الشرق الأوسطعاجل

مرتكزات الاستراتيجية الأمريكية في عهد ترامب تجاه العالم

بقلم : منصور أبوكريم – باحث دكتوراه في مجال السياسة الخارجية الأمريكية

  • المركز الديمقراطي العربي

تستند استراتيجية الأمن القومي الأمريكي الجديدة في عهد ترامب على تقييم واضح لمصالح الولايات المتحدة الأمريكية على الساحة الدولية والعزم على مواجهة التحديات التي تواجها؛ كما إنها استراتيجية واقعية تسترشد بالنتائج لا بالأيدولوجية، وهي تستند إلى الرأي القائل بأن السلام والأمن والرخاء يعتمد على الدول القوية ذات السيادة التي تحترم مواطنيها في الداخل، ويرتكز ذلك في أن المبادئ الامريكية هي قوة دائمة للخير في العالم.

وتقوم الاستراتيجية على أربعة محاور رئيسية هي: حماية الوطن الامريكي، وتعزيز الرخاء للاقتصاد الأمريكي، والحفاظ على السلام العالمي من خلال القوة، وتعزيز الدور الأمريكي على الساحة الدولية كقوة أحادية، وتهدف لنشر قيم ومبادئ النظام السياسي الأمريكي بالخارج. وتحدد الاستراتيجية ثلاثة أنواع من التحديات؛ تتمثل في القوى الساعية لتغيير النظام العالمي، كالصين وروسيا، و”الأنظمة المارقة”، مثل كوريا الشمالية وإيران، والمجموعات الإرهابية التي لأعمالها تأثير دولي، مثل تنظيم الدولة الإسلامية(داعش)، ويشير مبدأ “حماية الوطن” إلى التركيز على أمن الحدود، وإصلاح نظام الهجرة، والتعامل مع “الإرهابيين الجهاديين”، ومواجهة التهديدات في مصدرها، ونظام الدفاع الصاروخي.

وتأتي استراتيجية الأمن القومي الأميركي الجديدة بعد عام على تولي ترامب مهام منصبه وتقوم على وأساس حماية الوطن والشعب الأميركي وطريقة الحياة الأميركية، وتعزيز الرخاء الأميركي، والحفاظ على السلام من خلال القوة، والدفع قدما لاستعادة الدور والتأثير الأميركي في العالم. وينطلق مبدأ الحفاظ على السلام من خلال القوة على ضرورة إعادة بناء القوة العسكرية الأميركية لضمان بقائها في الصدارة عالمياً وتتعهد الاستراتيجية الجديدة بتعزيز قدرات الولايات المتحدة في مجالات عدة، بما في ذلك الفضاء والإنترنت.

وتسعى استراتيجية إدارة ترامب لمواجهة التحديات التي تواجه الولايات المتحدة الأمريكية، حيث ترى أن الساحة الدولية مشتعلة على نحو شبه دائم بالصراع بين الولايات المتحدة الأمريكية القوى التنافسية، وتنظر للتحديات من ثلاث زوايا مختلفة، هي تهديدات القوة العالمية مثل روسيا والصين، التي تنظر لهم إدارة ترامب على أنهم قوى تنافسية على الساحة الدولية على المستوى السياسي والاقتصادي والعسكري، وتهديدات إقليمية، مثل التهديدات القادمة من الدول المارقة كإيران وكوريا الشمالية، بالإضافة الى “الجماعات الجهادية”، مثل تنظيم الدولة الإسلامية (داعش) وتنظيم القاعدة، ولتحقيق الانتصار في هذا الصراع المحموم، ينبغي على الولايات المتحدة الدفاع عن مصالحها ومواطنيها أينما كانوا، والدفاع عن الأصول والارث والممتلكات على الأراضي الامريكية، إضافة إلى تعزيز مصالحها حول العالم، انطلاقاً من التعاون المبني على تحالفات قوية مع القوى الإقليمية الفاعلة التي تتقاسم مع الولايات المتحدة قيمها ومصالحها.

أما عن الوضع المعقد في الشرق الأوسط، فالاستراتيجية تنظر للتهديدات القادمة من تلك المنطقة من ثلاث زوايا مختلفة أيضا، الأولى تنامي دور التنظيمات “الإرهابية” وتصدير الإرهاب حول العالم، والثاني هو التوسع الإيراني في المنطقة بما في ذلك دعم “الإرهاب” والتخريب، والثالث هو التهديدات التي تهدد استقرار الاقتصاد العالمي المعتمد على الطاقة، ورغم ذلك لا تستند هذه الاستراتيجية على فكرة الحرب الاستباقية، ولا تدعو إلى استخدام القوة، كما كان خلال فترة حكم الرئيس جورج بوش الأبن؛ بل تطمح بدلاً من ذلك إلى تحقيق الاستقرار من خلال تعزيز القوة الأمريكية، واسقاطها على شبكة الولايات المتحدة من الحلفاء الدوليين، وتؤكد إدارة الرئيس ترامب أن الولايات المتحدة ليست بصدد الانسحاب من الشرق الأوسط بأي حال من الأحوال، أو تقليل وجودها فيه. كما أنها لا تخطط لفرض اصلاحات ديمقراطية على الأنظمة في الشرق الأوسط، غير أن الولايات المتحدة ستقوم بدعم الأنظمة التي تُقَرّر تعزيز الإصلاحات من تلقاء نفسها، مثل السعودية ومصر، كما أن المناخ الاقتصادي المتراجع يتم استغلاله من قبل الجماعات الجهادية، لذا ستتجه أمريكا ناحية التعاون الاقتصادي مع الدول القريبة منها في المنطقة وخصت بالتحديد مصر والسعودية، من خلال دعم برامج الإصلاح الاقتصادي في هذه الدول، وتعزيز الشراكة الاقتصادية معها، بالشكل الذي يحفز عملية الاستقرار الاجتماعي والتوازن، انطلاقا من مبادئ السوق الحر التي تروج لها الولايات المتحدة.

وحول الفرص التي تواجه الإدارة الأمريكية أشارت الاستراتيجية لضرورة تحرك الولايات المتحدة في العالم وخاصة منطقة الشرق الأوسط، لدعم أمن دول المنطقة أمام الجماعات الإرهابية، وتعزيز التواجد الأمريكي في العراق، ومحاولة الحد من الصراع في سوريا، وتحييد الدور الإيراني وضمان عدم امتلاكه للسلاح النووي، وأخيرا تسهيل التوصل لاتفاق بين الفلسطينيين والإسرائيليين، ومن الناحية العسكرية أكدت الاستراتيجية على ضرورة الاحتفاظ بالوجود العسكري (الضروري) للقوات الأمريكية في منطقة الشرق الأوسط بهدف إحداث توازن القوى، والدفاع عن الحكومات الضعيفة أمام هجمات الجماعات الجهادية، وكذلك تعزيز قواتها الدفاعية في ضد الحركات التمردية بالداخل، والقيام بدعمها في مجال الدفاع الجوي، خاصة أنظمة مواجهة الصواريخ.

أما بخصوص مرتكزات الاستراتيجية الأمريكية تجاه إيران خلال فترة حكم ترامب، فهي مختلفة تماماً عن الرؤية الأمريكية السابقة لإدارة أوباما التي رأت في الاتفاق النووي مع إيران فرصة لإحداث تغيير ذاتي من قبل إيران لسياساتها في المنطقة، لكن هذا النهج أثبت فشله، لذلك ترامب يتنقد الاتفاق مع إيران ويعتبره خاطئة كبري، ويطالب بتغيره أو الخروج منه.

رؤية إدارة ترامب تجاه إيران ثابته لا تتغير باعتبارها “آفة العالم” و”مجموعة صغيرة من الأنظمة المارقة التي تنتهك جميع مبادئ الدول الحرة والمتحضرة. فقد هاجمت الاستراتيجية الأمريكية الجديدة إيران بشكل عنيف، ورأت انها أكثر دولة تمثل تهديداً لمصالح أمريكا في الشرق الأوسط، ويتسق هذا مع الرغبة الأمريكية في ضمان عدم هيمنة أي قوة غيرها على الأوضاع في أحد الأقاليم، حيث ترى الاستراتيجية أن الاتفاق النووي مع إيران لم يردعها عن ممارسة بعض الأعمال العدائية داخل الإقليم.

وتقوم الاستراتيجية الأمريكية الجديدة تجاه إيران في عهد ترامب على فكرة إحياء “محور الشر”، عبر التأكيد على التقسيم السابق الذي أطلقه الرئيس جورج بوش الأبن عندما قسم العالم إلى محورين (محور الخير ومحور الشر)، كما وصفت الاستراتيجية السلطات الإيرانية بـ”النظام الدكتاتوري” الذي يزعزع استقرار المنطقة ويدعو علنا إلى تدمير الولايات المتحدة، ويدعم جماعات إرهابية ويمول الإرهاب في أنحاء العالم، فضلا عن أنه يتعامل بالقسوة والعنف مع شعبه”. وأشار واضعو الاستراتيجية الجديدة إلى أن واشنطن “تقوم بنشر المنظومة المضادة للصواريخ المتعددة المستويات” بغية الدفاع ضد الهجمات الصاروخية المحتملة التي مصدرها إيران وكوريا الشمالية.

خلاصة القول تعمد استراتيجية الامن القومي الأمريكي في عهد ترامب على مبدأ أمريكا أولاً، وترتكز على أساس نظرية المعاملة بالمثل في إطار تحديدها آليه التعاون مع الشركاء الدوليين، لأن مصالح أمريكا وفق رؤية إدارة ترامب فوق كل اعتبار ولها الأولوية حتى على حساب الأيدلوجيا والقيم والأفكار، وتحاول استراتيجية الأمن القومي الأمريكية في عهد ترامب الحفاظ على وضعية الأحادية القطبية، وذلك من خلال منع ظهور أية قوة مساوية، أو حتى تطمح لأن تكون على قدم المساواة مع الولايات المتحدة، مثل الصين والاتحاد الأوروبي وروسيا، وربما الهند. وتسعى ألا تهيمن أي قوة صاعدة على أي منطقة في العالم، في إطار استمرار هيمنه القطب الواحد على النظام الدولي، لكن هذه الاستراتيجية تمثل انقلاب على سياسات الولايات المتحدة الأمريكية خلال العقود الأخيرة، خاصة تجاه أقرب حلفائها الدوليين، بما يعني أن رؤية إدارة ترامب تجاه العالم بما فيها منطقة الشرق الأوسط عادت للسياسة التقليدية، وفق النظرية الواقعية الكلاسيكية التي تؤكد على المصالح القومية والقوة في إدارة العلاقات الدولية.

 

أضف تعليقك أو رأيك
الوسوم

المركز الديمقراطى العربى

المركز الديمقراطي العربي مؤسسة مستقلة تعمل فى اطار البحث العلمى والتحليلى فى القضايا الاستراتيجية والسياسية والاقتصادية، ويهدف بشكل اساسى الى دراسة القضايا العربية وانماط التفاعل بين الدول العربية حكومات وشعوبا ومنظمات غير حكومية.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق
إغلاق