الشرق الأوسطتحليلاتعاجل

الدور الإيراني في قضية استقلال إقليم كردستان والتداعيات

اعداد : أحمد محمد محمود حسن  -باحث متخصص في العلاقات الدولية

  • المركز الديمقراطي العربي

 

تجدر الإشارة بادئ ذي بدء التركيز علي المنظور السلبي  لدور المؤثر القومي في العلاقات الدولية  فيما يتعلق بقضية استقلال إقليم كردستان بصفة عامة وحينما نتناولها من جانب الدور الإيراني بصفة خاصة لما لهذا المؤثر القومي من أثاراً سلبية وسالبة فاقت بكثير كل ما يمكن أن تنطوي عليه من إيجابيات إن وجدت بالنسبة لإيران والعراق كدول قومية تحوي بداخلها قوميات وجماعات عرقية ، ومن تلك الأثار السلبية علي سبيل المثال لا الحصر التطرف القومي والعرقي بكل ما يفرزه من مشاعر سالبة متبادلة تقوم علي أساس الكراهية والشك الذي يملأ تلك القوميات مما يدفعها في النهاية إلى محاولة الانفصال عن دولها الام مقيمة دولة مستقلة خاصة بها  تتيح لها هذه الدولة الجديدة الحصول علي قدر مناسب من المعاملة الإنسانية العادلة لمواطنيها[1]. وهو ما يدفعنا في البداية إلى محاولة إلقاء الضوء علي طبيعة التكوين الإجتماعي لسكان إيران للوقوف على حقيقة الدور الإيرني المناوئ لعملية استفتاء الإقليم واستقلاله ولمحاولة الإجابة على تلك الاسئلة الهامة:

  • لماذا ترفض إيران استقلال إقليم كردستان العراق ؟
  • ما هي المصالح القومية الإيرانية التي تدفعها إلى إتخاذ إجراءات عدائية حيال سعي الإقليم إجراء استفتاء الاستقلال؟
  • لماذا تغيرت علاقات التحالف بين إيران وإقليم كردستان العراق التي كانت قائمة إثناء معركة تحرير العراق ضد داعش منذ أن تم الإعلان عن إجراء الاستفتاء؟

تتكون إيران من مجموعة من الجماعات العرقية ذات الاصول الإثنية تقطن كل منهما أجزاء معينة ومحددة من الدولة إلايرانية وتحاول كل جماعة عرقية الحفاظ علي تراثها الثقافي والحضاري المتمثل في اللغة والعادات والتقاليد وهي عليالترتيب الفرس والأذريون والجيلاك والأكراد والعرب والبلوش والتركمان فحسب المصادر الرسمية يشكل الفرس 51% من السكان البالغ عددهم قرابة 70 مليون نسمة، في حين يشكل الأذريون 24% والجيلاك المازندارنيون 8% والأكراد 7% والعرب 3% واللور والبلوش والتركمان 2% لكل منهم، وبقية العرقيات 1% من السكان.[2]

ومعظم الأقليات العرقية في إيران يقطنون المناطق الحدودية, فالعرب في الجنوب والجنوب الغربي، والبلوش في الجنوب والجنوب الشرقي، والتركمان في الشمال والشمال الشرقي، والأذريون في الشمال والشمال الغربي وأجزاء في الوسط، والأكراد في الغرب. هذه العرقيات لها امتداداتها في الخارج، فالعرب يمتدون إلى العراق ودول الخليج في الجنوب، والبلوش لهم امتدادهم في إقليم بلوشستان في باكستان وأفغانستان، أما التركمان فيجاورون تركمانستان، والأذريون يقطنون جنوب جمهورية أذربيجان، والأكراد جزء من الحلم الكردي الكبير في تركيا وكردستان العراق.وعليه فأن سعي أكراد العراق للحصول علي استقلالهم سوف ينمي النزعة الاستقلالية لدى أكراد إيران لتكوين الدولة الكردية الكبيرة في كردستان العراق وبعض أجزاء  تركيا لتدشين الحلم الكردي الكبيروإنشاء دولة كبيرة تحوي بداخلها أقليات الاكراد .كما أن الامر قد لا يقف عند هذا الحد فقد يشجع إنفصال أكراد إيران إذا ما قدر لهم ذلك بقية الاقليات الإيرانية على الانفصال بيحث تحاول كل إقلية عرقية إيرانية أن تنضم إلى امتدادها الجغرافي والاثني في البلاد المتأخمة معها على الحدود .فقد نجد محاولة من جانب البلوش لأنضمامهم إلى باكستان وافغانستان ،وأخرى من جانب الأذريون للأنضمام الى أذربيجان ،ومحاولة ثالثة من جانب التركمان ليصبحوا جزء من دولة تركمانستان وهو ما قد يؤدي في النهاية إلى إنفراط عقد الدولة الإيرانيةوإنعدامها من الوجود .

وفي سياق كهذا تصبح إيران بما لا يدع مجالا للشك أكثر الدول تضرراً من عملية استقلال أقليم كردستان العراق وهو ما يفسر موقفها العدائي تجاة الاقليم وحيال خطوته نحو الاستقلال .

الأدوات الإيرانية وتداعيات الاستقلال :

منذ أن تم الإعلان عن شروع إقليم كردستان إجراء استفتاء على استقلاله عن الاراضي العراقية أعلنت إيران رفضها لعملية الاستقلال وحذرت من أن هذة الخطوة قد تؤدي إلى إثارة أزامات  جديدة في المنطقة وأنها لن تقبل بأن يتم أعادة هيكلت المنطقة من جديد علي أساس عرقي أو أثني .كما أنها قامت بناء علي طلب من الحكومة المركزية ببغداد بإغلاق المجال الجوي مع إقليم كردستان .ومن ثم تتضح الخيارات الإيرانية حيال كردستان إذا مضت في طريقها قدماً  نحو الاستقلال في الأتي :

  • يتمثل الخيار الاول في فرض حصار اقتصادي وقطع كل أشكال العلاقات مع الاقليم بالتنسيق مع كلاً من الحكومة المركزية في بغداد وتركيا لتضيق الخناق عليه لدفعه نحو مسار التسوية والتنازل عن حلم الاستقلال .
  • استخدام الخيار العسكري بالتعاون مع الحكومة المركزية في بغداد وتركيا وذلك لإثناء الإقليم عن قراره بشأن الاستقلال ويجدر بنا في هذا الاطار التنوية على أن إيران قامت بالفعل بتحريك معدات عسكرية ثقيلة علي الحدود مع العراق كنوع من أرسال الرسائل والتهديد بعواقب الإستقلال الكردي .وهذا الخيار هو الاسوء على الاطلاق ومع ذلك يرجح الباحث بأن يكون هو السيناريو الأقرب الي الواقع في الفترة المقلبة في ظل وجود تكهنات باندلاع حرب أهلية بين الحكومة المركزية برعاية إيرانية وأكراد العراق.[3]

سيناريوهات محتملة لأزمة إقليم كردستان العراق

إن التنبؤ بمآلاتالظواهر السياسية أمراً من الصعوبة بمكان لعوامل عدة تتعلق بطبيعة الظواهر الإجتماعيةوالسياسية نفسها المتقلبة بإستمرار، لذا سيحاول الباحث وضع ثلاثة سيناريوهات محتملة لتطور أزمة إقليم كردستان العراق  معتمد على منهج السيناريوهات للوصول إلى استنتاجات أكثر مقاربة للمستقبل ولا
تخرج عنه.

السيناريو الخطي :

يتمثل هذا السيناريو في الأساس في استمرار المتغيرات التي تطغي علي الأزمة مستقبلاً دون أن يتمكن الاقليم من الحصول علي الاستقلال الفعلي أو تكون هناك تسوية سياسية تدفع بالإقليم مرة أخرى إلىحاضنةالدولة العراقية ليسير في فلكها ولا يخرج عنها .وعليه فأن حالة اللاوضع ستظل تخيم علي أجواء الأزمة الكردية فلا الإقليم سوف يحصل علي استقلاله بعد الاستفتاء ولا سوف يعود مرة أخرى إلي الدولة العراقية كسابق عهده  كجزء منها لا يخرج عنها  بل سيتم إهدار الوقت في التفاوض بين الحكومة المركزية وإقليم كردستان العراق دون الوصول إلى نتيجة حتمية .وما يعمق من قوة هذه الفرضية الدعوة التي قد سبق وأعلنها رئيس إقليم كردستان ودعى فيها  الحكومة العراقية إلي الحوار الذي  قد تقبله الحكومة المركزية لإنخفاض تكلفته عن خيار الصراع المسلح  وفاعليته في كثيرا من الازمات .وكذلكفإن الصلابة التي يبديها كل طرف من أطراف الإزمة في موقفه ستعيق أي أمكانية  للحل أو التسوية وهو ما يجعل الطرفان يدوران في حلقة مفرغة دون الوصول الي نتيجة تذكر .[4]

السيناريو التفاؤلي (الإصلاحي):

يتمثل هذا السيناريو بالأساس في وجود عدد من الضغوط الدولية والاقليمية التي ستعيق استقلال الإقليم وستضطره إلى العودة مرة أخرى إلى سابق عهده كجزء لا يتجزأ من الدولة العراقية دون أن يكون هناك أي إحتمالية للإستقلال .ويتستند هذا السيناريو إلى المعارضة الدولية والإقليمية لإستقلال الإقليم على غرار تلك التى وجدت في حالة إقليم كتالونيا بأسبانيا ، وعليه سوف تصل إحتمالية استقلال الإقليم إلى أقل درجاتها خاصة مع موقع الإقليم الحبيس بين عدد من الدول الإقليمية الرافضة بشدة لاسقلاله وهي تركيا وإيران وبغداد مما يقوى من مركزهما في مواجهة تحركات الإقليم الانفصالية ويعزز من موقفهما في مواجهته خصوصاً مع إستخدام العامل الاقتصادي كورقة ضغط على الإقليم إذا ما أخذنا بعين الاعتبار أن الاقليم يستورد 90% من بضائعه من الخارج عن طريق أياً من هذه الدول الاقليمية الرافضة لاستقلاله والجدير بالذكر أن تركيا هددت بالفعل بوقف السماح لحكومة إقليم كردستان بتصدير نفطها عبر أراضيها إلى ميناء جيهان التركي على البحر الأبيض المتوسط  مما يعني نهاية الإقليم إقتصادياً. وفي سياق كهذا قد يجد الإقليم نفسه في موضع الضعف في مواجهة هذا الدول ويضطر إلى قبول التسوية المفروضة عليه والعودة  ثانية إلى حاضنة الدول العراقية مع مراعاة مصالحه وطموحاته.

السيناريو التشاؤمي (الراديكالي ):

يتمثل هذا السيناريو بالأساس في إحتمالية إندلاع حرب أهلية بين الحكومة المركزية وإقليم كردستان العراق ستنتهي بتدخل دولي وحصول الإقليم على استقلاله خصوصا مع وجود سوابق تاريخية لأزمات عربية من هذا القبيل كأزمة جنوب السودان واستقلاله عن شماله . ويستندهذ االسيناريو إلى مجموعة من المؤشرات والشواهد التي  تؤشر بأمكانية حدوثه مستقبلاً منها الصلابة التي يبديها كل طرف من الاطراف في موقفه وتوفر عدد من المقومات التي قد تساعد إقليم كردستان علي انتهاجه النهج العسكري المسلح كامتلاكه قوات عسكرية وهي قوات البشمركة المسلحة من قبل الولايات المتحدة الأمريكية فضلاً عن توافر الدعم الإسرائيلي لاستقلال الإقليم على الصعيد السياسي والاستخباراتي .كما أن احتمالية فرض الحصار الاقتصادي قد لاتجد لها قبول خصوصا من جانب تركيا علي إعتبار أنقطع العلاقات الاقتصادية سوف ينتج عنه تباعات وتداعيات سلبية على الوضع الاقتصادي للبلدين وستفقد تركيا نتيجة لذلك عشارات المليارات من الدولارات التي تجنيها سنوياً من العائدات التجارية ومن استيراد النفط والغاز ورسوم المرور. وعليه قد تقبل تركيا بفرضية استقلال الإقليم حفاظاً علي مكاسبها ومصالحها الإقتصادية إذا ما تم تسويته بطريقة تضمن مصالحها أو على أقل تقدير قد لا تجازف بأي حال إلى الدرجة التى تجعلها تقطع علاقاتها الاقتصادية مع إقليم كردستان حتي لو لم تعترف بوجودة ككيان مستقل وهو ما يصب في النهاية لصالح فرضية استقلال الإقليم ويزيد من قدرته على المناورة لتحقيق استقلاله.[5]

وأخيراً فإنه من الصعوبة بمكان ترجيح كفة أي من السيناريوهات سالفة البيان لاعتبارات عدة  تتعلق بطبيعة الظواهر الاجتماعية المتقلبة باستمرار  وإن كان الباحث يميل إلى السيناريو التشاؤمي لتماشيه مع ما يجري على الساحة من أحداث.

هوامش:

[1]مقلد ،اسماعيل صبري ،العلاقات السياسية الدولية :النظرية والواقع ،(الجيزة :المكتبة الاكاديمية ،2011 ط 1)ص103

[2]https://ar.wikipedia.org  (تاريخ الدخول 5/10/2017)

[3]https://futureuae.com/ar-AE/MainPage/Item/3269/%D9%85%D8%B3%D8،( تاريخ الدخول 5/10/2017)

[4]http://www.bbc.com/arabic/middleeast-41409110  (تاريخ الدخول 6/10/2017)

[5]https://futureuae.com/ar-AE/MainPage/Item/3269 (تاريخ الدخول 6/10/2017)

أضف تعليقك أو رأيك
الوسوم

المركز الديمقراطى العربى

المركز الديمقراطي العربي مؤسسة مستقلة تعمل فى اطار البحث العلمى والتحليلى فى القضايا الاستراتيجية والسياسية والاقتصادية، ويهدف بشكل اساسى الى دراسة القضايا العربية وانماط التفاعل بين الدول العربية حكومات وشعوبا ومنظمات غير حكومية.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق
إغلاق