصريين بمقر وزارة الدفاع المصرية في 17 فبراير 2008 مساحة كبيرة من النقاش المصري / الأمريكي حول موضع مصر في الرؤية العسكرية الأمريكية فقد أوضح القائد الأمريكي للمسئوليين العسكريين المصريين أنه جاء للقاهرة طالباً النصح منهم في شأن أفضل السبل التي يمكن للقيادة العسكرية الأمريكية لأفريقيا وهي في طور الإعداد للعمل أن تسلكها في شأن ذلك , كما أوضح أن مصر هي الجسر بين افريقيا والشرق الاوسط , وأكد أن وزارة الدفاع الأمريكية ليست لديها النية بأي شكل في تعطيل علاقة مصر المفتاحية مع القيادة العسكرية المركزية USCENTCOM وأن نية القيادة العسكرية لأفريقيا كانت في العمل مع مصر بكل دقة في الموضوعات المُتعلقة بأفريقيا موضحاً أن أن هذه الرؤية تعني العمل مع الدول الأفريقية مثل مصر للترويج للسلام والإستقرار في القارة وأن ذلك لن يحدث بين ليلة وضحاها , ورد رئيس الأركان المصري علي ما تقدم بقوله أن مصر تدعم هذا النهج وأنه من المهم جداً للولايات المتحدةألا تتصرف بإعتبارها ” شرطي” وهو ما رد عليه الجنرال / Ward بالإيجاب موضحاً أن بلاده ستعمل فقط مع الدول التي تطلب المساعدة , فأمن الجنرال / سامي عنان علي ذلك مضيفاً أن مصر بإمكانها أن تستخدم علاقاتها الممتازة مع الدول الأفريقية والولايات المتحدة لدعم القيادة العسكرية الأمريكية لأفريقيا طالما أن الولايات المتحدة تسعي للإستقرار , وكانت أهم مداخلات الجانب المصري في لقاء تال لقائد القيادة العسكرية الأمريكية لأفريقية هي التي أدلي بها اللواء / العصار حين قال ما نصه ” أنه سيكون من الخطأ أن تُري مصر علي أنها دولة شرق أوسطية تنتمي فقط للقيادة المركزية USCENTCOM , وأنه من المهم رؤية مصر علي أنها أفريقية أيضاً ( دلل الجانب المصري علي ذلك بإسهام مصر بنحو ألف من جنودها وضباطها في مهام حفظ السلام الأممية في أفريقيا وهي مساهمة نجد دول مثل كندا واليابان و غيرهما تسهم بها ) , وهو ما أتفق فيه الجنرال / Ward مُعيداً تأكيده في نفس الوقت لأهمية الحفاظ علي العلاقة المصيرية مع القيادة المركزية USCENTCOM , ومع ذلك أشار الجنرال / Ward إلي أنهم في تعاملهم مع الدول الأفريقية الأخري سيكون لدي قيادته الأمل في أن مصر ستعلب دوراً قيادياً (وهوالكلام الذي يحب المصريون سماعه) كما تفعله في الشرق الاوسط , وأشارت وكيلة وزارة الدفاع الأمريكية للسياسات السيدة / Theresa Whelan إلي ما نصه ” إن تأكيد الهوية الافريقية لمصر يمكن ان يساعد ايضاً مصر في البحث عن تحسين صورتها هناك ” *( وهي إشارة غير مباشرة بالطبع لإشعار الجانب المصري بمبالغته في الإحساس أو محاولته تمرير إنطباع غير دقيق عن أهمية العلاقات الأفريقية لمصر لأن لا الإهتمام السياسي لمصر ولا قدراتها الإقتصادية يتيحان لها تحقيق ذلك والأمريكيون يعرفون بل يدركون ذلك , كما أن المسئولة الأمريكية تصدر مفهوم تصحيحي للمسئولين المصريين مفاده أن صورة مصر بأفريقيا ليست كما يظنون فهي كما حاولت أنأ شخصياً توضيحها مرات متعددة للقاهرة أن الأفارقة علي مستوي النخب الفاعلة سياسياً يعتقدون تماماً أن مصر تنظر شمالاً لا جنوباً وأنها تضع يافطة علي أبوابها تقول أن عنوانها بأفريقيا لكنها للأسف تقضي كل وقتها خارجها وقلما تعود ) , والغريب في ألأمر أن اللواء العصار يبدو أنه لم يفهم العبارة بعمقها ذاك لأنه وجه لها الكلام وقال أنه يتفق معها فيما قالته مُضيفاً قوله في شأن آخر ” إن التصرف الذي صدر عن الكونجرس مؤخراً بوضع شروط علي المساعدة لمصر يضرها ” .

* إن تكوين تحالف الشرق الأوسط سيعمل علي إدماج إسرائيل في جغرافيا الشرق الأوسط بعد أن زُيف تاريخه من أجلها , ومثلما كانت هناك محاولة إسرائيلية ناجحة في إلحاق إسرائيل بجغرافيا البحر المتوسط كما فعلت فرنسا ذلك في إنشاءها ” للإتحاد من أجل المتوسط ” Union pour la Méditerranée وهو ما قبلته مصر والأردن ورفضته الجزائر وليبيا , فإن المحاولة الأمريكية لإقامة تحالف الشرق الأوسط لمواجهة إيران والإرهاب ستعمل بحكم إلحاق إسرائيل في هذا التحالف علي إدماج أكثر لإسرائيل في الترتيبات العسكرية والأمنية مع دول عربية بدون ربط مع التسوية لما يعتقد البعض أنه تبقي من التسوية السلمية للقضية الفلسطينية , بل وعلي حسابها , ولا يمكن إفتراض إن هذا التحالف سوف يكون بعيداً عن التطبيقات الإستراتيجية لحلف شمال الأطلنطي فمنذ سقوط الأتحاد السوفيتي عام 1991 وإنحلال حلف وارسو تعرضت المصطلحات الجيوسياسية للتعديل والتطوير بل والإستزراع التعسفي , ومثال علي ذلك ما قاله Maurizio Massari المبعوث الإيطالي الخاص للشرق الأوسط في تصريح للصحافة الإماراتية بمناسبة جولته التي شملت دول الخليج العربي العربية المتحدة بدأت في 10 أبريل 2012 وأستغرقت 6 أيام , عندما أشار إلي أن مفهوم البحر المتوسط لا يشمل فقط الدول الواقعة إلي الجنوب منه أي دول شمال أفريقيا بل أيضاً دول الصحراء الكبري ليكون البحر المتوسط الأكبر Greater Mediterranean Region , وبالتالي فإن دخول دول عربية في هذا التحالف ينطوي علي قضاء مبرم – وإن بصفة غير مباشرة – علي أية ترتبات أو إتفاقات عسكرية وأمنية داخل الجامعة العربية .

نتيجة :
إن البيئة السياسية والعسكرية والأمنية الراهنة في منطقة الشرق الأوسط جاهزة لإبتلاع مفهوم تحالف شرق أوسطي يستوعب إسرائيل جنباً إلي جنب مع دول عربية , ومع ذلك فالعلاقة عكسية بين هذا التحالف وأمن الشعوب العربية خاصة إن توفرت له روابط مع حلف شمال الأطلنطي الذي وجه ضربة لليبيا في 19 مارس 2011 اسقط في نهايتها دولة كانت قائمة خروجاً علي القانون الدولي , وبقدر ما سيؤمن ويرسخ هذا التحالف من علاقة الأنظمة المنضوية تحت لواءه بالولايات المتحدة لتفاني هذه الأنظمة في الدفاع عن وتنمية الأمن القومي الأمريكي بقدر ما سيمثل تهديداً حقيقياً لأمن وإستقرار الشعوب العربية وآمالها في إخراج جنين الديموقراطية من رحم الغيب , وعلي أي الأحوال فإقامة هذا التحالف أو عدم إقامته لن يثني الولايات المتحدة والأنظمة الموالية لها بالشرق الأوسط عن إستخدام كل الوسائل المتاحة لخدمة كل ما يحقق الأمن القومي الأمريكي مما قد يحمل بعض المسئوليين في الإدارة الأمريكية إلي إعتبار إستقرار هذه الأنظمة المصابة بالسل السياسي جزءاً لا يتجزء من نظرية الأمن القومي الأمريكي لأنها ببساطة أنظمة طوت وللأبد صفحة الضمير العربي وهي لا تلوي علي شيئ لتقرأ في صفحة أخري ما تمليه الولايات المتحدة عليها لتنفذه طواعية مولية ظهورها لقول الشاعر المصري محمود سامي البارودي :
” إذا أنا لم أعط المـكارم حقــها فلا عـزني خـال ولا ضـمنـي أب ”
” خُلقت عيوفاً لا أري لأبن حرة لدي يداً أغضي لها حين يغضب ”

القاهرة / تحريراً في 21 مارس 2017

الوسوم

المركز الديمقراطى العربى

المركز الديمقراطي العربي مؤسسة مستقلة تعمل فى اطار البحث العلمى والتحليلى فى القضايا الاستراتيجية والسياسية والاقتصادية، ويهدف بشكل اساسى الى دراسة القضايا العربية وانماط التفاعل بين الدول العربية حكومات وشعوبا ومنظمات غير حكومية.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق
إغلاق