fbpx
الشرق الأوسطتحليلاتعاجل

تحجيم قطر: نظرية قطع رأس الأفعى

اعداد : عبدالحق الصنايبي – متخصص في الدراسات الاستراتيجية والأمنية
متخصص في تاريخ جماعة الإخوان المسلمين

 

  • المركز الديمقراطي العربي

 

يقول منظر الحرب الجنرال الصيني سان تزو: “إن المبدأ الذي ينبغي اتباعه في الحروب هو تجنب نقاط القوة، والضرب على نقاط الضعف”.

إن الحديث عن دعم قطر للعديد من التنظيمات الإرهابية أو رعايتها لجماعة الإخوان المسلمين سياسيا وإعلاميا وماليا، لم يعد معطى يحتاج إلى دلائل وقرائن مادام أن حتى المعنية الأولى بهاته الاتهامات لا تحاول دفعها أو إنكارها إلا على استحياء وبغير كثير من الاندفاع.

ويبدو أن قطر ورغم توقيعها مع دول المنطقة برعاية الولايات المتحدة الأمريكية على وثيقة جدة في منتصف سبتمبر 2014، والتي تعهد من خلالها الجميع على مضاعفة الجهود من أجل وقف تمويل الإرهاب، وعدم التساهل مع عمليات جمع الأموال للتنظيمات الإرهابية والمتطرفة، وتقديم المسؤولين عن ذلك للعدالة، إلا أن قطر تعاملت مع هذه المعاهدات والالتزامات بمنطق ميكيافيلي صرف من خلال اعتماده على مبدأ كون “الاتفاقيات تبقى غير ملزمة للدول إلا ما دامت تخدم مصالحها الحيوية وأهدافها الاستراتيجية” كما صرح بذلك نيقولا مكيافيل في كتابه الشهير “الأمير”.

إن الحديث عن الاستراتيجية الأمنية التي تتبناها كل من الإمارات العربية المتحدة والمملكة العربية السعودية ومصر في مواجهة التوجهات السياسية والأمنية لإمارة قطر والتي، وبدون شك، لا يمكن النظر إليها باعتبارها اختيارات بريئة حتى من طرف من يرونها بعيون باردة، إلا أنها، نظريا على الأقل، على المستوى المتوسط والقريب، لا تدخل في نطاق التخطيط الاستراتيجي لهاته الدول على اعتبار أن الاستراتيجية تتجاوز في تحليلاتها وقراءاتها الظرفية الآنية أو المستقبل القريب، وإنما تحاول (أي الاستراتيجية) أن ترسم خارطة الطريق المستقبلية وإمداد صانع القرار بالإطار المرجعي المشترك لصناعة وتقويم السياسات والاستراتيجيات المناسبة وإيصالها إلى  أولئك المنوط بهم التنفيذ.

في هذا السياق، فإننا نتحدث عن إجراءات تدخل في إطار التخطيط أو التكتيك الأمني لمواجهة مخطط إمارة قطر، والذي يبدو أنه وصل إلى مستوى من الاستفزاز السياسي والأمني الذي لا يمكن السكوت عنه. وهنا يجب أن نوضح بأن التخطيط الأمني يختلف في جوهره عن الاستراتيجية التي تسعى، أساسا، للتأثير في البيئة المستقبلية وصياغتها، بدلا من الاكتفاء بردود الفعل عليها. كما أن الاستراتيجية ليست وسيلة لإدارة الأزمات، بل هي وإلى حد كبير نقيض إدارة الأزمات كما يعبر عن ذلك المنظر الاستراتيجي هاري يارغر في كتابه المرجعي “الاستراتيجية ومحترفو الأمن القومي”.

لقد توفرت القناعة السياسية والأمنية عند كل من الإمارات العربية المتحدة والمملكة العربية السعودية ومصر والبحرين، على أن مواجهة إمارة قطر لا يمكن أن تتم عبر فتح جبهات جانبية ومتفرقة تسمح لقطر بالتحكم في اختيار أرض المعركة وأساليب المواجهة. وهنا يمكن القول بأن قطر نجحت، نسبيا، في نقل المواجهة، أو على الأقل تشتيتها، من مركز الثقل حيث يجب أن تكون (بالمعنى الكلاوزفيتي للمصطلح) وهو قطر، إلى مناطق مختلفة وبؤر متنقلة كمصر وسوريا والعراق وليبيا واليمن والبحرين. وهو تكتيك معروف ومستمد من الأدبيات الإخوانية واستراتيجية التنظيمات الإرهابية في المواجهة مع الأنظمة العربية والإسلامية. هذه الاستراتيجية في المواجهة تعتمد أساساً على توسيع دائرة المواجهة وتشتيت قوى “العدو” (بتعبير هذه التنظيمات الإرهابية) ومواجهته على مساحات جغرافية واسعة من أجل تجنب تركيز الضربات عليها.

هذا التكتيك الذي تعتمده قطر في محاولاتها اليائسة استنزاف وإنهاك الدول المركزية في المنطقة، عرف دعما قويا ومشبوها من طرف مجموعة من اللوبيات التي تنشط بالمنطقة وخصوصا لوبي البترول وتجارة السلاح، بالإضافة إلى توافقه وتواطئه مع أجندة بعض الدول التي ترى في قطر إحدى المرتكزات الاستراتيجية للتمدد في المنطقة وخصوصا النظام الصفوي الإيراني.

ومن خلال استقراءنا للبيئة الاستراتيجية في منطقة الخليج، وعلى ضوء المعطيات والقرائن المتوفرة، يمكن أن نقول أن الدول التي اختارت التصعيد ضد قطر، تبنت المنطق الكلاوزفيتي في المواجهة والذي يرتكز على قاعدة أساسية تروم “تجنب المناورة الاستراتيجية وحشد أقصى قدرة من القوة في النقطة الحاسمة “لتدمير قوة العدو الرئيسية” في المعركة، وإدارة العمليات بالشكل الذي يوقع أكبر قدر ممكن من الخسائر بالعدو وإجباره على استخدام احتياطاته بطريقة ومعدلات أسرع مما يريد، ورفض التوقف بعناد عن مواصلة الضغط على العدو بسبب جسامة الخسائر”. الكلام هنا لكلاوزفيتز (من كتاب عن الحرب ص 61).

ويبدو من خلال متابعتنا لمواقف الإمارات العربية المتحدة والمملكة العربية السعودية ومصر أنها تعي جيدا طبيعة أهدافها الاستراتيجية  وغاياتها السياسية، كما أنها على اطلاع جيد على أجندة الأهداف المسطرة من طرف قطر، بالإضافة إلى اطلاعها الكافي بمواقف الدول الأخرى المعنية بالصراع في المنطقة، وقامت بتقويم التعاطف السياسي لشعبها وللشعوب الأخرى في تفاعلها مع الإجراءات المتخذة ضد قطر.

إن القراءة الاستراتيجية التي قامت بها الدول التي قطعت علاقاتها مع قطر اعتمدت على مجموعات من المعايير والمقاييس التي من شأنها أن تحيل على “مركز الثقل” كأساس ارتكاز لإمارة قطر والذي من شأن ضربه أن يفقدها توازنها الاستراتيجي ويجعلها تخضع للتوجه السياسي العام الذي يخدم المصالح الاستراتيجية لدول المنطقة، على اعتبار أن جميع أدوات ووسائل المواجهة يُفترض أن تخدم، بالضرورة، الهدف السياسي والذي يسمو حتى على الهدف الاستراتيجي. وهنا يقول كلاوزفيتز في كتابه “عن الحرب”على المرء أن يتذكر على الدوام السمات الهامة والحاكمة لدى الطرفين المتحاربين. فمن هذه السمات سيتشكل وبالتأكيد مركز للثقل سيكون محوراً لكل القوى والتحركات التي يعتمد كل شيء آخر عليه، كما أنه الشيء الذي يجب أن توجه وتتركز كل طاقاتنا نحوه” (ص 823).  ويؤكد كلاوزفيتز في هذا السياق على أن احتلال عاصمة العدو، مثلا، يكون أكثر أهمية أحيانا من تدمير جيشه، وإذا كان للعدو حليف قوي فإن ضربة مؤثرة ضد هذا الحليف قد تحقق الغاية المرجوة أكثر من الاهتمام بالطرف الأضعف، ويقول بالنص “لو استطعت قهر أعداءك بقهر واحد منهم، فيجب أن يكون هذا الدحر هو الهدف الرئيسي للحرب” (عن الحرب ص 824).

إجمالا يمكن القول أن الدول التي قطعت علاقاتها كلية مع قطر، وخصوصا السعودية والإمارات ومصر، اقتنعت أن مواجهة سياسة قطر لا يمكن أن تتم من خلال ضرب امتداداتها التنظيمية في العالمين العربي أو الإسلامي نظرا للعدد الكبير من التنظيمات المتطرفة التي تمولها قطر من أجل أهداف تكتيكية محضة كجبهة النصرة وغيرها، أو التي تراهن عليها استراتيجيا من أجل وضع يدها على العديد من الأنظمة العربية كجماعة الإخوان المسلمين. وهنا قررت هذه الدول تبني استراتيجية “قطع رأس الأفعى” من خلال إعلان المواجهة المباشرة مع إمارة قطر من أجل إجبارها على العودة إلى حاضنتها الشرعية والمتمثلة في مجلس التعاون الخليجي وجامعة الدول العربية وفق الثوابت الاستراتيجية التي تحدد الأهداف السياسية للدول المكونة لهذه التنظيمات الإقليمية.

الوسوم

المركز الديمقراطى العربى

المركز الديمقراطي العربي مؤسسة مستقلة تعمل فى اطار البحث العلمى والتحليلى فى القضايا الاستراتيجية والسياسية والاقتصادية، ويهدف بشكل اساسى الى دراسة القضايا العربية وانماط التفاعل بين الدول العربية حكومات وشعوبا ومنظمات غير حكومية.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق