الأفريقية وحوض النيلالدراسات البحثية

تقدير موقف حول إتهام السودان الى مصر بالتورط في دعم التمرد الدارفوري

اعداد السفير: بلال المصري – سـفـيـر مصر السابق لدي ألأنجولا وساوتومي والنيجر

  • المركز الديمقراطي العربي

 

 

وجه الرئيس السوداني عمر البشير في 21 مايو 2017 ضمن كلمة ألقاها في قيادة الجيش السوداني إتهاماً مباشراً لمصر بالتورط في القتال بمناطق بولايتي شمال وشرق دارفور , مُوضحاً أن القوات المُهاجمة والتي تنتمي لقوات تحرير السودان (SLA-MM) جناح Minni Minnawi وعناصر حركة تحرير السودان- المجلس الإنتقالي ((SLA-TC    جاءتا من جنوب السودان وليبيا محمولة علي مركبات مُدرعة مصرية الصنع , وقال الرئيس السوداني أن القوات المُسلحة السودانية وقوة الدعم السريع صادرت هذه المركبات التي إستخدمها هؤلاء المُتمردون في هجومهم الذي شنوه يوم الجمعة 19 مايو , وأشار إلي أن مصر رفضت دعم السودان في القتال الممُتد ضد تمرد جنوب السودان لأكثر من عشرين عاماً وفي دارفور ولم تعط للجيش السوداني رصاصة واحدة , علي حين دعمت بلاده مصر في حربي 1967 و1973, وذلك بدعوي أن ما يحدث في السودان شأن داخلي , وسخر من تلك الدول التي تدعم الحركات المسلحة وقال أن القتال الأخير ضد هؤلاء ما هو إلا مجرد تدريب عسكري وليس عملية عسكرية , وقد نُشرعلي صفحتي القوات المسلحة والمخابرات السودانية علي Facebook يوم الأثنين 22 مايو صوراً لهذه المركبات والإشارة إليها علي أنها مصرية , ومن جهة أخري أشارت شبكة NUBIA REPORTS في الأول من يونيو2017 إلي أن الإشتباكات بين القوات الحكومية مدعومة من ميليشيا الجنجويد الموالية للحكومة وقوة التدخل السريع مع عناصر التمرد التابعة لمناوي والمجلس الإنتقالي إستغرقت الفترة من 19 إلي 22 مايوة 2017 بمنطقة إيشيرية علي بعد 50 كم من الضعين عاصمة ولاية شرق دارفور وكذلك في بمنطقة عدولة بولاية شمال دارفور, كما حدث قتال في 2 مايو بمنطقة عين سيرو الجبلية في كتم بشمال دارفور , وقد أدعي كلا الطرفين تحقيقه لإنتصارات علي الآخر إلا أن المُحقق هو أسر القوات الحكومية لزعيم المجلس الإنتقالي نمر عبد الرحمن وقتل قائد قوات التمرد محمد عبد السلام , وأشارت الشبكة إلي أن قوات التمرد دخلت دارفور آتية من ليبيا وجنوب السودان, فيما أدعي التمرد أن هجومه إنطلق من قواعده بشمال دارفور , وفي الواقع فإن المباحثات التي جرت في برلين مُؤخراً لا تشير إلي أن هذا الهجوم يتفق مع ما تم الإتفاق عليه من إنخراط مناوي في العملية السلمية بدارفور , ولهذا فإستئناف هاتين الحركتين لقتال الحكومة لغز  مثير , كما أن هناك من يشير إلي أن هذا الهجوم شارك فيه فصيل جيش تحرير السودان / عبد الواحد (SLA-AW)  لأنه لم ينقطع عن مهاجمة القوات الحكومية في منطقة وسط جبل مرة بشمال دارفور .

لكن وبغض النظر عن الأدلة المادية التي تُؤكد أو تنفي هذا الإتهام رغم أهميتها القصوي , فإن الإتهام كان واضحاً كل الوضوح أنه مُوجه ضد مصر , وكان ذلك بعد ساعات من إشارة من أمين حسن عمر مبعوث الرئيس السوداني للإتصالات الدبلوماسية والمفاوضات بشأن دارفور في مؤتمر صحفي عقده في الخرطوم في 19 مايو مفادها أنه بات من المعروف أن مصر تدعم ليبيا وجنوب السودان عسكرياً , وأوضح ” أنه عندما تُتهم مصر بدعم المعارضة (السودانية) المُسلحة , فإنها تقول أنها تساعد بالفعل ليبيا وجنوب السودان بالأسلحة , لكن إذا تسربت هذه الأسلحة لطرف ثالث فإن لا مسئولية علي مصر والحالة هذه ” , وأردف قوله إنه في مقدمة أولويات حكومته وقف الحرب وأن أستراتيجيتها ليست قائمة علي فرض السلام علي الآخرين بل علي وقف الحرب عبر التفاوض .

أنكر الرئيس المصري في مؤتمر صحفي مُشترك مع مستشار النمسا الزائرعُقد في 24 مايو 2017 هذا الإتهام مُوضحاً أن مصر تتحري سياسة عدم التدخل في شئون الغير قائلاً ” إننا لا نتآمر علي أحد خاصة أهلنا وجيراننا” , كما أكد الناطق باسم الخارجية المصرية رفض هذا الإتهام ونشره علي صفحته في Facebook قائلاً ” إن مصر تحترم سيادة السودان ولا تشارك بالمرة في أي جهد لزعزعة الإستقرار في المنطقة ” .

قد يظل إتهام السودان لمصر بتورطها في دعم التمرد الدارفوري خلافياً لفترة قصيرة تتضح بعدها الصورة أكثر فأكثر , إلا أننا بإستخدام بعض المؤشرات قد نهتدي إلي طريق بديل يقودنا إلي ما يمكن نعته باليقين , وهذه المؤشرات مُثبتة علي أرضية من العداء المُتبادل بين مصر والسودان منذ ما بعد إطاحة نظام الإنقاذ الوطني بالحكومة المُنتخبة بإنقلاب عسكري وثيق الصلة بجبهة الميثاق الإسلامي التي كان يقودها المرحوم د . حسن الترابي وظل النظام السوداني حتي 2002  قائماً بتركيبة حكم غير مسبوقة في السودان تضم العسكريين الذين قاموا بالإنقلاب العسكري في 30 يونيو 1989 والمدنيين المنتمين لجبهة الميثاق الإسلامي المُنشقة عن جماعة الأخوان المسلمين ومعظمها كوادر تم إعدادها علمياً عبر إرسال كوادر من الموالين للجبهة في بعثات دراسية في الغرب وهؤلاء قاموا فيما بعد بالمشاركة في إدارة الدولة السودانية جنباً إلي جنب مع العسكريين حتي الإطاحة بالدكتور الترابي في فبراير 2001 بعد توقيعه مذكرة تفاهم  تضمنت 10 بنود بين المؤتمر الوطني الشعبي والحركة الشعبية لتحرير السودان إعتبرها النظام السوداني القائم خروجاً عليه , وكان السبب الرئيسي للعداء المصري هو إعلان السودان عقب الإنقلاب عن تبنيه للنهج الإسلامي (الذي تدعي المملكة العربية السعودية أنها تتبناه أيضاً ولكن بدون أن يغضب ذلك القاهرة لأسباب ليست بخفية) وأن السودان منوط به القيام بدور رسالي حضاري إسلامي , وكان الدكتور الترابي يعتقد يقيناً أن الإسلاميين أنفسهم في مصر غاضبون من التيار الإسلامي السوداني الذي يقوده بسبب أوضحه أمام ملتقي الحوار بالخرطوم في 23 مايو 1993بحضور وفد أردني شعبي عندما قال “…. ولكننا نعاني من غيرة الجيران الأقرب إليك أحياناً  , فكلما جددت كلما كان الأقرب أشد أعداءك …. نحاول أن نتجاوز غيرة الجيران التي بلغت أشد عداوة ” وفي مناسبة أخري وصف التيارات الإسلامية الأخري هكذا : التيار المصري مُتمثلاً في حركة الإخوان المسلمين تيار تربوي أما الأفغاني فجهادي والباكستاني فلسفي والجزائري حركة لملأ الشارع أما التيار السوداني فحضاري رسالي , وبناء علي تقسيمه للهويات الإسلامية علي هذا النحو تملك الغضب النظام السياسي الرسمي بالقاهرة لأنه أولاً نظام بلا هوية يضم مجموعة من شذاذ الآفاق الضالين تمكنوا من سلب إرادة الأمة المصرية عبر إعلام بلا ضمير ولا وجه متعاونين مع الذين بلا إلا ولا ذمة وثانياً وهذا هو الأهم فقد أعرض عنه التيار الإسلامي المصري بسبب إنشقاقه التنظيمي والفكري معاً , أي أن التنافر كان بين نظامين أحدهما بهوية وإن أغضبت وأثارت خلافاً والآخر بلا أي هوية ويريد ممارسة نفوذه علي الآخر فيما هو في الواقع مفلس وتتآكل أطرافه بفعل الجذام السياسي الذي أصاب جسد السياسة المصرية منذ 23 يوليو 1952 , هذا التنافر مهد طريق العداء بين الدولتين منذ 1990 وحتي الآن , وهو حتي يمكن علاجه بالتشخيص الواقعي عداء وليس خلاف لأن منشأه مُتعلق بالهوية بغض النظر عن التطبيقات العملية , ولإنه كذلك فلا وزن إستثنائي للنزاع المصري السوداني علي منطقة حلايب في هذا العداء , فحلايب مجرد مُظهر للحبر السري الذي تُكتب به العلاقات السودانية / المصرية مما أخرجها عن نقاءها وشفافيتها الذي كانت عليه حتي ما قبل توقيع ضباط إنقلاب 23 يوليو1952 والجانب البريطاني بالقاهرةعلي إتفاقية الحكم الذاتي للسودان في 12 فبراير 1953 والتي كانت تشبه إلي حد ما إتفاقية السلام الشامل التي وقعتها حكومة السودان في نيروبي في يناير 2005 مع زعيم التمرد الجنوبي جون جارانج والتي تضمنت مادة بشأن تقرير المصير للجنوبيين الذين إختاروا الإنفصال وأعلنوا دولتهم في 9 يوليو 2011 , ومن يعتقد أن السودان يُصعد النزاع في حلايب ووصف مسئوليين سودانيين للتواجد العسكري المصري به بأنه ” إحتلال” , يجب أن يعلم أن الطرفين مارسا كل أنواع التصعيد المُتعلقة به فقد سبق للسيد عبد الرحمن الخضر والي ولاية القضارف الحدودية مع إثيوبيا أن صرح في 23 أكتوبر 2007 بمناسبة الإجتماع العاشر للجنة تنمية الحدود الإثيوبية / السودانية , وقال بشأن وضعية الحدود الإثيوبية / الإثيوبية بأنه سيتم ترسيمها في أوائل 2008 واصفاً إختراق المزارعين الإثيوبيين للحدود المُشتركة وقيامهم بالزراعة في الأراضي السودانية بأنه ” عملية تمدد”  للمزارعين الإثيوبيين في أراضي السودان , وأنه ليس إحتلالاً كما هي الحالة في مثلث حلايب , وقد تكرر هذا الوصف كثيراً قبل وبعد فشل اللجنة المصرية / السودانية التي أُنيط إليها أمر تسوية النزاع .

العداء وليس الخلاف إذن هو النطاق الذي يمكن في مساحته رؤية وفهم دلالة المؤشرات التالية وعلاقتها بتأكيد أو نفي تهمة تورط مصر في دعم التمرد الدارفوري :

(1) موقف مصر من تسوية النزاع في دارفور :

أشارت أحد البرقيات الصادرة عن السفارة الأمريكية بالقاهرة مُؤرخة في الأول من مارس 2006 ونشرها موقع WikiLeaks إلي ما ورد علي لسان الناطق باسم الرئاسة المصرية من أن الرئيس مبارك يري أن المسألة الرئيسية -فيما يتعلق بالوضع في دارفور – هي صنع السلام وليس حفظه وأن الرئيس سيبعث برسالة بهذا المعني لرؤساء الدول الأفريقية أعضاء مجلس السلم والأمن قبل إجتماعه بأديس أبابا في 10 مارس , وفي برقية أخري صادرة عن السفارة الأمريكية بالقاهرة في 22 أكتوبر 2007أُشير في موضع منها إلي ما قاله مستشار وزير الخارجية للشئون الأفريقية لمحدثه من السفارة رداً علي سؤاله عن إستضافة مصر لقادة أجنحة تمرد دارفور فقال أن رسميين مصريين إلتقوا ممثلين عن حركة تحرير SLM \UNITY و SLM أبو بكر وحركة العدالة والمساواة JEM خليل إبراهيم , وأن المصريين شجعوهم علي التوحد خلف موقف تفاوضي واحد قبل مفاوضات نهاية أكتوبر , وأنه ربما إتصلت مصر بقادة تمرد دارفور ثانية في الأيام المُقبلة للضغط عليهم في نفس هذا الإتجاه , لكن وعلي صعيد آخر وفي برقية صادرة في 28 يناير 2010 عن السفارة الأمريكية بالدوحة , أشار نائب السفير المصري للمسئول عن الشئون السياسية والإقتصادية بالسفارة الأمريكية هناك Rice في مقابلة بينهما في 26 يناير 2010 إلي أن مصر سوف تحبط أية مبادرة قطرية تتضمن مُقترحات (لتسوية القضية الدارفورية) خلال رئاستها الحالية للجامعة العربية حتي تقدم هي أي مصر مُقترحات تفي بالمصالح المصرية (التي لم يُوضحها) , وأوضح أن الإنخراط القطري في المسألة السودانية والفلسطينية والنقد اللاذع الذي توجهه محطة الجزيرة الفضائية لمصر هي السبب الرئيسي لحنق القيادة في مصر , وعندما سأله محدثه الأمريكي أن يوضح الأفعال التي يعتبر أن قطر أقترفتها ضد مصر في السودان , فأعترف بتلقائية بأنه لا شيئ محدد قد أتخذته قطر ضد مصر هناك , فقط الهجمة ناشئة عن مجرد إقدام قطر بالوساطة في الفناء الخلفي لمصر , بل إنه – أي نائب السفير المصري – قال أن إسباباً عاطفية أكثر منها عقلية تدفع بمصر لرؤية قطر هكذا , وأشار إلي أنه في إجازته بالقاهرة أستدعاه وزير الخارجية للقاءه في مكتبه بالوزارة وبعد أن سأله عن تقييمه للعلاقات فأجابه بأنها فظيعة Truly awful , رد وزير الخارجية أبو الغيط بسباب وقدح عنيف لآبائهم ولأمهاتهم ولآباء آباءهم وأمهات أمهاتهم , وأكد له بأن مصر ستحبط أية مبادرة قطرية تحاول قطر أن تطرحها خلال رئاسة مصر للجامعة العربية وأن مصر ستضع العراقيل أمام هذه المبادرة طيلة رئاستها للجامعة , وأن الرئيس مبارك نفسه متُصلب في هذا الشأن بمعني أنه أكثر عنداً في ضرورة إحباط أي مبادرة قطرية فس شأن دارفور , ولما سأله الدبلوماسي الأمريكي عن الإعتراضات المصرية بالتحديد فيما يتعلق بالمبادرة القطرية لدارفور وعن سبب إعتراض مصر علي الوساطة القطرية في دارفور منوهاً بأن المبعوثين الأمريكيين الخاصين في فترتي الرئيسين George W. Bush وBarack Obama أبلغا الرسميين المصريين بأن الولايات المتحدة تؤيد مبادرة قطر في جهود الوساطة ,  لم يحر نائب السفير المصري جواباً  إلا أنه أقر بأنه يدرك أن لا شيئ يستحق الإعتراض عليه في المبادرة القطرية بشأن دارفور وأنه أبلغ المسئوليين المصريين بأن الولايات المتحدة تدعم جهود قطر بشأن دارفور , وأوضح لهم كذلك أن الولايات المتحدة تعتقد أن تصرفات قطر في دارفور نابعة من إهتمامات إنسانية مؤكدا مرة أخري ” أنه وبصراحة فإن مصر غاضبة من الوساطة القطرية لا أقل ولا أكثر لأنها تتدخل في بلد يقع في الفناء الخلفي لمصر , وأن لا شيئ فعلته قطر في دارفور يضر بمصر ” , ومما يؤكد هذا الإتجاه غير المُبرر مادياً من القيادة المصرية ووزارة الخارجية أن وزير الخارجية المصري أحمد أبو الغيط صرح عام 2009 مُعلقاً علي جهود قطر لتسوية الملف الدارفوري بأن ” الأطراف الأخري –  ويقصد قطر- لا يبدو وأنها سجلت نجاحاً لأنها تفتقد فهم ديناميكيات الموقف في السودان وتعقيد العلاقات القبلية ” .

للأسف وأنا أكتب ذلك عن يقين وخبرة في العمل الدبلوماسي بأفريقيا لما يزيد عن 20 عاماً فإن أقل دولة دراية بالملف الأفريقي والسوداني بوجه خاص هي مصر فوزراء الخارجية المصريين المتتابعين يعتقدون أن العمل الدبلوماسي في أفريقيا هو الأقل شأناً بالنسبة للدبلوماسي بل إن هذه العبارة وُجهت لي شخصياً من مدير إدارة السلك الدبلوماسي عام 1999 عندما إلتقيته في إطار مقابلاته للمرشحين للحركة الدبلوماسية السنوية وسألني عن 3 إختيارات لدول  أرغب في العمل فيها فلما أجبته بأن هناك 3 دول أفريقية هي جنوب أفريقيا وإثيوبيا والسنغال رد مندهشاً بما نصه ” أنت بذلك تكون قد أسأت لملفك الوظيفي” ورددت عليه بأن القوي الكبري تختار أفضل عناصرها للعمل بالقارة الأفريقية تحرياً منها لتنمية مصالحها الأوسع مدي بهذه القارة التي تتنافس القوي الكبري علي مواردها , ومن الغريب أن   حركة التنقلات الدبلوماسية صدرت مُتضمنة إيفادي إلي قبرص , وما لا يدركه وزراء خارجيتنا بلا إستثناء أن الولايات المتحدة وفرنسا ودول كبري وقوي إقليمية توفد مبعوثين خاصين علي دراية بكل تفصيلات العمل علي قضايا شائكة كقضية دارفور فهكذا فعلت الولايات المتحدة مثلاً عندما عين الرئيس الأمريكي السفيرة ميلسيا ويلز في 20 مايو  1994 كمبعوث خاص له معني بقضية السودان التي وصلتها في 11 يونيو 1994 في زيارة لثلاث أيام لدفع عملية السلام التي ترعاها منظمة IGAD بين تمرد الجنوب وحكومة السودان والمساعدة في تسهيل وصول الإغاثة للمُتضررين من الحرب في جنوب السودان , فالأمر ليس كيمياء أو معادلات رياضية لأن الأمر كله مُؤسس علي الجدية والإهتمام الفعلي بالقضايا والرغبة والقدرة في تحري تحقيق المصلحة الوطنية , بالإضافة إلي أن قطر تحركت لأن مصر لم تتحرك وقيدت نفسها بالقيود الأمريكية وبعلاقتها المتوترة مع السودان التي كان عليها أن تسمو فوق توتراتها الآنية من أجل الحفاظ علي موجبات أمنها القومي الأبعد مدي , بل إن السياسة المصرية لم يُستدل منذ 1952 وبالرغم من أنها أوضحت أن لأمنها القومي ثلاث دوائر منهم الدائرة الأفريقية لم تمارس دور الوسيط أو دور المبادر بتقديم مبادرات لتسوية نزاع أفريقي ما اللهم إلا النزاع الذي كان في ثمانينات القرن الماضي بين السنغال وموريتانيا بسبب طرد الأولي مواطني موريتانيا المقيمين بها وأضطر الرئيس مبارك بإعتباره رئيس القمة الأفريقية بالسفر لداكار ونواكشوط لتسوية النزاع , وما عدا ذلك فمصر إكتفت بترديد عبارة ” الدور الإقليمي الرائد ” بمعزل عن أي تطبيق كان يمكنها أن تمارسه لو شاءت لولا أن القيود الأمريكية والرغبة في الإستقرار من خلال الجمود كانت الدافع للقيادة ومستويات السلطة السياسية التالية لها للبقاء في السلطة أقوياء وفي الإقليم ضعفاء وبلا تأثير , وكان يمكن لو أن مصر مارست دوراً نشطاً في الصراع في جنوب السودان حرباً أو تفاوضاً وكذلك في قضية دارفور – وهو ما لم يحدث –  أن تنفذ منه إلي تسوية أو علي الأقل تهدئة التوتر مع السودان نفسه لكن ماذا تنتظر من نظام مشلول معظم حركته فوق خط عرض 37 درجة شمالاً وتحديداً واشنطن وعدد قليل من العواصم الأوروبية ؟ , ورغم أن أمن مصر القومي كان المُستهدف الوحيد جراء مخاطر شطر السودان إلي دولتين , إلا أن خمول السياسة المصرية وخشية القيادة السياسية المصرية من القيام بمبادرات خلاقة سواء بإتجاه الوساطة وتقريب وجهات النظر بين التمرد الجنوبي وحكومة الخرطوم أو بذل جهد للتسوية , حال دون توسم هذه القيادة بدورسياسي محترم ونشط يصون مصالح أمن مصر القومي , والدليل علي ذلك أنه علي حين أعلن تجمع السلطة عبر الحكومية للتنمية IGAD عن طرحه لما يُسمي بإعلان IGAD في مايو 1994 إنتظرت مصر 5 سنوات لتقدم مبادرة مُشتركة مع ليبيا تتكون من تسعة بنود لتحقيق الوفاق في السودان والواقع أنها كانت بغض النظر عن رفضها من جانب الولايات المتحدة والتمرد الجنوبي وتجمع المعارضة الشمالية لأسباب مختلفة من بينها : أولاً أنها جهد يتداخل مع جهود IGAD  التي مضت حتي مسافة طويلة في تناول القضية ثانياً أنها لا تتضمن بند ينص علي تقرير مصير الجنوب ثالثاً أنها كانت جهداً ليبيا ففي يوليو 1999 دعت ليبيا هيئة قيادة التجمع الوطني الديموقراطي السوداني لإجتماع في طرابلس أدي إلي التوقيع علي ما سُمي بإعلان طرابلس الذي سارعت مصر فتبنته مع ليبيا وسُمي بالمبادرة المُشتركة , وكان من غير المُتصور أن تسمح الولايات المتحدة لليبيا المفروض عليها حظر طيران وحظر إقتصادي بموجب قانون داماتو1996 أو قانون العقويات علي إيران وليبيا ILSL أن تصيغ سياسات للمنطقة وأخيراً فإن مصر ومنذ معاهدة السلام مع إسرائيل في 26 مارس 1979 وهي خاضعة لسياسات الولايات المتحدة وقنعت بدور التابع , فلماذا تتقدم خطوة لتشرك معها دولة مارقة في العرف الأمريكي الذي تقره مصر في قضية الإرهاب الدولي وتتعاون مع الأمريكان بموجبه ؟, كما أن السياسة المصرية كانت خاملة وغير فاعلة مكتفية بمراقبة عن بعد لسير التفاوض في أبوجا واحد وأبوجا إثنان وكينيا بين حكومة السودان والجيش الشعبي لتحرير السودان إلي أن حضرت كأحد المدعوين العاديين في حفل التوقيع علي إتفاق السلام الشامل في يناير 2005 بكينيا , فلماذا تتحرك لحل هذه القضية الآن ؟ والمُؤسف أنه وقبل إجراء إستفتاء تقرير مصير جنوب السودان بعدة أيام تعرض مصر علي الخارجية الأمريكية إقتراح بالكونفيدرالية في جنوب السودان بديلاً عن الإنفصال , وهي تفعل ذلك فيما ظفر الجنوبيين من خلال إتفاقية السلام الشامل بحق تقرير المصير أي بالإستقلال , وهو ما يمكن وصفه بأنه حالة إنفصال شبكي Retinal detachment حالت دون رؤية القائمين علي أمر سياسة مصر الخارجية للواقع , وهو نفس الموقف الذي عليه السياسة المصرية إزاء قضية دارفور التي إكتفت القاهرة بمتابعة مفاوضاتها عن بعد , لكنها تابعت وعن كثب وبإهتمام بالغ وإتصالات نشطة موضوع تشكيل قوة حفظ سلام بها وبالتالي فإن القدر الضئيل الذي كان يبدو علي أنه إهتمام مصري بمسار التفاوض بين السودان ومتمردي دارفور مر بمرحلتين الأولي مرحلة الإهتمام من أجل التخديم علي تحقيق هدف تعظيم المشاركة العسكرية المصرية في قوة حفظ السلام الهجين بين الأمم المتحدة والإتحاد الأفريقي UNAMID والثانية الإهتمام من أجل التخديم علي تحقيق هدف إضعاف الموقف السوداني عموماً فيما يتعلق بمجمل ملفات العلاقات الثنائية وخاصة ملفي مياه النيل (التباين في الموقفين بشأن سد النهضة) ونمو العلاقات الأمريكية / السودانية , وهو ما سيتضح لاحقاً .

الخلاصة أن مصر كانت ومازالت تفصلها مسافة تتباعد أكثر فأكثرعن الملف التفاوضي والسياسي لدارفور وجل إهتمامها كان مُوجهاً لكيفية تعظيم إسهامها في القوة الهجين لحفظ السلام بها UNAMID , ونصل مما تقدم إلي نتيجة مفادها أنه بالنسبة لمصر وبسياستها تلك , فالعلاقة إذن عكسية بين رغبتها في الإنخراط في المساهمة في قوة حفظ السلام الهجين بدارفور وبين المُساهمة في التسوية السلمية السياسية والقبلية لهذا الملف سواء علي صعيد عملية السلام من الداخل أو في مفاوضات الدوحة أو غيرهما , وفي تقديري فإن هناك فارق ضئيل بين إنخراط الجيش المصري وإنهماكه في الإستحواز علي الإقتصاد المصري لتنمية مكانته داخلياً وبحثه بكل الوسائل عن فرص الإنخراط في قوات حفظ السلام الأفريقية والأممية ليس في دارفور فقط بل حول العالم والمعني واضح , مع أن مصر من وجهة نظري كان الأكثر لياقة وبهاء لها أن تتمكن من إدارة عملية السلام في دارفور لا أن تشارك في عمليات حفظ السلام مثلها مثل نيبال في عملية UNAMID  التي آن لها أن تنتهي بالإنسحاب التدريجي و/ أو النهائي فبعد الإنسحاب لا دور لمصر البتة هناك  .

(2) الإهتمام المصري المُتزايد بالمشاركة في قوة حفظ السلام الهجين في داروفور UNAMID  :

تبلغ مساحتة دارفور بولاياتها الثلاث وهي غرب وشمال وجنوب دارفور  493,180 كم مربع أي 90% من مساحة فرنسا , وتشير التقديرات إلي أن المجموعات الدارفورية المعارضة تبلغ 26 مجموعة أو فصيل منها ما لايقل عن 12 مجموعة مُسلحة رفعت السلاح في وجه الحكومة المركزية عام 2003 بدعاوي مختلفة تراوحت ما بين تهميش المناطق الدارفورية وبين عجز الحكومة المركزية عن حماية السكان بالقري من هجمات الرعاة الرحل , ولم تكتف بعض هذه الجماعات المُسلحة بالمواجهات ضد الحكومة والجنجويد المُؤيدين لها بل وبدأت في قتال بعضها البعض , وأهم هذه الجماعات جيش تحرير السودان وحركة العدل والمساواة , ويذّكر أن قوة UNAMID تعرضت لهجمات منها ما تعرضت له الوحدة الأفريقية (معسكر القطاع الثامن) في 29 سبتمبر 2007 , وقد وجه مفوض السلم والأمن بالإتحاد الأفريقي الإتهام لفصيل الوحدة المُنشق عن جيش تحرير السودان لأن الهجوم تم بمنطقة تحت سيطرة هذا الفصيل .

تأسست قوة حفظ السلام التابعة للإتحاد الأفريقي في دارفور في مستهل يوليو 2004بعد توقيع إتفاق وقف إطلاق النار بين الحكومة السودانية وبعض من متمردي دارفور في أبريل 2004 حيث لم توقعه حركة العدل والمساواة ولا SLM  عبد الواحد نور مما جعل الإتفاق هشاً , لكن علي كل حال فقد تمركز هناك 150 جندي رواندي لحماية مراقبي وقف إطلاق النار وأُلحق بهم 150 جندي آخرين أرسلتهم نيجيريا ثم زيدت هذه القوة بنحو 600 جندي و80 مراقب عسكري , وتطور بنيان هذه القوة ليصل إلي 3,300 جندي في يوليو 2005 بميزانية بلغت 220 مليون دولار, وبعد ذلك وصل عدد القوة إلي 7,000 جندي بميزانية وصلت إلي 450 مليون دولار , لكن قوةAMIS  كانت دائماً مُعرضة وفي حاجة دائمة إلي دعم خاصة وأن ولايتها لم تكن شاملة حيث لم تتضمن حماية المدنيين كما لم يكن تطبيق الإتفاقيات بين الحكومة والتمرد متماسكاً إلي حد كاف , مما عرضها لمخاطر من قبل التمرد , في هذه المرحلة حرصت مصر علي المشاركة بمكونين شرطي (71 مراقب)  وعسكري (33 مراقب) بهذه القوة مع تطور دعمها عددياً , ولكن مع تردي الموقف الأمني والعسكري بمناطق دارفور إستدعي الأمر الإتفاق بين الأمم المتحدة والإتحاد الأفريقي علي تكوين القوة الهجين أو UNAMID والتي أرادت مصر المساهمة فيها أيضاً .

تلبية للحاجة إلي دعم لقوة حفظ السلام الأفريقية التي عبرت عنها بعض الدول الأفريقية الرئيسية في مداولات مجلس السلم والأمن الأفريقي التابع للإتحاد الأفريقي وإنطلاقاً من دوافع مختلفة صدر القرار رقم 1769 لعام 2007 عن مجلس الأمن الدولي في إجتماعه رقم 5727 بتاريخ 31 يوليو 2007 بتمركز قوة هجين مُشكلة من الإتحاد الأفريقي والأمم المُتحدة بدارفور تُدعي إختصاراً  UNAMID وكانت ولايتها الرئيسية هي لتحقيق دعم مبكر وتنفيذ كفء لإتفاق سلام دارفور , وحماية المدنيين وتأمين اوصول المعونات الإنسانية للسكان , كما رخص القرار لهذه القوة إتخاذ ما تراه ضرورياً من أعمال بالمناطق التي تتمركز بها علي أن تغطي مدتها 12 شهراً كما نص هذا القرار , وجنباً إلي جنب كانت الأمم المتحدة ماضية قدماً في تشجيع حكومة السودان وأجنحة وفصائل التمرد التي لم توقع بعد علي إتفاق سلام دارفور المُوقع عام 2006علي التفاوض, وفي هذا الإتجاه ودفعاً للعملية السياسية في دارفور تعاونت UNAMID بنشاط وشاركت في مؤتمر” كل أصحاب المصلحة في دارفور” أوAll Darfur Stakeholders’ Conference الذي عُقد بالدوحة في الفترة من 27 حتي 31 مايو 2011 بهدف تسهيل توقيع الإتفاق ما بين حكومة السودان وحركة التحرير والعدالة وإقرارهما لوثيقة الدوحة للسلام في دارفور أو DDPD , وبالتوازي مع الجهد القطري في دفع العمليات التفاوضية تحقيقاً للسلام في دارفور أصدر مجلس الأمن الدولي القرار 2003 في 29 يوليو 2011 من أجل الإستفادة القصوي من الأمكانات والولاية المُرخص بها للقوة الهجين  UNAMID , وكانت مصر أثناء هذه التطورات التي لحقت بتنمية وتصعيد الإستفادة من UNAMID منهمكة في البحث عن سبل زيادة مشاركتها في قوة UNAMID التي كانت بالتأكيد أكبر عدداً وعدة من قوة الإتحاد الأفريقي السابقة AMIS ولم تشعر القيادة السياسية ومن وراءها الخارجية بأي حرج وهي تركز إهتمامها وطاقاتها السياسية والدبلوماسية فقط بإتجاه المشاركة في قوة UNAMID دون أن تشغل السياسة المصرية الحيز الكبير المُتاح لها للهب دور سياسي بموجب ما تدعيه من  “دور رائد ” بالمبادرة بتقديم مقترحات للحل السياسي وإستضافة الجولات التفاوضية بين حكومة السودان وأجنحة التمرد التي كان تواجدها بالقاهرة محصوراً في لقاءات مع أجهزة الأمن المصرية وكأن ذلك إستمراراً مصرياً لإعتبار السودان حكومة وتمرد “شأن أمني بإمتياز”  وهذه هي الشكوي الرئيسية من السودان حكومة ومعارضة , وأستمرت مصر في سياسة تجزئة إهتماماتها في السودان فركزت فقط – كما أشرت – علي محور قوة حفظ السلام في دارفور وتركت قطر تدير الملفين السياسي والتفاوضي حتي تجد مصر مبرراً للهجوم علي دولة قطر التي تعمل بدأب علي بناء دور إستعدت له وقامت بالفعل علي تطبيقه  .

أولت المؤسسة العسكرية المصرية أولوية مُتقدمة جداً لموضوع مساهمتها في بعثات حفظ السلام التابعة للإتحاد الأفريقي و للأمم المتحدة علي نحو خاص حيث توفر هذه المساهمة للعسكرية المصرية دوافع مادية ومعنوية مناسبة للعسكريين لدرجة أن مصر حرصت بالرغم من توتر علاقاتها السياسية بالسودان علي إجراء إتصالاتها علي أعلي مستوي بهدف تحقيق أقصي مشاركة مصرية ممكنة في المكونين الشرطي والعسكري بالقوة الهجين  UNAMID (التي تمركزت فعلياُ بدارفور في 31 ديسمبر 2007) , لذلك وبناء علي إتصالات مصرية بالرئيس السوداني عمر البشير , فقد أرسل خطاباً لأمين عام الأمم المتحدة بتاريخ 11 أكتوبر 2007 أكد فيه موقف السودان من تشكيل هذه القوة والإشارة إلي المساهمة المصرية فيها مُشيراً إلي أن إدارة عمليات حفظ السلام لم ترد بصفة نهائية علي العرض المصري , ونوه الرئيس السوداني في خطابه بأن مصر ” قوة إقليمية” تتمتع قواتها المُسلحة بسمعة دولية وأنها لذلك دولة مناسبة ومُؤهلة للمساهمة في العملية الهجين , وقتذاك تقدمت مصر للترشيحات للحصول علي 4 مناصب في قيادة القطاعات الثلاث ( الفاشر / الجنينة / نيالا)  لعملية UNAMID التي – وفقاً لبيانات الأمم المتحدة آنئذ أي عام 2007- يبلغ قوامها 19,550 فرد , ويخضع تشكيلها لقواعد أرساتها الإدارة المُختصة بالأمم المتحدة بعد التشاور مع الإتحاد الأفريقي حفاظاً علي الطابع الأفريقي للعملية , وظل طلب مصر بزيادة حجم مساهمتها في المكون العسكري للعملية بلواء مشاة ميكانيكي وزيادة عدد مراقبيها ونشر مكون شرطي مصري قوامه من 3 إلي 4 وحدات بالإضافة إلي تمثيل مصري مناسب في خدمتي الدعم الثقيل والخفبف محلاً لأخذ ورد وقتاً مع الجهة المختصة بالأمم المتحدة دون رد نهائي , والواقع أن الطلب المصري ووُجه بالتسويف وتضارب الأقوال من جانب إدارة عمليات السلام بالأمم المتحدة ومفوضية الإتحاد الأفريقي , في الوقت الذي كانت فيه الولايات المتحدة علي إتصال بدول لها مساهمات كبيرة في عمليات حفظ السلام علي المستوي الدولي مثل الهند وباكستان ونيبال لكي تتقدم بطلبات للمساهمة في قوات عملية UNAMID بدارفور , وكانت مصر تؤكد بإنتظام علي ضرورة الحرص علي الطابع الأفريقي للعملية , وفي إعتقادي أن ذلك إنما كان لتوسيع مدي الإعتماد علي مصر ودول أفريقية قليلة أخري لديها الجاهزية للمساهمة , لأنه إذا ما فُتح الباب لمساهمات آسيوية وأوروربية من خلال عملية أممية فإن  المنافسة ستشتد ويتعدد المساهمين ومن هنا كان الموقف المصري أما السودان فكان يصر علي الحفاظ علي غلبة الطابع الأفريقي لأسباب سياسية وأمنية بحتة   .

مدد مجلس الأمن الدولي بالإجماع مهمة  UNAMID في يونيو 2016 لمدة عام ينتهي في 29 يونيو 2017 مع عدم إجراء أي تغيير في العدد والمهام , لكن وبعد عقد إجتماع الآلية الثلاثية لقوة حفظ السلام الهجين بالخرطوم يوم 22 مايو 2017 (والمكونة من حكومة السودان والأمم المتحدة والإتحاد الأفريقي) التي تم فيها تناول مناقشة إنسحاب قوات تابعة للقوة الهجين  UNAMID التي يبلغ قوامها حالياً 20,000 فرد من عدة مناطق وإعادة هيكلتها مع تماسك الوضع الأمني وميله للهدوء والإستقرار بدارفور ستتعرض المساهمة المصرية إلي الإنخفاض أو الإنتهاء, فوفقاً لما ذكره Wutong Li ممثل الإتحاد الأفريقي في الإحتفال بيوم أفريقيا بالخرطوم في 25 مايو فإن الوضعين الأمني والإنساني بدارفور قد تحسنا , مُوضحاً ” أن الموقف تحرك من حالة الحرب إلي حالتي البناء والتنمية ” مُؤكدا بأن الإجتماع الثلاثي المُشار إليه أمن علي مسألة الإنسحاب التدريجي لقوة وبعثة UNAMID من دارفور وإعادة هيكلتها بناء علي ذلك مشيداً بالتعاون والتنسيق ما بين الآلية الثلاثية وحكومة السودان , ولذلك أعلن وكيل الخارجية السودانية عبد الغني النعيم في 25 مايو 2017 عن ” أن إنسحاب UNAMID من دارفور الذي يتضمن المكونين الشرطي والمدني سيبدأ خلال العامين القادمين ” , وقد أشارت وكالة الأنباء الصينية   Xinhua من مراسلها بالخرطوم في 23 مايو 2017 أن الإجتماع الثلاثي لآلية UNAMID الذي عُقد بالخرطوم لهذا الغرض إنتهي بتوقيع الأطراف الثلاث لللآلية علي بيان مُشترك يتضمن هذا الإعلان عن الإنسحاب التدريجي , ويُذكر أن هذه الآلية تشكلت في فبراير 2015 بغرض التوصل إلي إتفاق بشأن خروج UNAMID من دارفور   .

يأتي هجوم جناح من التمرد الدارفوري في توقيت شديد الحرج لحكومة السودان التي تنتظر في يوليو 2017 رفع الولايات المتحدة العقوبات التي فرضتها عليها منذ 1997 نهائياً والمعلق رفعها نهائياً في 13 يوليو2017 علي خمسة شروط لابد لحكومة السودان من إستيفاءها وهي (1) إكمال الحوار الوطني ليكون شاملاً حسب متطلبات خارطة الطريق المؤدي لبسط الحريات والمصالحة الشاملة و(2) المساهمة بشكل إيجابي لإنقاذ دولة الجنوب و(3) تسهيل عمليات الإغاثة و(4) المشاركة في حملات مكافحة الإرهاب والاتجار بالبشر و(5) المساهمة في القضاء على حركة كوني الأوغندية , وقد مضت حكومة السودان قدماً في تنفيذ هذه المتطلبات ولكنها مازالت مُتعثرة في المطلب الأول , أما فيما يتعلق بدارفور فقد جرت محادثات غير مُعلنة في أبريل / مايو 2017بألمانيا بين الحكومة وحركات دارفور الموقعة على خارطة الطريق- جبريل ومناوي- وقد أفضت جولة ألمانيا الى إعادة فتح ملف اتفاقات الدوحة للمناقشة مرة أخرى والاستماع الى رؤية الحركتين الدارفوريتين، والوصول الى شكل نهائي لاتفاقات الدوحة , علماً بأن الحكومة في وقت قريب قفلت الباب نهائياً لإعادة فتح ملف اتفاقات الدوحة واعتبارها نهائية وفي ذلك تقدم ومرونة كبيرة في اتجاه الإيفاء بمتطلبات أمريكا في المسار الأول , أما المسار الثاني الذي لم ينجز فهو المساهمة الايجابية في حل أزمة دولة الجنوب المنهارة , وفيما يتعلق بمسار محاربة الإرهاب والاتجار بالبشر فقد تم الإيفاء به تماماً , كما أن مسار تسهيل وصول الإغاثة  أبدت الحكومة بشأنه مرونة تتفق و المقترح الأمريكي , فيما المسار الأخير وهو محاربة جوزيف كوني فالسودان غير معني به ولا يمكن له أن يقدم دعماً لحركة جيش الرب لوجود دولة كاملة عازلة بين السودان ومواقع جيش الرب وهي دولة جنوب السودان  .

إذن بإستقرار الأوضاع في دارفور إلي الحد الذي إقتنع بسببه كل أعضاء مجلس الأمن الدولي وخاصة الخمس دائمي العضوية بأن الوقت قد حان لإنسحاب القوة الهجين UNAMID يكون السودان قد شارف علي التخلص من أكبر العقبات السياسية التي تحول دون  التركيز في عمليات التنمية , خاصة وأن هناك بالفعل نزوع من بعض الأطراف الدارفورية نحو السلام ففي 31 مايو 2017 أشارت الأنباء إلي أن أمين الشؤون الإنسانية بحركة العدل والمساواة وأحد المؤسسين التاريخيين لحركة تحرير السودان سليمان جاموس أعلن عن عودته للخرطوم اليوم قادماً من دولة تشاد , فيما أبلغت مصادر مطلعة أن أمين التنظيم والإدارة السابق بحركة العدل أبو بكر حامد سيعود خلال ساعات إلى البلاد، في تتويج لجهود الرئيس التشادي إدريس ديبي واتصالاته بقيادات حركات دارفور , وهو بالطبع دور كان حري بمصر لا تشاد أن تسعي للقيام به , وعموماً فإن المغزي الحقيقي لا يقف عن هذا الحد , فإنسحاب UNAMID يعني تضافر إيجابي مؤثر بين قوة الدبلوماسية والقوات المُسلحة السودانية بما سيتيح للسودان الإتجاه قدماً نحو تحقيق إستقرار نسبي يؤدي إلي عملية تنمية تتناول أساساً مجالي الزراعة والري والطاقة , وهذه الحالة المُرتقبة للإستقرار السياسي والإقتصادي بالسودان بعد إنسحاب  UNAMIDإذا ما قيست بحالتي عدم الإستقرار السياسي والإقتصادي في مصر وليبيا فستعني أن قوة السودان في إقليمه ستكون مُؤثرة , خاصة مع وصول العلاقات السودانية / الإثيوبية إلي ذروتها في مختلف المجالات ومنها التنسيق في شأن مياه النيل وسد النهضة الإثيوبي , فيما العلاقات المصرية / الإثيوبية السيئة والمذبذبة دائماً بلغت مستوي أدني من الحد الأدني المُستقر لها  , إذن نحن أمام تغييرات في الأوزان النسبية لدول إقليمي شمال وشرق أفريقيا , وفي تقديري أن الإستقرار المُرتقب للسودان بعد إنسحاب UNAMID وما يعنيه ذلك من تداعيات علي الوضع الجيوبوليتيكي للسودان سيقوي إرتباط السودان بسياسات وعمليات التنمية الجارية بالقرن الأفريقي وستلعب إثيوبيا والسودان معاً من خلال آلية تنسيقية قائمة ومتنامية بينهما دوراً مُشتركاً في إستراتيجيات التنمية بشرق أفريقيا أو ما يُسمي أمريكياً بالقرن الأفريقي الكبير Greater Horn of Africa وسيؤثر هذا سلباً بلا أدني شك علي الدور المصري المُضمحل أصلاً في ما يُسمي ” بالإتجاه الإستراتيجي الجنوبي لمصر” , وبالتالي فإن الإنسحاب التدريجي للقوة الهجين UNAMID يؤكد تراجع قوة التمرد الدارفوري وغلبة الميل نحو التسوية السلمية للصراع هناك , وبعد أن كان القذافي في سياق دوره المزدوج الذي لعبه مع حكومة السودان وفصائل التمرد الدارفوري وقبله التمرد الجنوبي – وهو دور يشبه إلي حد كبير الدور الذي يلعبه الرئيس الأوغندي يوري موسيفيني للآن – يستهدف فرض وصايته أو نفوذه علي حكومة السودان بالسيطرة والتحكم في حركة وقوة التمرد الدارفوري دائم الإعتماد علي دعمه , فإن هذا التمرد ومنذ سقوط نظام القذافي في 22 أغسطس 2011 تقطعت به سبل الدعم المنتظم , صحيح أن اللواء الخائن حفتر يمكنه أن يؤدي دوراً مُشابهاً إلي حد ما لدور القذافي لكن تواضع وسائله وخبراته التدميرية لا تسعفه لأداء نفس دور القذافي وتمكنه , فمعظم قواه مُستنزفة في مواجهة الوطنيين الليبين ولا يبقيه حياً سياسياً إلا سيادة مناخ الثورات المُضادة في دول الشمال الأفريقي الذي أتاح لرئتيه إستنشاق الهواء المُسمم الذي أشاعته هذه الثورات الكئيبة المزيفة , وهو وأمثاله لا يعيش إلا به , وعليه فإن دعم حفتر لتمرد دارفور يقترب من أن يكون مُستحيلاً وبالتالي فليس أمام تمرد دارفور إلا الحصول علي هذا الدعم من خطوط مسافاتها أطول , وهذه الخطوط علي طولها فهي كاشفة عن هوية المستفيد الأول من إضعاف السودان والذي بينه وبين الخرطوم حالة أصبحت عدائية مُستقرة .

(3) تباين حاد بين الموقفين المصري والسوداني بشأن مياه النيل وسد النهضة :

يخطئ من يعتقد أن وجهة النظر السودانية كانت متطابقة مع وجهة النظر المصرية في شأن مياه النيل , صحيح أن هناك تقارب بين وجهتي النظر الرسمية لكن هناك إختلافات علي مستويات أخري سواء علي صعيد وزارة الري هنا وهناك أو علي المستوي الأكاديمي وكذا الإعلامي والتشريعي جاء الوقت السيئ الذي أصبحت لها فيه الغلبة , وسأكتفي ببيان بعض الأمثلة من بين أمثلة لا تُحصي علي هذه الأصعدة جميعاً , وهذا التباين الكامن بسبب غلبة التعامل وفقاً للمعاملات السياسية في شأن فني كمياه النيل هو ما أخفي الحيز الحقيقي لهذا التباين الذي يجعل من اليسير لأي من الطرفين خاصة السودان للإنتقال للحالة الهجومية أو لنقل المعارضة لوجهة النظر المصرية إزاء مياه النيل وسد النهضة معاً .

بعد تشكيل السيد عبد الله خليل لحكومته الإئتلافية بين حزبه حزب الأمة وحزب الشعب الديموقراطي في 27 مارس 1958 إحتفظ السيد ميرغني حمزة – رغم عدم فوزه في دائرته – بحقيبتي نائب رئيس الوزراء والري مُضافاً إليهما الداخلية وكانت كل من السودان ومصر في هذه الآونة منشغلتان بأزمة حلايب والتي كان لها تداعيات أهمها أنها ألقت بظلال من الشك لدي الجانب السوداني علي مجمل العلاقات الثنائية , لكن حدث تطور سلبي إضافة لما تقدم ففي 10 يولية 1958 أرسلت مصر مذكرة للحكومة السودانية تحتج فيها علي فتح بوابات خزان سنار لري مشروع الجزيرة الزراعي وجزء من إمتداد المناقل في 4 يوليو 1958 أي قبل 12 يوم من التاريخ المنصوص عليه في إتفاق مياه النيل 1929 وأشارت المذكرة المصرية إلي أن هذا التصرف خرق لهذا الإتفاق أُضير من جراءه المزارعين المصريين وأستمر تبادل المذكرات حول إتفاق مياه النيل 1929 ذاته خلال شهري أغسطس / سبتمبر 1958 وكشفت هذه المذكرات عن تباين واضح في نظرة الدولتان لإتفاق 1929 حيث رأته مصر إتفاقاً مُلزما للطرفين فيما أشارت حكومة السودان إلي أنه إتفاق لا يُلزمها كما أشارت إلي ذلك مذكرة الخارجية السودانية المؤرخة في 13 يوليو 1958 للسفارة المصرية بالخرطوم كي تبلغ هذا الموقف بدورها للحكومة المصرية ووزعت هذه المذكرة علي عدد من الدول للعلم , وتلقف الإعلام المصري هذه التطورات وواصل هجومه علي حكومة السودان مُتهماً أياها بالتبعية للغرب , ولم تكتف حكومة السودان بذلك بل تعاقدت مع الخبير القانوني الهولندي Van Santen لمدة عامين ليعد خلالهما دراسة وصولاً لرأي قانوني بشأن وضعية ومدي إلزامية إتفاق مياه النيل لعام 1929 , وأنتهي الخبير لرأي مفاده أن إتفاق 1929 ليست له صفة إلزامية وهو لا يعدو وأن يكون إلا ترتيبات إدارية محلية بين طرفي الحكم الثنائي بالسودان أي مصر وبريطانيا وأنه لذلك لا يعتبر إتفاقاً دولياً بالإضافة إلي أن السودان بعد إستقلاله لم تعترف حكومته به , أما مصر فقد أرسلت مذكرة دورية لبعض الدول تشير إلي أن السودان خرق إتفاق 1929 مما حدا بالسودان إلي إرسال مذكرة رسمية لمصر يؤكد فيها عدم إلزامية إتفاق 1929 كان أن سحبت مصر عرضاً شبه رسمي كانت حملته للقائم بالإعمال السوداني في القاهرة لعرضه علي القيادة السودانية لكن السودان توقف عن المضي في سلوك الطريق القانوني بعد أسابيع من وصول الفريق / إبراهيم عبود للحكم بإنقلاب 17 نوفمبر 1958 الذي أدي إلي تحول جذري في مكونات التفاوض المصري / السوداني بشأن مياه النيل . * ( السفير بلال المصري . كتاب رؤية لواقع العلاقات المصرية / السودانية . قيد الإعداد) أي أن هناك رأي شائع في صفوف بعض خبراء الري والسياسيين السودانيين بأن إتفاقية 1929 غير مُلزمة للسودان وهي الإتفاقية التي تؤسس مصر عليها نظريتها عن الحق التاريخي في مياه النيل في مواجهة النظرية الإثيوبية المُبينة في الإتفاق الإطاري أو أتفاق عنتيبي والتي تنكر علي مصر هذا الحق بإعتبار أن دول حوض النيل الأخري كانت تحت نير الإستعمار وهي لذلك غير مُلزمة أيضاً بأمر لم تكن لها إرادة فيه .

صرح وزير الري يعقوب أبو شورة في جلسة للمجلس الوطني السوداني(البرلمان) في 3 يناير 1994بما نصه ” هناك مساع للوصول لإتفاقية شاملة تضم دول حوض النيل تختص بتوزيع المياه , فيما الوضع الحالي مجحف للسودان ” , وفي الواقع فإن إدلاء وزير الري السوداني بهذا الرأي في البرلمان السوداني أعطاها مذاقاً مراً بالنسبة لمصر , لأن البرلمان كما هو معروف مسار تشريع لا محفل إعلامي , فهذا الرأي كان كامناً إلا أنه أصبح مُعلناً ودالاً علي مقدمة طريق للإتفاق بين وجهتي النظر الإثيوبية والسودانية لصياغة واقع تعاهدي جماعي لمياه النيل , بمعني أن هذا الرأي الذي أعلنه وزير الري السوداني عام 1994 كاشف عن الموقف الإيجابي الذي لم يُحسم أو يُعلن بعد من جانب الحكومة السودانية بشأن الإتفاق الإطاري الذي ينكر علي مصر والسودان حقهما التاريخي في مياه النيل والذي وقعته 6 دول نيلية ليس من بينهم – حتي الآن – مصر والسودان  , ولهذا لم يكم من المُستغرب أن نعرف أن عدداً من النواب بالبرلمان السوداني تقدموا في 23 أكتوبر 2004 بطلب لمراجعة إتفاقية الإنتفاع الكامل من مياه النيل الموقعة مع مصر في نوفمبر 1959 , وقال السيد إبراهيم نايل إيدام وهو أحد أعضاء البرلمان الموقعين علي هذا الطلب ” إن هذه الإتفاقية غير عادلة ولذلك أتساءل لماذا ننتظر الغد لمراجعتها ” فيما أشار عضو آخر إلي أن مهددات التصحر وحاجة السودان لمشروعات زراعية تدعو السودان لطلب مراجعة هذه الإتفاقية , و رد وزير الري السوداني علي ذلك بقوله ” أن السودان لا يتوقع إيجاد مياه نيلية كافية لري كل الأراضي الزراعية فيه ” , فيما أشارت لجنة الزراعة بالبرلمان السوداني إلي إقتراحها بزيادة منسوب بعض السدود مع أساليب أخري . * (صحيفة Khaleej Times في عددها بتاريخ 24 أكتوبر 2004)

أكد الرئيس السوداني عمر البشير هذا الإتجاه عندما نقلت عنه وكالة الأنباء السودانية الحكومية (سونا) في نشرتها بتاريخ 7 أغسطس 1995 قوله ” إن أي حديث عن زيادة إستغلال السودان لمياه النيل يضايق الحكومة المصرية علي الرغم من التطورات في دول حوض النيل بما في ذلك الجفاف وحاجة الدول التي لا نصيب لها من مياه النيل والتوسع في إستخدام المياه في السودان بسبب الهجرة ” , وبالطبع فالتصريح مقصود منه إيصال عدة رسائل لمصر أهمها أن السودان بصدد زيادة إستغلاله لمياه النيل وأن هناك تطورات في دول حوض النيل منها الجفاف تستدعي تطوير سياساتها النيلية لمواجهة الجفاف من أجل تحقيق الأمن الغذائي , كما أن الرئيس السوداني يبدي تعاطف بلاده مع دول حوض النيل التي لا نصيب لها من مياه النيل ثم أن للسودان مبرر إضافي لزيادة إستعغلاله لمياه النيل نظراً لموجات الهجرة الأرترية والإثيوبية في شرق ووسط السودان ( تربو عن المليون نسمة) .

مرت قضية مياه النيل بين مصر والسودان بمرحلتين رئيسيتين هما المهادنة والتصعيد والمرحلة الأخيرة تلك هي الأطول زمنياً فقد رافقت توتر العلاقات السياسية بين الدولتين , وهي غير مسبوقة لأنها لم تكن مُتقطعة فقد إستمرت من عام 1990 حتي يومنا هذا  , وكانت أعظم خسائر هذه الفترة – من بين خسائر أخري لكلا البلدين – توقف إنعقاد إجتماعات الهيئة الفنية المُشتركة الدائمة لمياه النيل بالخرطوم والتي ورد نص بإنشاءها في البند – رابعاً – من إتفاق الإنتفاع الكامل بمياه النيل المُوقع بين مصر والسودان بالقاهرة في 8 نوفمبر 1959 وهذه اللجنة في تقديري أكثر أهمية من تحديد حصتي مياه النيل لمصر والسودان بموجب نص بها لأنه من خلال هذه اللجنة تُنسق وتوثق مواقف الدولتين في شأن مياه النيل بالإضافة إلي أنه منوط بها دراسة وإقتراح المشروعات المُشتركة في مياه النيل وأهمها مشروعات إستغلال الفواقد كمشروع قناة Jonglei الذي أوقفه التمرد الجنوبي وأنتقده جون جارانج , وفي الواقع فهذه اللجنة كانت قادرة وحدها علي أن تكون قاطرة العلاقات الثنائية لولا الجهل السياسي المُطبق لمن تولي سلطة العبث بمصر لثلاثين عاما وأدار الدولة بصفة شخصية وبالعواطف الخاطئة , فاللجنة الدائمة لمياه النيل كانت وسيلة وحدة كما هي تعبر عن وزن إستثنائي لمصر والسودان إذا قيس بدول حوض النيل الأخري ففيهما أطول مسار لنهر النيل وأنهما دولتي مصب لهذا النهر العظيم , وقد إستغرق هذا التوقف الفترة من 1992 حتي أُستؤنف إنعقادها في 16 فبراير 1998 أي حوالي 6 سنوات كانت إجتماعات اللجنة الإثيوبية / السودانية لمياه النيل خلالها تجتمع بإنتظام في أديس أبابا والخرطوم , وكانت إثيوبيا تنشط في تعميق مسار الإتفاق الإطاري الذي إقترحته ودعمتها فيه أوغندا  .

كان من بين النتائج الكارثية لإنفصام الإتفاق المصري / السوداني في شأن مياه النيل الخضوع لوجهة نظر إثيوبيا فيما يتعلق بتنفيذها لسد النهضة , فوفقاً لما ورد في خطاب جماهيري للرئيس السوداني عمر البشير  في 4 ديسمبر 2014 بمناسبة تدشينه ورئيس الوزراء الإثيوبي لشبكة الربط الكهربائي بين البلدين بولاية القضارف المُتاخمة للحدود مع إثيوبيا أشار إلي ” أن السودان تدعم إقامة هذا السد لأنها ستحظي بنصيب كبير من الكهرباء المُولدة من السد ” وأوضح  قائلاً ” ساندنا سد النهضة لقناعتنا الراسخة أن فيه فائدة لكل الإقليم بما فيها مصر وسنعمل عبر اللجنة الثلاثية الدولية لتقييم سد النهضة يداً بيد لما فيه مصلحة شعوب المنطقة ” وفي إشارة لها أكثر من مدلول قال” نحن أصلاً شعب واحد والسودان هو جزء من الحبشة الكبري التي كانت تضم الصومال وإرتريا وجيبوتي وإثيوبيا لكن الحدود التي وضعها المُستعمر هي التي فرقتنا  ” , وقد سارعت مصر بالتحفظ علي ما ذهب إليه الرئيس السوداني من أن لسد النهضة فوائد للسودان ومصر والمنطقة , وقد نقلت صحيفة الشرق الأوسط السعودية الصادرة بلندن في ديسمبر 2013 بالإحالة علي مصدر مسئول بوزارة الري المصرية  قوله ” إن الرئيس البشير تحدث عن إيجابيات السد مُتجاهلاً السلبيات وتأثير السد علي علي حصة مصر من مياه النيل   ”  .

لكن يبدو أن مصر طوت تحفظاتها علي سد النهضة فقررت التوقيع الثلاثي بالخرطوم في 23 مارس 2015علي وثيقة إعلان مبادئ سد النهضة التي هي في تقديري لا ترقي إلي مستوي الإتفاقية بقدر ما تمثل إلتزاماً أدبياً تم إشهاره إعلامياً وأستغلته وستستغله إثيوبيا علي أنه كذلك , إذ لا يعني هذا الإعلان أن إثيوبيا إلتزمت بوقف الأعمال الإنشائية للسد بل إن كل ما في الأمر أن عليها مراعاة عدم التسبب في الإضرار وفقاً للمادة (3) التي نصها ” سوف تتخذ الدول الثلاث كافة الإجراءات المناسبة لتجنب التسبب في ضرر ذى شأن خلال استخدامها للنيل الأزرق/ النهر الرئيسي , على الرغم من ذلك ، ففي حالة حدوث ضرر ذى شأن لإحدي الدول، فان الدولة المتسببة في إحداث هذا الضرر عليها، في غياب اتفاق حول هذا الفعل، اتخاذ كافة الإجراءات المناسبة بالتنسيق مع الدولة المتضررة لتخفيف أو منع هذا الضرر، ومناقشة مسألة التعويض كلما كان ذلك مناسباً . ” , وبالرغم من توقيع مصر علي هذه الوثيقة  , إلا إننا نجد أن رئيس مجلس الوزراء المصري في تصريح أدلي به من شرم الشيخ في في 19 نوفمبر 2015 يقول أن لمصر ثلاث أوجه للقلق فيما يتعلق بهذا السد وهي أولاً ما يتعلق بعلاقته بحقوق مصر التاريخية في مياه النيل وعدم إضراره بها , وثانياً التأكد من أن هذا السد لن يُستخدم لتحقيق أي غرض سياسي غير توليد الكهرباء , ثم ثالثاً تنفيذ مراحل إنشاءه كما سبق الإتفاق عليها , لكن إثيوبيا خدرت الجانب المصري ببعض التصريحات الإيجابية كانت نهايتها توقيع إعلان المبادجئ في 23 مارس 2015 وبعده وبعد أن خطت خطوات فعلية في إنجاز السد بدأ المسئوليين الإثيوبيين يتكلمون بلهجة متحدية وخشنة وهو أمر درجت عليع القيادات الإثيوبية منذ أن أعد مكتب إستصلاح الأراضي التابع للحكومة الأمريكية دراسات مسحية لمواقع علي النيل الأزرق في الفترة من 1956 حتي 1964  وحدد في تقريره الذي رفعه للإمبراطور هيلاسيلاسي قائمة بالسدود المُقترحة بحوض النيل الأزرق منها  4 مواقع لمشروعات سدود هيدرولوكية علي النهر تقدر إمكانياتها بثلاث أضعاف ما نتج عن إقامة سد أسوان العالي بمصر , وقد أختارت الحكومة الإثيوبية – فيما بعد – أحد هذه المواقع الأربعة لإقامة سد النهضة وهو يبعد عن شمال غربي أديس أبابا بـ 750 كم  , واللوم يقع أكثر ما يقع علي مصر التي أستباح مصالحها الثابتة القوي والضعيف بسبب إفتقادها حكومة مؤهلة مُنتخبة ديموقراطياً وهو أقل ما يستحقه شعب أخطأ في حقه ومصيره منذ يوليو 1952حفنة من المغامرين غير المُؤهلين أصابهم عمي البصر والبصيرة ولديهم قدرات فائقة  لإبتلاع الهزائم وهضمها .

أعتقد أن زاوية التباين بين مصر والسودان إتسعت بحدة عندما أدلي  Bizuneh Tolchaمدير العلاقات العامة بوزارة المياه والري والكهرباء الإثيوبية بتصريح في 31 مايو 2017 أشار فيه إلي أن الطلب الذي تقدمت به مصر للتفاوض بشأن معاملات الإتفاق التعاوني الإطاري لنهر النيل CFA كان هو السبب الرئيسي لرفض طلب مصر الإنضمام لهذا الإتفاق الذي وقعته 6 دول من دول حوض النيل العشر منها صدقت عليه برلمانات إثيوبيا وتنزانيا ورواندا بحيث أعتبر هذا الإتفاق قانوناً داخلياً , وقد أكد Sileshi Bekele وزير الري والكهرباء الإثيوبي هذا الموقف الإثيوبي في كلمته أمام البرلمان الإثيوبي في 16 مايو عندما قال ” إذا ما كانت مصر جادة في الإنضمام إلي المبادرة (الإتفاق الأإطاري للتعاون) فعليها ألا تضع شروطاً مُسبقة ” وفي الواقع فإن ما تطلبه مصر حق مُقرر في القانون الدولي وليس شرطاً مُسبقاً لكن ضعف مصر وهوانها السياسي وفقدان مكانتها تدريجياً علي مدي 60 عاماً بحيث لم يعد لديها بأس تخشي منه دولة كإثيوبيا أو غيرها عندما تهدد مصالحها الثابتة , وقد حاول الرئيس الأوغندي موسيفيني من خلال طلبه الذي أُستجيب إليه بتأجيل إجتماع لدول حوض النيل الإحدي عشر كان مُقرراً عقده في الأسبوع الأول من مارس 2017 إتاحة فترة زمنية أكبر لبحث إنضمام مصر لإتفاق التعاون الإطاري , لكن في النهاية رفضت إثيوبيا إنضمام مصر إن هي ربطت ذلك بشروط وصفتها إثيوبيا بالمُسبقة , وفي تقديري أنه من الواضح أن السودان بالإضافة إلي كونه لم يتقدم للإنضمام للإتفاق الإطاري بعد إلا أنه أيضاً أخفق أو أنه لم يستخدم علاقاته فوق الممتازة بإثيوبيا ليخفف من وطأة التوترات في العلاقات الأثيوبية / المصرية وخاصة في ملف سد النهضة , ولهذا فإن مجرد تقدم مصر بمعزل عن السودان لطلب الإنضمام إلي إتفاق التعاون الإطاري(إتفاق عنتيبي) يعني أن لا التشاور علي المستوي الوزاري ولا علي مستوي الآلية القائمة للتشاور وهي اللجنة الدائمة الفنية لمياه النيل  تعملان أو يتم عبرهما تنسيق أو تشاور بشأن موقف أي من الدولتين إزاء إتفاق التعاون الإطاري الذي لم تتقدم السودان للإنضمام إليه حتي يومنا هذا , فالظاهر للعيان أن السودان مازال يدعم مشروع سد النهضة الإثيوبي ويري فيه خلافاً لوجهة النظر المصرية فوائد إقتصادية لها , هذا في الوقت الذي مازالت فيه الإتهامات الإثيوبية تُوجه لمصر وأرتريا علي نحو خاص بأنهما يدعمان هجمات تخريبية لسد النهضة , وهو ما نشره موقع MIDDLE EAST MONITOR في 11 يناير 2017 بالإحالة علي مصدرغير مسمي قريب من المعارضة الجنوب سودانية المسلحة التي يقودها Riek Machar حيث قال ” هناك ثمة صفقة جاري العمل عليها بين رئيس جنوب السودان  Kiir والرئيس المصري , وأن مسألة سد النهضة الإثيوبي أحد أهم مكونات هذه الصفقة التي يجري العمل علي إنهاءها بالقاهرة ” , وأشار الموقع إلي أن زيارة الرئيس الأرتري للقاهرة في ديسمبر 2016 كانت موجهة ضد إثيوبيا التي بدورها تتهم مصر وإرتريا المجاورة بتأييد جبهة تحرير أرومو الإثيوبية المعارضة لإثارة موجة غير مسبوقة من المعارضة مما حدا بحكومة إثيوبيا لإعلان الطوارئ لستة أشهر , وتأكيداً لذلك – من وجهة نظر إثيوبية –  فقد صرح رئيس الوزراء الإثيوبي Hailemariam Desalegn في برنامج المقابلة بثته قناة الجزيرة في 22 ديسمبر 2016 “بأن هناك مؤسسات مصرية تأوي وتدعم وتمول جماعات إرهابية في إثيوبيا ”  وذلك رداً علي سؤال بإدعاء بلاده بأن مصر وأرتريا يدعمان المعارضة الإثيوبية , كما أحال موقع MIDDLE EAST MONITOR في 11 يناير 2017 علي وزير إثيوبي – لم يسمه – قوله بأن لدي بلاده أدلة وافرة  Ample evidence علي أن مصر تقدم التدريب والتمويل لهذه الجبهة التي تعتبرها إثيوبيا كياناً إرهابياً , كما نشرت وكالة أنباء جنوب السودان من كمبالا في 5 مارس 2017 لقاء مع James Moises وهو مسئول مخابراتي أوغندي سابق أشار فيها إلي أن الحكومة المصرية ماضية بنشاط في تطبيق إستراتيجية عسكرية ذات وجهين مضادة لسد النهضة الإثيوبي , وقال ” أولاً وقبل كل شيئ فإن الحملة الدبلوماسية المصرية لوقف بناء إثيوبيا لسد النهضة قد فشلت , ثانياً فقد فشلت أوغندا في تدمير تمرد جنوب السودان وهاتان النقطتان تلتقي عندهما المصالح المصرية والأوغندية ” وأضاف ” إن علي إثيوبيا ألا تصدق القاهرة وكمبالا عندما يتكلمان عن أي شيئ يتعلق بسد النهضة GERD ” , وفي هذا الجو المُضطرب توجه وزير الخارجية المصري لأوغندا في الأول من مايو 2017 لمناقشة مسائل مُتعلقة بحوض نهر النيل .

مما تقدم يبدو جلياً أن الخلاف المصري الإثيوبي بسبب إستراتيجية إثيوبيا بشأن مياه النيل وأحد تطبيقاتها وهو سد النهضة GIRD إنتقلا بالعلاقات الثنائية المصرية / السودانية إلي مستوي العداء المُتبادل الأمر الذي إنعكس بالتأكيد علي معظم مجالات العلاقات الثنائية الأخري بحيث هبط بها لما هو أدني من حدها الأدني , وعلي العكس تماماً نجد أن لا خلافاً عميقاً أو مؤثراً في صلابة مبني العلاقات الثنائية السودانية / الإثيوبية – حتي الآن – بل إننا لنجد أن سد النهضة يمثل أحد مجالات التعاون الثنائي وعامل من عوامل نموه , وقد أكد الرئيس السوداني في تصريح نشره موقع Ahram Online في 7 ديسمبر 2015 موقف السودان المواتي من سد النهضة بقوله ” إنه قد أصبح حقيقة ” , مُضيفاً قوله بأن موقفاً من التفاهم والثقة المتبادلة والتعاون بين مصر وإثيوبيا والسودان أمر مطلوب , وقبل ذلك وفي 28 نوفمبر 2015 صرح وزير الموارد المائية بقوله ” إن سد النهضة الإثيوبي سيُؤمن تحقيق فوائد البلاد تماماً من نصيبها من مياه النيل ”  .

هذا الخلاف الحاد الذي بين مصر والسودان فيما يتعلق بقضية مياه النيل عامة وإستراتيجية إثيوبيا إزاءها بما فيها تعامل السودان إيجابياً مع سد النهضة كحقيقة فنية وسياسية معاً مما إنعكس علي مسألة جدوي اللجنة الفنية التي شُكلت – والسد يتم إنجازه –  للتحقق فيما إذا كان لتصميم هذا السد مضار علي مصر والسودان من عدمه , هذا الخلاف عمل علي تعميق العداء المصري / السوداني , إذا أن موقف السودان بوزنه النيلي المميز بإعتبار طول المجري بأراضيه قد أكسب الموقف الإثيوبي مصداقية خاصة وأن السودان ومصر هما الدولتان الوحيدتان من دول حوض النيل الإحدي عشر المرتبطان بإتفاق يتعلق بمياه النيل مع مصر , هذا الإتفاق أصبح في تقديري ومن الوجهة الواقعية بلا قيمة بفعل موقف السودان الإيجابي جداً من إستراتيجية إثيوبيا النيلية ومن سد النهضة علي وجه التعيين , وبين هذا الموقف السيوداني وبين تقديم السودان لطلب الإنضمام لإتفاق التعاون الإطاري مسافة أراها محدودة للغاية , وقد يكون تأخر السودان في الإنضمام إليه له علاقة ببعض المسائل الفنية لا أكثر , وهو موضوع لا يتطرق إليه علناً لا الجانب الإثيوبي ولا السوداني للآن , لأن السودان يدرك أن إنضمامه يعني – فيما لو لم يتمسك بالحق التاريخي في مياه النيل وفقاً لإتفاق 1959 مع مصر وهو ما لن يقبله الإثيوبيين –  يعني أنه أسقط وأنهي إتفاق الإنتفاع الكامل بمياه النيل مع مصر وهو ثمن باهظ فنياً , أما من الوجهة السياسية فالسودان يعلم يقيناً أن سد النهضة تقف وراءه القوي الدولية الكبري وفي مقدمتها الولايات المتحدة التي أوصت منذ عام 1965 ببناء وثلاث سدود أخري , وإيقاف بناءه مستحيل خاصة وهو – أي السودان- خارج من معارك فاصلة في تاريخه أضعفته وحجمت نسبياً من حركته مثل إنفصال جنوب السودان في 9 يوليو 2011 وقضيتي شرق السودان وغربه في دارفور والتي نجح السودان إلي حد كبير في تسويتهما بمزيج من العملين العسكري والتفاوضي خاصة في دارفور التي ركنت الحركات المسلحة المتمردة إلي الهدوء هناك طيلة العامين الماضيين , ومن ثم فالهجوم المزدوج الأخير لجناح من التمرد الدارفوري في وقت متزامن من إتجاه  الشمال وإتجاه الجنوب يثير أكثر من تساؤل عن قواعد هؤلاء المتمردين أو علي الأقل نقطتي إنطلاقهم ففي الشمال مصر وليبيا وفي الجنوب جنوب السودان .

(4) تباين الموقفين المصري والسوداني من طرفي الحرب الأهلية الثانية بجنوب السودان :

تتبني مصر موقفاً تعتقد أنه يتناسب مع ما تبقي من نظرية أمنها القومي , فالسودان لم يعد يولي أولوية لمصر في نظرية أمنه القومي بدليل ما أعلنه الرئيس عمر البشير في مؤتمر صحفي مُشترك مع رئيس الوزراء الإثيوبي بإديس أبابا في 4 أبريل 2017 عندما قال ما نصه ” لاسقف للتعاون بيننا في المجال الأمني إذ أن أمن أثيوبيا هو أمن السودان ؛ وأمن السودان هو أمن أثيوبيا ” ، وأمن رئيس الوزراء الأثيوبي ديسالين على حديث  الرئيس السوداني قائلاً : إن ما يمس أثيوبيا ينعكس على السودان ، وإن ما يمس السودان ينعكس على إثيوبيا , فبطبيعة الحال لم يقل الرئيس السوداني ما قاله من فراغ , فتفريغ نظرية الأمن القومي المصري / السوداني ذات الخاصية التبادلية كان خطئاً مُشتركاً من القاهرة والخرطوم وإن كان لمصر في ذلك القدح المُعلي , وبناء علي إخراج الدولتين للأخري من نظرية أمنها القومي – التي لم تعد بأي مقياس مُشتركة – فإننا نجد ثمة تباين حاد في تناولهما للقضايا ذات الصلة بأمنهما القومي , وعلي سبيل المثال لا الحصر قضية الموجة الثانية للحرب الأهلية بجنوب السودان التي بدأت بإنشقاق Riek Machar نائب رئيس جنوب السودان عن نظام الحكم القائم بجنوب السودان في 15 ديسمبر 2013 وبداية إنهيار حكومة الوحدة الوطنية وهو إتجاه وراءه تيار قوي مندفع بمشاعر قبلية متبادلة ومتأججة لم يستطع إتفاق أديس أبابا الموقع في 17 أغسطس 2015 بين Salva Kiir رئيس جنوب السودان ونائبه  Riek Macharأن يوقفه , خاصة وأنه كان لكلاهما بعض التحفظات علي هذا الإتفاق , وفيما الحرب مُستمرة بين رئيس جنوب السودان Kiir ووراءه قبيلة الدنكا أكبر قبائل الجنوب وبين Machar قائد حركة تحرير شعب السودان SPLM-IO المعارضة المسلحة للرئيس مدعوماً من قبيلته النوير ومعه قبائل أخري كالشلك , بحثت الدبلوماسية الأمريكية – وهي التي حملت علي عاتقها مع المؤسسات التشريعية والعسكرية والأمنية الأمريكية الأخري مهمة فصل جنوب السودان عن شماله – عن حل لوقف تدهور الموقف في جنوب السودان ومن بين هذه الوسائل طرح المبعوث الأمريكي السابق للسودان وجنوب السودان السفير Princeton Lyman مُقترح بفرض الوصاية علي جنوب السودان بعد أن تجدد القتال بين أطراف الحرب الأهلية في 16 يوليو 2016 و / أو فرض حظر علي توريد السلاح لجنوب السودان وهو بديل طرحته الولايات المتحدة أيضاً في يوليو 2016 ثم عاودت تجديده عندما تقدمت في 23 ديسمبر 2016 بمشروع قرار يتضمن فرض الحظر علي السلاح علي جنوب السودان وكان يتسم ببعض المرونة إذ نص علي حظر لمدة عام علي توريد وبيع ونقل الأسلحة والذخائر ومركبات النقل العسكرية والمعدات لجنوب السودان ووضع عدد من القادة العسكريين منهم Riek Machar ووزير إعلام جنوب السودان ميشيل ماكوي ورئيس الأركان بول مالونج علي اللائحة السوداء وتجميد أصولهم وحظر سفرهم , وقد أيد هذا القرار عند التصويت عليه الوفدين الفرنسي والبريطاني إلا أن ممثلي كل من مصر وأنجولا (التي دعت لاحقاً إلي فرض الحظر علي السلاح) والسنغال أبدوا تحفظات عليه ورفضته روسيا والصين واليابان وماليزيا وفنزويلا , وبالتالي لم يحظ المشروع بموافقة إجماعية  .

تتخذ كل من مصر والسودان موقفاً مختلفاً عن الأخري في المدي والتأثير في شأن قضيتي الحرب الأهلية والعلاقات مع جنوب السودان , ففيما عارضت مصر مشروع القرار الأمريكي القاضي بدعم قوة الأمم المتحدة لجنوب السودان UNMISS المكونة من 12,000 رجل بواقع 4,000 رجل إضافي بدعوي ” أن الضرورة العملياتية والعملية تستدعي موافقة حكومة جنوب السودان قبل تقرير تمركز هذه القوة هناك ” ولذلك إمتنعت بالتنسيق مع حكومة جنوب السودان التي كانت تعارضه بشدة بدعوي التأثير علي سيادتها عن التصويت علي هذا المشروع  , إلا أن الإتصالات الفعالة التي أجرتها الولايات المتحدة بالقوي الكبري المناوئة لهذا المشروع والقائمة علي أسلوب المقاصة بين القوي الكبري أدت إلي إصدار القرار أخيراً بتاريخ 12 أغسطس 2016تحت رقم 2304 , بموافقة 11 دولة وإمتناع الصين وروسيا ومصر وفينزويلا عن التصويت , والمُلفت للنظر أن مصر رغم إعتراضها علي هذا القرار والإمتناع عن التصويت عليه قامت بعد صدوره بإتصالات دبلوماسية علي مستويات مختلفة للمشاركة في قوة الدعم وكانت أوغندا من بين أهم الدول التي إتصلت بها مصر لتزكية طلبها ذاك أوغندا , ففي زيارة للرئيس المصري لعنتيبي ليوم واحد في 18 ديسمبر 2016 ألقي الرئيس Yoweri Kaguta Museveni (الذي لا يحظي بثقة الخرطوم التي تراه محترفاً في لعب الأدوار المزدوجة وكان ومايزال غير موثوق في نواياه تجاه السودان حتي بعد الإنفصال مثله مثل آراب موي وخلفه في كينيا) كلمة رحب فيها بالقرارالمصري بشأن المساهمة في قوة الحماية التابعة للأمم المتحدة بجنوب السودان منوهاً بأن مصر ليس بينهما وبين جنوب السودان حدود مُشتركة كحالة أوغندا ومن ثم فسوف لا تتُهم بالإنحياز في قضية الحرب الأهلية هناك , يعني في الحرب الأهلية القائمة هناك , كما دعا إلي أن تعيق مصر سياسة مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة (مصر عضو غير دائم بمجلس الأمن) الرامية إلي فرض عقوبات علي جنوب السودان لأن ذلك من شأنه أن يُحدث فراغاً في القيادة هناك , ومن جانبه أكد الرئيس المصري في المؤتمر الصحفي الذي عقده هناك رغبة مصر في أن تكون جزءاً من قوة الحماية الأممية , وهي نفس الرغبة التي حققتها مصر بالمساهمة في قوة الأمم المتحدة الهجين مع الإتحاد الأفريقي في دارفور UNAMID مع فارق أساسي وهو أنها في ملف دارفور ليس لها دور سياسي مباشر أو ظاهر , فيما تتخذ موقفاً سياسياً وإقتصادياً وعسكرياً وأمنياً ومُؤكدا ومُنحازاً بوضح لنظام الرئيس Kiir بل إن أحد أبناء جنوب السودان ممن ينتمون إلي قبيلة الشلك وجاء لمصر لتلقي العلم الجامعي ذكر لي أن مسئولاً من جنوب السودان موجود بالقاهرة لمهمة محددة هي إنتقاء الطلبة الجنوبيين ممن ينتمون لقبيلة الدنكا التي ينتمي إليها الرئيس Kiir للحصول علي المنح الجامعية بمصر ويسوف أو يرفض من هم من أبناء القبائل الجنوبية الأخري , وإن صح ذلك فإن الخطأ المصري في جنوب السودان يكون قد إتسع ليتداخل مع مستقبل جنوب السودان نفسه فليس هناك يقين حتي الآن أن نظام Kiir سيستمر أو سيستمر قوياً , بل ربما وُضع في النهاية تحت وصاية مُشتركة مكونة من الأمم المتحدة والإتحاد الأفريقي تماماً كقوة حفظ السلام الهجين UNAMID بين هاتين المنظمتين , ومن غير المعروف الثمن أو العائد أو لنقل النتيجة التي تريد مصر تحقيقها من دعم نظام الرئيس Kiir , هل تريد مصر من وراء ذلك تحقيق الأمن المائي ؟ الإجابة خلافية فجنوب السودان ليس في موضع حاكم في دائرة دول حوض النيل كما أنه لم يُرصد بشأنه إتجاه نحو الموافقة علي إستئناف شق قناة Jonglei (الواقعة بولاية بهذا الإسم ضمن 27 ولاية تتشكل منهم دولة جنوب السودان إدارياً) والتي يمكن أن توفر لمصر والسودان أكثر من 4 مليار متر مكعب/ مياه / عام , بل إن دولة جنوب السودان قد لا تظل حذرة إزاء مسألة الإنضمام لإتفاق التعاون الإطاري بين دول حوض النيل فتوقع في ظروف مختلفة علي هذا الإتفاق الذي تتحفظ مصر للآن عليه , أو هل تريد مصر تسويق كم من الأسلحة التقليدية التي بمخازنها كما تفعل إسرائيل في الحرب الأهلية بالجنوب ؟ الإجابة الخلافية أيضاً أن موقع جنوب السودان الجيوسياسي لمصر مختلف عن موقعه لإسرائيل , فالتداخل في العلاقات التي لمصر مع السودان وجنوب السودان لابد وأنه تدفع بمصر إلي الوقوف علي الحياد في الحرب الأهلية بجنوب السودان حتي وإن دعمت السودان Riek Machar فعلاقة السودان بجنوب السودان بها مشاكل مختلفة عالقة وبلا حل , كما أنه  وبالإضافة إلي لا مواقف جنوبية مُحددة في شأن الأمن المائي لمصر فإن إضعاف نظام Salva Kiir ربما كان علي المدي المتوسط في صالح مصر , كما أن مرافقة مصر – حتي مع حذرها –  للرئيس Yoweri   Museveniفي سياساته المتناقضة أوالمزدوجة  إزاء الحرب الأهلية بجنوب السودان قد يُؤدي إلي نتائج خطرة علي الأمن المائي المصري لاحقاً , هذا مع إفتراض أن مصر قد تبقت لها قوة سياسية مُؤثرة في صراع تديره القوي العظمي وبالتحديد وبترتيب قوة التأثير تأتي الولايات المتحدة أولاً فالصين وروسيا وفرنسا وبريطانيا في هذا السياق , إن توريد السلاح طالما تم علي أساس نقدي فسوف لا يعني ذلك أن لمصر تأثير ما علي مجريات الأمور في الجنوب , فالسلاح مصادره متعددة كما انه في ظل عدم صدور قرار أممي بحظره فستظل مساحة الحرية المتاحة للموردين باقية , لكن وبمجرد صدوره فستتوقف مرغمة الدول التي بينها وبين الولايات المتحدة علاقة “خاصة وإستراتيجية ” كما تصفها مصر دائماً , فهذه أحد التضحيات الناتجة عن العلاقات الخاصة , أما الدول المُتحررة منها فستنتهك أي قرار دولي بالحظر ولنا عبرة في القرار الأممي رقم 864 الصادر عن مجلس الأمن الدولي في سبتمبر 1993 والقاضي بفرض حظر علي السلاح لحركة تحرير عموم أنجولا UNITA المناوئة لحكومة حزب حركة تحرير أنجولا MPLA الحاكمة .

إذن نحن أمام موقفين مختلفين تمام الإختلاف لمصر والسودان إزاء مجمل قضايا جنوب السودان فمصر تدعم الرئيس Kiir وتزوده بالسلاح وفقاً لتقارير دولية كان أخرها ما نشرته صحيفة Sudan Vision في 29 مايو 2017 من أن تقرير خبراء الأمم المتحدة عن توريد السلاح لجنوب السودان إتهم الحكومة المصرية بإمداد جوبا بالأسلحة وأن تفاصيل هذه التوريدات نُشرت علي موقع defenceweb.co.za في شهر أبريل 2017 , ويؤكد ذلك أنه في الأول من مارس 2017 نشرت شبكة Nyamilepedia الإخبارية أن طائرة نقل مصر حطت في مطار جوبا في الأول من مارس 2017 وأحال الموقع علي مصدر بوزارة دفاع جنوب السودان أن مصر سلمت إمدادات لجيش جنوب السودان  SPLA وهي عبارة عن  14,00 طن متري من الأغذية والأدوية منحة من مصر , ولابد من الإشارة هنا إلي ما أوردته في 3 يونيو 2017 وكالة أنباء جنوب السودان نقلاً عن Riek Machar قائد أكبر حركات التمرد علي نظام الرئيس  Kiir حيث قال ” إن بعض دول العالم الأول التي تتصرف بعقلية الدول المنتمية للعالم الثالث أمدت نظام الإبادة الجماعية الذي يحكم من جوبا بالأسلحة المميتة ” وأشار إلي أوكرانيا بإعتبارها مورد رئيسي لتزويد جنوب السودان بالسلاح , ولقد وجه الرئيس السوداني عمر البشير في حديثه لمحطة الجزيرة الفضائية في الأسبوع الأخير من فبراير 2017 إتهاماً صريحاً لمصر بتوريد السلاح لجيش جنوب السودان , ومن جهة أخري وعقب زيارة قام بها Silva Kiir رئيس جنوب السودان للقاهرة في يناير 2017 ثار حديث تواتر عما وُصف بأنه ” صفقة ثلاثية قذرة ” أطرافها مصر وأوغندا وجنوب السودان للقيام بعملية تخريبية لسد النهضة الإثيوبي وهو ما نفته جوبا علي لسان Paul Malong رئيس هيئة أركان جيش جنوب السودان والقاهرة التي وصفت ذلك  “بالشائعات عن تدخل عسكري مصري بجنوب السودان ” * ( موقع ahramonline بتاريخ 5 مارس 2017) , لكن مع ذلك فقد أدي ذلك إلي تصعيد توتر العلاقات الإثيوبية مع مصر وجنوب السودان والحذر الإثيوبي من الدور الأوغندي ,

أما السودان فيدعم حليفه القديم Machar فالعلاقات العدائية بين الخرطوم وجوبا لم تترك حيزاً للتقارب ولذلك مثلاً نجد تصريحاً أدلي به Lul Ruai المتحدث باسم جيش تحرير جنوب السودان SPLA قال فيه ” أنهم لم يتلقوا بعد تعليمات من الحكومة لطرد حركات المقاومة السودانية الشمالية المُسلحة من أراضي جنوب السودان وذلك بالرغم من أن إتفاقاً وقعته الخرطوم وجوبا عام 2012 يقضي بعد إيواء أيا منهما لمجموعات معارضة مسلحة ” , فيما صرح Michael Makuei وزير إعلام جنوب السودان في 23 أكتوبر 2015 أشار فيه إلي أن بلاده تأوي علي أراضيها هؤلاء , إلا أن وزير الدفاع الجنوبي Kuol Manyang Juuk إعترف بوجودهم قائلاً أنهم سينسحبون في إطار إتفاق ثنائي متبادل مع حكومة الخرطوم , وكلاهما كان يرد علي بيان أمريكي يشير إلي أن لدي الولايات المتحدة معلومات ذات مصداقية وتقارير تتحدث عن إستمرار جنوب السودان في توفير ملاذ ودعم للتمرد السوداني الشمالي علي أراضيها .

مما تقدم يمكن تكوين نتيجة منطقية مفادها أن موقف مصر والسودان من جنوب السودان شديد التباين وهو تباين أعداء إذ أن مسافة التباين لا يمكن أن تكون بين شركاء مصير , فالجنوب جزء إنفصل عن السودان تحت ضغوط مختلفة من الولايات المتحدة الأمريكية بمختلف الوسائل دبلوماسية وتشريعية وإقتصادية وعسكرية وأمنية مع إسناد من معظم دول الجوار السوداني وعلي رأسهم أوغندا في الوقت الذي كانت فيه مصر مبارك في مدرجات المتفرجين وعندما كان يزيد الحرج عليها كانت تستعين بعدد من العبارات المعسولة التي بلا روح مثل “العلاقات الأزلية” و” السودان خط أحمر ” و ” السودان هو العمق الإستراتيجي لمصر” , وفي الواقع كانت مصر مُتخلية طواعية عن دورها , وبعد الإستقلال كان من المتوقع إن يكون هناك ثمة تنسيق مصري / سوداني علي كل المستويات لتناول العلاقات مع الدولة الوليدة بجنوب السودان بما يعبر عن وحدة ” نظرية الأمن القومي المصري / السوداني” لكن ولإن الحقيقة كما أشرت أن لا نظرية مُشتركة لأمن مصر والسودان , وأن مصر رأت أن جنوب السودان نظام صديق يستطيع أن يعطي وهذا أمر غير منطقي ولا واقعي فهي دولة تتهاوي بفعل الصراع القبلي والفساد ويقبض علي السلطة فيها قدامي المتمردين الذين لن يتشبعوا أبداً بروح الدولة , كما انها دولة هوت إلي وهدة المجاعة والحرب الأهلية ما يمكن ان تعطيه سيكون قبض الريح , ورأت مصر في السودان دولة مُعادية أو كادت ان تكون ذلك فألقت جانباً كل موجبات أمنها القومي وفاتها إدراك أن السودان خلافاً لجنوب السودان دولة بها كوادر – مهما قيل عن الفساد هناك – وبها أمة نفضت عن جسدها معظم عوالق القبيلية المقيتة , كما أنها الدولة الوحيدة التي بينها وبين مصر إتفاقية عنوانها ” الإنتفاع الكامل بمياه النيل” وُقعت في 8 نوفمبر 1959 وترفضها كل دول حوض النيل بما فيها نظام جنوب السودان الصديق المُفلس لمصر, إذن هذه الدرجة من العداء المُتبادل لا تترك حيزاً إلا للإعتقاد بأن الرغبة في الإضعاف … إضعاف كيان الدولة تراود أي من الدولتين , فبقاء دارفور جرحاً مفتوحاً يضعف الجسد السوداني بلا أدني شك إستخدمتها تشاد من قبل لإضعاف السودان , وبالتالي ومن إتجاه مُعاكس فإبقاء جنوب السودان يقوده نظام معاد للخرطوم علي رأسه Salva Kiir يحقق ما يمكن تحقيقه أيضاً علي محور دارفور …. أي إضعاف السودان ويلي ذلك إضعاف مصر – لو أنها تدرك – في مرحلة تالية مباشرة لأن ثوابت الأمن القومي توضع علي أساسها السياسات وليس العكس , أي أنها سابقة علي السياسة , أما وأن السياسة المصرية تجاه السودان قد وُضعت منذ أكتوبر 1981 بمعزل عن مُوجبات الأمن القومي المصري / السوداني المُميز بخاصية التبادلية , فمن المُحتم أن تري تنويعة من السياسات السيئة تتراوح ما بين ” سياسات الحد الأدني ” و ” سياسات بنكهة مخابراتية طفولية ” و سياسات ” الإنكار والإثبات بلا مبرر”  , إذن نحن أمام مؤشر دال علي أكثر من خطأ منهم خطأ دعم نظام خلفيته التمرد غير ملتزم بما يتوجب علي الدول الإلتزام به  وما إنزلاق هذا النظام في حرب أهلية علي أساس قبلي إلا ” رواندا أخري ” ودليل ساطع عن ذلك , كما أنه نظام لم يعلن إلتزامه مثلاً بأهم ما تريده مصر ثمناً لدعمها بقاءه حياً … أعني مياه النيل بإعلانه مثلاً عن إلتزامه بإتفاقية الإنتفاع الكامل بمياه النيل تحديداً , إذن ما هو الثمن الذي ستتلقاه مصر من دعمها لنظام Kiir ؟ هل هو إضعاف السودان ؟ هل تحقيق أعلي كم من المبيعات من الأسلحة والذخيرة علي أساس تجاري بحت ؟ أم تراها مسألة مبدأ لدي مصر , علي أساس أن مصر تدعم الجيوش الوطنية التي ثبت انها لغم أرضي تتحرك الشعوب علي المساحة الواسعة التي زُرعت فيها هذه الألغام بخشية وتوجس ؟ , ومع فرض أن الولايات المتحدة تريده حظراً تاماً ناجزاً علي توريد السلاح لجنوب السودان وتدعو إلي ذلك بقوة في أروقة الأمم المُتحدة , إذن فلماذا تترك أعز حلفاءها : مصر وإسرائيل يوردان صفقات من الأسلحة والذخيرة لنظام Salva Kiir بإنتظام ودون وجل من التأثير في العلاقات الخاصة بينهما وبين الولايات المتحدة ؟ وهل المقصود – والحالة هذه – من مُصطلح ” العلاقة الخاصة ” هو الإستثناء والتمتع بإعفاء من بعض الإلتزامات نحو الولايات المتحدة ؟ ثم أن مصر وهي مُثقلة بالديون الخارجية وخدمتها من المنطقي أن يكون أنسب سياساتها تجاه جنوب السودان : الترقب والإنتظار وليس الفعل علي الأقل لأن نظام Salva Kiir لم يعد بشيئ لمصر وإن وعد فسيخلف وعده …. ماذا تتوقع من متمرد ؟

(5) نمو العلاقات السودانية / الأمريكية وتأثير ذلك علي مصر

إن الولايات المتحدة عند تناولها لملفي علاقاتها بمصر والسودان فإن ذلك يتم علي مستويين أحدهما حده الأقصي إستراتيجي وهو مستوي تحقيق المصالح العليا للولايات المتحدة , أما المستوي الآخر فهو ما تمثله علاقة مصر والسودان بالولايات المتحدة من أهمية إقليمياً , ومن الوجهة الإقليمية يُلاحظ أن الولايات المتحدة تضع السودان في منظومة عامة هي أفريقيا وتحديداً في شرق أفريقيا أو القرن الأفريقي , أما مصر فهي في الإستراتيجية الأمريكية ومن المنظور الإقليمي هي دولة شرق أوسطية بإمتياز  , ومما يؤكد ذلك لأن منطوق إنشاء القيادة العسكرية الأمريكية لأفريقيا الذي أُعلن عنه من قبل البنتاجون في 6 فبراير 2007 أشار إلي  أنه فيما يتعلق بنطاق عمل هذه القيادة فإنه سيُغطي عموم القارة الأفريقية فيما عدا مصر التي تستمر في نطاق عمل القيادة المركزية الأمريكية ( فيما بعد حدث تعديل بسيط في مسألة إلحاق مصر داخل ولاية AFRICOM بحيث تم إلحاقها لكن في نطاق مُحدد جداً بإعتبار أن مصر تقع في نقطة جوية وسيطة و ضرورية لهذه القيادة كونها تخدم في تموين طائرات القيادة بالوقود لتتمكن من الحركة ما بين القاعدة الأمريكية في جيبوتي بمعسكر  Camp Lemonnier ومسرح العمليات بشمال أفريقيا) , فمصر في الفكر السياسي الأمريكي ستظل رقم شرق أوسطي فمقومات السياسة الخارجية للولايات المتحدة مقوماتها الإقليمية في الشرق الأوسط تتضمن فيما تتضمنه (1) تحقيق سلام دائم وعادل “بالمقاييس الأمريكية طبعاً ” بين إسرائيل وجيرانها العرب و(2) تحقيق وتنمية أمن إسرائيل وخيرها  (3) وضع إطار أمني في الخليج العربي يكفل الوصول الأمريكي لموارد الطاقة (4) وضع حد للإرهاب المدعوم من الدول والكيانات الأخري …. , ويتأكد هذا التموضع لمصر في إقليم الشرق الأوسط حصراً من وثائق وتصريحات رسمية أمريكية عديدة منها مثلاً ما ورد ببيان وزير الخارجية أليكسندر هيج في 18 مارس 1981 أمام لجنة مجلس النواب للشئون الخارجية الذي تضمن ”  أما مصر فهي تحتل مركزاً فريداً في العالم العربي , وقد أضفي عليها عدد سكانها وأهميتها الإستراتيجية وتفوقها الثقافي ذلك المركز ….. وليس هناك من بديل لمصر قوية ذات إتجاه غربي , وإن قدرة دفاعية كافية تتمتع بها إسرائيل ومصر ودول عربية مسئولة أخري لا تساعد علي مواجهة الضغوط الخارجية فقط بل تدعم هدفنا المُتمثل في تحقيق سلام دائم في الشرق الأوسط … ” .

أما الرؤية الأمريكية للسودان فأقل ثباتا من الرؤية الأمريكية لمصر لأسباب مختلفة أهمها إرتباط مصر في العقيدة السياسية والعسكرية والأمنية الأمريكية بأمن إسرائيل , لكن علي أية حال فمنذ عام 1990 وحتي الإنشقاق بين الرئيس البشير والعسكريين من خلفه والدكتور حسن الترابي ومن خلفه قطاع من التيار الإسلامي السوداني وُضعت السياسة الأمريكية تجاه السودان وهي مُحاطة بسور حد من الحركة الحرة للخرطوم وواشنطن وهذا السور تكون بفعل الموقف العام الذي أعلنه النظام السوداني بتمسكه بالهوية الإسلامية الصرفة وبحيازته ” مشروع حضاري إسلامي ” , والموقف السوداني الداعم للرئيس صدام حسين جراء غزوه للكويت في أغسطس 1990 والإعلان عن إنشاء المؤتمر الشعبي العربي والإسلامي ومقره الخرطوم في أعقاب ذلك وهو تنظيم ضم حركات وتنظيمات إسلامية تري الولايات المتحدة علي طبيعتها كقوة شر عالمية , كذلك الموقف السوداني إزاء التدخل الأمريكي في الصومال في ديسمبر 1992 ثم الموقف السوداني إزاء قضية الديموقراطية والتعددية السياسية (التي لم تكن قطعاً أسوأ من نظيرتها بالقاهرة) والموقف السوداني إزاء عملية السلام في الشرق الأوسط وإحتضان السودان لحركة “حماس” و “حزب الله” وغيرهما من الحركات التي لا ترضي عنها واشنطن (والقاهرة), وأخيراً موقف الخرطوم من قضيتي الحرب والسلام في جنوب السودان , وقد أدي وجود هذا السور إلي القدر إضطراد التباعد بين النظام القائم بالخرطوم والذي أعلن عن هويته الإسلامية من خلال ما سُمي بالمشروع الرسالي الحضاري وبين الولايات المتحدة وتهديد مصالحها بالمنطقة   , ورغم ذلك فقد خاضت الولايات المتحدة غمار حوار مع السودان منذ الإطاحة بحكومة الصادق المهدي في 30 يونيو 1989 , وذلك عبر المبعوثين الخاصين للرئيس الأمريكي للسودان المُكلفين بتناول الصراع في الجنوب لكنهم في الواقع كانوا أداة حوار وقناة ناقلة أبقت في تقديري علي الحد الأدني من الإتصالات الأمريكية / السودانية خاصة مع غلق السفارة الأمريكية في الخرطوم وإنتقالها لنيروبي في أغسطس 1995 لدواعي أمنية , وقد أستخدمت الخرطوم هذه الأداة بفاعلية وذلك بالرغم من أن هذا الحوار تباطئ قليلاً منذ شهادة أدلي بها في 10 مارس 1993 كوهين مساعد وزير الخارجية الأمريكي الأسبق للشئون الأفريقية أمام جلسة إستماع للجنة الفرعية للشئون الأفريقية بالكونجرس وورد فيها ما نصه ” إن الخرطوم في حاجة لأن تعرف أن الإهتمامات الأمريكية بشأن سلوكها يمتد إلي ما بعد وزارة الخارجية , وأنتم بالكونجرس قد ساعدتمونا لجعل ذلك أمراً واضحاً , فالسودان تمثل بالنسبة للولايات المتحدة مجموعة من المشاكل التي تُؤخذ بقضها وقضيضها وتشكل أحد أكبر تحدياتنا في أفريقيا ” , تبع ذلك إصدار السفارة الأمريكية بالخرطوم في نهاية أبريل 1993 لبيان عنوانه ” العلاقات الثنائية ووجهة نظر الولايات المتحدة ” أوردت فيه خمس نقاط سلبية في العلاقات الثنائية منها وضع العراقيل بصفة مُستمرة من قبل أطراف النزاع في جنوب السودان في طريق توصيل الإغاثة الدولية للسودانيين في الجنوب وكذلك إستمرار الحرب الأأهلية بالجنوب بين حكومة الخرطوم والتمرد , ثم وفي أغسطس 1993 أدرجت الحكومة الأمريكية السودان علي قائمة الدول الراعية للإرهاب .

أوضح سفير الولايات المتحدة لدي السودان رؤية حكومته للسودان في كلمة ألقاها عن العلاقات الأمريكية / السودانية بالخرطوم في أبريل 1993 أهم ما ورد بها :

– أن العلاقات الأمريكية / السودانية تتميز بأنها الأسوأ من أي وقت مضي  .

– أن السودان مُصنف علي أنه بلد يُحكم بواسطة حكومة عسكرية مُتعسفة تسحق بأقدامها وبكل تجاوز لحقوق الإنسان لشعب السودان  , وهي التي شملت إنتهاكاتها حظر النشاط السياسي والبطش بالمنشقين السياسيين وقمع الصحافة والإعتقال دون مسوغ قانوني . ( وهو ما يحدث إلي اليوم في كل دول الشرق الأوسط ويدرك الأمريكيين ذلك ويغضون الطرف عنه عمداً بل وأحياناً ما يشجعون وكلاءهم حكام دول هذه المنطقة علي ذلك )

– أن هناك شك في كيفية كون النظام القائك بالخرطوم ديموقراطياً في غياب نظام مفتوح للمراجعة والتقييم .

إتصالاً بما تقدم فإن هناك تطورين رئيسيين إستندت عليهما السياسة الأمريكية لإحداث نقلة نوعية لعلاقاتها الثنائية مع الخرطوم أولهما إنفصال جنوب السودان وإعلان دولته في 9 يوليو 2011 بجهد وضغط أمريكي مكثف ومتواصل علي السودان بكافة الوسائل المتاحة منها إصدار قانون السلام في السودان في 21 أكتوبر 2002 الذي ينص علي فرض عقوبات علي السودان بعد 6 أشهر من سريانه (العقوبات الأمريكية مفروضة علي السودان منذ 1997)  علي غرار قانون تحرير العراق والمقاطعة الإقتصادية بل وصل الأمر أن نشرت صحيفة الحياة اللندنية في 23 يونيو 1999 أن 47 نائب في مجلسي النواب والشيوخ الأمريكي تبنوا مشروع قرار متزامن في المجلسين يهدف إلي تشديد الضغوط علي الحكومة السودانية لمعالجة الوضع في الجنوب أي كي ترضخ للمطالب الأأمريكية بشأن الصراع في الجنوب السوداني ويتضمن مشروع هذا القرار طلبات غير مُلزمة لمجلس الأمن القومي وللرئيس الأمريكي منها بند رابعاً ونصه ” تنفيذ قرار مجلس الأمن الدولي رقم 1070 بفرض حظر جوي علي السودان  وبند سادساً ونصه ” إقامة مناطق محظورة علي الطيران الحكومي في جنوب السودان وجبال النوبة والأنقسنا لحماية المدنيين من الغارات الجوية ” , ثانيهما وهو تطور مُرتبط بالأول إذ أن السودان وُصم بدعم الإرهاب الذي طالما إعتبرته الإدارات الأمريكية المُتعاقبة منذ 1990 عنصراً مثيراً في العلاقات الأمريكية / السودانية ففي وقت مبكر من عهد “ثورة الإنقاذ” أكد السفير الأمريكي ذلك في محاضرة علنية له بالخرطوم في أبريل 1993 قال فيها ما نصه ” إن السمعة السيئة للسودان ليست من بنات أفكار الإعلام , وهي ليست بالضبط صناعة إصطنعها المصريون , كما أنها ليست نتاجاً لإفادات مُتجنية أو غير دقيقة للسفارات الغربية , لأنها مؤسسة علي معاينة صادقة لمجموعة مُتنوعة وعريضة من المصادر وعبر فترة طويلة من الزمن ” , وفي 4 مايو 1994 ذكر جورج موسي مساعد وزير الخارجية للشئون الأفريقية أمام اللجنة الفرعية لأفريقيا حول الأزمة في السودان ما نصه ” إن المصريين سوف يظلوا مهتمين إلي أقصي مدي بشأن تورط حكومة السودان المباشر لدعم الإرهاب والتي معرروف عنها توجيهها لأنشطة الإرهاب ” , وأضاف ” إننا معنيون بعلاقات السودان بالإرهاب والتي أقامها مع دول أخري ” , ومنذ توقيع السودان إتفاقية السلام الشامل عام 2005 وإنفصال الجنوب بناء عليها في 9 يوليو 2011 بدأت الولايات المتحدة والخرطوم كل بوسائله تفكيك أجزاء قضية الإرهاب ودحض مبرراتها ومن هنا وضعت الولايات المتحدة خمس متطلبات لرفع العقوبات نهائياً عن السودان في يوليو القادم وكان التعاون الثنائي في قضية الإرهاب أحد المتطلبات التي أثنت الولايات المتحدة علي وفاء السودان بها ومن ثم تحققت النقلة النوعية في العلاقات .

بالتوازي مع ما تقدم حاولت الولايات المتحدة التي تتولي نيابة عن المسلمين تصنيف إسلامهم (؟) تأكيد أن نظام حسني مبارك الذي بلا هوية مُحددة نظام يحارب الإرهاب و يتبني الإسلام المُعتدل وهو إصطلاح باطني يعني الإسلام الذي لا يعترض أو يعارض الإسلام المُتماهي الذي لا عرض له ولا طول , فيما صورت السودان كنظام مُتطرف يرعي الإرهاب الإسلامي , بينما شجعت النظام القائم علي السلطة بالقاهرة تأكيداً لإعتداله – في نظر الولايات المتحدة – علي مدها( أي الولايات المتحدة) بمعلومات مُوحية إليه بأنها ذات قيمة وتحتاجها عن الإرهاب السوداني وأستجاب نظام مبارك لأكثر من سبب منهم التخلص ولو تدريجياً من نموذج دولة (السودان) تصور أنها كانت خاضعة لمصر منذ أن إستقلت عنها عام 1956 وهو مالم يحدث إلا في فترات مُتقطعة (نظام نميري المُتفاهم مع مصرهو الذي جعل من حلايب جزءاً من التقسيم الإداري للسودان)  وكذلك القضاء علي دولة (السودان) تتبني الهوية الإسلامية التي إجتزءها نظام مبارك وجعل نطاقها هو النطاق التعبدي فقط دون تطبيقات سياسية أو إقتصادية , ولذلك فمن بين أسباب بقاء نظام مبارك طويلاً هو أنه مسخ شائه بلا هوية أعداءه هم أنفسهم أصدقاءه أعني إسرائيل  أما أعداءه الثابتين فهم أي نظام له هوية إسلامية , لذلك ولأسباب ذات صلة أبقاه الغرب وفي مقدمته الولايات المتحدة ديكتاتوراً ضالاً يحكم , ولذلك إجتهد نظام مبارك في مد الأمريكيين بمعلومات أعترف وزير الخارجية الامريكي نفسه بأنها مضللة عن إمتلاك العراق لأسلحة دمار شامل وهكذا كان يفعل مع السودان لصالح الولايات المتحدة , التي عملت بكل الوسائل علي إستمرار حالة الصراع في العلاقات المصرية / السودانية بوسائل شتي منها تصوير السودان وكأن عصابة تحكمه وهو غير حقيقي بالمرة وأن مصر محور إعتدال ودولة مؤسسات مع أن الولايات المتحدة تعلم كم الفساد المُتجذر بالمؤسسات المصرية وتعلم كذلك أن نظام مبارك بقاءه مرتبط بإفساد مصر .

كانت الولايات المتحدة تعلم أن نظام مبارك نظام كسيح لكنها في نفس الوقت كانت تغذيه بالضلالات التي تريحه وتجعل صورته أمام الرأي العام المصري تبدو وكأنه نظام يتحرك ففي ذروة عملية التفاوض من خلال IGAD عام 1998 بشأن حل الصراع في السودان  كان المسئوليين الأمريكيين يتلاعبون بالمسئوليين المصريين فيقولون لهم أن موقف الولايات المتحدة من الصراع في السودان قائم علي مبدأ أن ” وحدة السودان أمر يقرره السودانيين أنفسهم ” أو أن ” الولايات المتحدة مع إيجاد نظام موحد وعلماني بالسودان ” والواقع أن الولايات المتحدة لم تكن مع هذا المبدأ أو ذاك فمن بين أدلة عديدة نجد أن مشروع القرار الذي إقترحه 47 من نواب المجلسين التشريعيين بالولايات المتحدة المُشار إليه آنفاً وقانون السلام في السودان عام 2002 لا يؤديان إلي إلي فصل الجنوب ومع ذلك حاول المصريون تصديق ما يقوله الأمريكان  .

رغم حدة السياسة الأمريكية بشأن السودان وممارستها للضغوط المتنوعة علي الحكومة السودانية بغية إضعاف مقاومتها لفرض حل أمريكي لصراع  الجنوب ولم يكن هذا الحل إلا الإنفصال بتمهيد طريقه عبر النص في إتفاقية السلام الشامل المُوقعة بين السودان والتمرد في كينيا في يناير 2005, لكن قبل هذه الإتفاقية كانت الخارجية السودانية تصيغ رؤية تتبناها الحكومة السودانية لبناء علاقة بلا مواجهات مع الولايات المتحدة ووفقاً للنص الرسمي لخطة عمل الخارجية السودانية لعام 1997الذي إطلعت في سبتمبر 1997 عليه , ورد بها أن هناك هدفان تسعي الخارجية السودانية إلي تحقيقهما من خلال خطتها تلك :

الهدف الأول تجاوز التغيرات الراهنة في العلاقات مع الولايات المتحدة ومحاولة تطويرها بواسطة وسائل هي :

* بالتعاون مع السفارة السودانية في واشنطن ستتابع إدارة أمريكا الشمالية بالخارجية السودانية إتصالاتها مع الحكومة الأمريكية لتكوين لجنة حوار لبناء وإدارة الإتصالات حول المشاكل والنقاط الحرجة التي تبني الولايات المتحدة موقفها من السودان بناء عليها  .

* متابعهة نهج السفارة السودانية (والذي تراه الخارجية السودانية نشطاً) في واشنطن للإلتقاء بالمسئوليين الأمريكيين والشخصيات الأخري المُؤثرة وتكريس تقليد الحوار .

* إستثمار ما يتحقق من إتصالات لإنجاز زيارات علي غرار زيارة نواب الحزب الديموقراطي من الكونجرس وكانت نتيجة لتلك الإتصالات .

* إعتماد مبدأ إرسال المذكرات والخطابات حول المواضيبع المُثارة في إطار العلاقات بين البلدين وتوجيهها للشخصيات والمراكز والدوائر التي ستعد الخارجية السودانية قوائم لها بالتنسيق مع السفارة في واشنطن .

* متابعة إنجاز المُقترح الذي رفعته إدارة أمريكا الشمالية بالخارجية السودانية والمُتعلق بتشكيل فريق بحثي  يتولي إعداد الرسائل والمذكرات المُشار إليها آنفاً بعد جمع مادتها بالتعاون مع جهات ذات صلة .

أما الهدف الثاني فهو تنويع الخطاب السوداني المُوجه للولايات المتحدة وذلك من خلال العمل علي إيجاد قاعدة للتحركات غير الحكومية وأجهزة الضغط غير الحكومية في الولايات المتحدة عبر الإتصالات الموضوعية ضمن إهتمامات هذه الدوائر وهو مُقترح كانت قدمته إدارة أمريكا الشمالية بالخارجية السودانية .

لابد من الإعتراف بأن الولايات المتحدة مع أو بدون الصراع في جنوب السودان كانت في حاجة للحوار مع الخرطوم التي لم تكن بأقل منها إحتياج لذلك وإن من زاويا أخري إلا أن القاسم المُشترك كان الحاجة المتبادلة بينهما للحوار خاصة وأن الولايات المتحدة من وجهة نظر عملية لم تكن وفي أغلب الأوقات في حاجة للصراع مع الإسلام وربما عبر عن ذلك اوضح تعبير مساعد وزير الخارجية الأمريكي لشئون الشرق الأوسط  في ندوة عن الإنبعاث الإسلامي في الشرق الأوسط في 26 مايو 1994 عندما قال ما نصه ” نحن كحكومة لا خلاف لنا مع الإسلام , إننا نحترمه كأحد الأديان الكبري في العالم وكحركة تحضر عظيمة , إلا أن قيمنا الإجتماعية ومصالحنا القومية تدعونا للإختلاف مع سمات معينة للإنبعاث الإسلامي أو تأكيدها ” , وهو كلام نصفه عظيم لا ينطق بها الحكام المأفونين بالشرق الأوسط , وهذا الكلام نفسه هو المقدمة التي إنطلقت منها العلاقات السودانية / الأمريكية بعد زوال صراع جنوب السودان والإعلان عن دولة جنوب السودان في 9 يوليو 2011 إذ لم يعد هناك ضرورة تضطر الأمريكيين لوصم السودان بتهم  الإرهاب من أجل الإسهام في إضعاف موقف السودان السياسي والعسكري بغية حل الصراع في الجنوب , ومن ثم فقد إنطلقت الخرطوم وواشنطن إلي الإنتقال إلي مرحلة التطبيع الحقيقي للعلاقات الثنائية وفي مجالات مختلفة .

تُوجت المرحلة الجديدة للعلاقات الأمريكية السودانية التي بدأت بعد توقيع الحكومة السودانية والتمرد علي إتفاقية السلام الشامل في السودان وأدت إلي إنفصال الجنوب , بالقرار الذي إتخذه الرئيس السابق Barack Obama في 13 يناير 2017 قبل مغادرته السلطة والذي بموجبه ألغي أمرين تنفيذيين تضمنا فرض عقوبات وقيود إقتصادية علي السودان في مجال الصناعات البترولية والبتروكيماوية وفي مجال التجارة , وقد بررت الإدارة الأمريكية هذا القرار بأنه ” بسبب الخطوات الإيجابية التي إتخذتها حكومة السودان علي مدي أشهر عدة ماضية  وتستهدف الحكومة الأمريكية من ذلك تحفيز حكومة السودان علي الإستمرار في تحسين سجلها ” كان من بين نتائجها ونتائج باقي العقوبات الوخيمة وفقاً لتصريح  لوزير المالية والتخطيط الإقتصادي السوداني نُشر  في 27 مايو 2017 قال فيه إن السودان خسر نحو 45 بليون دولار بسبب العقوبات الأمريكية علي السودان التي فُرضت عام 1997 عندما وُضع السودان علي لائحة الدول الراعية للإرهاب وجري تجديدها بسبب الوضع في الجنوب ” قبل الإنفصال” ثم بسبب الأوضاع في دارفور والنيل الأزرق وجنوب كردفان والنزاع مع جنوب السودان علي منطقة Abyei الغنية بالبترول , ومع ذلك فقد أصدر الرئيس الأمريكي الجديد Donald Trump في 27 يناير 2017 أمراً تنفيذياً يقضي بحظر الزائرين السودانيين للولايات المتحدة , وعلق وزير خارجية السودان علي ذلك ” بالأسف لأن هذا القرار أتخذ في وقت بدأ فيه التعاون بين البلدين ورُفعت فيه العقوبات من علي السودان , ونحن سوف ننتظر حتي الفترة المُشار إليها في هذا الأمر ونري ما هو بعد ذلك وسنتصرف وفقاً لذلك ” وأشار في تصريح له من أديس أبابا نشرته Bloomberg في 30 يناير 2017  إلي أن ” الأامريكيين يعرفون أننا لا نأوي أي معارضة لأي بلد آخر بما فيها جنوب السودان , وهم يعرفون أيضاً أن الحكومة تتفاوض مع التمرد من أجل السلام ” , ومما يُلاحظ أن وزير خارجية السودان كشف عن أن قرار الرفع الجزئي للعقوبات الأمريكية علي السودان سبقته مباحثات ثنائية لستة أشهر تناولت عمليات مواجهة الإرهاب والجهود الإقليمية لمواجهة تمرد حركة جيش الرب في أوغندا والعنف في غربي السودان بدارفور والقلاقل في جنوب السودان والأهم هو كشفه عن توجه رسميين أمريكيين لمنطقة الحدود السودانية / الليبية المواجهة للعوينات التي تمركزت فيها وحدة من القوات المسلحة المصرية بعد حادث ألمنيا الإرهابي والذي وقع إثره أكثر من ثلاثين ضحية من أقباط مصر  لقطع الطريق أمام تسرب الإرهابيين إلي مصر من هذه المنطقة الممتدة مع حدود مصر مع ليبيا والسودان ويري المدير الأسبق لوحدة المخابرات المضادة بالسودان أن التعزيزات العسكرية المصرية بحدود السودان الشمالية الغربية القصد منها لفت الانتباه الدولي بأن هنالك حلقات للإرهاب على الحدود مع السودان ما يشي برغبة مصرية لعرقلة جهود الحكومة السودانية نحو رفع العقوبات الأمريكية في يوليو القادم , مُطالباً السلطات الأمنية السودانية بانتهاج سياسة ضبط النفس للتعاطي مع هذه القضية , وأكد بأن ما يحدث من قبل الأجهزة الأمنية المصرية حيال السودان، يعد بمثابة مخطط مقصود النوايا للحيلولة دون فلاح السودان في تحقيق المطلوبات الأمريكية المذكورة، لأنهاء أزمة الحصار الاقتصادي المفروض عليه  .

الأمر المهم في تطور العلاقات السودانية / الامريكية هو نمو التعاون المخابراتي في مجال مكافحة الإرهاب والسودان وبدعم أمريكي يقدم نفسه الآن كمكافح للإرهاب والإتجار في البشر والهجرة غير المشروعة وهي مواضيع تم التفاهم بشأنها بين حكومة السودان والحكومة الإيطالية وصندوق الطوارئ التابع للإتحاد الأوروبي لأفريقيا , ومن الواضح أن الإتجاه السائد في العلاقات السودانية الأمريكية هو الوصول بها إلي المستوي الطبيعي لها , ولذلك صرح إبراهيم محمود حامد مساعد رئيس الجمهورية السوداني بإن السودان قد استوفى كل شروط رفع العقوبات الاقتصادية الأمريكية المفروضة عليه , وأن تقاريرCIA  في السنوات الخمس الماضية كدت تعاون الحكومة في مجال مكافحة الإرهاب , وبطبيعة الحال فوفقاً لما يراه الأمريكيين حالياً من نظافة سجل السودان في قضية الإرهاب ونظراً لكون كل دول منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا تتبني المعايير الأمريكية فيما يتعلق بهذه القضية فلن يكون من المنطقي أن يدعي أحد حلفاء الولايات المتحدة هاتين المنطقتين علي الأقل , ومن ثم فقد أدي القرار الأمريكي برفه العقوبات جزئياً عن السودان والتعاون الثنائي  في قضية الإرهاب خاصة وأن للسودان موقع جغرافي بين منطقتين تعتقد الولايات المتحدة وحلفاءها بأهميتهما في الحرب علي الإرهاب وهما منطقتي شرق أفريقيا والشرق الاوسط , بمعني أنه لم يتبق غير المنفذ الليبي للحديث بشأنه عن تسرب الإرهاب منه إلي مصر وفي ليبيا هناك أكثر من قوة تتنازع السلطة مع أخري ومن ثم فقبل توجيه الإتهام لقوة ليبية معينة فإن الأكثر منطقية إحالة الإتهام بشأن توطن الأإرهاب في ليبيا علي الضعف الليبي في مكافحة الإرهاب بالنظر إلي توزع القوي الليبية وتشرذمها , ولهذا فإن المُشير الكرتوني خليفة حفتر ونظراً لموقع تمركز قواته بقرب الحدود المصرية / الليبية عليه أن يتحمل جزء من الإتهام بشأن إنسياب عناصر إرهابية من ليبيا إلي مصر وتحديداً إلمنيا بصعيد مصر التي هاجمها إرهابيون مؤخراً قيل أن معسكرات تدريبهم وقواعدهم في درنة الليبية وهو ما يجعلنا نعجب بقدرتهم علي الحركة في خطوط إمداد طويلة لا يستطيع جيش تحمل عبورها بآلياته الحديثة .

إن إحراز السودان لإختراق في علاقاتها بالولايات المتحدة لا يعبر – في تقديري – إلا عن رغبة أمريكية / سودانية مُشتركة وكل لديه من وراءها أسباب كامنة يمكن إستنتاج بعضها فالولايات المتحدة تسعي لتكوين حلف إسلامي أو شرق أوسطي أحد مسارحه البحر الأحمر وهي لذلك ونظراً لكون السودان أحد الدول المُطلة عليه ولعضويتها في التحالف العربي في اليمن لا تريد أن تترك السودان بعيدة عن هذه الترتيبات التي تريدها واشنطن مُكتملة قدر الإمكان خاصة وأن العلاقات السودانية / السعودية تمتاز بقدر عال من التنسيق , كما أنه وبتطبيع العلاقات الأمريكية مع السودان يكون الهلال الأمريكي في شرق أفريقيا قد إكتمل هو الآخر ليغطي الصومال وجيبوتي وإثيوبيا وكينيا وتنزانيا ( وجنوب السودان مع إيقاف التنفيذ ريثما تنتهي الحرب الأهلية هناك) وبالتالي يمكن للقيادة العسكرية الأمريكية لأفريقياAFRICOM  أن تتحرك في مجال حر خال من التعقيدات السياسية , وتأكد ذلك عندما أعلنت الخرطوم في 17 أبريل 2017 عن تلقي القوات المسلحة السودانية دعوة من القيادة العسكرية الأمريكية لأفريقيا AFRICOM    للمشاركة لأول مرة في إجتماع عسكري للدول الأفريقية علي مستوي رؤساء هيئات الجيوش في مقر القيادة في Stuttgart  بألمانيا , ونقلت صحيفة Sudan Tribune في 17 أبريل 2017 عن الناطق باسم القوات المُسلحة السودانية قوله ” إن مشاركة السودان في هذا الإجتماع دالة علي الإنتقال من العقوبات إلي التعاون في قضايا تشكل إلتزاماً معنوياً لدي السودان لمكافحة الجريمة العابرة للحدود مثل جريمة الإرهاب والهجرة غير المشروعة ودعم الحركات السلبية والتجارة غير المشروعة في السلاح وغسيل الأموال ” , وأضاف ” أن مشاركة السودان في هذا الإجتماع تعني إختراقاً في العلاقات مع الولايات المتحدة وخطوة تؤدي لرفع اسم السودان من علي قائمة الدول الداعمة للإرهاب ورفع العقوبات الإقتصادية والتجارية تماماً ” , ويجدر بالذكر إتصالاً بالتعاون العسكري المُرتقب بين البلدين أن الدولتين عينتا مؤخراً ملحقيين عسكريين بواشنطن والخرطوم بعد إنقطاع دام لثلاثين عاماً مما يُؤكد أن الخرطوم مُقبلة علي تعاون مُكثف مع الولايات المتحدة ربما يتساوي مع مستوي تعاونها في هذا المجال مع مصر , خاصة مع إستمرار الحرب الأهلية في جنوب السودان ورؤية الولايات المتحدة للأهمية القصوي للدور السوداني في حسمه لدرجة أن الولايات المتحدة وضعت هذا الدور كأحد متطلبات قرارها برفع العقوبات نهائياً عن السودان  في يوليو 2017 , كما أن السودان بعد تسوية القضية الدارفورية سيكون مُقبلً في أغلب التقديرات علي تدفقات إستثمارية أمريكية في دارفور التي تختزن أراضيها بترول ويورانيوم , أما السودان فسيحقق المتانة والحصانة لشبكة علاقاته الدولية – وتتابع الصين الشريك الإقتصادي الرئيسي للسودان هذا التطور عن كثب وبقلق – إذ أن تطبيع العلاقات مع الولايات المتحدة سيؤثر من عدة إتجاهات علي الإقتصاد السوداني ليس فقط رفع العقوبات الأمريكية بل وتحقيق تنويع لشركاء السودان الإقتصاديين ومن شأن ذلك أن يحسن من شروط التعاقدات الإستثمارية لاحقاً , كما أن إنفتاح العلاقات العسكرية سيُكسب العسكرية السودانية بعداً شديد الأهمية تعمق من خلاله أهميتها الجيو/سياسية خاصة علي صعيد دورها المُرتقب في القيادة العسكرية الأمريكية لافريقيا AFRICOM والذي من المحتمل مع غلبة العسكريين في نظام الحكم القائم بالسودان أن يكون هو القاطرة لمجمل العلاقات الثنائية , ويُضاف إلي ذلك أن التعاون العسكري السوداني / الأمريكي في إطار AFRICOM قد يُري علي أنه ميزة نسبية للسودان بالمقارنة بوضعية مصر العسكرية للولايات المتحدة التي لم تدرج مصر في نطاق ولاية قيادتها العسكرية لافريقيا , وهو ما أزعج العسكريين المصريين لدرجة أن أحد برقيات السفارة الأمريكية بالقاهرة والمُسربة بواسطة WikiLeaks وهي عبارة عن برقية سرية مؤرخة في 11 مارس 2008 من القاهرة إلي وزير الدفاع الامريكي وصورة مُوزعة علي القيادة العسكرية المركزية بشأن لقاء الجنرال  William Wardقائد القيادة العسكرية الأمريكية لأفريقيا AFRICOM مع رئيس الأركان المصري وبعض كبار القادة العسكريين المصريين بمقر وزارة الدفاع المصرية في 17 فبراير 2008 مساحة كبيرة من النقاش المصري / الأمريكي حول موضع مصر في الرؤية العسكرية الأمريكية فقد أوضح القائد الأمريكي للمسئوليين العسكريين المصريين أنه جاء للقاهرة طالباً النصح منهم في شأن أفضل السبل التي يمكن للقيادة العسكرية الأمريكية لأفريقيا وهي في طور الإعداد للعمل أن تسلكها في شأن ذلك , كما أوضح أن مصر هي الجسر بين افريقيا والشرق الاوسط , وأكد أن وزارة الدفاع الأمريكية ليست لديها النية بأي شكل في تعطيل علاقة مصر المفتاحية مع القيادة العسكرية المركزية USCENTCOM وأن نية القيادة العسكرية لأفريقيا كانت في العمل مع مصر بكل دقة في الموضوعات المُتعلقة بأفريقيا موضحاً أن أن هذه الرؤية تعني العمل مع الدول الأفريقية مثل مصر للترويج للسلام والإستقرار في القارة وأن ذلك لن يحدث بين ليلة وضحاها , ورد رئيس الأركان المصري علي ما تقدم بقوله أن مصر تدعم هذا النهج وأنه من المهم جداً للولايات المتحدةألا تتصرف بإعتبارها ” شرطي” وهو ما رد عليه الجنرال Ward بالإيجاب موضحاً أن بلاده ستعمل فقط مع الدول التي تطلب المساعدة , فأمن الجنرال سامي عنان علي ذلك مضيفاً أن مصر بإمكانها أن تستخدم علاقاتها الممتازة مع الدول الأفريقية والولايات المتحدة لدعم القيادة العسكرية الأمريكية لأفريقيا طالما أن الولايات المتحدة تسعي للإستقرار , وكانت أهم مداخلات الجانب المصري في لقاء تال لقائد القيادة العسكرية الأمريكية لأفريقية هي التي أدلي بها اللواء العصار حين قال ما نصه ” أنه سيكون من الخطأ أن تُري مصر علي أنها دولة شرق أوسطية تنتمي فقط للقيادة المركزية USCENTCOM , وأنه من المهم رؤية مصر علي أنها أفريقية أيضاً ( دلل الجانب المصري علي ذلك بإسهام مصر بنحو ألف من جنودها وضباطها في مهام حفظ السلام الأممية في أفريقيا وهي مساهمة نجد دول مثل كندا واليابان و غيرهما تسهم بها ) , وهو ما أتفق فيه الجنرال Ward مُعيداً تأكيده في نفس الوقت لأهمية الحفاظ علي العلاقة المصيرية مع القيادة المركزية USCENTCOM , ومع ذلك أشار الجنرال / Ward إلي أنهم في تعاملهم مع الدول الأفريقية الأخري سيكون لدي قيادته الأمل في أن مصر ستعلب دوراً قيادياً (وهوالكلام الذي يحب بعض المسئولين المصريون سماعه) كما تفعله في الشرق الاوسط , وأشارت وكيلة وزارة الدفاع الأمريكية للسياسات السيدة / Theresa Whelan إلي ما نصه ” إن تأكيد الهوية الافريقية لمصر يمكن ان يساعد ايضاً مصر في البحث عن تحسين صورتها هناك ” *( وهي إشارة غير مباشرة بالطبع لإشعار الجانب المصري بمبالغته في الإحساس أو محاولته تمرير إنطباع غير دقيق عن أهمية العلاقات الأفريقية لمصر لأن لا الإهتمام السياسي لمصر ولا قدراتها الإقتصادية حالياً يتيحان لها تحقيق ذلك والأمريكيون يعرفون بل يدركون ذلك , كما أن المسئولة الأمريكية تصدر مفهوم تصحيحي للمسئولين المصريين مفاده أن صورة مصر بأفريقيا ليست كما يظنون فهي كما حاولت أنأ شخصياً توضيحها مرات متعددة للقاهرة أن الأفارقة علي مستوي النخب الفاعلة سياسياً يعتقدون تماماً أن مصر تنظر شمالاً لا جنوباً وأنها تضع يافطة علي أبوابها تقول أن عنوانها بأفريقيا لكنها للأسف تقضي كل وقتها خارجها وقلما تعود) , والغريب في الأمر أن اللواء العصار يبدو أنه لم يفهم العبارة بعمقها ذاك لأنه وجه لها الكلام وقال أنه يتفق معها فيما قالته مُضيفاً قوله في شأن آخر ” إن التصرف الذي صدر عن الكونجرس مؤخراً بوضع شروط علي المساعدة لمصر يضرها ” .

جماع القول في هذه النقطة أن تقدم العلاقات الأمريكية / السودانية طالما بقي مستوي العلاقات المصرية / السودانية متردياً لن يكون في مصلحة لا الأمن القومي المصري / السوداني بصيغته التبادلية التي أفلت أو كادت , ولا في مصلحة الوضعية المتميزة للعسكرية المصرية في منطقتي الشرق الأوسط و / أو القرن الأفريقي التي وضعت لها العسكرية   مفهوماً إستراتيجياً ملخصه أن تمثل الإتجاه الإستراتيجي الجنوبي من خلال إنشاء أسطول بحري متكامل الأسلحة (غواصات / حاملة طائرات / سرب رافال) وربما كان ذلك علي حساب أو إضعاف للإتجاه الإستراتيجي المصر المنتج المثمر ألا وهو إتجاه نهر النيل لتأمين الأمن المائي المصر الذي أصبح في حدقة الخطر , فنمو العلاقات العسكرية الأمريكية مع السودان سيكون مُفيداً ومنتجاً خاصة مع توفر علاقات قوية ومتداخلة بين السودان وإقليم شرق أفريقيا الممتد حتي البحيرات العظمي وحوض النيل ويثبت ذلك وضعية الدولة الأصلية Core Country Status التي حازت عليها السودان في المؤتمر الدولي للأمن والسلام في البحيرات العظمي , فيما لم تحظ مصر إلا بوضعية الدولة المُتبنية Co-opted Country فسياسة مصر الأفريقية الخاملة المتآكلة منذ 37 عاماً تحتاج إلي عقليات ثورية / مصرية أصيلة وقبل ذلك تمويل وخطط وإدارة رشيدة حتي يمكن إستعادة مكانتها الجديرة بها في أفريقيا وهو أمر غير محتمل في المدي المنظور .

(6) الضغط الإقتصادي السوداني علي مصر :

مبدئياً فإن الموقف السوداني المُؤيد لإثيوبيا في بناءها لسد النهضة الذي من المُرجح فيما لو تم إنجازه بالمواصفات الفنية اليت لا توافق عليها مصر من شأنه أن يؤثر علي المدي المتوسط والبعيد علي كفاءة الزراعة في مصر ومن ثم فسيُؤثر علي الإقتصاد المصري , لكننا نري اليوم ضغطاً موضعياً سودانياً في الأجل القصير , فقد أتخذت حكومة السودان – في ظل العلاقات العدائية المُتبادلة – قراراُ بحظر إستيراد الخضروات والفواكه المصرية , صحيح أن السعودية والكويت والإمارات إتخذت قراراً مماثلاً سابقاً للقرار السوداني , إلا أن للقرار السوداني بعض المرارة     علي رجال الأعمال المصريون الذي كانوا يعتقدون ولوقت طويل أن السودان إمتدادهم الطبيعي تجارياً ونفسياً(لا مقياس محدد للمعيار النفسي) , وربما يؤكد ذلك ما أوضحه تقرير مكتب التمثيل التجاري المصري بالخرطوم في يونيو 2016الذي من بين ما أشار إليه أن العلاقات الاقتصادية المصرية السودانية شهدت ارتفاعا في حجم التجارة البينية بين مصر والسودان آخر عامين بصورة كبيرة حيث ارتفع فائض الميزان التجاري لصالح مصر من 280 مليون دولار في 2014 إلى 498 مليونا عام 2015 بنسبة نمو 77% , وأن مرجع أن ذلك تحقيق طفرة في الصادرات المصرية للسودان من 393 مليون دولار عام 2014 إلى 516 مليونا العام الماضي بنسبة نمو 31% ، وأشار التقرير إلي  تراجع واردات مصر من السودان من 113 مليونا عام 2014 وهو أعلى رقم للواردات السودانية في السنوات السبع الأخيرة إلى 18 مليونا فقط العام الماضي وهو ادني معدل لها منذ عام 2009 , كما أرجع التقرير عدم تطور التجارة بين البلدين الأعضاء باتفاقيتي الكوميسا وتيسير التجارة العربية إلي عدم تطبيق السودان للاتفاقيتين بصورة كاملة خاصة الكوميسا التي يمر علي انضمام السودان لها الشهر الماضي خمس عشر عاما (انضمت في 23 مايو  2001)، حيث تفرض الخرطوم رسوما جمركية علي قائمة من السلع يبلغ عددها بالنسبة لمصر نحو 52 مجموعة سلعية كما تتخذ الخرطوم أحيانا إجراءات أحادية بحظر دخول بعض السلع المصرية مثل السلع الغذائية والأجهزة المنزلية بدعوي أنها غير مطابقة لشرط القيمة المضافة الذي يُوجب  بألا تقل نسبة المكون المحلي بالسلع المتبادلة عن نسبة 45% , كما أشار التقرير إلي أن هناك عوائق تحول دون التطور التجاري ثنائياً منها عدم تفعيل السودان لاتفاق الاعتراف المتبادل بقواعد المنشأ والمواصفات القياسية مما يؤدي لحرمان بعض الصادرات المصرية من التمتع بإعفاءات اتفاقيات تحرير التجارة, كما أن هناك مشاكل في الجمارك السودانية وتحويلات العملة وارتفاع تكلفة الشحن والنقل عمل الجانب المصري على حلها والتغلب عليه بالتعاون مع الحكومة السودانية .

من جهة أخري وإتصالاً بذلك فلم تطبق مصر ولا السودان حتي يومنا هذا إتفاق الحريات الأربع (حرية التنقل وحرية الإقامة وحرية العمل وحرية التملك) الذي مضي علي توقيعه 12 عاما , لأسباب عديدة منها تخوف مصر من تدفق لائي دارفور وجنوب السودان إليها وإختلاف صيغ الملكية في مصر والسودان ففيما الملكية مُطلقة في مصر فهي وفقاً لنظام الحكر في السودان ألخ , لكن القرار السوداني يفاقم من الأزمة الإقتصادية في مصر إذ أن السوق السوداني هو أقرب الأسواق لمصر ويعتبر من جهة اذواق المستهلك ورغباته الأقرب للمزاج المصري وخسارة هذا السوق تعد ضربة مُوجعة لمصر , فقد أكد مصدرون مصريون أن قرار الحظر السوداني سيؤدي إلى خفض صادرات السلع الزراعية المصرية كما أنه سينعكس سلباً على إيرادات الصادرات بشكل عام مما يتسبب في تقليص موارد النقد الأجنبي لمصر وهي مُتراجعة قبل هذا القرار الذي أستند السودان فيه إلي حقائق موضوعية مثل انتشار ظاهرة ري المحاصيل الزراعية والخضروات والفاكهة بصفة خاصة بمصر بمياه الصرف الصحي , وغياب الرقابة على استخدام المبيدات ونقص معامل متبقيات المبيدات وهو نفس ما أستندت إليه المملكة السعودية والإمارات العربية والكويت , مما سيُؤثر سلباً على صادرات المنتجات الزراعية المصرية للأسواق العربية بصفة عامة والسودانية تحديدا فقد أشار رئيس المجلس التصديري للحاصلات الزراعية بمصرعقب القرار أنه سُيؤثر سلباً على سمعة الصادرات المصرية في الأسواق الخارجية بل قد يدفع بعض الدول الأجنبية عموماً والعربية الأخري خصوصاً لاتخاذ إجراءات متشددة إزاء المنتجات المصدرة من جانب الشركات المصرية مما يؤثر سلبا على صادرات السلع الغذائية وتوقع هبوط إجمالي الصادرات الزراعية المصرية بنسبة تتراوح ما بين 2% إلى 4% تأثراً بالحظر السوداني , ومن المعلوم أن الدول العربية تستحوذ على النصيب الأكبر من صادرات المنتجات الزراعية ، وهذه الدول بدأت في تطبيق معايير سلامة الغذاء وفقا للمواصفات الأوروبية بعد أن كانت لا تهتم بهذا المجال .

لم يكن للقرار السوداني الذي أصدره رئيس الوزراء السوداني بكري حسن صالح في 30 مايو 2017 ويقضي بحظر إستيراد المنتجات الزراعية من مصر علاقة بمعايير فنية فقط كما أعلن ذلك الناطق باسم الخارجية المصرية , بل إنه أيضاً كان مرتبطاً بصفة مباشرة بالإتهامات التي وجهها الرئيس البشير لمصر بتورط مخابراتها في دعم شخصيات من المعارضة تقاتل قوات الحكومة السودانية في دارفور وقوله أن الجيش السوداني صادر مركبات مدرعة مصرية في القتال الأخير بدارفوري في 20 مايو 2017 بدارفور ضد التمرد الدارفوري المُسلح القادم من ليبيا وجنوب السودان , وبالرغم من أن القرار جاء بعد إعلان السودان عن تورط مصري في دعم هجوم فاشل لفصيل من متمردي دارفور , إلا أن القرار في حد ذاته – من وجهة نظر سودانية – يترجم يقين المؤسستين الأمنية والعسكرية السودانية بأن مصر تدعم تمرد دارفور وتستهدف تصعيد وتيرته لإعاقة تقدم العلاقات الأمريكية / السودانية وكذلك لإنهاك وتشتيت جهود هاتين المؤسستين .

قام وزير الخارجية السوداني للقاهرة في 3 يونيو 2017 تمت بعد تأجيل , وصرح عقب لقاءه بالرئيس المصري” بأنه من الصعب علي بلد مثل السودان له حدود طويلة (1200كم) مع مصر أن يضبط كل شيئ يمر عبرها , لكن الجهود المُشتركة مع جيران السودان بُذلت لمنع تسرب الإرهابيين ” ودعا ” مصر لتكوين لجنة مشتركة كتلك التي بين بلاده وإثيوبيا بمنطقة القضارف الحدودية الزراعية وتلك التي بينها وبين  تشاد ”  , ومن جانبه دعا وزير الخارجية المصري إلي ” فتح صفحة جديدة في العلاقات الثقافية والإقتصادية والأمنية ” وأكد علي أن لا مصلحة لمصر في الإضرار بالسودان وأن السودان القوي مصلحة مصرية والعكس صحيح .  لكن من الصعب التكهن بأن الصفحة الجديدة وهو تعبير أستخدم علي مدي الخمس وثلاثين عاماً الماضية بالتبادل بين مسئولي البلدين , يمكن أن تفتح قبل تسوية ما سُجل في الصفحات السابقة , وفي تقديري أن ما تبقي من صبر لدي الجانبين لا يكفي لإنتظار فتح الصفحة الجديدة لأنها عملية صعبة تستلزم وقتاً وجهدا كبيراً وقبل ذلك إرادة سياسية ماضية .

(7) إتساع شبكة العلاقات السودانية إقليمياً :

إن تسوية ملف دارفور باتت قاب قوسين أو أدني وهذا سيعني أن السودان بإمكانه أن يستهلك الجزء الذي كان مُستنزفاً من طاقته السياسية والعسكرية في تنمية أكبر لشبكة علاقاته الإقليمية و مع دول الجوار المباشر علي نحو خاص , وهو ما سيجعل الرقم السوداني في السياسات الأفريقية كبيراً وداخلاً في المعادلات الكبيرة , وإسرائيل تعي ذلك وتراقبه عن كثب فللسودان حتي مع العقوبات الأمريكية والضغوط التي شكلها ملف الصراع في الجنوب حرباً وتفاوضاً وسلاماً كانت له علاقة متميزة مع دول أفريقية مؤثرة كنيجيريا وجنوب أفريقيا , ومن المتصور أن لدي الخارجية السودانية مخطط جديد مُؤسس علي قاعدة التحرر من العقوبات الأمريكية التي طالما عرقلت تقدم السودان في بناء شبكة علاقات خارجية مُستقرة وقوية ليس فقط في محيطها بل عالمياً .

هذه الأدلة تشير إلي أن الطريق الذي تتحرك بإتجاهه العلاقات المصرية / السودانية هو طريق العداء المُستحكم وهذا الطريق من الممكن أن يؤدي إلي ما هو أكثر خطورة من إتهام الرئيس السوداني لمصر بالتورط في دعم تمرد دارفور , فمعظم قرارات مصر بشأن السودان بدءاً بتوقيعها هي وبريطانيا بالقاهرة في 12 فبراير 1953 علي إتفاق الحكم الذاتي للسودان وللآن كانت قرارات خاطئة ومُدمرة , بل أحياناً ما كانت مصر تلجأ لما هو أسوأ هو أن لا تقرر شيئاً فوزير خارجية السودان عام 1997 وفي ذروة الصراع العسكري مع التمرد الجنوبي والضغط الأمريكي من خلال الوكلاء التابعين للولايات المتحدة بشرق أفريقيا , إستغاثت رسمياً بمصر لتنقذ السودان من خطر إنفصال الجنوب إلا أن مصر / مبارك إلتزمت صمتاً مُطبقاً …. لم يخطئ الرئيس البشير وهو يقول لقد ساندنا مصر في حروبها مع إسرائيل ولم تسعفنا بالسلاح والذخيرة , وإذا بالسودان يتحول رغم كل هذا لعدو ويتحول عدونا الحقيقي  مُغتصب فلسطين إلي صديق , وصدق الله تعالي إذ قال ” ألا ساء ما يحكمون ” .

الــســفــيــر بـــلال الــمــصــري– سـفـيـر مصر السابق لدي ألأنجولا وساوتومي والنيجر

  • المركز الديمقراطي العربي – القاهرة . تحريراً في 6 يونيو 2017
أضف تعليقك أو رأيك
الوسوم

المركز الديمقراطى العربى

المركز الديمقراطي العربي مؤسسة مستقلة تعمل فى اطار البحث العلمى والتحليلى فى القضايا الاستراتيجية والسياسية والاقتصادية، ويهدف بشكل اساسى الى دراسة القضايا العربية وانماط التفاعل بين الدول العربية حكومات وشعوبا ومنظمات غير حكومية.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق
إغلاق