الشرق الأوسطتقارير استراتيجيةعاجل

إسرائيل والدول العربية – هل ثمة فرصة لتطبيع العلاقات؟

ترجمة: إبراهيم أبوعلي – خاص المركز الديمقراطي العربي

  • موشيه يعالون و ليحي فريدمان ( MosheYaalon and Leehe Friedman )

ثمة تحول ملحوظ حدث في السنوات الأخيرة بين إسرائيل والعالم العربي السني، حيث اتسع مدى المصالح المشتركة بينهما كما تعاونوا بنجاح في عددٍ من القضايا الاستراتيجية الهامة مثل مسألة الأمن والطاقة والموارد الطبيعية. وعلى الرغم من حدوث معظم تلك الجهود خلف الستار إلا أن بعضها كان في العلن على مرأى ومسمع العامة.

منذ عقدٍ واحدٍ مضى لم يكن من الوارد أن يقوم رئيس هيئة الأركان العامة لجيش الدفاع الإسرائيلي بإجراء مقابلة حصرية لوسائل الإعلام السعودية كما فعل الفريق غادي أيزنكوت (GadiEizenkot) رئيس أركان الجيش الإسرائيلي في نوفمبر\ تشرين الثاني من العام الماضي، مؤكداً الإرادة الإسرائيلية “لتبادل المعلومات مع الدول العربية المعتدلة بما فيها دوائر الاستخبارات”، مشيراً إلى أنه في مسائل معينة “أن هناك اتفاق كامل بيننا وبين المملكة العربية السعودية”.

ولكن لاغتنام تلك الفرصة السانحة أمام إسرائيل والعالم العربي السني لابد من دراسة تلك العلاقة في السياق التاريخي الأوسع للعلاقات العربية الإسرائيلية، والوضع الحالي للصراع الإسرائيلي -الفلسطيني، وكذلك في ضوء التغيرات السياسية الأخيرة التي طرأت على الشرق الأوسط ككل.

المسألة الفلسطينية في العلاقات العربية الإسرائيلية:

لم تكن تمثل مسألة حق الفلسطينيين في تقرير المصير أكثر من وجهٍ واحدٍ فقط لوجوه الصراع العربي الإسرائيلي الأوسع نطاقاً حتى تم تأسيس منظمة التحرير الفلسطينية في الستينات من القرن الماضي.

رفض العالم العربي السني قبول تأسيس دولة يهودية، كما تمثلت في مقاومتها الواضحة لخطة الأمم المتحدة لعام 1947 لتقسيم الانتداب البريطاني لفلسطين إلى دولة يهودية وأخرى عربية. قبلت القيادة اليهودية بتلك الخطة، إلا أن المعارضة الحازمة للمنطقة أكدت أن مصلحتها في منع تأسيس دولة يهودية تغلبت على إلتزامهابحق العرب في تقرير المصير بمنطقة فلسطين الواقعة تحت الانتداب.

وحتى بعد إعلان قيام الدولة الإسرائيلية في عام 1948 وبعد هزيمة إسرائيل للدول العربية في حربها للاستقلال، ظلت إسرائيل يُنظر إليها كمٌحتل غريب ومؤقت لابد أن يُطرد.

إن المسألة الفلسطينية كانت السلاح الأساسي للعالم العربي ضد إسرائيل، وكانوا دائمي الحرص على إظهار الالتزام بالقضية مع العمل على تعزيز المكاسب الممكنة من ذلك الوضع إلى أقصى حد.

وبالإضافة إلى كون المضي قدماً لدعم القضية الفلسطينية وسيلة لإضعاف إسرائيل، إلا أنه أتاح للنظم العربية تفادي النقد والاضطراب الداخليين وتكوين إجماع عربي ضد ما يعتبرونه عدو صهيوني خارجي يهدد الأمة العربية. وساعد ذلك على خلق حالة من الاتحاد في العالم العربي حيث يوجد العديد من التناقضات بين الهويات المكونة للعالم العربي (من دينية إلى عرقية وقبلية وما إلى ذلك) والتي أعاقتهم عن الإلتفاف حول أي قضية أخرى.

إن التزام الدول العربية تجاه القضية الفلسطينية كان دائماً أكثر وضوحاً في المسائل التي تخدم مصالح العرب وليست بالضرورة مصالح الفلسطينيين. فيمكن أن نأخذ على سبيل المثال الاستجابة العربية لتدفق اللاجئين بعد الحرب العربية- الإسرائيلية في عام 1948 عندما فر أكثر من 700,000 فلسطيني بعضهم إلى الضفة الغربية والبعض إلى قطاع غزة والبعض الآخر إلى الدول العربية السنية المجاورة. إلا أن الخيار الأخير _ أي الدول العربية السنية المجاورة _ كانت الفرصة للدخول إليها والاندماج ممنوعة. وبدلاً من ذلك فإن الدول العربية أصرت على عودة اللاجئين إلى الأراضي الإسرائيلية.

وعلى الرغم من أن تلك السياسة أضرت بشدة الفلسطينيين الذين علقوا في ظروف عصيبة بمخيمات اللاجئين، إلا أنها أدت إلى تحقيق مصالح مزدوجة للدول العربية ; فإذا كان قد تم تنفيذ مبدأ العودة فإن المشروع الصهيوني سيُقضي عليه ديمواغرافياً، ولكن حتى ذلك الحين، ولطالما ظل اللاجئين الفلسطينيين في الأراضي العربية، فإن الدول العربية المضيفة كانت تحصل على تعويضات ومساعدات اقتصادية.

ويٌمكن أن تُرى شواهد تلك السياسة في الدور المتغير الذي كان من المفترض أن تقوم به وكالة الأمم المتحدة لإغاثة وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين (الانروا) والتي كانت مهمتها الأصلية هي تقديم مساعدات مؤقتة حتى نهاية عام 1950 للاجئين الفلسطينيين لإعادة بناء حياتهم والتوطين بأي مكان آخر في الشرق الأوسط. وتحت ضغطٍ من الدول العربية التي رفضت تسوية أوضاع اللاجئين داخل حدودها مع طلب المزيد من الإعانات للإبقاء عليهم، أصبحت وكالة الانروا آلية بيروقراطية ضخمة للرعايةالاجتماعية مما أدى إلى استدامة المشكلة والتى قد وجُدت من الأساس لحلها. فحتى اليوم فإن المأزق الإنساني لأبناء وأحفاد اللاجئيين _ والذين لا ينطبق عليهم وصف الأمم المتحدة للاجئ _ يتم الإبقاء عليهم لأسباب سياسية.

وكمثال آخر لازدواجية المعايير، وهي المعاملة السيئة من قبل الدول العربية للاجئين الفلسطينيين داخل حدود تلك الدول العربية. فباعتبارهم مواطنين من درجة ثانية، يواجه الفلسطينيون عقبات في الحصول على تصريحات للعمل، وغالباً يُمنعون من الحصول على الجنسية كما يواجهون تمييزاً في الحياة اليومية.

في السنوات الأخيرة كان هناك انتقاد قوي لحقيقة تجاهل الدول العربية لحقوق جموع الفلسطينيين الموجودة داخل أراضيها، وكانت حريصة للتعامل فقط مع الحالات التي يمكن أن تُستخدم لإدانة اسرائيل.

لقد استخدمت الأمم العربية القضية الفلسطينية لتتفادى مسئولية حل الصراع. فمصر على سبيل المثال كانت الأولى في الاعتراف رسمياً بإسرائيل كما وقعت معاهدة سلام مع إسرائيل في عام 1979. كما أظهرت القاهرة إلتزامها ومسئوليتها تجاه القضية الفلسطينية بتصميمها أن اتفاقية كامب ديفيد _ والتي سبقت معاهدة السلام المصرية – الإسرائيلية _ يجب أن تتضمن الإشارة إلى مستقبل الفلسطينيين في حكم ذاتي في الضفة الغربية وقطاع غزة. وعلى الرغم من ذلك فقد خلصت القاهرة نفسها من أي مسئولية تجاه قطاع غزة، كما فعلت ذلك عندما كانت غزة تحت الإدارة المصرية قبل أن تسيطر عليها إسرائيل في حرب الأيام الستة في عام 1967. ومن خلال تلك الإجراءات أعربت مصر أن التزامها تجاه القضية الفلسطينية كان سارياُ فقط على أن نتحمل إسرائيل العبء الحقيقي لحل القضية.

وفي عام 1988 انسحبت الأردن من أي مطالب من أجل تمثيل فلسطيني عندما تنازلت عن الإدعاءات المتعلقة بالسيادة في الضفة الغربية. وبإسمالإعتراف بالحق الفلسطيني في النضال من أجل الاستقلال أعلن الملك قطع كل العلاقات الإدارية والقضائية مع الضفة الغربية (باستثناء التعهد برعاية الأماكن الإسلامية المقدسة في القدس). ومن ثم فإن مسئولية التعامل مع القضية الفلسطينية انتقلت تماماً وبشكل مباشر إلى إسرائيل على النحو الذي تم فيه لأول مرة تعريف الصراع العربي- الإسرائيلي كقضية ثنائية.

وبعد ثلاث سنوات وفي مؤتمر مدريد للسلام، تمت آخر محاولة لمناقشة الصراع الإسرائيلي – الفلسطيني ضمن إطار متعدد الأطراف ولكنها باءت بالفشل، وأخذت المسألة بعد ذلك شكل المباحثات الثنائية بين إسرائيل ومنظمة التحرير الفلسطينية.

وفي عام 2002 بدأ عبد الله بن عبد العزيز آل سعود _ والذي كان ولي عهد المملكة العربية السعودية آنذاك ثم الملك منذ 2005 حتى 2015 _ في إعادة النظر في مسألة عملية السلام ضمن إطار إقليمي، ولكن توقيته لم يكن من قبيل المصادفة. ففي الشهور التي تلت أحداث الحادي عشر من سبتمبر\ أيلول تم الكشف عن أن 15 من أصل 19 إرهابياً من المتورطين في هجوم الحادي عشر من سبتمبر كانوا مواطنين سعوديين. فوجدت الرياض نفسها خاضعة تحت عمليات الفحص والتدقيق الأمريكية، وقد احتاجت بشدة أن تزيل عنها غبار تلك الصورة كمُصدِّر للإرهاب كي تحفظ حلفها الاستراتيجي مع الولايات المتحدة حيث كانت مسألة بالغة الأهمية بشأن مسألة الأمن.

وفي نفس الوقت كانت موجة الإرهاب الفلسطيني الجارية منذ سبتمبر\ أيلول 2000 محرضة للتظاهرات في كل أنحاء العالم العربي ممثلةً تهديداً لاستقرار المنطقة برمتها وكذلك لسوق الطاقة والتي تٌعتبر قاعدة أساس الإقتصاد السعودي واستقرار النظام. فأصبحت عمليات تعزيز السلام وتهدئة الوضع في المنطقة تشكل مصلحة للمملكة العربية السعودية، حتىوإن كانت بشكل صوري ظاهري فقط، وبالتالي فقد نشأت مبادرة السلام العربية.

كانت تلك المبادرة اقتراح سياسي لإنهاء الصراع العربي – الإسرائيلي، وقد قُدمت إلى إسرائيل مجموعة من المطالب وهي; الانسحاب إلى حدود ما قبل حرب الأيام الستة (1967)، الانسحاب الكامل من هضبة الجولان السورية وقطاع غزة، الانسحاب من يهودا والسامرة بما في ذلك القدس الشرقية، إيجاد حل عادل ومتفق عليه لمسألة اللاجئين، والموافقة على إنشاء دولة فلسطينية مستقلة وذات سيادة على الأراضي التي تنسحب منها إسرائيل _ عدا هضبة الجولان السورية _ وعاصمتها القدس الشرقية. إذا قد تم قبول تلك الشروط فإن الأمم العربية كانت ستٌعلن نهاية ذلك الصراع وتوقع اتفاقية سلام شامل، ولأول مرة كانت ستقوم بتطبيع العلاقات مع إسرائيل من أجل الأمن والاستقرار ورفاهية وازدهار الأجيال المستقبلية.

ولكن واقع الأمر أن تلك المطالب كانت تطرح إشكالية كبيرة لإسرائيل، وعليه فقد رفضت المبادرة. حتى بالرغم من وجود البعض في داخل إسرائيل ممن رحبوا بذلك السلوك العربي الإيجابي على النحو المبين في الوثيقة، إلا أن إسرائيل أكدت وبشكل دائم أنها لن تقبل شروط تُملى عليها.

أما الدول العربية فقد قامت من جانبها بتأكيد دعمها للمبادرة مراراً وتكراراً عبر السنين، وعليه فقد حصلت على ثقة دولية كما أتاح لهمإظهار التزامهم إزاء الفلسطينيين في حين أن نأت بنفسها عن الصراع الحقيقي. ولذلك فمن وجهة النظر الإسرائيلية أن مبادرة السلام العربية على الرغم من أنها أظهرت امكانية التوصل إلى السلام، إلا أنها في نهاية الأمر مبادرة معيبة وتتطلب تغيير في المطالب حتى تكون واقعية ويمكن قبولها.

أولويات متغيرة في واقع جيوسياسي جديد:

شهد الشرق الأوسط تحولاً جذرياً، وذلك نظراً لصعود الدولة الإسلامية (داعش)، وفوضى ناشئة عن حالة اللادولة في ليبيا إلى جانب حروب أهلية تشهدها سوريا والعراق واليمن ودول أخرى. وبما أن الدول العربية براجماتية للغاية، فبالتالي لم يعد بإمكانهم الإدعاء بأن المسألة الفلسطينية تتصدر قائمة أولويات المنطقة وذلك بالنظر إلى قدر التحديات الجديدة.

فالمملكة العربية السعودية على سبيل المثال منشغلة بصراع القوى الإقليمي ضد إيران، كما أنها تخوض حرب بالوكالة في اليمن والتصدي لتطلعات طهران النووية المزعزعة للاستقرار وسعيها لفرض هيمنة إقليمية.

ومصر عالقة في حرب صعبة وطويلة الأمد ضد داعش في سيناء وتشعر بالقلق إزاء انتشار التنظيم في ليبيا على المناطق القريبة من حدودها.

وفي الأردن، فإن التحدي الأساسي للنظام الهاشمي الحاكم هو الإبقاء على السيطرة على المملكة بحفظ الاستقرار. وبالرغم من إضعاف داعش إلا أنها تُبقي على تواجدها في المنطقة كما كونت خلايا نائمة لها داخل الأردن. بالإضافة إلى أن المملكة لابد وأنها في مأزق،فاللاجئين السوريين يفوقون المليون لاجئ ويمثلون أكثر من 15% من التعداد السكاني.

وكذلك ترى الشعوبُ العربيةُ القضيةَ الفلسطينية كمسألة أقل إلحاحاً. فقد كشفت دراسة استقصائية سنوية للشباب العربي أجرتها ” أصداء بيرسون- مارستيلر” (ASDA’A Burson–Marsteller) أن المُستطلع رأيهم اعتبروا أن داعش هي التهديد الأساسي للمنطقة، وكذلك بالإضافة إلى معدلات البطالة المرتفعة، ويُعزى ذلك من جهة إلى أن الأخيرة تساهم بدورها في نمو الأولى. وكان ثمة تهديد آخر رئيسي، وهو التطرف الغير سلفي من الإخوان المسلمين (جماعة أُنشئت في مصر ولكن مدعومة حالياً بالدرجة الأولى من تركيا). وفي الوقت ذاته فإن الصراع الإسرائيلي- الفلسطيني تم تصنيفه الثامن بعد كونه في المرتبة السابعة في استطلاع رأي العام الماضي.

لم يقتصر الأمر فقط على قلة اهتمام الدول العربية بالمسألة الفلسطينية حالياً، ولكن أيضاً ضاقوا ذرعاً بعدم قدرتهم على حل مشاكلهم المتعلقة بالصراع السياسي الداخلي الدائر.

ومنذ عام 2007 وعندما وقعت صدامات عنيفة بين فتح وحماس حول كيفية حكم الإقليم (قطاع غزة) فإن الخصمين السياسيين قد فشلوا مراراً في رأب الصدع. فإن عدم إحراز تقدم _ باستثناء اتفاق تقاسم السلطة الذي وقعه الطرفان في أواخر العام الماضي _ أدى إلى شعور الدول التي تقوم بتسهيل محاولات المصالحة للشعور بالإحباط وخيبة الأمل، وبصفة رئيسية مصر والسعودية. حتى أن اتفاق العام الماضي لا يزال موضع شك، والكثير من المسئولين في الدول العربية السنية متشككون في قابلية استمراره.

معظم الدول العربية بصفة عامة يعتبرون حماس راديكالية كما يرون مواقفها متطرفة للغاية. في الأسبوع الأول من شهر مايو \ آيار لعام 2017 وبعد أيام قليلة من إصدار وثيقة حماس،فقد تعاملت معها الصحافة المصرية والأردنية والسعودية باستخفاف واستهانة، والتي أعادت فيها حماس التأكيد على مبادئها القتالية للحركة. والواقع أنهم سخروا وانتقدوا بشدة غموض وتناقضات اللغة المُستخدمة في الوثيقة، كما تم التهكم علىحماس لرفضها الغير واقعي للاعتراف بحق إسرائيل في الوجود.

أما حركة فتح _ وخاصة قائدها محمود عباس _ فهي ليست ذي شعبية بين الدول العربي السنية، كما أعربت بعض تلك الدول عن دعمها المفتوح والفعال لمنافسيه في منظمة التحرير الفلسطينية.

وفي عام 2016، حاولت مصر، الأردن، السعودية والإمارات تعزيز المصالحة بين عباس ومحمد دحلان (القيادي السابق في حركة فتح الذي طرده عباس في عام 2011). وكان ذلك مُقدراً ليكون الخطوة الأولى نحو عملية مصالحة إقليمية شاملة بين فتح وحماس، وحتى في نهاية المطاف للتوصل إلى تسوية مع إسرائيل. ولكن عباس رفض المضي قدماً في الخطة، وأصبح بشكل متزايد مشاركاً في أعمال كانت ضد المصلحة المصرية والتي قوضت الاستقرار النسبي لقطاع غزة; مثل تخفيض دعم الكهرباء لقطاع غزة في أواسط عام 2017 للضغط على حماس. ومنذ ذلك الحين، فإن الدول الأربعة وبالأخص منها مصر بدأت تدعم دحلان علناًعلى حساب عباس. ويُعتبر دحلان الآن من قِبل مصر وحماس الشخص الوحيد الذي من الممكن أن يكون بمثابة الجسر الوسيط بينهما، وبالتالي فهو المًفضل لكي يخلف عباس.

ويتربع على قمة ذلك الشعور المتنامي بالخيبة والإحباط من القيادة الفلسطينية أن الدول العربية إلى جانب مانحين آخرين قاموا بتخفيض المساعدات المالية. ووفقاً لبيانات وزارة المالية الفلسطينية وقانون الموازنة العامة لعام 2017، فإن إجمالي المعونات الخارجية للسلطة الفلسطينية كان يبلغ حوالي 1.2مليار دولار سنوياً ما بين عامي 2007 و2012، ولكن انخفض ذلك الرقم إلى مليار دولار في عام 2013، وفي عامي 2015 و2016 بلغ حجم المساعدات ما يقل عن 800 مليون دولار. وتتوقع السلطة الفلسطينية أنها تسلمت ما يقل 700 مليون دولار كمساعدات خارجية في عام 2017. أما عن نصيب العالم العربي من إجمالي المعونات الخارجية للسلطة الفلسطينية فقد تناقص من حوالي 39% سنوياً ما بين عامي 2012 و2016 إلى ما يبلغ تقريباً الربع في عام 2017.

بشكل أكثر وضوحاً، ربما تكون القضية الفلسطينية قد تدنت في قائمة الأولويات، إلا أنها ما زالت لها مكانتها الخاصة في العالم العربي. فإنها القضية الوحيدة التي يمكن أن تمثل على الأقل مظهراً للوحدة العربية. وفي السنوات الأخيرة كان هناك عدد من الاختلافات الجوهرية بين أعضاء جامعة الدول العربية ال 22، ومن أجل الحفاظ على قضية مشتركة احتلت القضية الفلسطينية مكانتها المعتبرة في جميع نقاشات اجتماعات جامعة الدول العربية.

إهتمام متجدد في المسار الإقليمي:

في نفس الوقت الذي قل فيه اهتمام الدول العربية بالقضية الفلسطينية فقد وجدوا أن مصالحهم الاستراتيجية تتداخل بشكل متزايد مع المصالح الاستراتيجية الإسرائيلية. ويمثل المجال الأمني الوجه الأبرز من تلك الفرص المشتركة، فإن إسرائيل تتعاون حالياً وبشكل قريب مع مصر والأردن _ من بين بضعة بلدان أخرى _ للحماية من العناصر الأصولية مثل داعش.

ففي عام 2013 ناشد الرئيسُ المصري عبد الفتاح السيسي الحكومةَ الإسرائيلية لكي يتمكن من تعزيز قواته في سيناء لمحاربة داعش، على الرغم من أن ذلك يتجاوز قيود نزع السلاح المنصوص عليها في ملحق اتفاقية كامب ديفيد من معاهدة السلام بين مصر وإسرائيل.

ومثال آخر بارز للشراكة بين المنطقة العربية وإسرائيل وهو القرار الاستراتيجي المصري بإعادة جزيرتي تيران وصنافير للمملكة العربية السعودية في عام 2016. هذان الموقعان على مضائق تيران ينتميان بالأصل إلى المملكة العربية السعودية ولكن كان قد تم نقلهما إلى مصر في عام 1950، وإعادتهما إلى السعودية تتطلبت موافقة إسرائيلية. عارضت إسرائيل خطوة كتلك لسنوات عديدة، ولكن في عام 2016 دعمتها بشكل كامل بعد التزام كل من مصر والمملكة العربية السعودية _ تحت الوساطة الأمريكية _ بالحفاظ على حرية إسرائيل في الوصول إلى البحر الأحمر من خلال مضائق تيران.

والمزيد من الفرص تُرتقب على الساحة الاقتصادية، فالدول السنية يمكنها أن تحقق مكاسب هائلة من التوصل إلى اتفاقيات بشأن الطاقة ومواثيق تجارية مع إسرائيل، وكذلك من خلال زيادة حجم الاستثمار الخارجي في بلدان كل منهما.

ففي عام 2016 على سبيل المثال، عقدت إسرائيل صفقة غاز مع الأردن بمبلغ 10 مليار دولار، والتي بموجبها سوف تقوم بنقل 1.6 تريليون قدم مكعب من الغاز لأكثر من 15 سنة من أحد حقولها للغاز في البحر الأبيض المتوسط. وفي نوفمبر\ تشرين الثاني لعام 2017 ذهب إلى القاهرة وفد يمثل حقل غاز تمر الإسرائيلي لبحث واردات الغاز الممكنة إلى مصر.

وهناك عامل آخر يجب أن تعمل المنطقة بشأنه بصورة مشتركة، وهو تغير المناخ. فإن جفاف منطقة الهلال الخصيب والقارة الأفريقية أديا إلى حالات الجفاف المتكررة وحالات النقص المتنامية في المياه. فمصر غارقة بشكل كبير في صراعات متمركزة حول توزيع مياه نهر النيل. وتجدر الإشارة إلى أن اضطرابات الربيع العربي وقعت في سوريا في عام 2011 في ظل حالة من نقص المياه.

الخبرات الإسرائيلية في مجالات إدارة المياه، استصلاح الصحراء، وتعزيز الأمن الغذائي قد تكون مفيدة للبلدان المحيطة والمساهمة في عملية الاستقرار الإقليمي. فعلى سبيل المثال، بالنظر إلى خبرتها في مجال تحلية المياه، فإن إسرائيل بالفعل تمد الأردن بكميات كبيرة من المياه، وكذلك لقطاع غزة، ويهودا والسامرة. وبموجب المادة 6 من معاهدة السلام فإن إسرائيل والأردن ملتزمتان بالتعاون للحفاظ على وتطوير الموارد المائية. ونظراً لحالة النقص الحاد في المياه في المملكة الأردنية فقد قررت الحكومة الإسرائيلية في عام 2014 زيادة الكمية التي قدمتها بنسبة 50%، كما أن هناك محطة جديدة لتحلية المياه علي وشك البناء في شمال العقبة وقد صًممت لإمداد من 80 إلى 100 مليون متر مكعب من المياه سنوياً، ويتم التقسيم بالتساوي بين الأردن وإسرائيل. وأخيراً فقد تعاونت الدولتان في عدد من المشروعات الزراعية.

ونتيجة لذلك، وفي نظر العالم العربي البراجماتي فإن إسرائيل حولت نفسها تدريجياً من كونها مشكلة إلى دولة مقدمة للحلول لكثير من أزمات المنطقة. والبوادر الأولى للتحويل الجاد لنظرة الدول السنية إلى إسرائيل ظهرت إبان الربيع العربي في عام 2011 عندما بدأت أصوات تنادي بإحياء مبادرة إقليمية لتطبيع العلاقات مع إسرائيل، وبعد فترة وجيزة بدأت إسرائيل بإجراء تحريات لجس النبض من خلال قنوات سرية لتقييم الاستعداد العربي لبدء مباحثات بشأن التطبيع. فتم اقتراح إجراءات بناء الثقة مثل عمليات تحليق جوي إسرائيلي في المجال الجوي لدول الخليج وانفتاح العلاقات الاقتصادية.

ففي عام 2013 أعلن رئيس وزراء قطر حينها حمد بن جاسم آل ثاني، في اجتماع لوفد خاص من جامعة الدول العربية ووزير الخارجية الأمريكية حينها جون كيري، أنه قام بتنقيح وتغيير موقفه حول مسألة الرجوع لحدود الرابع من يونيو\ حزيران لعام 1967. وبدلاً من تحديد أن حدود ما قبل حرب الأيام الستة تشكل حدود أي اتفاق مستقبلي، إلا أن آل ثاني أشار إلى أنه من الممكن تضمين اجراءات تبادل طفيف ومتناظر في الأراضي متفق عليه بصور متبادلة.

وعلى مدار السنة الماضية كانت هناك محاولة جريئة من الوفد المصري في مؤتمر قمة جامعة الدول العربية لجعل مبادرة السلام العربية أكثر ملاءمة، فقد اقترح أن البيان الختامي لمؤتمر القمة ينبغي أن ينص على: ” بالنظر إلى مبادرة السلام العربية بعين الإعتبار” بدلاً من: ” التأكيد مجدداً على مبادرة السلام العربية”. هذه الصياغة تدرك القيود ونواحي القصور في المبادرة الحالية كما تُظهر استعداداً للمضي قدماً نحو مباحثات أكثر فعالية. هذا الاقتراح قد تم تأييده من قِبل وزير الخارجية المصري سامح شكري والأمين العام لجامعة الدول العربية أحمد أبو الغيط والذي قال: ” إن عملية السلام في الشرق الأوسط متعثرة وتتطلب أفكاراً جديدة لحل أزمات المنطقة”. ومع ذلك فإن الوفد الفلسطيني في النهاية قد عارض تغيير الصياغة، ما وصفه أحمد أبو الغيط بأن الفلسطينيين كانوا “متعنتين للغاية”.

وثمة ملمح آخر إيجابي ظهر بعد شهر تقريباً، فقد نشرت جريدة “المصري اليوم” المصرية نقاش مطول بين مالكها رجل الأعمال صلاح دياب، والطبيب المصري يحيي نور الدين طراف حول سواء يجب أن تنضم إسرائيل لجامعة الدول العربية وأن يصل الصراع الفلسطيني إلى حل في يوماً ما. وبعد ذلك في مايو\ أيار لعام 2017 أفادت جريدة الوال ستريت أن ورقة مناقشة غير مكشوف عنها مشتركة بين عدة دول خليجية تعرض فيه الخطوط الرئيسية لمسار تطبيع العلاقات مع إسرائيل بقيادة السعودية والإمارات، حيث تظهر إسرائيل إلتزامها إزاء حل الصراع الفلسطيني بتجميد النشاطات الاستيطانية بمناطق معينة بالضفة الغربية (خارج الكتل الاستيطانية) وتخفيف القيود التجارية على قطاع غزة. فتلك بعض الأمثلة لحالة الزخم الجديدة في العالم العربي لتعزيز حوار إقليمي وحدوث تقارب محتمل مع إسرائيل.

العقبات الأساسية لتقارب علني مع إسرائيل:

على الرغم من الاستعداد المتزايد وتداخل المصالح والحالات العديدة للتعاون على الصعيد الخاص، إلا أن الأنظمة العربية البراجماتية متوجسة من أن يظهر للعلن حرصها على تطبيع العلاقات قبل ايجاد حل للصراع الإسرائيلي – الفلسطيني. فإن مواطنيهم سيعارضون بقوة وعلى نطاق واسع خطوة كتلك وسيعتبرونها خيانة وتخلي عن إخوتهم الفلسطينيين. حتى مصر والأردن واللتان لهما علاقات دبلوماسية مع إسرائيل وتعاونتا في صمت ولكن بشكل مكثف بشأن مسائل الأمن والاستخبارات، فإنهما حريصتان على عدم الظهور علناً بمظهر توافقي مع إسرائيل. ومن هذا المنطلق، فإن ملك الأردن الملك عبد الله قد أشار في افتتاحية قمة جامعة الدول العربية في مارس\ آذار 2017 إلى أنه لن يكون هناك سلام أو استقرار في المنطقة بدون حل عادل ودائم للقضية الفلسطينية من خلال حل الدولتين.
ومع ما تواجهه الدول العربية من أخطار داخلية عديدة منها الاقتصادية والأمنية فإنهم حريصون على عدم اغضاب مواطنيهم بالانخراط علناً مع إسرائيل. والأكثر من ذلك، فمع سعي إيران لفرض الهيمنة في الشرق الأوسط فإنها ستقوم بتوظيف أي مظهر من مظاهر التقارب مع إسرائيل لتزيد من تأجيج الصراع الفلسطيني. ومن المرجح أن إيران ستشكك في شرعية الأنظمة السنية، كما ستتهمهم بالتخلي عن الفلسطينيين وارتكاب بدعة في الإسلام بتعاونهم مع إسرائيل والولايات المتحدة.

والدول السنية، وخاصةَ السعودية، لن يسمحوا لأنفسهم بإعطاء إيران أو تركيا أي منفذ للحصول على رصيد سياسي في المنطقة.
ولذلك فإن أي حديث عن التطبيع يجب أن يستند إلى الفهم القائل بأنه في حين أن إسرائيل ستستفيد كثيراً من أي تقارب علني، فإن الحال ليس كذلك بالنسبة للأنظمة العربية أو على الأقل ليس على الفور. وواقع الأمر أنهم يستفيدون أكثر من الإبقاء على التعاون تحت الطاولة، مما يعني أنهم يتطلبون حوافز هائلة للإعلان عن تلك العلاقات. 

ما الذي يمكن فعله؟

الرأي العام هو العائق الأساسي للتطبيع في العالم العربي والذي يُلزم الأنظمة العربية بوضع حل للنزاع الإسرائيلي – الفلسطيني قبل التطبيع. ويجب التغلب على تلك العقبة إما عن طريق تسوية النزاع أو بإقناع العالم العربي أن الأمر يستحق الفصل بين الروابط المصطنعة بين القضيتين. وبسبب تعقيدات الصراع الإسرائيلي – الفلسطيني، وإحساس الوصول إلى مأزق أو طريق مسدود قبل كل شئ، والفجوات الهائلة في التفاهم بين الجانين، فإنه من الوهم الاعتقاد بأن حالة الزخم الإقليمي بين إسرائيل والدول العربية تعد كافية لوضع حد نهائي للصراع.

علاوة على ذلك، وتقريباً بشكل متناقض، فإن الربط بين التطبيع وايجاد حل للصراع يعطل عملية التسوية لأنه يُلقي بمعظم الضغط على إسرائيل، ويزيل عن الفلسطينيين (والذين لا يمثل التطبيع حافزاً بالنسبة لهم) الشعور بالمسئولية كما يشجعهم أن يكونوا أكثر عناداً وتعنتاً في مواقفهم، وذلك بافتراض أن الوقت في صالحهم. ولذلك السبب فإن الفلسطينيين يمارسون الضغط على الدول العربية لكيلا يتجهوا ناحية التطبيع، وذلك خوفاً من خسارة ورقة مساومة هامة في المفاوضات مع إسرائيل.

حتى الآن، فإن التطبيع المشروط بحل الصراع لم يُقرّب عملية التسوية، بل أعاق بعض الخطوات التي كانت من الممكن أن تُفيد المنطقة بأكملها.
وبالطبع لا يجب أن يكون هناك مجال للتوهم بأن التطبيع يُحرر إسرائيل من ضرورة معالجة المسألة الفلسطينية. فإنه ليس من الممكن أو المرغوب فيه تجنب تلك المسألة، ولكن اعتبارها عقبة متأصلة لأي تقارب مع العالم العربي فهو أمر غير فعال بل إنه عرّض مصالح المعسكر البراجماتي بأكمله في الشرق الأوسط للخطر في فترة حرجة كتلك التي نمر بها الآن. وبالتالي فإنه من المهم التوقف وإعادة حسابات المسار بالنظر في المسألتين كل على حده. وبناء على ذلك، فإنه قد حان الوقت للإعتراف بأن التعامل مع الصراع الإسرائيلي – الفلسطيني كعقبة في طريق التطبيع ليس إلا حاجز مصطنع وُجد لخدمة مصالح استراتيجية بعينها، إلا أن قوة كتلة حرجة من الاهتمامات يمكن أن تبدد ذلك الوهم.

والواقع أن الظروف الجيوسياسية الحالية قد خلقت كتلة حرجة من المصالح الجديدة والمتداخلة بين إسرائيل والدول العربية، كما أن هناك فرصة تاريخية الآن لتعزيز عملية التطبيع. مبادرة كتلك ستكون معقدة، إلا إذا تقرر أن يًشرع فيها بحكمة وإنصاف فإنها من الممكن أن تفيد المنطقة بأكملها بما في ذلك الفلسطينيين.

والحال اليوم أن التطبيع مع إسرائيل يخدم مصالح حقيقية في العالم العربي البراجماتي، وقادة تلك الدول يفهمون ذلك، وقد أدى ذلك إلى علاقات أوثق خلف الستار. وبرغم ذلك فإنه يلزم لزيادة الاستفادة من المنافع الأمنية، الاقتصادية والثقافية لجميع الأطرف أن تكون تلك العلاقات الوثيقة في العلن.

والعالم العربي البراجماتي سوف يستفيد من حليف مخلص يمكن أن يمده بدعم هائل في حملته لمواجهة التهديدات الإقليمية، كما سيزيد من مكانتهم الدولية، في حين أن إسرائيل سوف تحصل أخيراً على اعتراف واسع وشرعية كجزء بنّاء لا يتجزأ من الشرق الأوسط.

بالإضافة إلى أن إقامة علاقات أوثق مع الدول العربية ككل سوف يعزز من علاقات إسرائيل الثنائية مع شركائها الحاليين في معاهدة السلام; مصر والأردن، كما ستعزز من وضعهم في العالم العربي. وأخيراً فإن الشرق الأوسط ككل سوف ينتفع من المزيد من الإستقرارالإقليمي مع تحسن الوضع الأمني ونمو الإقتصاد من خلال المزيد من التجارة والاستثمارات الخارجية.فإن الازدهارالاقتصادي نفسه يمثل عاملاً من عوامل الاستقرار، ويكون بالتالي سبباً آخر للمزيد من التعاون بين المعسكر العربي البراجماتي وإسرائيل.

ومن الجلي أن رفض عملية التطبيع لا يشكل أي نهاية قريبة للصراع الإسرائيلي – الفلسطيني، ولكن التقارب التدريجي بين إسرائيل والعالم العربي قد يساعد إسرائيل والفلسطينيين لبناء ثقة متبادلة ومساحة اهتمام مشتركة، والتي ربما تؤدي إلى تجديد مفاوضات جادة صريحة وأكثر فعالية. والغرض من علاقات أوثق مع العالم العربي ليس فرض معاهدة سلام فوق رؤوس الفلسطينيين، حيث أن معاهدة كتلك ستكون عديمة الفائدة. فالهدف يجب أن يكون توجيه الطاقة الوطنية والموارد تجاه القضايا المشتركة، حيث تُظهر الأطراف المعنية استعداداً واهتماماً صادقاً للتوصل إلى حل على نحو يعود بالفائدة على جميع الأطراف. والصراع مع الفلسطينيين تحت قيادتهم الحالية لا يستوفي تلك المعايير.

وإذا كانت إسرائيل في الوقت الراهن بصدد اعتماد نهج لإطار إقليمي، فهي تقوم بذلك في أعقاب فشل قناة الاتصال المباشرة مع الفلسطينيين وفي ضوء نقص الثقة الحاد الذي أدى إلى المأزق الراهن. من الممكن أن المكاسب المستقبلية نتيجة التطبيع، والتي ستعود بالنفع على المنطقة بأكملها بما في ذلك الفلسطينيين، سوف تُحسّن العلاقات بين إسرائيل والدول العربية، ومن ثم تصبح ثمار السلام ملموسة بدرجة أكبر.

كما أن إقامة روابط أوثق من الممكن أن تكون بمثابة حافز لكل من الفلسطينيين وإسرائيل لتجاوز عملية التعثر الحالية وتجديد مفاوضات جادة لإنهاء الصراع على المدى البعيد.

إن القضية الفلسطينية هي القضية الوحيدة التي تتيح للعالم العربي ظاهرياً أن يُظهر موقف موحد، ولكن هذا مجرد مظهر من مظاهر الوحدة، وعلى هذا النحو فإن صلاحيتها سوف تتراجع بدرجة كبيرة. ويجب أن تنظر الدول العربية في إذا ما كانت تلك الخطابة الاستعراضية الفارغة أمراً مجدياً، وبالأخص في فترة يمكن لهم أن يستفيدوا فيها بدرجة كبيرة من إسرائيل بناءاً على قواسم أخرى مشتركة حول قضايا مثل معالجة المياه، استصلاح الصحراء، الأمن الغذائي، وتحسين مستويات المعيشة وما إلى ذلك.

وفضلاً عن ذلك، إذا تحقق إنجاز كبير في نهاية المطاف في الصراع الإسرائيلي – الفلسطيني ناجم عن توثيق العلاقات بين إسرائيل والمعسكر السني، فإن ذلك سيمثل فوز ساحق على إيران. إنجاز كهذا قد يضر أيضاُ بحلفاء إيران داخل المعسكر الراديكالي ويرفع من مكانة المعسكر البراجماتي داخل المجتمع الدولي.

هذا السيناريو قد يبدو متفائلاً ولكن لا ينبغي أن يظل أملاً كاذباً أو حُلماً صعب المنال، فجعله حقيقة واقعة يعتمد على إجراء تغيير عميق في الوعي بشأن صورة دولة إسرائيل في أعين العالم العربي، وكذلك فيما يتعلق بالعقبات المزيفة المفروضة بموجب النزاع الفلسطيني بالأخص.

هذا التحول يتطلب قيادة لها رؤية وتتحلى بالشجاعة السياسية لتبذل جهد حقيقي لتغيير عقليات الجمهور العريض من العرب إزاء إسرائيل. ويجب أن تشرع الأنظمة العربية في عملية طويلة الأمد وبطيئة لإنهاء حالة شيطنة إسرائيل، ولإعداد القلوب والعقول لتقبل علاقات أوثق مع إسرائيل، وهذا ممكن عن طريق بوادر متبادلة من الطرفين مثل إنشاء روابط اتصالات مباشرة، وإصدار تأشيرات خاصة لرجال الأعمال والوفود الرياضية، وإباحة حقوق الطيران في المجالات الجوية، وكذلك عن طريق تنظيم فعاليات رياضية وثقافية، وغير ذلك من أمور أخرى.

وينبغي أن تتم المساعدة عن طريق إجراءات بناء ثقة تدريجية ومحسوبة، وقبل كل ذلك وفي المقام الأول دعم التغييرات المطلوبة في نظم التعليم. وفي الوقت ذاته، فإن إسرائيل من جانبها يمكن أن تعزز من المشاريع الاقتصادية والبنية التحتية بالنسبة للسكان الفلسطينيين في يهودا والسامرة بما في ذلك المشاريع الإنشائية مثل التخطيط العمراني للمنطقة ج بالضفة الغربية، إنشاء مناطق صناعية، بل وحتى بناء مدينة أخرى.

وعلى الرغم من أنها عملية صعبة ومعقدة إلا أنها ممكنة بالتأكيد، كما أن بذورها الأولية ظاهرة للعيان. فالأردن على سبيل المثال قامت مؤخراً بتغيير الكتب المدرسية لتشمل خرائط إسرائيل. كما أعرب أفراد سوريون عن الامتنان علانية لبرامج العلاج الطبي والمساعدات الإنسانية التي تلقوها من إسرائيل والإسرائيليين، بما في ذلك مبادرات مثل “على القرب من حدودنا”والتي تهدف إلى مساعدة لاجئين سوريين فارين من الحرب. أنشطة مدنية كتلك مهمة جداً لكسر الحواجز، إلا أنه في نهاية المطاف يتعذر تمهيد الطريق بدون قيادة شجاعة من جميع الأطراف.

وللدول العربية اهتمام متزايد بإقامة علاقات جديدة ومجالات للتعاون مع إسرائيل، وبجعل العلاقات القائمة أكثر دفئاً وانفتاحاً. وبالطبع تظل المسألة الفلسطينية كعقبة. فإذا كان القادة الفلسطينيين على استعداد للاندماج ضمن جهد إقليمي والاتفاق في جو من حسن النية على تجديد المفاوضات لإنهاء النزاع، فإن إسرائيل سوف ترحب بهم. ولكن توقف التطبيع على حل هذا النزاع المستعصي لم يُقرّب المنطقة من التوصل إلى حل، فما أسفر عنه هو أن جعل كلا الطرفين، إسرائيل والدول العربية، رهائن لنزاع لا حل له يلوح في الأفق. ولذلك فقد حان الوقت للمعسكر العربي البراجماتي للتخلي عن تلك المعادلة التي ما أفضت إلى شيء حتى الآن إلا حالة جمود، والبحث بدلاً من ذلك بجدية في خطوات نحو التطبيع التدريجي الذي سيساعد على بناء الثقة المتبادلة التي تحتاجها المنطقة بشدة.

  • المصدر – فورين افيرز 26 يناير 2018 – ترجمة المركز الديمقراطي العربي –  إبراهيم أبوعلي
أضف تعليقك أو رأيك
الوسوم

المركز الديمقراطى العربى

المركز الديمقراطي العربي مؤسسة مستقلة تعمل فى اطار البحث العلمى والتحليلى فى القضايا الاستراتيجية والسياسية والاقتصادية، ويهدف بشكل اساسى الى دراسة القضايا العربية وانماط التفاعل بين الدول العربية حكومات وشعوبا ومنظمات غير حكومية.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق
إغلاق