مقالات

٢٤ أغسطس .. ٢٤ مليون

بقلم: عبدالله عبدالحميد فرحان

 

خلف أسابيع قليلة قادمة تشهد العاصمة اليمنية صنعاء حراكاً شعبياً مهماً وملهماً، وتحضر رسالةٌ عميقةُ المضامين، متعددةُ العناوين.

تشترك ذكرى الرابع والعشرين من أغسطس ورمزية ميدان السبعين في العاصمة صنعاء القواسم مع الهوية اليمنية الجامعة وثقافة العيش المشترك واحترام الآخر والإنفتاح على المخالف، لم تحضر تلك القيم – البراغماتية والتاريخية في آن واحد – في وثيقة سياسية يمنية بقدر حضورها في الميثاق الوطني الذي اشتركت في صياغته كافة القوى الوطنية في اليمن في أغسطس ١٩٨٢م.

تبرز قيمة الحشد الجماهيري والعمل السياسي في ظل النزوع للعنف والاستقواء بالسلاح لتحسين المواقف التفاوضية، ذلك يعني أن حضور الرابع والعشرين من أغسطس لا ينتصر للمؤتمر الشعبي العام بقدر ما ينتصر للفعل السياسي لإدارة الخلافات، والسلوك الديمقراطي لتمكين الموقف والتعبير عن وجهات النظر، كما أنَّه ينعش مسار التنمية السياسية في اليمن نخبوياً وشعبياً.

ثمة يقين واسع أن المؤتمر الشعبي العام – وهو الحزب التي اتسعت دائرة شعبيته عقب أحداث الربيع العربي وفق مراقبين – سينجح في في تجاوز تحدي تنظيم حشد ضخم وكبير، احتفالاً بذكرى تأسيسه الخامسة والثلاثين، لكن ضخامة الحشد تفرض تحديات أعقد تجاه واقع حربٍ طاحنة – تُنْهك بلداً فقيراً في الإقتصاد، وغنياً بالمشكلات السياسية والاجتماعية والأمنية – وتصنعُ مسئولياتٍ أكبر ما بعد حربٍ لن تترك خرائط السياسة والاجتماع على سابق حالها يمنياً وإقليمياً.

المسئوليات الجديدة على قيادة وتكوينات المؤتمر الشعبي العام في اليمن، تضاف إلى مسئوليات تفرضها خبرة المؤتمر الطويلة في العمل السياسي وفي الإدارة العامة من جهة، واتساع شعبيته وحضوره الجماهيري من جهة أخرى؛ مسئولياتٌ تجاه القضايا والمصالح الوطنية، وتجاه القواعد التنظيمية والشعبية للحزب، وتجاه الحياة السياسية في اليمن والقوى الفاعلة فيه (كانت حتى مايو ١٩٩٠م ضمن تكوينات المؤتمر الشعبي العام).

يتصدر هذه التحديات إنهاءُ حربٍ صنعت وتصنع أكبر أزمة إنسانية معاصرة، والإنخراطُ في مفاوضات حقيقية مع السعوديين والأطراف الإقليمية والدولية صانعة قرارات الحرب والسلام في اليمن، وتمثيل رغبة وتطلعات جماهير ٢٤أغسطس، وتمتين الاتصالات مع القوى اليمنية في الضفة الأخرى وبناء الحوارات والتفاهمات معها.

نجحت الحرب التي تقودها السعودية في اليمن في تمكين جماعة الحوثيين مثلما مكَّنَت الحربُ العراقية الإيرانية (الممولة خليجياً) نظامَ ولاية الفقيه في إيران، غير أنَّ حداثة التجربة السياسية لجماعة الحوثيين وطبيعة التكوين المذهبي والأمني للجماعة أضعفت إمكاناتها وخبرتها السياسية والإجتماعية والإدارية، وتقتضي لغة المصلحة والمنطق أن يساعد المؤتمر في تهذيب هذه القوة الصاعدة، ودعم انتقالها نحو العمل السياسي والإداري، وتشجيع تطبيع علاقاتها بالقوى المختلفة في اليمن.

يحظى تجمع الإصلاح (الإخوان المسلمين في اليمن) بقاعدة شعبية قوية وبنية تنظيمية متماسكة غير أن انخراطه في الحرب لصالح تحالف السعودية (تحت ضغط الخوف والانفعال وأسباب أخرى) يهدد بنشوء أزمة لا تبدأ عند استقلالية القرار ولا تنتهي عند الهوية السياسية للحزب، فالانحسار المفاجئ لدور حزب الإصلاح يهدد بخلق فراغ الإسلام السياسي السنِّي، ونشوء بدائل متطرفة يصعب التعامل معها، وهو ما يفرض إعادة ترميم الإتصالات بحزب الإصلاح على قواعد واضحة ومنصفة.

يحتاج المؤتمر إلى مراجعة علاقاته بالقوى اليسارية (الناصريين والاشتراكيين) وتمكين لغة البراغماتية والتكاملية مع هذه القوى والقوى السلفية والليبرالية الصاعدة، وتجدر الإشارة إلى أن البيئة والظروف الحالية قد تنتج قوى جديدة في ظل غياب الرضى العام عن القوى السياسية القائمة وفشلها في منع وقوع هذه الحرب، فيما أسهمت بتوسيع النفوذ الإقليمي والأجنبي على حساب القرار الوطني.

قبل كل ذلك وبعده تبرز مسئولية المؤتمر الشعبي العام تجاه تقييم تجربة ٣٥ عاماً من العمل السياسي، والتحرر من الأخطاء والسلبيات التي تسببت بخسائر موجعة للحزب والبلد على حدٍ سواء؛ فتَخَفُفْ حزب المؤتمر الشعبي العام من الأخطاء والسلبيات سيمكنه من تلبية مسئولياته نحو البلد ونحو القوى السياسية الأخرى وتجاه قواعده التي ستحمل إلى ميدان السبعين همومها ورجائاتها تحت مأساة الحرب وقساوة الحياة في اليمن.

المركز الديمقراطى العربى

المركز الديمقراطي العربي مؤسسة مستقلة تعمل فى اطار البحث العلمى والتحليلى فى القضايا الاستراتيجية والسياسية والاقتصادية، ويهدف بشكل اساسى الى دراسة القضايا العربية وانماط التفاعل بين الدول العربية حكومات وشعوبا ومنظمات غير حكومية.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى