مقالات

حوادث الطرق في مصر بين توصيف الأسباب وسبل المعالجه

بقلم : دكتور / أيمن رمضان الزيني

 

لم يكن حادث مصرع روضه السقا وشروق أبو العز واسماء محمد عبده  الطالباتبالسنة النهائية بكلية طب شبين الكوم بجامعة المنوفية أمام إحدى الكافيهات بطنطا الأسبوع الماضي خلال إجازة عيد الأضحى المبارك ، الحادث الأول من نوعه ولن يكون الأخير ، بل حلقة في مسلسل نزيف دماء المصريين علي الطرق ـ والذي صار مسلسل مأساوي يحتاج لوقفة لبحث أسبابه وأساليب مواجهته .

فقد اعتاد المصريون الاستيقاظ صباح كل يوم على أخبار الكوارث المرورية، فمصر التى يبلغ طول شبكة الطرق بها حوالى 46.9 ألف كيلو متر تعتبر حوادث الطرق ظاهرة يومية فيها، بل ان أعداد حوادث الطرق فى مصر تفوق مثيلتها فى كل دول العالم بما فى ذلك الدول التى تمتلك شبكة طرق أسوأ بكثير من مصر

فعلي الرغم من تغير معالم الحياة فى مصر على مدار الأعوام الماضية، وتغير النظم السياسية والأحوال الاجتماعية والاقتصادية خلال السنوات القليلة الماضيه،الاانالشىء الوحيد الذى بقي دون تتغير هو حوادث الطرق.

فمنذ سنوات طويلة تعانى مصر من هذه الكارثة ، والتي أودت بحياة مئات الألوف من المصريين، ووضعت مصر علي رأس قائمة حوادث الطرق علي مستوي العالم ، حيث تشير الإحصاءات الي ان متوسط اجمالي عدد الضحايا في حوادث في مصر يبلغ 14 ألف ضحية سنويا، بالاضافة إلى 40 ألف حالة اصابة، ناتجة عن 22.4 ألف حادث سنويا، وتفوق معدلات حوادث الطرق في مصر المعدلات العالمية لحوادث الطرق ، حيث يتراوح المعدل العالمى لقتلى حوادث الطرق بين 10 و20 شخصا لكل 10 آلاف مركبة، بينما يصل هذا المعدل فى مصر إلى 25 أي بزيادة  150% من المعدل العالمى، أما فيما يتعلق بالضحايا، فعلى حين يتراوح المعدل العالمى لقتلى حوادث الطرق بين 4 و20 شخصا لكل 100 كيلو متر، فهذا المعدل يصل فى مصر إلى 131 قتيلا، أى نحو 30 ضعف المعدل العالمى، ومن حيث مؤشر قسوة الحوادث، فمصر تفقد 22 مصاباً من بين كل 100 مصاب فى هذه الحوادث، بينما المعدل العالمى لا يزيد على 3 قتلى لكل 100 مصاب.

كما تشير الإحصاءات الي ان هناك حالة وفاة كل نصف ساعة في مصر نتيجة لحوادث الطرق.

كما تشير الإحصاءات الي ان عدد ضحايا المصريين في حوادث الطرق تجاوز اضعاف من فقدوا في الحروب منذ عام 1948 حتى حرب 1973.

ولا تتوقف الخسائر الناجمة عن حوادث الطرق عند حد الخسائر البشرية فقط، بل تمتد إلى خسائر اقتصادية أيضا يقدرها الجهاز المركزى للتعبئة العامة والاحصاء بـ 17 مليار جنيه سنويا ، فيما ذكرت احصاءات البنك المركزى أن شركات التأمين قامت بسداد 5.5 مليار جنيه خلال الثلاث سنوات الماضية كتعويضات عن حوادث السيارات فى مصر.

اسباب حوادث الطرق

لاشك في أن العنصر البشري يتحمل المسئوليةَ الأكبر، فضلاً عن التقصير الحكومي والتداخل في المسؤوليةِ بين مؤسساتِ الدولة.

ولعل اخص أسباب كثرة الحوادث تكمن في عدة عوامل منها الطرق ، حيث ان الغالب من الطرق في مصرغير مطابقة للمواصفات، كما أن حالة الطرق فى مصر سواء القديمة أو الحديثة يرثى لها، نتيجة لانتشار الحفر والمطبات عليها وعدم وجود أعمدة انارة صالحة علي اغلب ،
هذا بالإضافة إلى مشكلة الفواصل التى تعانى منها معظم الكبارى سواء داخل المدن أو خارجها، كما تعاني الطرق من تدنى مستوى الاسعاف وخدمات السلامة ونقص الارشادات المرورية على الطرق.

كما يمثل غياب الرقابة المرورية على الطرق وعدم تطبيق القانون علي الجميع سببا جوهريا ثانياً لهذه المشكلة ،هذا بالإضافة إلى عدم اتباع قانون المرور على كافة الطرق سواء من حيث الالتزام بالسرعة المقررة، أو ارتداء حزام الأمان أو اتباع الارشادات الموجودة على بعض الطرق.

كما يمثل انخفاض المستوى المهارى لمعظم السائقين، كنتيجة لعشوائية التدريب علي القيادة
– إلا فيما ندر -، والقيادة تحت تأثير المواد المسكرة والمخدرة ، والسرعة الزائدة، وجهل معظم قائدى السيارات بقانون المرورحوادث الطرق فى مصر بالاضافة إلى الخلل بالمركبات نفسهااسباب جوهرية اخري لهذه الكارثة.

ويمكن تلخيص الأسباب الكامنه وراء حوادث الطرق علي النحو التالي :-

اولا : الاطارات الهوائية (العجلات) : –

1– وجود اطارات مختلفة في موديلاتها (وسنة انتاجها)  واحجامهاوجودتها .

2 -عدم وجود فحوصات دورية جديةلاطاراتالسيارات .

ثانيا : السائقون : –

1- عدم دقة معايىراختبارات فن القيادة للسائقين المتقدمين للحصول على رخصة القيادة، وانتشار الاهمال وتفشي الفساد في الاجهزة الادارية التي تختص بترخص السيارات .

2- عدم التدريب الجيد للسائقين قبل منحهم تراخيص القياده ، وخاصة قائدي الشاحنات وسيارات النقل العام ونقل البضائع وحتى سائقي السيارات الخاصة على ضوابط الطريق والارشادات الواجب توافرها لقائد السيارة .

3- وجود عوامل تؤثر على وعي وادراك قائد السيارة (السائق) ، كالنعاس والنوم والتعب والارهاق وعدم التركيز والانشغال عن القياده باتصالات هاتفيه و تعاطي الواد المسكرهاوالمخدرة قبل القيادة أو اثناءها.

وفيما يخص العنصر البشري فالأمر يقتضي تأهيل السائقين بشكل جيد، ووفقًا لقوانين المرور الدولية وعدم منح رخصة القيادة إلَّا بعد دورة تدريبية لكل سائق وفقاً لأعلي معايير الجودة والسلامة الدولية وتغليظ العقوبات وتشديد الإجراءات الأمنية علي الطرق السريعة، وتوفير نقاط إسعاف على هذه الطرق بشكل مكثف ، مع ضرورة تشديد العقوبات المنصوص عليها في قانون المرور ، فعقوبة تجاوز السرعة تقتصر على الغرامة مما يشجع بعض الشباب المتهور علي تجاوز السرعة المحددة ، والحد من هذه الظاهرة يقتضي فقط ليس تشديد العقوبة بل تطبيق أنماط جديدة من العقوبات تصعيد العقوبات كعقوبة العمل الأجتماعي أو الخدمى مثل القيام بتنظيف شارع أو تجميل مكان ، وهي عقوبات مقررة في العديد من التشريعات الأوروبية ومنها المانيا .

يقتضي الحد من هذه الظاهرةرفع سن منح بعض رخص القياده من 18 الى 22 عاما بصفةخاصة بالنسبة لسائقىالأجرة ، حيث اثبتتالأحصاءات أن نسبة كبيرة من مرتكبىحوادث السيارات تقع أعمارهم بين 18 – 30 نتيجة الاندفاع وعدم الالتزام بالقانون .

كما يقتضي الحد من هذه الظاهرة – كذلك –منع سير سيارات النقل على الطرق في أوقات الذروة وإخضاع سائقيها للكشف الطبي، وذلك لتسببها في عدة حوادث أودت بحياة مواطنين.

ثالثا : غياب الوعي المروري : –  فضعف الوعي المروري لدى كثير من الاشخاص وقائدي السيارات وسائقي سيارات النقل بصفة خاصة ، يتسبب في اساءة  استخدام الطرق وخاصة الطرق السريعة والدائرية حول المدن.

والحقيقة أنلوسائل الاعلام والتوعية المجتمعية دوراً فاعلاًبوسائلها المختلفة سواء مقدمة من صحف او جمعيات شبابية أو ندوات جماهيرية في الحد من هذه الظاهرة من خلال التوعية بظروف المناخ وطرق الصيانة الاولية للسيارات واستخدام الطريق بالشكل الأمثل .

رابعا:-الطرق : – فالحقيقة أن مشكلات الطرق غالبا ما ترجع الى التنفيذ وليس التخطيط ويكون أكثرها بالمدن النائية أو فى الطرق الموجودة بين المدن ،فالأسفلت مثلا يكون احيااً بنسبة من الشمع وبالتالىفمع تعرضه للشمس فيؤدي لأنزلاق وتصادم السيارات بصفة خاصة مع غياب المسافات البينية بين السيارات .

ومن مشكلات الطرق كذلك المطبات الكثيرة التى عادة مالايتم الالتزام بالمعايير القياسية فى تنفيذها، فالمطب المفترض عمله بالمناطق الهادئة أمام المدارس والمستشفيات مثلا ويكون ارتفاعه لايزيد عن 15 سم وعرضه 4 أمتار للتهدئة ،أما ما نشاهده على الطرق مثل “عين القطة ” الذى يعكس ضوء السيارات على الطريق ليسد الحاجة الى الاضاءة الجانبية يتلف إطارات السيارات.

فالمطبات للأسفتسهم فى زيادة حوادث الطرق؛ حيث يعانى قائدو السيارات منها خصوصا على الطرق السريعة، لذا يجب مراعاة إقامة المطبات وفق قواعد معينة و إنارتها بألوان صفراء أو فسفورية للتنبيه .

فعدم التخطيط الهندسي الجيد والمناسب للطرقيؤدي للازدحام وارتباك السير،ويزيد من فرص الحوادث خصوصا اذا لم يكن الطريق ممهد بشكل مناسب لأنواع السيارات كما هو الحال الأن في البلاد.

كما انأنعدام صيانة ومتابعة الطرق من خلال تجديد وصيانة الاسفلت الذي يعبد الطريق بشكل مناسب ومستمر وتوفير اضاءة جيدة على جانبي الطريق سواء داخل المدن وخارجها سواء بأعمدة الانارة ،وعمل منافذ علي جانبي الطريق بميل محدد لتصريف مياه الامطار والسيول، وتنظيف الطرق من المخلفات والزيوت التي تقع من سيارات النقل التي تسير علي الطريق،وعدم الاهتمام بوضع العلامات الارشادية الدالة لقائدي السيارات وتوضيحها في اماكنباضاءة جيدة ، تمثل عوامل مرتبطة بالطرق تزيد من معدلات حوادث الطرق .

خامسا : المناخ : –فالمناخ من العوامل شديدة التأثير على قيادة السيارات علي الطرق وخاصة الطرق السريعة ،وتتمثل اخصالظواهر الجوية المفاجئة التي تتسبب في حوادث الطرق ،
الامطار او العواصف الشديدة ، بالاضافةللشبورة التي تتكاثف في الافق وتمنع الرؤية السليمة للطريق حتى مع وجود الاضاءة الجيدة.

كما تقتضي الحد من هذه الظاهرة – كذلك –تحسين وحل مشكلات خدمات الطرق داخل وخارج المدن سواء الاضاءة المعقولة بأعمدة الاضاءة وعيون القط والتأكد من صلاحية ووضوح العلامات الارشادية على جانبي الطريق،ووجود اماكن للصيانة العاجلة والانقاذ الفوري،وتجهيزات للاسعاف السريع ومستشفي طوارئ ، والفحص الطبي الدوري للسائقين من الناحية الصحية البدنية والذهنية والنفسية ، والتدريب الجيد والتأكد تماما من اتقان مهارات القيادة بما تشمله عمليا ونظريا والدراية الكاملة بالارشادات العامة للطرق والدراية الوافية بقانون المرور المطبق في البلد قبل منح رخصة القيادة وخصوصا بالنسبة للسائقين الشاحنات الذين يجب وضع برنامج تدريب لهم تحت اشراف مدارس تدريب حكومية او خاصة تشرف عليها ادارة المرور ويتضمن البرنامج التدريب على القيادة،ومباديء بسيطة عن ميكانيكا السيارات ، والفحص الدوري لاطارات السيارات في الحملات المرورية والتعامل بجدية وحزم مع السائق والزامه بصيانتها وضبطها وفقاًللمواصفات القياسية وامهاله فترة محدودة لتحقيق هذه الشروط وفي حالة عدم التزامه يتم سحبها من الطريق فورا لدفع خطرها على المجتمع .

كما يقتضي الحد من هذه الظاهرة – كذلك –  تدريس التوعية المرورية كمادة اساسية في المدارس الابتدائية والمتوسطة او ضمن الدروس الاخرى وبشكل جاد.

أيمن رمضان الزيني
دكتور أيمن رمضان الزيني

المركز الديمقراطى العربى

المركز الديمقراطي العربي مؤسسة مستقلة تعمل فى اطار البحث العلمى والتحليلى فى القضايا الاستراتيجية والسياسية والاقتصادية، ويهدف بشكل اساسى الى دراسة القضايا العربية وانماط التفاعل بين الدول العربية حكومات وشعوبا ومنظمات غير حكومية.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى