fbpx
الشرق الأوسطتقدير الموقفعاجل

رؤية من زاوية حادة لزيارة بابا الفاتيكان للقاهرة

اعداد: السفير بلال المصري – ســفيـر مصر السابق لدي أنجولا وساوتومي والنيجر
– المركز الديمقراطي العربي
أعلن في 18 مارس 2017 بمدينة الفاتيكان حيث مقر بابا الكاثوليك ونقلت عنه وكالات الأنباء العالمية ومواقع وسائل الإعلام الغربية أن البابا سيقوم بزيارة للقاهرة علي مدي يومي 28 و29 أبريل 2017 وهي أولي زياراته الخارجية لهذا العام وسيعقبها لاحقاً زيارة إلي البرتغال بمناسبة مؤية السيدة Fatima وذلك يومي 12 – 13 مايو 2017, عقب هذا الإعلان صدر بيان رئاسي بالقاهرة أشار إلي ” أن مصر ترحب بزيارة البابا Francis وتتطلع إلي أن تكون هذه الزيارة ذات مغزي في تعزيز السلام والتسامح والحوار ما بين الأديان وكذلك رفض الأعمال الإرهابية البغيضة والتطرف ” , وقد أشار موقع CRUX في 21 أبريل 2017 أن بطريرك Bartholomew بالقسطنطينية ووصفته بأنه الأول بين أنداد أرثوذوكس الشرق سينضم للبابا Francis في زيارته للقاهرة .
 
تأتي هذه الزيارة علي خلفية إتخاذ الأزهر الشريف لقرار قطع ما يُوصف بالحوار الإسلامي المسيحي مع الفاتيكان عام 2011 , وهو القرار الذي أعتبره البعض مُتأخراً بعد العديد من الإستفزازات المُنتظمة والمُخططة سواء من بعض حكومات الدول الغربية الذين تحايلوا باللإحتماء من جريمة الرسوم المسيئة للإسلام ورسوله الكريم صلي الله تعالي عليه وآله وسلم وراء درع حرية التعبير وكذلكالإستفزازات من بابا الفاتيكان المُتقاعد السابق Benedict XVI الذي دأب علي تكرار التهجم علي الإسلام والمسلمين منها عندما قرن في خطبة وعظية له في Regensburg بولاية Bavaria الألمانية عام 2006 الإسلام بالإرهاب , وواصل هجومه المُتكررعلي الإسلام عقب تفجير كنيسة القديسين بالأسكندرية نهاية ديسمبر 2010 عندما دعا إلي حماية أفضل للأقليات المسيحية في مصر التي رأت حكومتها – فجأة فيما هي مُستيقظة – في ذلك تدخلاً في الشأن الداخلي المصري مما حملها علي إستدعاء سفيرها لدي الفاتيكان وكان ذلك كله في مناخ إعلامي أوروبي متحد ومُنكر لمشاعر المسلمين بتكرار الرسوم المُسيئة للإسلام ولرسوله الكريم ” محمد صلي الله عليه وسلم ” , وهو موقف يحاول البابا Francis الخروج منه لكن مع ذلك لم يمنعه من وصف ما يحدث لمسيحيي الشرق الأوسط علي أنه ” إبادة جماعية ” أو  Genocide وخفف موقفه هذا بقوله أنه من الخطأ جعل الإسلام رديفاً للعنف متغافلاً عن الإبادات الجماعية الأخري التي تقترفها نظم بالعالم الثالث تدعمها الديموقراطيات الغربية التي آثرت تبني نهج   “الديموقراطية المتجولة ” أو Roaming Democracy أي غير المقيمة في عالمنا العربي والإسلامي .
سبقت هذه الزيارة البابوية لمصر ذات الأعلبية المسلمة الكاسحة إتصالات علي مستويين رئاسي ومع الأزهر الشريف بدأت عقب إتفاق الأزهر الشريف والفاتيكان معاً علي إستئناف الحوار بينهما المُعلن من قبللا الفاتيكان في 21 أكتوبر 2016 .
 
يمكن – من بين أسس أخري- تأسيس وجهة نظر قد تكون مختلفة ربما لكونها تنطلق من زاوية حادة للرؤية بإفتراض ثبات العوامل التي حدت بالبابا لإتخاذ قرار القيام بزيارة القاهرة في توقيت بقدر ما قد تمليه الضرورة علي الفاتيكان بقدر ما هو غير مناسب بالنظر إلي دقة وتوتر الوضع الداخلي في مصر , خاصة وأن الزيارة تتم مع تنامي حالة نادرة من الإنقسام والإستقطاب الإجتماعي في مصر لعبت فيه الأقلية المسيحية بمصر بقيادة بابا الأرثوذكس المصريين دوراً يقع ما بين التحريض والإنتهازية السياسية لخدمة مرام طائفية ضيقة وغير دائمة , وهي مساحة علي ضيقها وصعوبة الحركة فيها فهي أقصي ما يمكن لأقلية دينية / عرقية / أو سياسية أن تتحرك فيها وهي كذلك في الغالب مساحة خالية من أي معايير ديموقراطية , فالأقليات بقدر ما لا تعترف بالديموقراطية التمثيلية فهي أيضاً لا تعترف بالديموقراطية وعلاقاتها التبادلية مع مبادئ الحرية وحقوق الأغلبية الدينية / العرقية أو السياسية , فالديموقراطية لا يمكنها أن تتفاعل في مساحات ضيقة أو مُركبات الكيمياء السياسية عندما تكون محدودة , لكن من الواضح أن الدائرة السياسية المحيطة ببابا الفاتيكان والمكونة من سفراء الفاتيكان بمنطقة الشرق الأوسط ومستشاريه السياسيين رأت أن توقيت هذه الزيارة هو الأفضل بقدر ما هو الأكثر خطورة أمنياً أيضاً , وقد يبدو لي أنه من الممكن طرح رؤية من زاوية حادة لهذه الزيارة وهي حادة لتناسب مع التوقيت الأسوأ الذي إختاره بابا الفاتيكان لتحقيق زيارته , وتلك الرؤية يمكن صياغتها من مزيج من موقفي الشخصي من الواقع الذي أعيشه في مصر ومن آراء أخترت بعضها من الإعلام الغربي أو المسيحي المعني بالفاتيكان – وهو لفظ أستخدمه للتعريف وليس للتمييز – ومن الأهمية الإشارة إتصالاً بذلك , إلي أن أي رؤية لتحركات الفاتيكان الدبلوماسية أو العقائدية أو كلاهما يجب أن تسبقها رؤية ناضجة للقرار التاريخي المُودع في أرشيف تاريخ الفاتيكان وهو قرار أو وثيقة تبرئة اليهود من دم السيد المسيح عليه السلام التي وقعها الكاردينال بيا رئيس سكرتارية المجمع المسكوني والتي صدرت عن هذا المجمع في دورته الثانية التي عُقدت في 8 نوفمبر 1963, وهذا موضوع مُستقل لكن ظله ممتد حتي يومنا هذا من الوجهة الأولية ليصل إلي كل تحركات الفاتيكان في قضية الصراع العربي الإسرائيلي وقضية الحد من أو السيطرة والتحكم في  إنتشار الإسلام وأي موضوعات أخري ذات صلة  .
 
التغطية الإعلامية للإعلان عن الزيارة   :
 
لم يعلن الفاتيكان عن هدف مُحدد من زيارة البابا للقاهرة , كما لم تتطرق بالتالي وسائل الإعلام الغربية المهتمة بمتابعة تحرك بابا الفاتيكان ودولة الفاتيكان نفسها لتتوقع هدفاً ما بعينه , غير أنها أشارت إلي أن الزيارة تؤكد مواصلة حوار الفاتيكان مع الأزهر , وفي الواقع فإن مواصلة الحوار أمر تقرر وحدث بالفعل عندما أعلن الفاتيكان في 21 فبراير 2017 – أي بعد نحو خمسة أشهر من زيارة فضيلة الإمام الأكبر للفاتيكان في 21 مايو 2016- عن أن الكاردينال  Jean-Louis Tauran رئيس المجلس البابوي للحوار ما بين الأديان سيتوجه لمصر مع وفد يضم Miguel Ángel Ayuso Guixot سكرتير المجلس البابوي و Khaled Akasheh رئيس مكتب المجلس المعني بالإسلام  للمشاركة في ندوة نقاشية بالأزهر الشريف يومي 22 و23 فبراير2017 خاصة بالحوار ما بين الأديان بجامعة الأزهر تحت عنوان ” دور الأزهر الشريف والفاتيكان في مواجهة ظاهرة التعصب والتطرف والعنف باسم الدين ” , ولهذا فلا يمكن إعتبار مواصلة الحوار هدفاً لتلك الزيارة لأنه تحقق بالفعل قبلها , ومن ثم فإن هناك أهداف أخري  يمكن إستنباطها   من توقيت والظروف المحيطة والسابقة علي هذه الزيارة إذ أنها تأتي ومصر في مواجهة مع تداعيات تفجيرات الكنائيس المصرية التي تثير الشك في مسئولية طرف بعينه عنها وفي قدرة السلطات المصرية – في نفس الوقت – علي السيطرة بما يكفل الأمان للطائفة القبطية في مصر وهو حق لها كما هو حق لكل المواطنيين المصريين إلا أن كلاهما لم يحصل عليه , ومع ذلك فلابد من الإشارة لثلاث تعليقات إعلامية غربية عن زيارة بابا الفاتيكان المُرتقبة للقاهرة كعينة غير إنتقائية ربما تُؤتي بشيئ ما يضيئ ما عتمت عليه الجهات المعنية بإتمام هذه الزيارة .
 
قبل إعلان الفاتيكان رسمياً عن هذه الزيارة أشار موقع MEMO في 13 مارس 2017 إلي أن الفاتيكان سيُقرر إمكانية قيام البابا بزيارة مصر قريباً لكن لا تاريخ أو برنامج لها قد حُدد بعد , وأن الناطق باسم البابا  Greg Burke أفاد الصحفيين بعد أن أشارت الصحافة الإيطالية إلي تلك الزيارة , بأنها قد تكون في مايو 2017 , وأنها قيد الدراسة , كما أشار الموقع بالإحالة علي الشبكة الإذاعية / التليفزيونية الإيطالية الرسمية RAI قولها أن زيارة البابا Francis للقاهرة تتم بناء علي دعوة من الرئيس المصري لنيافته خلال زيارة الأخير للفاتيكان عام 2014 , وأشارت RAI إلي أن هذه الزيارة ستكون في 20 – 21 مايو 2017 وأن برنامجها سيتضمن زيارة جامعة الأزهر وجامعه للقاء فضيلة الإمام أحمد الطيب شيخ الأزهر الذي زار الفاتيكان في 23 مايو 2016 , وعلق موقع  MEMO علي ما تقدم بالإشارة إلي أن مصادر القلق الأمني قد تفسر – لاحقاً – تأجيل هذه الزيارة مع أن الوضع الأمني المُتصاعد في عاصمة جمهورية أفريقيا الوسطي Bangui لم يعُرقل زيارته إليها سابقاً  , وفي 18 مارس 2017 أشار الموقع إلي أن البابا سيزور مصر في الشهر القادم (أبريل) التي بين الحين والآخر يتجدد العنف الطائفي فيها بسبب – ما تصفه الدوائر الكنسية الغربية والشرقية – التحول من الدين الإسلامي إلي العقيدة المسيحية والعكس وكذلك بسبب العلاقات الدينية / العقيدية , وأشار كذلك إلي أن البابا يري أهمية كبري لتحسين العلاقات بين المسلمين والأقباط الأرثوذوكس بعد إنتخابه في 2013 .
أشار موقع THE TABLET أو The International Catholic News Weekly بتاريخ 19 مارس 2017 إلي أن هذه هي الزيارة الزيارة السابعة للبابا لبلد غالبيته مُسلمة , وأنها تأتي عقب إعادة إنطلاق الحوار الإسلامي / المسيحي من خلال الأزهر بعد توقف 6 سنوات تقريباً , وأشار الموقع إلي أن البابا سيزور الأزهر علي غرار ما فعله البابا John Paul II عندما زار الأزهر نفسه عام 2000 , وأن الزيارة المُرتقبة للبابا  Francis تتزامن مع ما تشهده مصر من هجوم علي المسيحين بها والتمرد المسلح من تنظيم الدولة الإسلامية وهو تنظيم – وفقاً لهذا الموقع –  يتبعه أصوليين سنة وأن هذا التنظيم نما بعد أن إستقطب أعداداً من منتسبي جماعة الأخوان المسلمين (وهي نفس النغمة التي تروق للإعلام الحكومي المصري الذي يتحرق شوقاً لإذابة الأخوان المسلمين الخصم السياسي العتيد لأنظمة الحكم العسكرية في مصر الباقي علي قيد الحياة السياسية في مصر برغم عمليات الإذابة بالعنف ووصمه بالإرهاب)  .
 
أشار موقع Italy Europe24 إلي أن هذه الزيارة تعد خطوة للأمام في علاقة الكنيستين الكاثوليكية والأرثوذوكسية المصرية الأقدم في الشرق كما أنها كذلك بالنسبة للحوار مع الإسلام السني بعد خمس سنوات وأكثر من” إنهيار” العلاقة مع الأزهر الشريف بسبب ملاحظات معينة أدلي بها البابا Benedict XVI , وأضاف الموقع أن هذه الزيارة جري العمل عليها لفترة وأكتسبت قدراً كبيراً من الإهتمام من الوجهة الأمنية بالنظر إلي تصاعد عنف الجهاديين في الأسابيع الأخيرة خاصة ضد المسيحيين بالمنطقة , وأشار الموقع إلي الجرائم التي إرتكبها تنظيم متمرد علي الحكومة المصرية في 11ديسمبر  ونجم عنها قتلي أبرياء بكنيسة St. Mark بالأسكندرية وفي كتدرائية العباسية التي أدت إلي مصرع 25 من الضحايا الأبرياء , وتوقع الموقع أن البابا Francis لن يزور هذه الأماكن كما كان البابا John Paul II يفعل , وستكون زيارته من ثم منحصرة بالقاهرة فقط .
لم يتعد موقع Catholic News Service تغطيته الخبرية ليعلق علي الزيارة البابوية مُكتفياً ببيان البرنامج والإشارة إلي أن البابا سيقوم بزيارة مجاملة يلتقي فيها القادة السياسيين والدينيين علي مدي يومي 28 و 29 أبريل 2017 وأنه سيلقي خطاباً وكذلك فضيلة الإمام الأكبر شيخ الجامع الأزهر وسيلتقي بجمهور الطائفة الكاثوليكية الصغيرة بالقاهرة التيي أشار الموقع إلي أن تعدادها يُقدر بحوالي 272,000 أي أقل من 0,5% من مجمل تعداد سكان مصر (وهو تقريباً ضعف العدد الذي قدره معهد PEW الأمريكي بناء علي بيانات رسمية مصرية)  .
 
لوحظ في البيان الرسمي المُتعلق ببرنامج زيارة البابا للقاهرة والصادر والمنشور علي موقع إذاعة الفاتيكان   عدم ذكر كلمة ” رئيس مصر ” بل إكتفي بالقول أن البابا سيتوجه إلي ” القصر الرئاسي لزيارة مجاملة للسيسي والشيخ الطيب ” أي لم يُلحق بأسميهما صفتهما وهما ” رئيس مصر” و ” شيخ الجامع الأزهر ” وهو ما يجب أن يكون بروتوكولياً علي الأقل خاصة وأن البيان رسمي صادرعن إذاعة الفاتيكان وهو ما سينعكس حتماً علي المعني الحقيقي أو الهدف الحقيقي من زيارة حبر الفاتيكان , خاصة لوعلمنا أنه سيذهب إلي مقر رأس كنيسة الأرثوذوكس في العباسية , كما أن برنامجه خال من زيارة شيخ الأزهر في مقره رغم إدعاء الفاتيكان بأن هناك ثمة حوار جار (ولا يُعرف تحديداً حوارعلي ماذا إبتداء ؟ فيما نهج الإسلام هو التوحيد النقي المطلق ونهجهم هو الشرك المطلق ؟ إنما هي أرزاق تجري لمنتسبيها وهذر في موضع الجد) , كما أن هناك ملاحظات أخري خارج ذلك الموضوع تتعلق بالفاتيكان سواء فيما يتعلق بالتعامل مع الشواذ جنسياً , والإعتداءات الجنسية من رجال دين مسيحيين يمثلون الفاتيكان بحق أطفال قُصر , والفضائح المالية لبنك الفاتيكان وهو ما تعامل معه الفاتيكان بإجراءات تصحيحية قدر الإمكان ألخ .
 
الأهداف المُتوقعة للزيارة :
 
لا يمكن تصور إصرار بابا الفاتيكان علي إتمام زيارته للقاهرة بل وتقديم موعدها إلي أبريل 2017 بعد أن كان يتردد قبل الإعلان عنها أنها ستتم في مايو 2017 وهو الموعد الذي حُدد لزيارته للبرتغال فيما بعد , إلا إذا كانت هذه الزيارة هادفة وليست للمجاملة كما أشار بيان الفاتيكان بشأنها , ومن ثم فإنه يمكن برصد الظروف المحيطة والسابقة علي الزيارة الإلمام ببعض الأهداف أو ربما يمكن القول ببعض الأسباب التي دفعت بالبابا للقيام بهذه الزيارة وهذه الأهداف / الأسباب هي :  
* ترسيخ الدور الخارجي لبابا الفاتيكان وتأكيد مسئوليته عن مسيحيي الشرق الأوسط خاصة في لبنان والعراق وسوريا والأردن والآن في مصر , بإعتبار أن هذا الدور أصبح ضرورياً للفاتيكان بالنظر إلي إنكماش حاد في دور الكنيسة نسبياً في الفضاء الكنسي الأوروبي ورواجه في أفريقيا وآسيا وأمريكا اللاتينية , وهذا الحرص الفاتيكاني علي تنمية دوره الخارجي الذي إرتقي فأصبح مُؤثراً خارجياً ضاغطاً علي سياسات قيادات دول الشرق الأوسط التي لا تحكم عبر مؤسسات حقيقية نافذة بل عبر إرادات شخصية متهافتة غالباً ما تكون غير مُؤهلة للصمود أمام ضغوط الفاتيكان الناعمة المدروسة والمُعقدة والتي أصبحت يُخشي منها , وهي التي وصفها Francis Rooney سفير الولايات المتحدة الأسبق لدي الفاتيكان إبان عهد George W. Bush في الفترة من 2005 وحتي 2008 في كتابه ” الفاتيكان الذهبي ” بالقوة الناعمة وهو ما كرره في مقال له نشرته في 14 أكتوبر 2014 مجلة TIME تحت عنوان ” دبلوماسية القوة الناعمة للبابا Francis تهدف إلي جلب الإسلام للعالم الحديث ” ,  وأستطرد السفير Rooneyفي مقاله فقال ” إن الزيارة الحالية للبابا لألبانيا (في 21 سبتمبر 2014) تؤكد نجاعة التحالف الحكومي بين الأديان والذي يعد تعبيراً آخر مهم لدبلوماسية القوة الناعمة للفاتيكان والتي تعمل في وسط مواجهة عالمية للعناصر الراديكالية داخل الإسلام , وأشار السفير   Rooneyأن البابا في مؤتمره الصحفي بتيرانا إنتهز الفرصة ليلقي بالضوء ” علي الموقف الذي يتعايش فيه المسلمين والمسيحيين الأرثوذوكس والرومان الكاثوليك ” .
 
* إستغلال الفاتيكان للظرف الطارئ الحرج لمسيحيي مصر من الأرثوذوكس لتحقيق إقتراب من كنيسة الأسكندرية أقدم كنائس الشرق وربما العالم المسيحي وربما هيمنة عليها في مرحلة لاحقة , بالرغم من أن هناك تبايناً مذهبياً حقيقياً بين الكنيسة الغربية عامة والفاتيكان من جانب وكنيسة الأسكندرية من جانب آخر ,  من بين موضوعاته الرئيسية الخلاف العقائدي Divergence dogmatique بينهما  ويوجد  في أصول وفروع متعددة بالمذهب الأرثوذوكسي من أهمها تجسد المسيح أو  Incarnation والتثليث أو Trinité و حالة الأرواح بعد الموت État des âmes après la mort والأسرار المُقدسة  Sacrements و القداس Messe والشعائر Office ألخ ( EGLISES ORIENTALES et RITES ORIENTAUX – R.JANIN . LETOUZEY AND ANE , PARIS1955 . Page459) , ومع أنها خلافات غير قابلة للتغيير أو التوافق بشأنها بطبيعتها , إلا أن الرغبة المتبادلة للكنيستين حدت بهما إلي القفز سوياً لتجاوزها , وهذه القفزة قد تحقق للفاتيكان ثقلاً أكبر تخشي منه الكنائس الشرقية لكنها بحاجة إليه في هذا التوقيت العصيب لأنه أصبح كالضرورة إذ أن مسيحيو الشرق أصبحوا مدركين أن الفاتيكان وحده القادر علي التأثير الحقيقي فبمكنته حمل قضاياهم إلي المحافل الدولية من الزوايا الحرجة كزاوية حقوق الإنسان (أدلي المطران Bernardito Auza المراقب الدائم للفاتيكان لدي الأمم المتحدة بمداخلة في 20 أبريل أمام جلسة لمجلس الأمن الدولي خُصصت لمناقشة الموقف في الشرق الأوسط نشرها بموقع CRUX بتاريخ 21 أبريل 2017 أي بعد الإعلان بنحو شهر عن زيارة بابا الفاتيكان للقاهرة) , فالفاتيكان دولة وليست كياناً داخل دولة كالأزهر الشريف مثلاً والذي رغم ذلك القدر المحدود من النفوذ لديه تعرض منذ الحقبة الناصرية وللآن لعمليات نحر في بناه المادية والروحية فنظام الرئيس الأسبق جمال عبد الناصر لم يكن مُؤمنا بأن الدولة مؤسسات إنما الدولة عنده مُختزلة في شخصيته التي خال أنها تتجاوز عمره بسبب تضخم غير طبيعي في إحساسه بالذات وهي الحالة المرضية التي ساهمت فيها جماهير تفتقد الوعي الغريزي , كما أن الكنائس الشرقية أو كنيسة الأسكندرية بحاجة إلي حليف قوي يأخذ بيدها بعد أن شعرت أن السطوة الأمنية بمصر لا تفي بتوفير الحد الأدني من الأمان للطائفة القبطية المصرية , وبالتالي فزيارة البابا من هذه الزاوية إستعراض للثقل الحقيقي للفاتيكان وفي نفس الوقت تحديد واضح للقدرات المحدودة للكنيسة القبطية في الظروف الإستثنائية إذ لم تحصل هذه الكنيسة في الواقع علي عائد حقيقي من دعمها السياسي المُطلق للنظام السياسي القائم بمصر حتي الآن وهو العائد الذي حده الأدني الأمن .
 
* إن أوروبا وتحديداً دول الإتحاد الأوروبي أصبحت قريبة من خطر تدفق موجات الهجرة غير المشروعة إليها مع ما لهذه الموجات من نتائج تكاليفية مادية ومعنوية , ولما كان بابا الفاتيكان بحكم موقعه الروحي في قلب الأحداث التي تتُرجم علي أنها خطر يواجه التركيبة الديموجرافية الأوروبية بالإضافة إلي أن هذه الموجات تمثل تداخلاً دينيا لا ترغب فيه دول الإتحاد الأوروبي حفاظاً علي النقاء المسيحي والذي من بين أهم واجبات البابا منطقياً صيانته , لذلك إضطلع بابا الفاتيكان بمسئولية تنفيذ الإستراتيجية الوقائية لهذا الخطر الديموجرافي بالتعامل مع هذه القضية الشائكة بما يتفق ومبدأ التبشير بالمسيحية Evangelization أو التنصير من وجهة النظر المُضادة بإمتصاص ما يمكن إمتصاصه من هذه الموجات المُهاجرة هرباً من الحروب والنزاعات التي في سوريا والعراق التي وصلت إلي مدي لا إنساني أي إلي الإبادة الجماعية للبشر , إذ لا يمكن للبابا أن يتبني موقفاً غير ذلك بغض النظر عن تعارضه مع مواقف دول أوروبية اخري , ولذلك فقد أولي البابا Francis عناية فائقة بهذه القضية تعبر عنها الإستراتيجية المُعلنة للفاتيكان بشأنها والتي من مكوناتها ما أُعلن في 31 أغسطس 2016 * ( صحيفة THE WALL STREET JOURNAL ) عن إنشاء البابا لما يُسمي Dikastirio أو مُجمع يضم مجالس بابوية معنية بالمهاجرين والعدالة وصحة العمال والأعمال الخيرية تحت مظلة واحدة  .
* في ضوء تجدد التوتر في علاقات إيران الشيعية بالقوي الدولية وعلي رأسها الولايات المتحدة وفرنسا  (التي نادي رئيسها نيقولا ساركوزي في Palais du Latran بروما في ديسمبرعام 2007 بما أسماه بالعلمانية الإيجابية Laïcité positiveوكررالنداء أمام البابا في Palais de l’Elysée في 12 ديسمبر من عام 2008 توخياً منه لإستعادة دور الدين في الدولة الفرنسية بالرغم من تعارض ذلك مع دستور فرنسا الصادر عام 1905) فقد تجدد أيضاً الدافع لدي الفاتيكان لإدارة ما يُسمي بالحوار مع الأزهر الشريف , وأذكر إتصالاً وتأكيداً للإستخدام واضح المرونة لقضية الحوار تلك , ما أسره لي أحد السفراء من دولة بغربي أفريقيا من أن وزير خارجية فرنسا أشار عندما قطع الأزهر الحوار مع الفاتيكان , إلي أن البابا سيتوجه بالحوار الإسلامي مع إيران , وهو ما يشير – مبدئياً علي الأقل – إلي أن عملية الحوار تلك للفاتيكان إزاءها آليات Mécanisme مُخفاة تؤدي وظيفة مختلفة كلية يحقق الفاتيكان بواسطتها مرام أخري , كما أنني لاحظت في الفترة التي إنقطع فيها ما يُسمي بالحوار أن السفراء الغربيين لم يزعجهم تمدد إيران في دول أفريقيا ذات الغالبية المسلمة خاصة في غربي وشرقي أفريقيا من خلال فتح مدارس وجامعات كتلك التي في غانا وتتبع قُم والمدارس التي أُفتتحت بالنيجر ونيجيريا بل وفي السودان قبل أن تنقطع العلاقات الإيرانية معها وكان أشد ما يزعجهم إنتشار البعثات الأزهرية بهذه الدول وحركتي في داخل المجتمع بالنيجر خاصة مع الفعاليات الإسلامية الحادبة علي تعزيز مكانة الإسلام به .
* محاولة الفاتيكان إنقاذ حوار أقامه مع أهم كتلة ديموجرافية إسلامية سنية ممثلة في الأزهر الشريف وبالتبعية مع مصر التي يعلم الفاتيكان أنها خط إنتاج لما يُعتقد بأنهم راديكاليين إسلاميين ( في ثمانينات القرن الماضي كان الإعلام الغربي والفاتيكان يصفهم بالأصوليين Fundamentalists الإسلاميين) وبها أثقل الكتل الديموجرافية السنية في الشرقين الأدني والأوسط حيث بها علي الأقل 95 مليون مسلم من 100 مليون هم مجمل سكانها , وهذا الحوار بلا شك يُستخدم – من قبل الفاتيكان-  كأداة إتصال رسمية لتوجيه أو علي الأقل التأثير والإحاطة بحركة أهم منصات الدعوة الإسلامية بالعالم ألا وهي الأزهر الشريف  , ويُؤكد ذلك أن مصداقية القول بأن هناك مستقبل لما يُوصف بأنه حوار إسلامي / مسيحي مصداقية متناقصة بل تكاد وأن تكون هامشية أو مراسمية لا طائل من وراءها لسببين رئيسيين أولهما أن الفاتيكان يعتقد أن لديه أسبقية دينية علي كوكب الأرض وان أتباعه من الدول أو القوي الدولي الكبري ذات التأثير وأن لديه تفوق عددي ديموجرافياً يوفر له فائض قوة بإستخدام وتطويع القانون والإقتصاد الدوليين لمصلحة القضايا الشائكة التي يضطلع الفاتيكان بمسئولية فرض رؤيته فيها ثانيهما أنه من غير الممكن إفتراض نشوء حوار القائمين عليه ليسوا أحراراً في التنازل عن أصول القضايا محل الحوار , لذلك فإن هذه الزيارة ستعمل علي المحافظة فقط علي وتيرة الإتصالات مع أهم منبر سني بعزله أطول وقت ممكن عن التأثير الداخلي والخارجي الذي يراه الفاتيكان سلبياً للسببين المُشار إليهما آنفاً , فالفاتيكان يعلم ويدرك  أنه لا يمكن إفتراض أن الحوار الجاري يمكن أن يصل مثلاً إلي تسوية عقائدية في قضية التوحيد أو في فقه الجهاد (الذي يتوخي الفاتيكان وأبواق الدعاية الغربية والعربية التابعة وصمه بالإرهاب جنباً إلي جنب مع مقاومة الإستعمار والنظم المُستذلة) فللفاتيكان موقف داعم لكل إستراتيجيات الإتحاد الأوروبي وخاصة العسكرية الأمنية منها فهو أي الفاتيكان لم ينبس ببنت شفة في العملية الفرنسية المروعة البربرية عملية Serval  التي أقترفت العسكرية الفرنسية خلالها عام 2013 جرائم ضد الإنسانية في حق سكان شمال مالي المسلمين لمواجهة جماعة أنصار الدين وجماعة التوحيد والقتال وبينهما مسلمي شمال مالي وكان الهدف الحقيقي حماية مصالح فرنسا الإقتصادية في يورانيوم النيجر بعد تكرار خطف خبراء اليورانيوم الفرنسيين بمواقع إستغلال اليورانيوم في ARLIT بشمال النيجر والأمثلة في ذلك متعددة ويعبرعن ذلك أفضل تعبير تلك الصورة التذكارية المُفصحة عن الكثير التي للبابا  مع قادة الإتحاد الأوروبي والتي نُشرت علي نطاق واسع منذ نحو شهرين , وتأكيداً لذلك فلم يمنع إعلان الفاتيكان في 21 أكتوبر 2016 عن إستئناف الحوار مع الأزهر من مواصلة منتسبي الفاتيكان مثل الأب Henri Boulad الرئيس السابق لكلية الجزويت بالقاهرة من الهجوم علي الإسلام إذ صرح مُحذراً في مقابلة صحفية مع صحيفة L’Osservatore Romano في أبريل 2017 بأن أن العقبة الكؤود في الإسلام هي في كونه دين السيف وأن هناك تناقض واضح بين القرآن الكريم في الآيات التي   “كتبها ” محمد صلي الله عليه وآله وسلم في مكة (؟) وتلك التي ” كتبها ” صلي الله عليه وآله وسلم عندما إنتقل إلي المدينة (؟) فالأولي كانت سلمية أما الثانية والتي تشكل معظم القرآن الكريم فتعد دعوة إلي الحرب والنضال ضد المسيحيين ( لكن هذا الأب الإنتقائي النزعة لم يشر إلي الحروب الصليبية ولا للإستعمار الغربي لبلادنا وبلاد غيرنا) , وأضاف خبثاً ومكراً قوله ” أنه بينما تجد معظم المسلمين منفتحين جداً وعطوفين ومُعتدلين , فإنك تجد “الإيدولوجية” الدينية التي تدعو إليها المساجد عبارة عن ” تحريض مُستمر” , وكأن هذا الأب يفسخ العلاقة بين المسلمين وإسلامهم وبين المسلم ومسجده , وهنا لابد من الإشارة إلي ما ورد بتقرير معهد PEW الأمريكي(وهو مركز بحثي تحليلي أمريكي غير حزبي Nonpartisan) الذي أشار إلي :
 
– أن 74% من المصريين يُؤيدون تطبيق الشريعة الإسلامية وأن 74% من مسلمي الشرق الأوسط وشمال أفريقيا يرون ذلك أيضاً .
– أن 94% من المصريين يرون أن القضاء الإسلامي يجب أن يقرر ما يتعلق بقانون الأسرة ونزاعات الملكية .
– أن 65% من مسلمي الشرق الأوسط وشمال أفريقيا يعتقدون في النفوذ والدور السياسي لرجال الدين .
– أن 60% من هؤلاء لا يجدون أن هناك صراعاً قائماً بين الدين والمجتمع الحديث .
 
إتصالاً بالإحصاءات التي تعتبر من الوسائل مزدوجة الإستخدام في الحق والباطل فإن الحملة علي الإسلام والمسلمين في مصر أحد وسائلها التضليل عبر الأرقام , ويُشار في هذا الصدد إلي أن المصادر الإعلامية الغربية غالباً ما تشير إلي أن نسبة مسيحيو مصر تبلغ 10% وترفعها الرؤوس الكنسية بمصر ومعهم بعض متطرفي الليبرالية إلي 15% بدون أن يشيروا لوثيقة ما , بينما يؤكد التقرير الموضوع بمعرفة معهد PEW لعام 2011(مشروع Religion and Public life Project) مُسنداً بإحصاءات حكومية مصرية إلي أن العدد الإجمالي لمسيحيي مصر من كل المذاهب عام 2010 يُقدر بنحو4,290,000 مليون نسمة أي ما نسبته 5,3% من مجمل سكان مصر منهم 140,000 كاثوليكي و 250,000 بروتستانتي , وتجدر الإشارة إلي أن النسبة التي أشار إليها معهد PEW تتفق مع النسبة التي وردت في تعدادات السكان في مصر وهي نسبة تتحرك في الغالب لأسفل نظراً لزيادة معدلات هجرة الأقباط المصريين لبلاد المهجر المختلفة وأهمها بالنسبة لهم الولايات المتحدة وكندا وأستراليا وإنخفاض معدل مواليدهم .
 
* قد يكون من بين أهداف البابا تنشيط مطالب الكنيسة المصرية لدي السلطات المصرية من خلال حثها علي إعادة النظر في الإجراءات المُطبقة حكومياً فيما يتعلق ببناء دور عبادة وهي أحد المهام التي تشبع أشواق الكنيسة المصرية في مشاهدة أكبر عدد ممكن من الكنائس حتي ولو لم تستدع الضرورة بناؤها , المهم في الأمر أن تأمر الكنيسة فتلبي الحكومة أي تدريب الجهاز الحكومي المصري علي الطاعة , وإتصالاً بذلك فقد يذهب البابا في إتجاه معاكس فيضغط في إتجاه قضية مقتل الباحث الإيطالي جوليو ريجيني لكشف الفاعل أو الفاعبلين الأصليين أو قد يستخدم هو هذه الورقة في الحصول علي مغنم ما من الحكومة المصرية التي تريد تسوية هذه القضية مرة واحدة وللأبد .
 
رؤية الزيارة بالنظر إلي الظروف الراهنة في مصر :
تأتي زيارة البابا للقاهرة والمجتمع المصري يعاني من تداعيات التفجيرين اللذين وقع أولهما بمدينة طنطا بدلتا النيل في 8 أبريل 2017 وكان في كنيسة St. George وراح ضحيته 27 قتيل و78 جريح وثانيهما في كنيسة St. Mark بالأسكندرية وراح ضحيته 17 قتيل و48 مُصاب , وقد أعلن تنظيم الدولة الإسلامية ISIS عبر أداته الإعلامية ” أعماق ” عن مسئوليته عن العمليتين الإرهابيتين ضد المسيحيين بمصر بسبب ما وصفه التنظيم بدعم هؤلاء المسيحيون للغرب ضد المسلمين , وكان رد فعل الحكومة المصرية علي هذه التطورات الأليمة إعلان حالة الطوارئ لثلاثة أشهر – يتوقع مدها وإعادة إنتشار للجيش لحماية المنشآت التي قد يتم إستهدافها من هؤلاء الإرهابيون , كما تأتي هذه الزيارة أيضاً في ذروة حملة مسعورة من الإعلام المصري المُوجه للنيل من الأزهر الشريف وهي حملة بدأت منذ وقت طويل سابق علي ثورة 25 يناير 2011 إستهدفت تحجيم دور الأزهر الخارجي ومن بين الأدلة علي ذلك أنني قابلت فضيلة الأمام الأكبر في فبراير 2009 وأقترحت عليه ترتيب زيارة للنيجر في إطار زيارات يمكن – بتعليمات رسمية تُبلغ لسفراؤنا في دول غربي أفريقيا حيث الكتلة السكانية هناك في غالبيتها العظمي مسلمة – ووافق فضيلته مُرحباً بهذا المُقترح وبالفعل أبلغت حكومة النيجر بذلك فوافقت علي الفور بل أفادوني أنهم سيستقبلون فضيلة الإمام الأكبر إستقبال الرؤساء , ولما أبلغت القاهرة رسمياً بذلك لم أتلق إجابة حتي أمضي قدما , فلكن نظام مبارك بالذي يشعر بالفخر لمد الأزهر تأثيره عبر زيارة يُستقبل فيها إمام الأزهر إستقبال الرؤساء , كما أن توجه إمام الأزهر مكرهاً أم طواعية لإلقاء نفسه في بحر السياسة اللجي في مصر الأمر الذي إنتهي بالإطاحة بالرئيس المُنتخب دكتور محمد مرسي أثر سلباً علي صلابة موقفه مجتمعياً وهو أي فضيلة الإمام يلقي بسبب ذلك هجوماً من علماء مسلمين كُثر بسبب مواقفه غير التقليدية والخارجة عن إجماع هيئة كبار علماء الأزهر إلا أنه مال مؤخراً نحو اليمين عندما رفض ورفضت معه هيئة كبار العلماء بالأزهر الشريف مُقترحاً من غير ذوي التخصص لإقرار الطلاق الشفاهي أمام المحكمة ثم تكتل فضيلة الإمام وهيئة كبار العلماء معاً لمواجهة حملة ممنهجة من الإعلام المُوجه بمصر للنيل من الأزهر الشريف .
 
لم تقتصر الحملة المسعورة التي يتولاها إعلام لم يُستدل عنه طيلة حكم الرئيس مبارك المُطاح به بثورة شعبية في 25 يناير 2011 أن له صلة ما بقيم الشفافية أو الشجاعة أو حتي المهنية , فقد دخل في سعار الهجوم علي الأزهر معه أيضاً رجال العقيدة المسيحية المصريين ليدلوا بدلوهم بالترويج لمُصطلح غامض أكثر منه خلافي وهو مُصطلح ” تغيير لغة الخطاب الديني ” والمقصود به حصراً الإسلام لا غيره ولو علي سبيل ” التقية ” , ولما كان هذا المُصطلح يمنح من يروجون له ويستصرخون القاصي والداني للعمل علي تنفيذه بإستخدام معاول لا مشارط فقد إستمروا في النباح ككلاب تجري علي غير هدي في مساحة عمل هدام مرنة تستوعب موضوعات مختلفة كان من بينها تعديل مناهج مدارس ومعاهد وكليات الأزهر الشريف التي قام نظام مبارك بوضع يده المُتسخة برجسه هو والموالين لنظامه الفاسد فيها في إطار العمل الموازي علي جبهة التعليم العام الذي تولت توجيهه بالتعديل والحذف وأحياناً الإضافة قوي دولية منها فرنسا وبريطانيا والولايات المتحدة التي إستقبلت أعداداً من الموجهين التعليميين المصريين لصقلهم وتعبيد طريق أمريكي واحد داخل عقولهم المتلقية طوعاً , فالقوي الدولية لم تجد مقاومة تُذكر من نظام مبارك لتسيطر علي النظام التعليمي المصري في الجانب الأعظم منه , وكانت المقاومة في الأزهر الشريف واضحة والإستجابة لوسوسات الخبراء الغربيين للعبث بالتعليم المصري فيه أعتبروها بطيئة للغاية , وبطبيعة الحال فقد كان ولا يزال الأزهر الشريف يقاوم وحيداً مُحاصراً وما زالت تُوجه له سهام مغموسة بحقد البعض والآخرين , وفي هذه الظروف الدقيقة ننتظر قدوم سحب الفاتيكان الداكنة فوق سماء الأزهر الشريف في 28 أبريل 2017 وهي سحب إغراق وليست سحب ري كما يحاول بعضعهم إقناع بعضهم الآخر  .
 
بناء علي هذه الظروف المحيطة والسابقة علي زيارة بابا الفاتيكان يمكن القول بأنها زيارة أملتها الضرورة فهي إستجابة بابوية للوضع الأليم الذي نجم عن الهجمات الإرهابية – بلا أدني شك – ضد أبرياء سقطوا صرعي بلا مبرر وقد يحقق البابا كل أو بعض الأهداف التي أتوقعها , لكن ما ينبغي قوله توضيحاً لا تبريراً أن هذه النتائج المأساوية التي أصابت جزءاً من المجتمع المفروض أنه مُلتئم بلحمة الشعب المصري كان من الممكن تجنبها بإستمرار التطور الديموقراطي الصحيح والصائب الذي نتج عن ثورة 25 يناير 2011 حتي يصل إلي وجهته النهائية وقد وصل إليها إلا أن الثورة المُضادة بكل من شارك فيها ما لبثت وأن أطاحت بهذه الثورة التي أقصت لأول مرة عسكريين عن حكم مصر يمثلهم المجلس العسكري الذي فوضه السلطة رئيس مُطاح به كان من المُفترض بفعل الثورة الشعبية أنه فاقد لسلطة التفويض مما مهد الطريق أمام الإستقطاب السياسي الحاد في مصر والذي أقحمت الكنيسة المصرية نفسها في خضمه فشاركت هي وأطراف أخري في مباراة سياسية خاسرة يقيناً لأن من يلعبها فريق لا خصم له …. فريق ليس حائزاً علي إجماع شعبي كامل … تكون ليلعب مباراته علي أرض مجتمع مُنقسم …. في هذه الظروف يعتقد بابا الفاتيكان أنه سيجني ثماراً فيما الأشجار قد إحترقت أو كادت .
القاهرة / تحريراً في 23 أبريل 2017
الوسوم

المركز الديمقراطى العربى

المركز الديمقراطي العربي مؤسسة مستقلة تعمل فى اطار البحث العلمى والتحليلى فى القضايا الاستراتيجية والسياسية والاقتصادية، ويهدف بشكل اساسى الى دراسة القضايا العربية وانماط التفاعل بين الدول العربية حكومات وشعوبا ومنظمات غير حكومية.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق