fbpx
تقدير الموقف

إعادة هندسة الشرق الأوسط من جديد : رؤية في المعادلات العشرية الإقليمية

بقلم:علي بشار بكر أغوان
باحث دكتوراه علوم سياسية

يقول وزير خارجية الولايات المتحدة الأمريكية الأسبق هنري كيسنجر(ليس من مصلحة الولايات المتحدة ان تحل اي مشكلة في العالم ، لكن من مصلحتها ان تمسك بخيوط المشكلة و تحرك هذه الخيوط بحسب مصلحتها القومية) .
بات من الواضح جدا ان القوى الدولية الكبرى و في مقدمتها الولايات المتحدة الأمريكية تعمل و بشكل مستمر و متواصل في صياغة إستراتيجيتها لتبني مشاريع طويلة الأمد تتم تطبيقها بصورة هندسية متكاملة في منطقة الشرق الأوسط ، هذه الاستراتيجيات النابع من ادراك لاهمية هذه المنطقة بالنسبة لمكانة الولايات المتحدة العالمية كفاعل مؤثر ذو دور مركزي مستدام . ان من خلال تحليل و دراسة الإستراتيجية الأمريكية تجاه الشرق الأوسط خلال اكثر من اربعين عام مضت ، يمكن ملاحظة و جود مراجعات كبيرة تم تفعيلها أدت الى تبني طرائق جديدة للتعامل مع المعادلات المعقدة لهذه المنطقة الأمر الذي أدى الى حدوث تحول كبير في توجهت الإستراتيجية الأمريكية لها كل عشرة أعوام (على الرغم من ان مراجعات الإستراتيجية الأمريكية و وثائق الامن القومي الامريكي تجري رسمياً كل اربع سنوات) ، الا ان التحول الملموس في توجه الولايات المتحدة يمكن قياسه كل عشرة أعوام كما تثبت الدلائل على ارض الواقع .

اولاً : (1980 – 1990 )
لنبدأ بشكل سريع منذ عام 1980 و بداية الحرب العراقية الإيرانية و الدعم الأمريكي المستمر للعراق لحرب دامت اكثر من 8 سنوات ، و لحرب صممت بهندسة بارعة لاستنزاف اقوى جيشين في هذه المنطقة – و هم من أقوى عشرين جيش في العالم في تلك المرحلة – و إحداث خلل في معادلات التوازن الاستراتيجي الإقليمي .

ثانياً : (1991 – 2001)
امتدادات هذه الحرب لم تنتهي بنهايتها عام 1988 بل كان هناك اثار كبيرة على الاقتصاد العراقي الأمر الذي جعل العراق يدخل في مضاربات نفطية مع مجموعة من دول الخليج و على رأسها الكويت لتسديد مستحقات الحرب عبر بيع النفط العراقي، اضافة الى مشكلة العراق مع الكويت و التي تتعلق بالحفر الكويتي المائل للتنقيب على النفط على الحدود العراقية الكويتية ، لكن عدم قدرة العراق في تلك المرحلة على الصمود دبلوماسياً و فشله في ادارة هذه الأزمة أدت به الى تبني قرار الحرب على الكويت وربما نصف الخليج لولا التدخل الأمريكي السريع . هنا تحديدا يمكن تلمس امتدادات حرب عام(1980 – 1988) عبر ما قاله وزير خارجية العراق (1983–1991) ونائب رئيس مجلس الوزراء (1979–2003) ميخائيل يوحنا أو طارق عزيز – كما يسميه صدام حسين – في وقتها نقلا عن سفيرة الولايات المتحدة الأمريكية (ابريل جلاسبي) ان مشاكل الحدود بين العراق و الكويت شأن داخلي لن نتدخل به (القصة طويلة و فيها تشعبات واسعة) !! من ثم التحول في التوجه الأمريكي تجاه العراق و تجاه هذه الحرب وصولاً الى دخول العراق الى الكويت عام 1990 من ثم خروجه عام 1991 و تجريمه إقليميا و دوليا عبر مجلس الأمن و التحالف الدولي في تلك المرحلة و فرض على هذا البلد عقوبات كبيرة.

ثالثاً : ( 2001 – 2011 )
بالانتقال من الاحداث الماضية وصولاً الى عشر سنوات أخرى جديدة تم هندستها بطريقة عالمية و كانت آثارها الإقليمية كبيرة حين بدأت بأحداث11 أيلول / 2001 التي كانت نتائجها احتلال بلدين في منطقة الشرق الأوسط و هما أفغانستان نهاية عام 2001 و العراق في عام 2003 لتبدأ من هنا إستراتيجية جديدة نشهد تبعاتها مستمرة الى الآن .

عموماً الحديث عن تفاصيل التاريخ أمر صعب بسبب اختلافات كبيرة في تبويب المعلومات و توصيفها من قبل كل طرف يراه من زاويته الخاصه به ، لذلك سننتقل الى الحاضر و المستقبل بصورة سريعة قبل ان نغرق في هذه الأحداث و نكتفي بهذا العرض السريع لمتغيرات المنطقة الإستراتيجية .

رابعاً : (2011 – …. )
بالانتقال الى المرحلة التي بدأت على اثرها إسقاط الأنظمة السياسية و وصول هذه الدول الى تصنيفات الدول الفاشلة في الشرق الاوسط بداية عام 2011 و التحول الآخر الذي بدأ في الإستراتيجية الأمريكية تجاه هذه المنطقة ، يمكن عبر كل ذلك ان نقيس التكييف الأمريكي الكبير تجاه هذه التحولات و إدارتها بصورة تتناسب مع سرعة ايقاع هذه التحولات الإستراتيجية ، لذا يمكن ان نلاحظ جملة من القضايا في مفاعيل الموقف الأمريكي العام النابع من إستراتيجية يتم العمل على تطبيقها ببراعة كبيرة في هذه الرحلة المعاصرة و التي يجب ان نقيس عليها قدرة الولايات المتحدة على التلاعب و بصورة مستمرة و هي :

1 – التحول الكبير في الإستراتيجية الأمريكية بداية عام 2012 من الاعتماد على قوى الإسلام السياسي المعتدل في بعض مناطق الشرق الأوسط الى الاعتماد على قوى الاسلام الراديكالي.و هنا يجب ضرورة الربط بين عملية سقوط الاخوان في مصر عام 2013 من ثم صعود قوى الاسلام الراديكالي في مناطق اخرى وصولاً الى تحول الاخوان في مصر الى قوى تتبنى جزئياً العنف لغرض استرجاع الحكم على الرغم من قدرة النظام المصري الجديد عام 2013 على احتواء استخدام القوة من قبل الاخوان .
2 – تعميم أنموذج جديد من نماذج التغيير في المنطقة و هي عملية إسقاط أجزاء من الدول و ليس جميعها كما حدث في تونس و مصر و ليبيا و اليمن في مرحلة التغيير نهاية عام 2010 ، لنصبح امام أنموذج جديد لاسقاط انصاف الدول طبق اولاً : في سوريا بعد عام 2012 و تقسيم سوريا بصورة غير رسمية بين ثلاثة اطراف و هم المعارضة التي تسميها الولايات المتحدة بالمعتدلة و الدولة الاسلامية و ما تبقى من نظام بشار الاسد . وثانياً: في ليبيا منذ عام 2013 هذه البلاد التي تعاني من انقسامات داخلية تضم برلمانين معارضين أحدهما في طرابلس والثاني في المدينة الشرقية طبرق، بينما يدّعي تشكيلان مسلحان على الأقل بأنهما يقومان بدور الجيش الوطني للبلاد. و ثالثاً: في العراق بعد 2014/6/10 و سقوط اجزاء كبيرة منه لصالح تنظيم الدولة الاسلامية مع بقاء جزء اخر تحت سيطرة الدولة العراقية الهشة ، ورابعاً : في اليمن منتصف شهر 8 من عام 2014 و سيطرة الحوثيين على العاصمة صنعاء و اذابتهم لوجود الدولة و مؤسساتها حتى يتم تشكيل حكومة توافقية .

3 – نستطيع ان نصل هنا الى نتائج جديدة يمكن التعويل عليها مستقبلياً من قبل الادارة الأمريكية عبر تحليل هذه القضية التي تشير الى ان الولايات المتحدة انتقلت من توظيف سقوط أنظمة كاملة في دول الشرق الأوسط لكي تستديم الصراع داخل هذه الدول عبر توظيف إستراتيجية إسقاط أنصاف الدول و دخول هذه الدول في نزاعات داخلية جديدة تؤدي ربما الى حدوث حالة جديدة هي اقرب للتقسيم و التجزئة و في أفضل الأحوال حصول حكم ذاتي و تفعيل نظام الأقاليم .

4 – ان إمكانية تطور هذا الأنموذج مستقبلياً من قبل منظري الإستراتيجية الأمريكية واردة جدا لاسيما في دول و مناطق حساسة في الشرق الأوسط مثل لبنان التي تعاني مت تشابهات أثنية ديمغرافية قريبة من ديمغرافية سوريا و العراق و اليمن التي تم تطبيق فيها هذا الأنموذج .

5 – ان قضية الصفقات الإقليمية والدولة(على نطاق التلاعب بالدول و الأنظمة و الحكومات) باتت واضحة للعيان بشكل كبير خصوصا بين مفاعيل القوى الكبرى دولياً و مفاعيل القوى الإقليمية في الشرق الأوسط (إسرائيل – تركيا – إيران ) و مفاعيل الخط الثاني ( السعودية – قطر – مصر) و أحيانا الإمارات . حيث أصبحت قضية بيع و شراء و تأمر الأنظمة السياسية على بعضها قضية تنافسية في بعض الأحيان (تسير الصفقة لصالح الممول و الداعم الاكبر و اسقاط نظام سياسي معين كما حدث لسقوط الاخوان في مصر) ، و في أحيان اخرى تكون عملية البيع و الشراء( قضية متعسرة كما يحدث في سوريا حالياً) .و ربما تتم تسوية بعض الامور بطرائق اخرى مثل وصول الحوثيين الى صنعاء بدعم إيراني مقابل اتفاق في منطقة أخرى (بين الفواعل الإقليميين و الدوليين المعنيين) تكون تفاصيله ربما انتهاء مهلة الأسد تقريباً.

6 – أن فكرة الحرب على الإرهاب(المفتعلة أمريكياً) دفعت الإدارة الأمريكية بكامل مؤسساتها الى إجراء مراجعات شاملة لجميع المقومات الإستراتيجية للولايات المتحدة ، ومن ثم أدت هذه المراجعات الى تبني تكتيكات وأساليب جديدة للتعامل مع الخطر الجديد وهو الإرهاب الإسلامي المتطرف(بحسب التوصيف الأمريكي) ، لذلك فان تكتيك الفوضى الخلاقة كان احد أهم أهدافه الرئيسة هو ضرب الطوائف الإسلامية مع بعضها البعض (أي تمزيق الإسلام من الداخل) ومن ثم ضرب الإسلام بالمسيحية والقوميات الأخرى لكي تحقق الولايات المتحدة الأمريكية نقطة مهمة وهي عملية المشاغلة وخلق الأزمات الداخلية لإدامة هيمنتها على المنطقة و استدامة الصراع الإقليمي الذي يصب في مصلحة إعادة هندسة المنطقة .
7 – أن الولايات المتحدة وبعد تطبيقها لتجربة الفوضى الخلاقة في العراق التي يمكن ملاحظة نتائجها الواضحة عبر ما يشهده العراق من احتقان وتقسيم طائفي و قومي ، و ما يحدث به من انهيارات أمنية كبيرة أدت الى سقوط ممرات و مناطق إستراتيجية مهمة في هذا البلد .
8- منذ نهاية عام 2010 باشرت الولايات المتحدة الأمريكية بتطبيق الفوضى الخلاقة إقليمياً ،عبر تعميم تجربة العراق ويلاحظ ذلك من خلال تفاقم الاحتقانات الطائفية و ألازمات الداخلية لدول القريبة للمحيط العراقي و المتشابهة اثنياً و ديمغرافياً (دول الشرق الأوسط) ، إذ أن الفوضى الخلاقة عملت على ربط أزمات المنطقة يبعضها برابطة أو حجة الدفاع عن قومية أو طائفة أو قومية معينة .

 

الوسوم

المركز الديمقراطى العربى

المركز الديمقراطي العربي مؤسسة مستقلة تعمل فى اطار البحث العلمى والتحليلى فى القضايا الاستراتيجية والسياسية والاقتصادية، ويهدف بشكل اساسى الى دراسة القضايا العربية وانماط التفاعل بين الدول العربية حكومات وشعوبا ومنظمات غير حكومية.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق