الشرق الأوسطتحليلاتعاجل

الأبعاد الإقليمية لقضية الصحراء الغربية

اعداد : الشيخ يب أعليات – باحث موريتاني في مجال العلوم السياسية والعلاقات الدولية

  • المركز الديمقراطي العربي

 

تعتبر قضية الصحراء الغربية من أكثر القضايا الإقليمية تعقيدا و المستعصية على الحل باعتبارها نزاعا إقليميا له أبعاد دولية متداخلة للغاية، و طالما استمرت هذه القضية بتلك التعقيدات فإنها تستمر بإلقاء ظلالها على العلاقات الإقليمية و خاصة استمرار حالة الجمود داخل المغرب الغربي نتيجة للتوتر في العلاقات المغربية الجزائرية.

  مقدمة:

أصدر مجلس الأمن في نهاية  شهر ابريل الماضي 2017، قرارا يدعم استئناف المفاوضات بين المغرب و البوليساريو حول قضية الصحراء الغربية، ويمدد ولاية مهمة حفظ السلام التابعة للأمم المتحدة ” المينورسو” في الصحراء الغربية لسنة إضافية حتى 30 أبريل 2018.

جاء هذا القرار بعد سلسلة من الأحداث التي عرفتها المنطقة ، كان آخرها أحداث الكركرات التي كادت أن تجدد الحرب بين الطرفين لو لا تدخل الأمم المتحدة و انسحاب المغرب من المنطقة استجابة لأوامر المنظمة العالمية.

هكذا إذن عادت إلينا هذه القضية من جديد التي اندلعت منذ أكثر من أربعة عقود من الزمن، و التي رغم عديد الجهود التي بذلت من أجل إيجاد حل لها إلاَ أنها لم ترى النور بعد.

بالعودة إلى أسباب النزاع على الصحراء الغربية و السياق التاريخي الذي اندلع فيه سيتضح لنا أنه يقوم على عدة معطيات بعضها ضارب في التاريخ المحلي الإقليمي كما أن له أبعادا  أخرى.

قامت أوروبا منذ نهاية القرن الرابع عشر الميلادي و بداية القرن الخامس عشر بمحاولات استكشافية استهدفت مختلف مناطق العالم و إفريقيا على وجه الخصوص، وذلك بحثا عن مناطق تتوفر فيها المواد الأولية و أسواق جديدة لترويج البضائع، إلاَ أنّ تلك الحملات سرعان ما تحولت إلى أطماع استعمارية أدت إلى استخدام القوة للسيطرة على المناطق ذات الأهمية الحيوية و نهب ثرواتها الطبيعية، و كان من نتائج هذه الحملات ظهور مستعمرات على امتداد المحيط الأطلسي، حيث تسابقت الدول الاستعمارية في تقسيم مناطق النفوذ   في شمال و غرب إفريقيا.

من هنا شهدت منطقة المغرب العربي تنافسا قويا بين مختلف هذه القوى الاستعمارية إبان فترة الاستعمار حيث تمَ احتلال ليبيا من طرف إيطاليا كما سيطرت فرنسا على كل من تونس و المغرب و الجرائر و موريتانيا، أما إقليم الصحراء الغربية و الذي لم يكن محددا فقد شكلت الأهمية الاستراتيجية التي يتمتع بها من موقع جغرافي يربط إفريقيا بأوروبا و شواطئ غنية بمختلف أنواع الأسماك، و ثروات معدنية باطنية ثمينة، الدافع الرئيسي لمختلف الأطماع الاستعمارية فيه و أدت إلى حدة النزاع عليه، إلاَ أنَه و من خلال عدة اتفاقيات استعمارية، تمكنت إسبانيا من فرض سيطرتها الكاملة عليه سنة 1884، حتى سنة 1975.

وقد واجهت شعوب المغرب العربي القوى الاستعمارية بكافة أنواع الكفاح و النضال بهدف الحصول على استقلالها، وقد تعزز و تطور ذلك مع نمو الفكر السياسي و تبلور المصالح الوطنية… إلخ.

كما ساهمت التحولات و الأحداث التي شهدها العالم مثل الحربين العالميتين و ما أعقبهما من تغيرات في النظام الدولي وانقسام العالم إلى معسكرين بعد نهاية الحرب العالمية الثانية  و إنشاء منظمة الأمم المتحدة على أنقاض عصبة الأمم  و تطور القانون الدولي و إصدار وثيقة الأطلس 1941 التي كان شعارها “حق الشعوب في تقرير مصيرها “، كل ذلك ساهم في ظهور حركات التحرر في بلدان المغرب العربي و نالت جميع دوله الاستقلال التام في منتصف القرن الماضي.

و رغم أن المغرب العربي يتميز بتجانس سكانه، غير أن دوله ككيانات سياسية حديثة لم تستطع تحقيق الوحدة السياسية و جعلها تمثل ذلك التشابك التاريخي و التجانس الثقافيو الوحدة الجغرافية.

و من العوائق التي تقف أمام كل اتحاد في المغرب العربي قضية الصحراء الغربية كأرض متنازع عليها و كشعب لاجئ و كدولة ناقصة السيادة.

الجذور التاريخية للنزاع على الصحراء الغربية:

إذا كانت دول المغرب العربي نالت استقلالها جميعا في خمسينات و ستينات القرن الماضي، فإن إقليم الصحراء الغربية ظل خاضعا للسيطرة الإسبانية حتى سنة 1975، حيث تمَ الجلاء عنه بموجب اتفاق ثلاثي بين إسبانيا و المغرب و موريتانيا يقضي بخروج إسبانيا من الإقليم و تقاسمه بين المغرب و موريتانيا.

وقد أبرز هذا الاتفاق وجود قوى جديدة تطالب بالإقليم و هي المغرب و موريتانيا في مقابل ظهور جبهة البوليساريو التي تطالب بحق ساكني الإقليم بتقرير مصيرهم بانفسهم و أعلنت قيام الجمهورية العربية الصحراوية الديمقراطية.

إنَ الأهمية الجيوبولوتيكية و البعد الاستيراتيجي الذي يتمع به إقليم الصحراء الغربية جعل موقعه ذا أهمية كبرى بالنسبة لهذه الدول فبحكم تموقعه جنوب المغرب و الجزائر و شمال  و غرب موريتانيا، بالإضافة إلى طول سواحله على المحيط الأطلسي، ممَا زاد من حدة تنافس هذه الدول عليه خاصة أنه يمثل لكل طرف من هذه الأطراف مجالا حيويا يدعم العمق الاستيراتيجي له.

و هكذا بعد رحيل المستعمر الإسباني عرف إقليم الصحراء العربية عديد المستجدات و الأحداث الخطيرة وصلت إلى المواجهات العسكرية بين المغرب و البوليساريو من جهة   و بين هذه الأخيرة و موريتانيا من جهة أخرى، إلا أنَ موريتانيا سرعان ما كفت عن مطالبها بموجب اتفاق سلم تم بينها و جبهة البوليساريو في الجزائر سنة 1979، ليصبح النزاع بين المغرب و جبهة البوليساريو.

صراع الزعامة الإقليمية بين المغرب و الجزائر:

من هنا تحولت قضية الصحراء العربية إلى واحدة من أخطر و أعقد القضايا و المشكلات التي تهدد دول المغرب العربي، و ازدادت المشكلة تعقيدا بعد دخول أطراف إقليمية أخرى إلى دائرة النزاع لتجد موطئ قدم لها فيه مثل الجزائر و التي هي الداعم الرئيسي لجبهة البوليساريو.

