الشرق الأوسطتحليلاتعاجل

هل الحوار الاستراتيجي الأمريكي – القطري تحوّل علني في سياسة ترامب اتجاه الخلاف الخليجي ؟

-المركز الديمقراطي العربي

تشعر الولايات المتحدة بالقلق خشية أن تؤثر هذه الأزمة الخليجية على عملياتها العسكرية وعمليات مكافحة الإرهاب التي تقوم بها وأن تزيد النفوذ الإقليمي لإيران التي تدعم قطر من خلال السماح لها باستخدام مجالها الجوي والبحري.

وتوجد بالدوحة قاعدة العديد الجوية أكبر منشأة عسكرية أمريكية في الشرق الأوسط. وتنفذ من هذه القاعدة قوات التحالف بقيادة الولايات المتحدة طلعات جوية على تنظيم الدولة الإسلامية في سوريا والعراق.

وقال جان-مارك ريكلي وهو محلل للمخاطر في مركز جنيف للسياسة الأمنية إن الأزمة تتجاوز تمويل الإرهاب مشيرا إلى مخاوف الخليج من دور إيران واهتزاز الاستقرار الداخلي والنفوذ الإقليمي لجماعة الإخوان المسلمين إلى جانب التنافس على القيادة في المنطقة.

مع تفاقم الأزمة الدبلوماسية بين قطر والدول الخليجية المجاورة، يكمن التحدي الرئيسي في تحديد أفضل نهج قد تتبعه واشنطن في دور الدوحة المعقد كشريكٍ أمني للولايات المتحدة. وتعتبر قطر حليفاً استراتيجياً مهماً بالنسبة لواشنطن، ولا سيما باعتبارها مضيفة لـ “قاعدة العديد الجوية”، وهي منشأة هامة في المعركة ضد تنظيم «الدولة الإسلامية» .

إلا أنها تدعم أيضاً قوى خطيرة في الشرق الأوسط تهدد مصالح الولايات المتحدة والحلفاء. ونتيجة لذلك، ينطوي المناخ الحالي على فرص ومخاطر بالنسبة لواشنطن.

دعا وزيرا الخارجية والدفاع الأمريكيان يوم الثلاثاء جميع أطراف النزاع بين قطر وكل من السعودية والإمارات إلى تهدئة التوتر بين الدول الأعضاء في مجلس التعاون الخليجي.

وقال وزير الخارجية الأمريكي ريكس تيلرسون خلال لقاء مشترك بين وزيري الخارجية والدفاع الأمريكيين ونظيريهما القطريين “من الضروري أن تعمل كل الأطراف على الحد من الحرب الكلامية وأن تتحلى بضبط النفس لتجنب المزيد من التصعيد والعمل من أجل التوصل إلى حل (للخلاف)”.

وقال وزير الدفاع جيمس ماتيس في إشارة إلى تنظيم الدولة الإسلامية “وحدة مجلس التعاون الخليجي تعزز فاعليتنا على الكثير من الجبهات، خاصة بشأن مكافحة الإرهاب وهزيمة داعش ومواجهة تمدد النفوذ الإيراني الخبيث”.

وأضاف “ولذلك من الضروري أن يستعيد مجلس التعاون الخليجي تماسكه مع عودة دول الخليج الأبية إلى الدعم المتبادل من خلال حل سلمي يسهم في زيادة استقرار المنطقة ورخائها”.

وتحدث الرجلان مع نظيريهما القطريين بعد أول دورة من الحوار الاستراتيجي القطري الأمريكي الذي بات حدثا سنويا. ويتألف مجلس التعاون الخليجي من البحرين وعمان والكويت وقطر والسعودية والإمارات، وجميعها حلفاء للولايات المتحدة.

وأفادت تقارير في وقت سابق على أن وزير الدفاع الأمريكي، جيمس ماتيس، حض نظيره القطري، خالد بن محمد العطية، على تأكيد “أهمية تخفيف التوترات… بما يمكن كل الأطراف في منطقة الخليج من التركيز على خطوات مقبلة تلبي الأهداف المشتركة” بحسب بيان للبنتاغون.

وتشير التقارير إلى أن المسؤولين “أكدا على الشراكة الأمنية الاستراتيجية” بين الولايات المتحدة وقطر، التي تستضيف قاعدة عسكرية أمريكية ضخمة تضم 10 آلاف عنصر من عديد القوات الأمريكية، وتمثل موقعا حيويا في حملة الولايات المتحدة ضد تنظيم الدولة الإسلامية.

يتصدر دحر تنظيم «الدولة الإسلامية» أولويات إدارة الرئيس ترامب فيما يخص الأمن القومي. لكن طرد «داعش» من الموصل والرقة قد يعني في النهاية غياب القدرة على ضمان أمن هاتين المدينتين وغيرهما وإعادة بنائها وحكمها.

ويتطلب منع حصول فراغ خطير في السلطة في المناطق المحررة من قبضة تنظيم «الدولة الإسلامية» انخراط عاجل للدول العربية السنّية الموحدة.

في 30 كانون الثاني/يناير استضاف وزير الخارجية الأمريكي ريكس تيلرسون في واشنطن بالاشتراك مع وزير الدفاع الأمريكي جيم ماتيس حواراً استراتيجياً بين الولايات المتحدة وقطر.

وفي دلالة مبشّرة بالخير على مدى جدية إدارة ترامب إزاء هذا المؤتمر الثنائي الأول من نوعه بين البلدين، تم التأكيد أيضاً على اختيار الوزير تيلرسون كمتحدث في حفل الاستقبال الذي أُقيم من قبل “غرفة التجارة” للوفد القطري مساء الإثنين التاسع والعشرين من كانون الثاني/يناير.

وفي مقال للباحث سايمون هندرسون وهو زميل “بيكر” ومدير برنامج الخليج وسياسة الطاقة – في معهد واشنطن حول الحوار الاستراتيجي الأول بين الولايات المتحدة وقطر يقول:

إن التزام واشنطن الرفيع المستوى بهذا الحدث يعود جزئياً إلى انحراف المساعي الأمريكية للتصدي لأنشطة إيران المخلة بالاستقرار في الخليج، عن مسارها منذ أيار/مايو الماضي بسبب اندلاع مظاهر التوتر السافرة داخل «مجلس التعاون الخليجي» بشكل مفاجئ.

وفي ذلك الوقت، تعرّضت “وكالة الأنباء القطرية” لهجوم إلكتروني واضح نُشرت فيه تصريحات وهمية متعاطفة مع إيران أدّت إلى قطع العلاقات الدبلوماسية بين قطر والتحالف المكوّن من السعودية والإمارات والبحرين ومصر. ثم أصدر التحالف لائحة تضمنت 13 شكوى ضد الدوحة، من ضمنها دعمها المزعوم للإرهابيين.

وقد تجلى الموقف الأمريكي من هذا الصدع في بادئ الأمر من خلال تغريدة للرئيس الأمريكي عبر موقع “تويتر” أعرب فيها عن تعاطفه مع الموقف السعودي والإماراتي وجاء فيها: “صرّحتُ خلال زيارتي الأخيرة إلى الشرق الأوسط أنه لا يمكن أن يكون بعد الآن تمويل لـ «الأفكار المتطرفة». ووجّه القادة أصابعهم نحو قطر وقالوا: انظر!”.

لكن ثبت بعد وقت قصير أن بعض أعضاء الإدارة الأمريكية اتخذوا موقفاً أكثر حيادية وسرّبوا الخبر القائل إن دولة الإمارات هي التي نظّمت الهجوم الإلكتروني الذي تعرضت له قطر. وبعد ذلك بوقت قصير وقّعت واشنطن والدوحة اتفاقية لمكافحة الإرهاب، لكن الجهود الرامية إلى إقناع الأطراف بمعالجة الأزمة قد تعثرت على ما يبدو بسبب ممانعة القائد الفعلي للإمارات، ولي عهد أبوظبي الأمير محمد بن زايد آل نهيان.

وعلى مدى الشهرين الماضيين، تفاقمت التوترات بين قطر والإمارات مع تبادل الدولتين الاتهامات بتحليق الطائرات العسكرية لكل دولة في أجواء الدولة الأخرى ومع حدوث ضجة بشأن خريطة عُرضت في متحف “اللوفر أبوظبي” تستثني شبه الجزيرة القطرية.

وفي ما بدا تراجعاً مدروساً بعناية، أعلنت القوات الجوية الإماراتية في 23 كانون الثاني/يناير أنها تتجنب التصعيد مع الدوحة، وبعد ذلك بيومين أعرب وزير الخارجية القطرية محمد بن عبد الرحمن آل ثاني عن موقف مماثل.

وفي يوم الإثنين 29 كانون الثاني/يناير، أعلن “اللوفر أبوظبي” أن حذف دولة قطر عن الخريطة كان بسبب “خطأ في الطلبية” [»الإهمال«].

وفي الوقت نفسه، كان الرئيس ترامب يلمّح إلى حدوث تحوّل علني في السياسة الأمريكية تجاه الخلاف. و قبل اسبوعين، وفي محادثة هاتفية أعرب الرئيس الأمريكي عن شكره لأمير دولة قطر تميم بن حمد آل ثاني على جهوده “لمكافحة الإرهاب والتطرف بكافة أشكاله”.

وبعد ذلك، وخلال الكلمة التي ألقاها الرئيس الأمريكي أمام “المنتدى الاقتصادي العالمي” في دافوس في 26 كانون الثاني/يناير بدا أنه يشدد على أهمية وجود جبهة خليجية موحدة حين ضمّن مقدّمة خطابه حول الشرق الأوسط بتصريحٍ معبّر جاء فيه: “لا نزال ندعو شركاءنا إلى مواجهة دعم إيران للإرهابيين”.

وفي وقت لاحق من ذلك اليوم أعلنت وزارة الخارجية الأمريكية عن الحوار الاستراتيجي بين الولايات المتحدة وقطر.

ومن المقرر أن يضم الوفد القادم من الدوحة هذا الأسبوع نائبَي رئيس الوزراء (وهما أيضاً وزيرا الخارجية والدفاع) ووزير الطاقة والصناعة ووزير الاقتصاد والتجارة ووزير المالية. وقد ذكرت وزارة الخارجية الأمريكية عبر موقعها على “تويتر” أن الحوار “سيناقش مجالات التعاون بين البلدين بما فيها التجارة والاستثمار والدفاع والأمن وإنفاذ القوانين ومكافحة الإرهاب والطيران”.

ومع ذلك، وإذ تبقى واشنطن ممتنّة لقطر على استضافتها “قاعدة العديد الجوية” والطاقم العسكري الأمريكي المؤلف من عشرة آلاف فرد، إلّا أن هناك أيضاً مسائل عالقة بينها وبين الدوحة، لا سيما فيما يتعلق بالإرهاب – ويفسر ذلك على الأرجح السبب الذي دفع مكتب مكافحة الإرهاب في وزارة الخارجية الأمريكية إلى نشر تغريدة قبل انعقاد القمة مفادها أن “الحوار الاستراتيجي بين الولايات المتحدة وقطر سيتضمن مواضيع مكافحة الإرهاب.”

ويقول مسؤولون سابقون إن أهمية الحوارات الاستراتيجية يمكن أن تختلف اختلافاً كبيراً وفقاً لمستوى التمثيل ونطاق المشاركة من الجانب الأمريكي. ويبشّر المشروع المشترك بين تيليرسون وماتيس بعقد جلسات مثمرة، إلّا أنه لا يمكن تكوين رأي كامل إلّا بعد انتهاء الحوار.

وتجدر الملاحظة أن نظام آل ثاني يسمح للولايات المتحدة باستخدام قاعدة “العديد” الجوية، وقد دعا جامعات أمريكية مثل “نورثويسترن” و”تكساس إيه أند أم” و”جورجتاون” إلى فتح فروع لها في قطر. غير أن الإمارة الصغيرة الغنية بالنفط تؤمن المأوى لكبار قادة حركة “طالبان”، وتدعم الإسلاميين المتطرفين في ليبيا وسوريا، وتمول منصات إعلامية لجماعة «الإخوان المسلمين» لبث رسالتها. ولا بدّ لأي حل لهذا الصراع أن يضمن تخلي قطر عن هذه المعايير المزدوجة.

ويرى “دينيس روس” وهو مستشار وزميل “ويليام ديفيدسون” المتميز في معهد واشنطن والمساعد الخاص السابق للرئيس أوباما. أن “تيلرسون قادر على إنهاء الأزمة القطرية” في مقال نشرته “وول ستريت جورنال”ويضيف:

أنه يتعيّن على تيلرسون أن يوضح أنه في حال رفض القطريون [تنفيذ مذكرة التفاهم مع الولايات المتحدة والتزاماتها الأخرى الآنفة الذكر]، ستسحب الولايات المتحدة قواتها من قاعدة “العديد”. وهذا هو نوع التهديد الذي لا بدّ أن يشغل تفكير آل ثاني. فالقطريون يعتبرون الوجود العسكري الأمريكي بمثابة ضمانة أمنية.

ومنع انسحاب الولايات المتحدة [من القاعدة العسكرية] يمنحهم الغطاء السياسي الذي يحتاجون إليه لإنهاء المواجهة الحالية. وآخر ما يرغب فيه القطريون هو أن يُنظر إليهم بأنهم استسلموا للسعوديين.

وبالتالي، فإن التدخل الأمريكي الفعال ضروري الآن لعدة أسباب. فتنظيم «الدولة الإسلامية» المهزوم قد يستغل الارتباك الحالي من أجل استعادة قوته. كما تستعد إيران وميليشياتها الشيعية أساساً لملء أي فراغ في السلطة في كل من العراق وسوريا، الأمر الذي يزيد من زعزعة الاستقرار في المنطقة. وبالنسبة إلى تيلرسون، قد تتوقف كفاءته المستقبلية كوزير للخارجية على هذا الأمر.

إن تردد تيلرسون أو عدم قدرته على ملء المناصب العليا في وزارة الخارجية الأمريكية ورسائل إدارة ترامب المتناقضة في كثير من الأحيان أثارت الشكوك حول قدرته على التحدّث باسم الرئيس الأمريكي، وهو موقف ضعيف بالنسبة إلى وزير خارجية.

لذلك، يتعين على تيلرسون أن يثبت بأنه يتمكن من حلّ المشاكل الدبلوماسية من خلال ممارسة النفوذ والتوصّل إلى نتائج. ولا بدّ من أن يحقق نجاحاً، لئلا يبدأ شركاء أمريكا وخصومها بالتشكك حول ما إذا كان من المنطقي العمل معه.

وكانت الإمارات والسعودية والبحرين ومصر قطعت روابط السفر والتجارة مع قطر متهمة إياها بدعم الإرهاب وإيران التي تناصبها تلك الدول العداء. وتنفي الدوحة الاتهامات وتقول إن هذه الدول تستهدف الانتقاص من سيادتها.

وتستضيف قطر قوات أمريكية ومتعددة الجنسيات في قاعدة العديد الجوية التي يوجد بها مركز العمليات الجوية المشتركة. ويتولى المركز تنسيق مجموعة كبيرة من البيانات ومعلومات المخابرات من الأقمار الصناعية والطائرات بدون طيار وأجهزة الرادار والطائرات الأمريكية التي تحلق فوق البقاع الساخنة في الشرق الأوسط وتقصف مواقع الدولة الإسلامية.

أضف تعليقك أو رأيك
الوسوم

المركز الديمقراطى العربى

المركز الديمقراطي العربي مؤسسة مستقلة تعمل فى اطار البحث العلمى والتحليلى فى القضايا الاستراتيجية والسياسية والاقتصادية، ويهدف بشكل اساسى الى دراسة القضايا العربية وانماط التفاعل بين الدول العربية حكومات وشعوبا ومنظمات غير حكومية.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق
إغلاق