الشرق الأوسطتحليلاتعاجل

دور الرأي العام في السياسة الخارجية الأمريكية

 اعداد : د. سليم كاطع علي – باحث في الشؤون الدولية والاستراتيجية

رئيس قسم دراسات الأزمات – مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية ـــ جامعة بغداد

  • المركز الديمقراطي العربي

 

يًعد تأثير الرأي العام على السياسات الخارجية للدول العظمى تأثيراً مهماً، إذ لا يزال ذلك التأثير ينمو وبسرعة بالغة منذ العقود الأخيرة، ويولي صناع القرار السياسي الخارجي إهتماماً بالغاً للرأي العام كونه يرتبط بعلاقة دائمة مع الحكومة، كما يهتم الرأي العام بالقضايا ذات الطابع العام، ويفترض أن يكون له تأثيراً مباشراً على أداء الحكومة في الدول الديمقراطية، لأنه يحتاج إلى أن يعبر عنه ذلك لأهميته في النظام الديمقراطي، إذ كيف تستطيع الحكومة أن تحدد ما هو الرأي الذي لم يعبر عنه، وذلك بواسطة إستطلاعات الرأي العام.

ويشير مفهوم الرأي العام الى التعبير أو الرأي الذي يدلي به الفرد على إستجابته لسؤال عام مطروح عليه في موقف معين لدى الحكومات الديمقراطية، كما يمثل الرأي العام قوة أساسية من قوى التأثير السياسي والإجتماعي، لذا تستغل هذه القوى في توجيه المجتمعات المحلية على المستوى القومي لإنجاز أهداف معينة، كما يبرز تأثير الرأي العام في إصدار القوانين وتغييرها وإلغائها، إذ يمثل الرأي إتجاهات القاعدة الجماهيرية.

والديمقراطية في الولايات المتحدة قائمة على دور المعلم والمثقف الذي بإستطاعته الحكم على القضايا سواء الداخلية أو الخارجية، وهذا بدوره يعود إلى نظرية السياسة الخارجية والمبنية على إفتراض أن النظام التعليمي الأمريكي يبحث ليعلم الرأي العام كما يعلم النخبة التعليم الجامعي، على أساس أن النظام التعليمي يصنع المواقفوالأحكام حول المصالح الأمريكية، ويبرز الخيارات المطروحة، ويمارس إنتخاب المسؤولين وهو أساس الديمقراطية.

كما يجب أن نفرق بين المواقف والآراء وذلك لوجود علاقة بين المواقف والرأي العام، فالمواقف تُعد أكثر عمقاً ومن ثم يصعب تغييرها، في حين الآراء هي أقرب للسطح وأكثر تحديداً في مواضيعها، وعلى الرغم من أنها تقاوم التغيير في نفس الوقت ولكن من السهولة فيما بعد تغييرها،فالتوجيهات يمكن تركيزها تجاه الرأي العام وهي مثل المواقف. كما أن الرأي العام غالباً يضع قيوداً على أي سياسة خارجية حديثة فمثلاً: إن الإتجاه الإنعزالي الذي ساد المجتمع الأمريكي في القرن التاسع عشر، كان وراء إعتماد الولايات المتحدة لسياسة العزلة تجاه القضايا الأوربية، وهذا الإتجاه قيد مجال البدائل المتاحة أمام صناع القرار السياسي الخارجي.

وفي الظروف الإستثنائية يستطيع الرأي العام أن يكون عاملاً محفزاً للسياسة الخارجية وهذا ينطبق على أحداث 11 سبتمبر 2001 بالولايات المتحدة، وبشكل خاص للغزو الأمريكي لأفغانستان بعد هذا الحدث وتوجه الرأي العام بالموافقة والتأييد لهذا الخيار.

وبإستثناء القاعدة العامة في الولايات المتحدة فأن الرأي العام لا مبالي، غير أنه في بعض القضايا له مكانته وتأثيره، فقد يكون الرأي العام مصدراً في المفاوضات الدولية ويعطي ميزة مهمة في المساومة عندما يتعلق الأمر في التعامل مع ممثلي الدول الأخرى فعندما يكون الرأي العام موحداً وأكثر دعماً للمفاوضين وصانعي القرار فأنه يعطي قوة أفضل القضايا.

وقد تصبح السياسة الخارجية أكثر صعوبة من تعميم العلاقة بين الرأي العام وأهداف الدولة خارجياً والسلوك الدبلوماسي، فهنا تأثير مواقف الرأي العام وآرائهم تجاه إختيار الأهداف وعملية صنع القرار تكون مترابطة ببعضها البعض، مثلاً نجد الرأي العام في الولايات المتحدة في فترة التسعينيات طالب بتقليص في ميزانية الدفاع وتحديد التدخلات الخارجية، ولكنه لم يحدد ما هي الأسلحة التي يجب أن تطور والتي يجب أن تترك، فالرأي العام يساهم في مناقشة الدور المناسب للولايات المتحدة أن تؤديه في سياستها الخارجية، وهذا ما يفسر جُل قرارات الرئيس الأسبق بيل كلينتون في مجال السياسة الخارجية، التي منطلقها سياسات داخلية، فقد أدى الخوف من ردود فعل الرأي العام الأمريكي الداخلي إلىإتخاذ قرار بالإنسحاب من الصومال، وإستخدام القوات الجوية فقط في كوسوفو وعدم إستخدام أي نوع من القوة في رواندا.

وقد يكون الرأي العام منقاداً، فالرؤساء يأخذون دور القيادة في تشكيل السياسة وتوجيه الرأي العام، لا سيما في الأوقات الصعبة ( أي الأزمات)، ففي هذه الفترة تتطلب السرعة في إتخاذ القرار، فالرئيس قد يوجه خطاباً ويحاول أن يؤثر على الرأي العام بمعلومات جديدة تعود من خلال هذه القنوات، فالتصريحات الرمزية تعود ثانية لتؤثر في الرأي العام وفي إتجاه واحد، والرأي العام هو المصفاة بالرغم من تعدد القنوات ( وسائل الإعلام، جماعات الضغط، الإنتخابات، الأحزاب)في طريقها إلى صانع القرار وهذا يوسع من دائرة الرأي العام.

والرأي العام بإستطاعته أن يؤثر في إتجاهين هما: الأول يحدث في حالة ما إذا قررت الحكومات عمل ما يريده الشعب، وهذا أقل قوة في تحكمه لأن إتجاهات الرأي العام لا تتوافق بشكل كامل مع سياسات الرئيس والكونغرس، والثاني من خلال الإنتخابات فإذا لم يفضل الناخبون القرارات السياسية لمسؤوليهم فيمكن أن يصوتوا ضدهم في الإنتخابات، والرسالة هنا تكون واضحة، كما أن هناك علاقة أو إتصال بين النتائج الإنتخابية والخيارات السياسية، أو على الأقل بين إستعادة تقييم الأداء للقادة حول السياسة الخارجية والخيار الإنتخابي، ويكون التأثير واضح أثناء الإنتخابات عندما يرى الناخبون أن حياتهم ومصالحهم تتأثر بشكل مباشر، ولا سيما وأن غالبية الشعب الأمريكي يهتم بالشؤون الداخلية أكثر من الخارجية.

ومن خلال ما سبق نستنتج أن العلاقة تبدو معقدة بين أصحاب القرار والرأي العام، إذ أن السياسة الخارجية هي إنعكاس للسياسة الداخلية في النموذج الأمريكي، ومنثم لا يمكن الإدعاء بأن الرأي العام فاقد التأثير تماماً، إلا أن درجة هذا التأثير تختلف بحسب الظروف والمواقف الدولية. فقد تظهر في بعضها بشكل إيجابي حاسم، وتظهر في بعضها الآخر على نحو أقل إيجابية، ومن ثم فليس هناك دولة في العالم ومنها الولايات المتحدة مهما بلغت قوتها تستطيع أن تتجاهل الرأي العام تماماً، بل نجد الدول تحاول دائماً أن تعطي تفسيرات ومبررات لسياساتها بهدف إقناع الرأي العام بها، وتجنباُ لما قد يجلبه عليها عدم إقتناعه من معارضة.

المركز الديمقراطى العربى

المركز الديمقراطي العربي مؤسسة مستقلة تعمل فى اطار البحث العلمى والتحليلى فى القضايا الاستراتيجية والسياسية والاقتصادية، ويهدف بشكل اساسى الى دراسة القضايا العربية وانماط التفاعل بين الدول العربية حكومات وشعوبا ومنظمات غير حكومية.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى