الشرق الأوسطتحليلاتعاجل

تزايد الفرقة بين تركيا وحلف شمال الأطلسي ولكن على الأرجح سيجب عليهم البقاء سوياً

ترجمة: إبراهيم أبوعلي – خاص المركز الديمقراطي العربي

  • المصدر: مجلة الايكونوميست

تظل التخوفات من التزام دونالد ترامب تجاه حلف شمال الأطلسي (الناتو) وحالة الاعتداد بالنفس عند العسكرية الروسية على قمة أجندة أعمال التحالف. ولكن تلوح في الأفق بعدها مباشرة مشكلة تركيا شبه المنفصلة، الدولة التي تمتلك ليس فقط ثاني أكبر قوات مسلحة في حلف الناتو بل وتقع أيضاً في موقع جيوسياسي هام على جانبي الخط الفاصل بين الشرق والغرب.

تركيا لا يمكن التنبؤ بشأنها فحسب بل أيضاً تنتهج أجندة قومية والتي يمكن أن تضعها في مواقف متناقضة بشأن التزاماتها تجاه حلفائها. ويعد أحدث مصدر للتوتر في هذا الصدد هو الخلاف المحتدم بين تركيا وأمريكا حول التوغل التركي في عفرين، وهي منطقة كردية محصورة في شمال غرب سوريا. وعلى وجه الدقة فهي ليست مسألة تعني حلف الناتو. ورغم ذلك فمن الممكن أن سرعان ما تجد القوات الأمريكية نفسها عرضة للهجوم المباشر من حليفهم في حلف الناتو، وذلك إذا قام الرئيس التركي رجب طيب أردوغان بتنفيذ وعده “للقضاء عليها قبل أن تُولد” وهي قوة أمن حدودية قوية مدعومة أمريكياً قوامها 30,000 فرد، ومكونة بشكل رئيسي من مقاتلي وحدات حماية الشعب الكردية والذين تعتبرهم تركيا إرهابيين.

فربما وفقاً لحسابات السيد أردوغان أنه قادر على مواجهة أمريكا والتي تٌعتبر أقل اهتماماً بالمنطقة مقارنة به. لربما يكون على حق، ولكن المصالح المتضاربة في سوريا ليست سوى عنصر واحد فقط من عناصر علاقات تركيا المضطربة مع أعضاء حلف شمال الأطلسي.

فقبل محاولة الإنقلاب في صيف عام 2016 كانت هناك مخاوف متزايدة في حلف الناتو من انجراف تركيا نحو الحكم السلطوي، وقد ازدادت تلك المخاوف في أعقاب فشل محاولة الإنقلاب. فالسيد أردوغان مستاء مما اعتبره هو تعبيرات منافقة للدعم من الغرب على النقيض من تهنئة فلاديمير بوتين الصارخة، كما أنه شرع في حملة تطهير وحشية ضد أي شخص يشتبه في عدم ولائه. ومن بين 50,000 معتقل و110,000 فُصلوا من وظائفهم بسبب صلات مفترضة مع رجل الدين المنفي “فتح الله كولن” الذي يعتبر المُدبر الرئيسي، فهناك حوالي 11,000 من ضباط الجيش والطيارين.
ووفقاً لمحلل عسكري تركي، فقد تم إقالة 38 % من جنرالات تركيا، والعديد منهم بسبب كونهم موالين للعلمانيين الغربيين. وطٌرد نحو 400 مبعوث عسكري تركي للناتو وتلقوا الأوامر بالعودة إلى الوطن _ وقد فر الكثير منهم إلى الخارج بدلاً من مواجهة السجن _ ليتم استبدالهم بمن هم أقل تأهيلاً من الموالين لأردوغان كما أن البعض منهم من ذوي العداء النشط للناتو والمتعاطفين مع خصومه. وقد اشتكى الجنرال كيرتسسكاباروتي _ القائد الأعلى للتحالف _ من تردي كفاءة طاقم العاملين. وفي واقعة أخرى، فقد تم رفض الإذن بزيارة أعضاء مجلس النواب الفيدرالي الألماني للأطقم الجوية الألمانية التي ستحلق في بعثة دعم إلى العراق من قاعدتين في تركيا (انجيرليك وكونيا).

وقد بدا الأمر وكأنه عقاب بعد أن منعت ألمانيا أنصار السيد أردوغان من عقد تجمعات جماهيرية بألمانيا لدعم حملته لتوسيع نطاق صلاحيات الرئاسة، كما أطلق على ذلك المنع أنه عودة لممارسات النازية.

وبعد التدخل من قبل الأمين العام لحلف شمال الأطلسي (ينس ستولتنبرغ)، ففي نهاية الأمر قد أتاح التُرك للمُشرّعين امكانية الوصول إلى نظام الإنذار المبكر والتحكم للأطقم في قاعدة كونيا. ولكن الألمان نقلوا طائرات التورنادو من قاعدة انجيرليك إلى قاعدة موفق السلطي الجوية بالأردن، والتي تقوم أمريكا بتوسيعها بتكلفة قدرها 143 مليون دولار كسياسية تأمين في حالة حاجتهم إلى مغادرة قاعدة انجيرليك.
وثمة قلق آخر، وهو دفء العلاقات التركية مع روسيا ولا سيما منذ محاولة الانقلاب. وينظر السيد أردوغان إلى نظيره في الكرملين على أن الرجل الذي سيتعامل معه بشأن سوريا، فهو يرى فيه قائد قوي وهادف مثله، وبالتودد إلى السيد بوتين فهو يرسل برسالة إلى حلف شمال الأطلسي بأن لديه خيارات أخرى. ومن وجهة نظر السيد بوتين فإن السيد أردوغان يوفر له وسائل تقسيم وإضعاف حلف الناتو والغرب، وذلك هو هدفه الاستراتيجي الأكثر أهمية.

أحمر على أزرق:

وتتضح أشد مظاهر السياسة الخارجية ذات الوجهين للسيد أردوغان بإعلانه في ديسمبر\ كانون الأول أن تركيا قامت بتوقيع اتفاق لشراء بطاريتين لمنظومة صواريخ أرض-جو اس-400 المتطورة من روسيا. ومنظومة اس-400 لا يمكن إدماجها مع منظومات الناتو للدفاع الجوي، وعلى الأقل في البداية سيتم انشائها وتشغيلها بواسطة الروس. ومالم يتم استبعاد تركيا من الناتو فإن تبادل المعلومات بشأن التدابير المضادة الهادفة إلى التغلب على منظومة اس-400، فإن روسيا تتوقع مكاسب هائلة بشأن الاستخبارات.

والأكثر قلقاً، أن تركيا شريكة في برنامج اف-35 ومن المقرر أن تستلم 116 طائرة من طائرات الشبح المقاتلة والتي ستكون الركيزة الأساسية لمقدرة حلف الناتو في القتال الجوي على مدى السنوات الثلاثين القادمة.
ستكون تركيا في وضع فريد لشحذ منظومة اس-400 ضد ال اف-35، ومعلومات كتلك يمكن أن تستغلها روسيا لصالحها. ويحتج بعض معلقي الأمن القومي في أمريكا بأن تركيا يجب إما أن تلغي منظومة اس-400 أو يتم إخبارها بأنها لا تستطيع شراء اف-35 والمواجهة الناجمة عن ذلك ربما يتمخض عنها خروج تركيا من حلف شمال الأطلسي.

يبذل موظفو الناتو قصارى جهدهم للتظاهر بعدم القلق والتهوين من شأن الخَطْب، ويشيرون إلى أن تركيا قد وقعت اتفاق مع شركة يوروسام (كونستريوم أوروبي لإنتاج صواريخ دفاع جوي)، وأنه من الممكن أن تكون مسألة منظومة اس-400 ما هي إلا أمر مؤقت. كما يقولون أيضاُ وبسبل أخرى أن الأمور تسير على نفس المنوال المعتاد.
تفي تركيا بالتزاماتها ازاء الحلف وذلك على سبيل المثال من خلال حماية مطار كابل، وعدم المحاولة لعرقلة ابرام اتفاق أمني بين الناتو والاتحاد الأوروبي والذي كان بإمكانها عرقلته. كما أن هناك تعاطف أيضاً مع حساسية تركيا وقابلية تأثرها بالإرهاب، كما يتم الثناء على تحملها عبء اللاجئين.
وحتى إذا كانت هناك آلية لتعليق عضوية تركيا أو طردها من حلف الناتو _ والتي لا توجد _ وعلى الرغم من أن مؤهلاتها الديمقراطية المشوهة ستمنعها من الانضمام للحلف كعضو جديد، فإنها أهميتها الجيوسياسية كبيرة كما هي الحال دائماً.
فالأمل معقود على أن يدرك السيد أردوغان أن روسيا تستعمل تركيا لخدمة أغراضها الخاصة، وأنه لا بديل عن حلف الناتو كشريك أمني طويل الأمد. ومن الممكن أيضاً أن تخف لديه حدة حالة ذعر وارتياب ما بعد محاولة الانقلاب، وإن كانت هناك بوادر بسيطة لها. ولكن كما هي الحال مع الزيجات التعيسة، فالحقيقة أنه مهما كانت المخاطر التي تحيق بتلك العلاقة فإن تركيا والناتو لا يملكان خيار سوى محاولة إصلاح الأمور.

أضف تعليقك أو رأيك
الوسوم

المركز الديمقراطى العربى

المركز الديمقراطي العربي مؤسسة مستقلة تعمل فى اطار البحث العلمى والتحليلى فى القضايا الاستراتيجية والسياسية والاقتصادية، ويهدف بشكل اساسى الى دراسة القضايا العربية وانماط التفاعل بين الدول العربية حكومات وشعوبا ومنظمات غير حكومية.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق
إغلاق