ترى الجزائر أنَه ليست لها أطماع أو مطالب سيادية في الإقليم قائمة على التاريخ، و إنما تعتبر أنَ إقليم الصحراء الغربية يصنف ضمن الأقاليم المستعمرة التي لم تتمتع بحق تقرير المصير المنصوص عليه في المادتين 1 و 59 من ميثاق منظمة الأمم المتحدة و على هذا الأساس يجب على السلطة المديرة للإقليم أن تعطيه الاستقلال. و الواقع أنَ مصالح الجزائر قائمة على اعتبارات جيوسياسية فهي ترى أن ضم المغرب لإقليم الصحراء الغربية سيشكل امتدادا جغرافيا بالنسبة للمغرب و توسعا على حسابها، كما سيؤدي إلى تحقيق حسابات اقتصادية و استيراتيجية حيث سيدعم مركز و قوة المملكة المغربية من خلال سيطرتها على الإقليم، و هذا ما ترفضه و تخشاه الجزائر.

و هكذا فإن قضية الصحراء الغربية تعد أزمة متعددة الأبعاد على المستوى الداخلي كما أنها عقدة عصية على الحل كقضية جيو-سياسية تتصارع عليها أهم قوتين في المنطقة و تحرك كل منهما خيوط علاقاتها و تأثيرها شرقا و غربا على الساحة الدولية.
تدعي المغرب حقوقا تاريخية على الصحراء الغربية و تفرض حكمها كأمر واقعي، في حين تطالب جبهة البوليساريو التي تستند على الجزائر بحق الشعب الصحراوي في تقرير مصيره.

إنَها مجابهة بين اغلب الدول العربية الداعمة للمغرب و أغلب الدول الإفريقية المساندة للجزائر كما كانت إبان الحرب الباردة تنافسا قويا بين القوى الغربية الداعمة للمغربو المعسكر الشرقي الذي يدعم أطروحة الجزائر في حق تقرير المصير.

الخاتمة :

إن قضية الصحراء الغربية و بعد مرور أكثر من أربعين سنة منذ اندلاعها سنة 1975،    و رغم الجهود الديبلوماسية المتعددة، إلاَ أنَها ما زالت قائمة و ستظل كذلك، و من المتوقع أن يستمر ذلك الوضع المتشابك ما لم يقدم الطرفان المعنيان تنازلات جوهرية تمكن من التوصل إلى صيغة عادلة تحقق الحد الأدنى من مطالبها، و طالما استمرت هذه القضية بتلك التعقيدات فإنها تستمر بإلقاء ظلالها على العلاقات الإقليمية و خاصة استمرار حالة الجمود داخل المغرب الغربي نتيجة للتوتر في العلاقات المغربية الجزائرية.

وإذا كانت قضية الصحراء الغربية تجاوزت السنة الماضية عقدها الأربعين، و كان المشهد الدولي الذي اندلعت فيه قد تغيرت ملامحه وتبدلت شخوصه (تفكك الاتحاد السوفياتي وظهر الاتحاد الأوروبي)، فإن حلا ما لهذه القضية لا يبدو في الأفق القريب. وضعية تجعلنا نربط هذه القضية بالصراع على الزعامة الإقليمية بين المغرب والجزائر ومحاولة كل منهما فرض نفسه كقوة إقليمية، صراع لن ينتهي إلا إذا عرفت كلتا الدولتين تغيرات عميقة وتبدل نظامها السياسي وسياستها الخارجية.

  • فهل على الصحراويين أن ينتظروا سقوط الملكية في المغرب أو ظهور ديمقراطية تعددية حقيقية لا يهيمن فيها العسكريون في الجزائر حتى يجدوا حلا لقضيتهم الشائكة؟
3.3/5 - (3 أصوات)

المركز الديمقراطى العربى

المركز الديمقراطي العربي مؤسسة مستقلة تعمل فى اطار البحث العلمى والتحليلى فى القضايا الاستراتيجية والسياسية والاقتصادية، ويهدف بشكل اساسى الى دراسة القضايا العربية وانماط التفاعل بين الدول العربية حكومات وشعوبا ومنظمات غير حكومية.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى