عاجلمقالات

جدلية النخبة والقوة في النظام السياسي المصري

اعداد الباحث :  محمد الصاوي – المركز الديمقراطي العربي

مقدمة  :

تنصرف أذهاننا دوما إلي القوة؛ في تعاملاتنا اليومية ؛سواء القوة الجسدية أو المعنوية ؛فالإنسان يبحث دائما عن القوة ما إستطاع إليها سبيلا؛ ظنا منه أنها الحصن الآمن له ولإيدلوجيته ؛ ما يصبو إليه الفرد يتطابق علي حالة الدولة ؛ فالنظام السياسي هو مجموعة من الأفراد تمتلك القوة والمزايا المصاحبة لها ؛ كل هذا يدور في فلك التعاطي الأمثل للقوة الشرعية أو المقننة ؛ لكننا بصدد الحديث عن بعد آخر ؛هو الإستخدام المتطرف للقوة من قبل النخبة الحاكمة ، علي الرغم من شرعية القوة إلا أن التطرف في إستخدامها يلغي مشروعيتها بل ويعرضها للمساءلة والجدل .

ويقصد بالنخبة (مجموعة من الأفراد في وضع يسمح لهم بممارسة السلطة بشكل مباشر أو التأثير بقوة علي ممارسة هذه السلطة)[1] ؛ويتحتم علي هذه المجموعة تمثيل مصالح الشعب بأكمله كما أشار(ماركس) ؛ لكن حقيقة النخبة المصرية تذهب إلي ما نادى به (باريتو)؛أن النخبة تستمر في الحكم سواء عبرت عن مصالح الأغلبية ؛أو مارست الحكم الأوتوقراطي.

أما تعريف القوة فهو يشمل مصطلحات مثل(السطوة ،النفوذ،التحكم ،القدرة)؛ مترادفات للقوة ؛لكن التعريف العام للقوة هو (ممارسة القهر والإجبار علي الأخرين لتحقيق أهداف معينة)[2]  ؛أنواعها متعددة ؛ وأنماطها غفيرة ؛ لكنها تغري دوما بإستعمالها ؛ بل التطرف في إستخدامها.

جدلية النخبة والقوة في مصر :

تمتلك النخبة المصرية إرثا ضخما في إستخدام الجانب الآخر للقوة؛ليس لأنه الخيار الأوحد في التعاطي مع الموقف القائم ؛فرعون مصر كان مثلا لذلك ؛دعاه النبي(موسي) عليه السلام أن يؤمن بالله ؛وأن يحتفظ بملك مصر ؛لكنه رفض الدبلوماسية بتحريض من نخبته قارون؛وطارد النبي ليقتله  فأدركه الغرق ؛ محمد علي وتصفيته بالقوة والإرغام لمعارضية من المماليك أو النخبة الشعبية ؛وفي عصرنا الحديث السادات عندما فضل الخيار العسكري ؛علي التفاوض الذي كانت تقوم به الحكومة القبرصية مع الطائرة المصرية المختطفة في لارنكا ؛ليتم تصفية فرقة العمليات الخاصة المصرية من قبل الحرس الحمهوري القبرصي؛ وتتأزم العلاقات مع دولة قبرص.[3]

التساؤل الرئيسي:

  • لماذا تحتكر النخبة المصرية خيار القوة؟
  • هل لأنها تفتقد ميزة إيجاد البدائل ؟
  • فلا تقوى علي الإختيار من متعدد ؟
  • أم أن البدائل جلية والعقول عاطبة ؟

تميل النخبة المصرية إلي إستخدام القوة لعدة تحليلات كالتالي :

  • لماذا لا يرغب المصري في دخول المقرات الشرطية حتي لو كان بريئا ؟ وعند دخوله لماذا يحرص علي إصطحاب أكبر عدد من الأفراد معه ؟ أو هوية لشخصية عامة أو من النخبة ؟

رسخ في الإرث المصري القوة ؛وأقر بها سلوكه ؛ حتي إن نبذتها الخطابات العصماء ؛ الفوضى التي يحيا فيها دائما ما تملي عليه السعي لأكبر قدر من القوة ؛ حتي لا يضحي ضحية قوة آخري ؛ لذلك ترعرت أعمال لإستغلال هذه الصفة ؛نشأت (الفتوة) لإستخدام القوة لحماية أهل حارته ؛ وإنحراف هذه القوة الصغيرة كان إنعكاس لإنحرافها في المجتمع الأكبر ؛ لذا عشق المصري القوة حتي لو كان ضحيتها ؛الأمر أضحي سيكولوجيا بغض النظر عن واقعية الفعل أو مشروعيتة ؛ حتي التراث الأدبي زاخر بمناقشة هذه الفكرة فكرة القوة؛أبرزها (ملحمة الحرافيش لنجيب محفوظ) والذي قال فيها (عرض عاشور علي الحرافيش أمرين ؛أن يعلموا أبنائهم الفتونة حتي لاتهين قواهم فيتسلط عليهم وغد أو متأمر…….)[4]

  • الإحساس بالإنجاز الحقيقي جراء إستخدام القوة ؛ الجماهير تدرك أن محطة (مترو الأنفاق) من الدقي إلي التحرير؛والمتموضعة أسفل النيل ؛هو إنجاز يعادل بناء السد العالي ؛ إضافة إلي أن الكلفة لا تتعدي الجنية؛ قياسا علي المثال السابق ؛لماذا نكلف أنفسنا عناء مواجهة الفكر بالفكر؟ ؛ لماذا نفسح المجال للمظاهرات القانونية ؟إستخدم القوة وإجهز عليها قبل أن تقفدنا نخبويتنا .
  • إنحدار أغلب رؤساء مصر من المؤسسة العسكرية ؛فالقوة لا تقتصر علي الجوانب المهنية فقط ؛لكن الشخصية أيضا ؛ أورد (أنيس منصور ) أن عبدالناصر أرغم والده (عبدالناصر حسين) علي تقبيل يده ؛أمام الزعماء العرب في حفل عشاء[5] ؛حتي من تقلدوا السلطة من خلفية آخرى ؛ مثل (محمد مرسي) فأنه قدم من جماعة لها من السطوة علي أعضاءها الكثير؛ فمثلما صرحوا دائما (الأخ في يد مرشده كالميت يقلبه كيف يشاء) .
  • درامية الوصول للسلطة أي الطريقة التي وصل بها القائد السياسي إلي السلطة ؛ هل إنقلاب عسكري أو ثورة سياسية أو نصر إنتخابي ساحق ؟ يعقب ذلك حكم شمولي في الدولة لمدة تترواح من ستة أشهر إلي سنه في النظم الديموقراطية وهو ما يطلق عليه (شهر العسل)[6]؛ولأن أغلب النخبة المصرية إنقلبت بصورة ناعمة كانت أو صلبة؛تمخض عنها حكم أوتوقراطي؛فأنها تستبد كل فترتها دون هوادة ؛ويصبح فترة حكمها( شهر عسل) كامل .

إشكالية النخبة المصرية :

ضيعت النخبة المصرية علي نفسها وعلي وطنها فرصا كثيرة ؛لم تتعلم النخبة من دروس الماضي البعيد كما أنها استباحت دورها ومقدراتها من خلال مصلحة شخصية مع نظم سياسية مستبدة [7] ؛ أول معضلات النخبة المصرية هي إنقسامها منذ عصر محمد علي إلي عصرنا الحديث بين مكون ديني رديكالي ومكون مدني حديث[8] ؛عضد من هذا التقسيم ظهور النخبة العسكرية؛وقد تكرس هذا الإنقسام بعد أحداث تظاهرات 25 يناير ؛ وأحداث 30 يونيو ؛وأضحت الفجوة جلية ؛نتيجة فقد القدرة علي الموائمة ؛ والوسطية ، المعضلة الثانية تتمحور حول الإخلال بتوازن النخب ؛وهو أن النخبة المدنية الحديثة والإسلامية الراديكالية علي حد السواء ؛لم تستطيع ملء الفراغ وسد الفجوة ؛لذلك قفزت النخبة العسكرية فوق النخبتين ؛بل إنحرفت رسالة النخبة بشكل عام ؛ وجاهدت النخبتان في سبيل توطيد العلاقة مع النخبة العسكرية ؛ عن طريق المصاهرة والأعمال الإقتصادية المشتركة ؛فتم التزاوج بشكل مبتكر؛ ثالثا  (دورة النخبة)[9] أي تحول النخبة الحاكمة إلي غير حاكمة والعكس؛ أي الإضطراد والهبوط في مسار طبيعي محدد ؛إلا أن إستمرار النخبة يستمر بإستمرار النظام السياسي المصري ؛فهي غير معبرة بالمرة عن الحراك الشعبي العام؛ حتي الصفوة المضادة والتي تحتل موقع المسئولية جراء ثورة شعبية أو إنقلاب عسكري ؛هي صفوة لديها ولع بمستوي الصفوة الحاكمة ؛ وغير مؤهلة إطلاقا للحكم.

لذلك لم يكن غريبا فشل (محمد مرسي) في قيادته للبلاد ؛وإنحدار الإقتصاد المصري في ظل النظام الحالي ؛ذلك أن النخبة الحاكمة تمتلك بورتريه الوجاهة والحكمة كلما بعدت عن سحر الكاميرا؛لكن يخفت بريقها عند تعرضها للأضواء ؛أخرها كيفية معالجة قضية سد النهضة ؛ من إدارة الإجتماع إلي الأطروحات والمسارات التي تم عرضها  .[10]

 نخبة النظام الحالي والمستقبل :

دفعت النخبة المباركية نظام مبارك نحو الهاوية؛وشكلت نقطة مفصلية في التاريخ المصري ؛وفي أحداث الثورة[11] ؛ذلك أنها أزاحت الستار عن ديماجوجية الخطب المباركية ؛ كل نخبة تشكل مصالح طبقة معينة ؛ ومبارك إنحاز للطبقة الرأسمالية ؛في مواجهة البرولتياريا المصرية ؛فتهاوت دولة رجال الأعمال ؛في حديث آخر؛ نخبة نظام الأخوان طبقت نظرية (الفعل الشرطي المنعكس) لإيفان بافلوف ؛ بمجرد رفع سقف الخطاب المحرض ضدهم ؛ظهر الوجه العدائي والصدامي لهم ؛ لتسقط ورقة التوت ؛ ليتم إعداد تقرير من الحكومة البريطانية أن الإنتماء للأخوان أو الإرتباط بهم هو مؤشر علي التطرف[12]؛ فتحول الإخوان من نخبة حاكمة إلي رواسب للنخبة القائمة.

النخبة الحالية مثيرة للجدل ؛إلا أن الإطار العنيف التي بدأت به الحكم كعقد إجتماعي فريد من نوعه ؛ والأطر المتعارف جعلها مجهولة ؛فهي تقامر بكل شئ داخليا أو خارجيا ؛ فهي حقا جدلية ؛وتستحق التمحيص والتدقيق.

في الختام نتأني ليفرز المجتمع نخبة ؛ من خضم هذه التغيرات والتباديل والتوافيق؛ تستطيع تقويم السلطة كمحاولة سابقة علي الوصول إليها .

الهوامش:

[1] -بوتومور’’الصفوة والمجتمع’’ ترجمة(محمد الجوهري وأخرون)-( مصر:دار المعرفة الجامعية :الطبعة الأولي) ص 27

[2] -روبرت أ.دال ’’التحليل السياسي الحديث’’ ترجمة (علا أبو زيد)-(مصر:مركز الأهرام للترجمة والنشر:الطبعة الخامسة) ص44

[3] -أشرف عبدالحميد ’’كيف واجه رؤساء مصر عمليات خطف رعاياهم’’ (لبنان: قناة العربية:2015) في  http://www.aralarabiya.net/

[4] -نجيب محفوظ ’’ملحمة الحرافيش (مصر :مكتبة مصر ) ص 260

[5] -أنيس منصور’’عبدالناصر المفترى عليه والمفتري علينا’’ (مصر :نهضة مصر :الطبعة الأولي)

[6] -محمد السيد سليم ’’تحليل السياسة الخارجية ’’ (مصر :مكتبة النهضة المصرية :الطبعة الثالثة )2013؛ص342

[7] -فاروق جويدة ’’حين كانت النخبة ضمير مصر’’ (مصر:الأهرام ) ؛للمزيد في http://www.ahram.org.eg/News/131842/4/484539

[8] – محمد شومان ’’أزمة النخب المصرية بين الإستمرار والتغير’’  (السعودية : صحيفة الحياة ) للمزيد في http://www.alhayat.com/Opinion/Writers

[9] -بوتومور ؛مرجع سبق ذكره ؛ ص 30

[10] – للمزيد في https://www.youtube.com/watch?v=kdyMi1hrpoA

[11] -……’’موقعة الجمل ..النقطة المفصلية في الإطاحة بنظام مبارك’’ (قطر :الدوحة :الجزيرة) للمزيد في http://www.aljazeera.net/encyclopedia/events/2016/6/8

[12] -….’’ الحكومة البريطانية :الإرتباط بالأخوان مؤشر محتمل علي التطرف لكن الجماعة لن تحظر’’ (إنجلتر:لندن:(BBC للمزيد في http://www.bbc.com/arabic/worldnews/2015/12/151217_uk_muslim_brothers_report

أضف تعليقك أو رأيك
الوسوم

المركز الديمقراطى العربى

المركز الديمقراطي العربي مؤسسة مستقلة تعمل فى اطار البحث العلمى والتحليلى فى القضايا الاستراتيجية والسياسية والاقتصادية، ويهدف بشكل اساسى الى دراسة القضايا العربية وانماط التفاعل بين الدول العربية حكومات وشعوبا ومنظمات غير حكومية.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق
إغلاق