fbpx
الشرق الأوسطتقدير الموقفعاجل

عقيدة الحشد الالكتروني : المجال الرابع للمواجهة

اعداد : د.علي بشار بكر أغوان

أستاذ العلوم السياسية جامعة البيان إقليم كردستان – العراق – اربيل

  • المرؤكز الديمقراطي العربي

نحن نعيش الآن عصر تجارة و بيع الحروب لصالح شركات أسلحة و كارتلات نفط عملاقة و لتنظيمات مسلحة إضافة الى شركات التطوير الالكتروني لبرامج المواجهة الافتراضية عبر المجال الرابع للحشد ، سيكون الخاسر الوحيد فيها هو الإنسان التعيس .

إستراتيجية الحشد الافتراضي

بات من الواضح جدا ان من أهم شروط متطلبات النمذجة الإقليمية و الدولية و الاستمرار بفعالية عالية للقوى الكبرى ان تكون قادرة على ابتكار طرائق جديدة للتأثير بوسائط متعددة تمكنها من الانفراد في صدارة الفواعل و تكون لهذه القوة براءة اختراع تميزها عن غيرها وتساعدها على نمذجة نفسها و تسويق ذاتها للآخرين عبر ما تمتلكه من مقومات لا يمتلكها أي طرف آخر من الفواعل .

ان توازنات القوى الكبرى إقليمياً و دولياً لم تعد تعتمد على محددات تقليدية في حالة قياس قوة كل فاعل لمكانته أمام الأطراف الأخرى ، فقد أمسينا نعيش إرهاصات الحروب التقليدية  التي تعتمد على الحشد الهائل للإمكانيات المادية و تعبئة إستراتيجية شاملة لكل القدرات المتاحة للدخول في مواجهات عسكرية مباشرة تشبه المقامرة التي يمكن ان تنهي وجود الدولة من الأساس اذا لم تتم حسابات الربح و الخسارة بطريقة صحيحة .

أصبح العالم الآن اكثر سرعة و تفاعل و حركية و ميوعة ، و صار من الصعب بمكان على الدول التي تتعامل مع الأزمات لاسيما الأمنية منها تقليدياً ، وقع عليها أعباء كبيرة أهمها ان تضبط إيقاع هذه السرعة بسهولة ممتنعة و كفاءة عالية ذلك بسبب سيولة الأحداث و شفافيتها.ان تنوع مصادر المخاطر الأمنية التي ممكن ان تصيب أي وحدة من وحدات الدولة  داخلياً أو خارجياً دفعت مفكروا الإستراتيجية و محترفو الأمن القومي الى ابتكار و ولادة طرائق جديدة للهجوم و الدفاع تساعد على التكيف في إخضاع الخصم و تحجيمه و شله مؤقتاً أو بصورة دائمية ، هذه المبتكرات الجديدة أثرت و بشكل كبير في مبادئ و عقائد الحرب و أدواتها إضافة الى أشكالها و أنواعها و أثرت في طبيعة التوازنات الدولية و نوعياتها .

العسكرة الالكترونية

بأي حال من الاحوال لا يمكن لأي عقيدة إستراتيجية شاملة تتفرع منها العقيدة العسكرية القتالية (دفاعية كانت ام هجومية) ان تستغني عن المبادئ التقليدية للمواجهة و الحشد التي تنقسم الى مجالات عدة (برية – جوية – بحرية) على وفق نظريات الجيوبلتكس التي تتعامل مع البيئة الإستراتيجية بأنها وسط ينمو و يتحرك ، فلا يمكن الاستغناء في أي مواجهة او حرب طويلة كانت ام قصيرة محدودة كانت ام مفتوحة عن القوات البرية او البحرية او الجوية بسبب ضرورة (مسك ارض او تعبئة لوجستية عملياتية او إسناد جوي او بحري مستمر و فعال) لصالح فرضيات حروب المجالات الافتراضية و الالكترونية او ما تسمى بــ (حروب السايبر وور) او (حروب الشبكات) (مهما كان لهذه الأخيرة قدرة على التأثير و الحسم و التعبئة و تحقيق الأهداف المرسومة ، لذلك لا تتجرأ أي عقيدة عسكرية تنضوي تحت المنظومة المتكاملة للإستراتيجية الشاملة ان تطرح مثل هكذا طروحات تتضمن إلغاء او تقليل من أهمية دور المجالات الثلاثة (الجوية – البحرية – البرية ) في الحرب .

لا اعلم هل نحن محظوظون ام تعساء ، نحن نعيش الآن إرهاصات نهاية مرحلة طويلة عمرها عمق التاريخ البشري من موجات المواجهة التقليدية العسكرية و نشهد ولادة موجات جديد من أبعاد المواجهة والحشد الافتراضي السبراني الى جانب المواجهات التقليدية التي لا يمكن الاستغناء عنها . يعتمد هذا المجال على  فرضيات عقيدة الحشد الافتراضي (الالكتروني) القائمة على أساس إدارة العقول عبر فاعلوا الشبكات و الجيوش الالكترونية التي تقوم بتشكيل المدركات و إذابة القيم الاجتماعية و الثقافية بواسطة المجال و البعد الافتراضي الالكتروني (فيسبك – تويتر – انستغرام – فضائيات – صحف – مجلات – اعلام بكافة تفرعاته …. الخ) الامر الذي يؤدي إعادة تشكيل و توجيه هذه المدركات بحسب ما تتفق مصالح الفاعل الأقوى .

المجال الرابع للمواجهة(عقيدة الحشد الالكتروني)

ان الدول المتقدمة الكترونياً صارت تملك جيوش و مؤسسات الكترونية و وحدات افتراضية مستنفرة  على مدار الساعة ، تعمل هذه المؤسسات على تطوير نماذج جديدة لمجالات المواجهة و التعبئة الالكترونية عبر تطوير العقيدة الالكترونية الافتراضية و بناء افكار الحشد و التعبئة الالكترونية بوصفها بعد جديد من أبعاد القتال و المواجهة إضافة الى الأبعاد التقليدية (الجوية – البرية – البحرية) ، وقد طورت مجموعة من الدول دراسات و برامج عديدة و خلقت نماذج عبر عمليات مختلفة لمحاكة حروب الكترونية و مواجهات بين جيوش افتراضية تعمل بواسطة شبكة المعلومات الدولية ، وقد أصبح السايبر الافتراضي واحد من أهم دائم و ابعاد العقائد العسكرية لمجموعة من الدول مثل الولايات المتحدة و روسيا و اليابان و المانيا و بريطانيا و (اسرائيل) اضافة الى ايران و تركيا ، عبر ما طوره خبراء عسكريون و متخصصين في مجال الحاسبات و الشبكات الالكترونية العسكرية الذين اقترحوا ان يكون هذا المجال هو البعد الرابع و الجديد للمواجهة العملياتية .

مع هذا فقد برزت طروحات إستراتيجية جديدة تدعو للمزاوجة بين ما هو تقليدي و غير تقليدي و خلق أنموذج جديد عبر إعادة هيكلة الجيوش و إجراء عمليات مراجعة شاملة لنوعياتها و إمكانياتها و قدراتها ، و قد خلصت هذه الطروحات الى ان إنشاء قوات نوعية شاملة تزاوج بين ما هو تقليدي و غير تقليدي باتت ضرورة ملحة في عصرنا الحالي ذات مواصفاتها عالية تكون ذات مواصفات سريعة من حيث الحركة و خفيفة  من حيث الوزن و متطورة من حيث الكفاءة تعمل بفعالية تحت كافة الظروف ، قليلة العدد متطورة من حيث المعدات تجعل من بيئة المعركة بيئة مهيأة يسهل التعامل معها لا سيما حين تنفرد قوة معينة بهذه الامتيازات .هذا التأثيرات الكبيرة على العقيدة القتالية أدت الى تقليل عدد المقاتلين مقابل زيادة في نفقات المعدات المتطورة و توسع مساحات استخداماتها .

ان تطوير هذا الأنموذج أدى الى جعل العالم الافتراضي والحروب الجارية فيه وسط يشترك فيه الأفراد العاديون غير العسكريون (في بيئة أصبح فيها جميع الأفراد جنود من حيث يعلمون او لا يعلمون) بسبب ان عصر حروب (السايبر وور) (و حروب الشبكات و إدارة القتال عن بعد) أصبح واضح المعالم الآن ، و لم تعد الجيوش العسكرية التقليدية وحدها تشارك في القتال ، بل أصبح هناك جيوش الكترونية تتكون من تصنيفات متقدمة من الجنود هم من المتخصصين في شؤون عسكرية و اجتماعية و اقتصادية و سيكولوجية متخصصة في إدارة الرأي العام و المجتمعات المتضاربة و حروب الأفكار و تهيئة العقول يسمون بــ (فاعلوا الشبكات) وهم الذين يقودون هذه الحرب التي تكون موجهة الى الافراد العاديين (معنيين و غير معنيين) و هم جزء من المعركة أينما يكونوا شاءوا ام أبو (عبر احتكاكهم بالوسط الالكتروني الافتراضي) ، من خلال حروب الإعلام و الفضائيات و الحروب النفسية و حرب الدعاية الالكترونية و حرب الإشاعات و حروب التظليل الفكري و التزييف العقلي و التغييب الإدراكي التي يتعرض لها الفرد يومياً أينما كان و التي تعمل اليوم على تشكيل مدركات الأفراد وإدارة التوجهات العامة بكافة أبعادها الدولية و الإقليمية و المحلية .

نحن نعيش إرهاصات نهاية مرحلة طويلة عمرها عمق التاريخ البشري من المواجهات التقليدية،و نشهد ولادة بعد جديد من أبعاد المواجهة والحشد الافتراضي السبراني. بسبب ان زمن الاعتماد على أدوات تقليدية في الحرب قد أصبح شيء من الماضي في ظل معطيات مفارقة القوة المتحولة لصالح كمية و نوعية الأسلحة المستخدمة في المواجهة . فبعد موجة كبيرة و قفزة نوعية عملاقة في صناعة الحرب و إدارتها أصابت العقيدة الإستراتيجية لمفهوم الحرب و مبادئها و أدواتها ، جرُ الفواعل الدوليون ليكونوا أمام حروب سبرانية افتراضية تدار عبر شاشات لوحية الكترونية يكون فيها المرسل و المستقبل في حالة مواجهة غير مباشرة طويلة الأمد ربما يبعدون عن بعضهم مئات الكيلومترات.

(فاعلوا الشبكة)

فاعلوا الشبكة : هم مجموعة بشرية (مادية حقيقية موجودة على ارض الواقع) تستخدم الوسط الافتراضي لإدارة مجموعة من الأفراد و توجههم باتجاه معين عبر التأثير المباشر او غير المباشر من خلال تشكيل آراءهم بواسطة جملة من الأدوات الالكترونية و الوسائط المعنوية التي لها آثار مادية على ارض الواقع .و الفاعل في هذا المجال هو أي شخص يمتلك القدرة على ان يؤثر على مجموعة من الأفراد و يوجههم في الاتجاه الذي يريده عبر الوسط الالكتروني مثل (الفيس بك و تويتر و انستغرم و غيرهما من مواقع التواصل الاجتماعي) ، و من أحدث تطبيقات هذا الفرع من فروع المعرفة الالكترونية ما قامت به مجموعة من الشباب العربي في تنظيم تظاهرات و إسقاط حكومات في المنطقة العربية (بغض النظر عن المسبب الرئيس و النتيجة النهاية) ، لكن كان لفواعل الشبكة اثر كبير في عملية التعبئة و التحشيد و الدعم و الضخ الكبير للأفكار و ادارة الرأي العام و التفاعل عبر هذا الوسط الالكتروني الجديد.

الجيوش الالكترونية( الافتراضية )

بسبب التطور العظيم في أدوات و مفاهيم الحرب ، صارت الدول تولي اهتماماً كبيراً لتشكيل وحدات الكترونية و هيئات مستقلة تعمل لأغراض هجومية و دفاعية في أوقات السلم و الحرب ، فبعض الدول أصبح لديها هيئات مستقلة عن وزارة الاتصالات مرتبطة ارتباطاً وثيقاً بمؤسسات الأمن القومي و المخابرات و وزارة الدفاع و الداخلية، على وفق عقيدة المجال الرابع للمواجهة ، تعمل على إدارة الصراعات و الأزمات و الحروب من خلال وحداتها الالكترونية التي تقوم بعمليات نوعية للتعبئة و الحشد عالية المستوى مثل الهجمات الالكترونية الفايروسية او عمليات الدفاع الذاتي من أي هجوم الكتروني مضاد من قبل العدو .ان ارتباط الدول المتقدمة بالمجال الالكتروني من خلال مؤسساتها و دوائرها و ربط اقتصادها و مواردها و أمنها القومي الكترونياً جعل هذا البعد الافتراضي واحد من أهم و اخطر أجزاء العقيدة العسكرية الجديدة في القرن الحادي و العشرين . و لنتخيل معاً حجم الدمار الذي يمكن ان يحققه هجوم الكتروني على دائرة مرور لندن يتم من خلال هذا الهجوم تعطيل الإشارات الضوئية لدقائق قليلة ، و لنتخيل معاً حجم الدمار لو ان هذا الهجوم أصاب مطارات عملاقة او موانئ او محطة توليد كهرباء او سكك حديد او بورصة للتعاملات النقدية ، فكيف اذا كان هذا الهجوم على مفاعل نووي او منظومة دفاعية للصواريخ العابرة للمحيطات ؟؟!

ان لا نهائية هذه الحرب تعني أنها قد بدأت و لا يمكن لنا ان نحدد لها وقت للانتهاء كما أنها تحدث في عالمنا هذا كل يوم و كل ساعة و دقيقة و ثانية ، ان لا نهائية هذا النوع من الحرب يجعل من موضوعة الحسم الختامي للحرب قضية غير متوافرة ، بمعنى ان هذه النوعية من الحروب لا تعتمد على نهايات معينة بقدر ما تعتمد على استمرارية متواصلة للنجاحات او للفشل التي تقوم على ضخ أفكار و قيم و مبادئ جديدة و محدثة تجاه العدو او (الطرف الآخر الموجهة ضده هذه الحرب) ، هذه النوعية من الحروب يكون العقل و الإدراك و الاستيعاب موضع المحاكمة و المواجهة ، و هي على جولات عديدة (معارك لا نهائية) ، تتم حسابات النصر و الخسارة  فيها بناءاً على عدد الإصابات (النقاط) او (الأهداف) يحددها و يحققها كل طرف و لا تنتهي بنهاية الحرب ، بل ان هذه الحرب تتكون من معارك متعددة الجبهات لا متناهية مفتوحة ليس فيها تاريخ للبدء ولا للانتهاء ، لا تكاد تنتهي معركة هنا لتبدأ الأخرى بعدها هناك و لتستمر الحرب مستعرة في كل وقت و كل زمان .

ان فرضية وجود الجندي الالكتروني المادي (وهو الرجل الالي) و غير المادي (وهو الإنسان الطبيعي لكن يقاتل عبر السايبر) يعٌمل الآن على تطويرها و جرها للواقع عبر برامج محاكاة عملية في مختلف مختبرات الحاسوب المتطورة في العالم ، نحن هنا نتحدث عن مستقبل قد بدأت ملامحه تتضح أمامنا بشكل كبير ، هذه الفرضيات ستساعد على تقبل فكرة التقليل من الحشد الكبير للموارد البشرية العسكرية و الاقتصادية من ثم ربما الاستغناء رغم أني غير مؤمن الى الان بالاستغناء عن جيوش على ارض الواقع .إضافة الى ان تحقيق هذه الفرضية ستغني عن تطوير عقيدة نفسية عسكرية للجندي مقابل وجود جندي الكتروني ينظم الى الجيش الافتراضي الذي يقاتل عبر لوحات سبرانية تمكنه من تحويل ارض المعركة الى لعبة  !!.

الوسوم

المركز الديمقراطى العربى

المركز الديمقراطي العربي مؤسسة مستقلة تعمل فى اطار البحث العلمى والتحليلى فى القضايا الاستراتيجية والسياسية والاقتصادية، ويهدف بشكل اساسى الى دراسة القضايا العربية وانماط التفاعل بين الدول العربية حكومات وشعوبا ومنظمات غير حكومية.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق