fbpx
مقالات

أطروحات لفهم عالم ما بعد الحرب الباردة

 مراجعة: أ  أحمد المرابطي، باحث في سلك الدكتوراه، جامعة سيدي محمد بن عبد الله، فاس-المغرب

  • المركز الديمقراطي العربي

«اللاّيقين: ذلك هو المبدأ الذي يحكم سير العالم من الآن فصاعدا»، بهذه المقولة يستهل الباحث المغربي محمد السعدي كتابه القيّم حول “أطروحات لفهم العالم الجديد”، أو عالم الفراغ الإستراتيجي الموسوم بتفكك بنية التوازنات وسيادة نظام الأحادية القطبية. تزامن صدور هذا الكتاب بالضبط مع أحداث 11 سبتمبر الأليمة وكأنّ الحدس السياسي لمؤلفنا وتقديره الموضوعي لمسار “اللانظام الدولي” الناشئ و”الفوضى العالمية” القائمة في عالم ما بعد الحرب الباردة قد تنبأ بما ستسفر عليه هذه الأخيرة من قلاقل وتصدعات هزّت، بشكل عميق، استقرار الحياة الدولية. أقول هذا وأنا أستحضر ما قام به الأستاذ السعدي -في حينه- من إثارة علمية دقيقة ومعالجة عميقة لأطروحات نظرية في حقل العلاقات الدولية الجديدة (أطروحة نهاية التاريخ، صدام الحضارات وبراديغم الفوضى وما يصاحب ذلك من حديث ‘النهايات’…) التي جاءت تدّعي القدرة التنظيرية في فهم النظام العالمي الجديد وتحليل بنية العلاقات الدولية المعاصرة.

وبغض النظر عن الخلفية الإيديولوجية التي تتحرك في إطارها هذه البراديغمات الجديدة– والتي لا يخفى على أحد ميلها المطلق للرؤية الإستراتيجية الأمريكية– ، فإن صاحب الكتاب لا يتوانى، ومنذ البداية، في اتهام هذه الأخيرة بالقصور المعرفي والنسبية المطلقة في القدرة على استيعاب المعطيات الجديدة والحقائق المتجددة الناجمة عن التطورات والمتغيرات الدولية الراهنة.

1-أطروحة نهاية التاريخ/  The End of History

يرى الأستاذ السعدي أن فكرة “نهاية التاريخ” ليست فكرة حديثة، بقدر ما رافقت –على الدوام- تطور الفكر الإنساني على مرّ العصور، وذلك لأن حلم بناء مجتمع متكامل وخال من التناقضات الإيديولوجية والاجتماعية هو حلم بات حاضرا في أدبيات الكثير من الأنسقة الفكرية والمذاهب الفلسفية القديمة منها والحديثة: ليس بدءا بفلاسفة الهند القديمة في إطار نظام الفئات المغلقة وليس انتهاءا بهيجل وماركس وبعض أفكار المدارس والتيارات المعاصرة.

وبعد التأكيد على قدم هذه الفكرة، يقول السعدي: ”يعتقد فوكوياما أنه بسقوط الأنظمة الفاشية والنازية ثم الأنظمة الشيوعية مع نهاية هذا القرن، يكون الصراع التاريخي بين الليبرالية والاشتراكية قد انتهى بانتصار الفكر الليبرالي الذي أصبح يشكل الطور النهائي للصراعات الإيديولوجية في العالم. وبالتالي أصبح النموذج والمثال الأكثر جاذبية لكل الفضاءات السياسية، الاقتصادية والإيديولوجية. ولهذا يعلن فوكوياما “نهاية التاريخ” والانتصار الكوني والشامل للديموقراطية الليبرالية عبر العالم على اعتبار أن  ذلك يشكل المعنى الأسمى للتاريخ” (ص.16).

وما دام أن التاريخ عند فوكوياما يمتاز بطابع الكونية، فإن صاحب النظرية جاء يبشّرنا بقدوم دولة عالمية منسجمة لن تعرف تناقضات كبرى وتحقق الإنسانية فيها شكلا مجتمعيا يستجيب لكل رغباتها الأساسية. كما يؤكد في نفس السياق على عدم حدوث أي تطور نوعي فيما يخص المبادئ والمؤسسات والقيم المتحكمة في المجتمعات الليبرالية الحالية.
ويعتبر أن الأصوليات الدينية والتيارات القومية تحديان ثانويان للنظام الليبرالي، إلا أنه يركّز بالخصوص على الإسلام باعتباره أشد الأنظمة أوتوقراطية في التاريخ الحديث. الشئ الذي يجعل “الأصوليون الإسلاميون” -حسب المفكر طبعا- ينددون، باستمرار، بالنفوذ المتزايد للقيم الغربية.

وبصدد الجذور الفلسفية لأطروحة “نهاية التاريخ” يرى الأستاذ السعدي أن فوكوياما، شأنه في ذلك شأن العديد من الخبراء في الأوساط الفكرية الغربية، يستحضر الكانطية الجديدة  والهيغيليانية الجديدة للتنظير للثورة النيو-ليبرالية بعد مرور قرنين على الثورة الفرنسية، بما يعنيه ذلك من استلهام لمفاهيم “الحرية الإنسانية” و”السلام العالمي الدائم” و”الرفاه الاقتصادي” و”الديموقراطية” وغيرها من المقولات التي تؤثث لبنية الفلسفة الغربية الحديثة.

وفي هذا العصر، عصر الإنسان الأخير، سيكون التفاعل الاقتصادي بين الدول هو محور العلاقات الدولية. ونظرا لأهمية الاقتصاد سوف تفقد الأبعاد الإستراتيجية والعسكرية قيمتها في عالم ما بعد التاريخ. بينما العالم التاريخي فسيعرف صراعات دينية وقومية وإيديولوجية تحكمها سياسات القوة والسلاح بالدرجة الأولى. أما العلاقة بين العالمين التاريخي وما بعد التاريخي فستشهد تفاعلات صدامية ناجمة بالأساس عن الصراع حول البترول والهجرة والتهديدات المحتملة للنظام العالمي وللدول الغربية بفعل الانتشار الكبير للتكنولوجيا العسكرية.

وبعد هذا السرد لأهم ما جاء في أطروحة فوكوياما ينتقل المؤلف إلى الكشف عن بعض الأساطير المؤسسة لهذه النظرية واصما إياها بتكريس المركزية الغربية ومصادرة حق الشعوب والحضارات في الاختلاف واختيار المصير.. يقول السعدي في هذا السياق: ”لنتذكر أن الحضارة الأمريكية حضارة مرتبطة بالمكان والجغرافيا وليس التاريخ.  فالولايات المتحدة الأمريكية لا تمتلك تمتلك حسا تاريخيا ولا ذاكرة تاريخية. لذلك، يبقى من الصعب على الكثير من المفكرين إدراك معنى التاريخ الشامل للبشرية وجدلية الحضارات ودوريتها عبر التاريخ وإمكانية انبعاثها لإعادة تشكيل فضاءاتها الثقافية بشكل مخالف للغرب“ (ص.33)، ليخلص في الأخير إلى أن  ”نهاية التاريخ تعني الانقياد وراء الإنسان ذو البعد الواحد وإلغاء”الآخر” في الحضارة الإنسانية.. لكن ديكتاتورية الخيار الواحد لن يكون لها مستقبل في عالم تتعدد فيه الرؤى والثقافات”. (ص.34).

2– أطروحة صدام الحضارات/ The Clash of Civilizations

يؤكد الدكتور السعدي، منذ البداية، على أن ”أطروحة صدام الحضارات هي بمثابة صياغة جديدة وحديثة للعلاقات الدولية تطرح العامل الثقافي كمبدأ محرك للجيوستراتيجيا العالمية وموازين القوى الجديدة” (ص.45).  وإذا كان هنتغتون يعتقد أن للحضارات طبيعة جوهرية تتحدد وتتكون من مجموعة من عناصر مشتركة (اللغة، التاريخ، الدين، المؤسسات..) فإنه ينظر إلى الحضارة الغربية كحضارة فريدة تتمركز حول مجموعة من المكونات الموضوعية التي تتجلى في التراث التقليدي- الذي يشمل كلاّ من الفلسفة الإغريقية والعقلانية والقانون الروماني واللاتينية والمسيحية- والثقافات الأوروبية، والعلمانية والفردانية والمؤسسات التمثيلية. ويعتقد هذا المفكر الأمريكي أن الحضارة ستحل محلّ الدولة القومية في الهيمنة على مسار السياسة الدولية، هكذا سيصبح الاعتبار الثقافي والانبعاث الهوياتي منذ بداية التسعينات هو العامل الحاسم
في تحديد التحالفات عوض العوامل الكلاسيكية المتمثلة في الاعتبارات الاقتصادية والجغرافية. وبالنسبة للعوامل التي تعزز مدى حضور براديغم الصدام الحضاري في تحديد وتفسير طبيعة النزاعات القادمة فيلخصها الأستاذ السعدي في النقاط الآتية:

-إن الاختلافات بين الحضارات هي اختلافات حقيقية وأساسية، فالحضارة هي أقوى الهويات والتمايزات الحضارية هي أكثر حدة من التمايزات الأيديولوجية والسياسية.

-إن كثافة التفاعلات والاحتكاكات بين الحضارات المختلفة قد قرّب بعضها من بعض وهذا ما أدّى إلى تنامي الوعي الحضاري عبر إدراك الاختلافات العميقة بين مختلف الحضارات القائمة.

-إن التحديث الاجتماعي، الاقتصادي والثقافي الذي انتشر في العالم بأكمله منذ النصف الثاني من القرن العشرين قد خلق رغبة ملحة لدى الشعوب لتجديد ثقافاتها وتعبئة دياناتها قصد تأكيد انتماءها الحضاري واستقلالها الثقافي عن الغرب.

– ثمة تنامي الشعور بالتمايز الثقافي والحنين للعودة إلى الجذور الحضارية لدى الحضارات غير الغربية بعد اكتساح الغرب للفضاءات الثقافية الأخرى.

– إن التمايزات والاختلافات الثقافية هي غير قابلة للتغير والتحول وغير قابلة أيضا للتسويات عكس الاختلافات السياسية والإيديولوجية والاقتصادية.

– إن الصدام الحضاري في شكله العنيف سيكون نتيجة للتراجع الديموغرافي للغرب مقابل الحيوية الديموغرافية المتزايدة في الجنوب، خصوصا في العالم الإسلامي.

باختصار، يرى صامويل هنتغتون أن أهم النزاعات في المستقبل ستندلع على طول الحدود الثقافية الفاصلة بين الحضارات، والبؤرة المركزية للصراع ستكون نتيجة للتفاعل بين الكبرياء الغربي و”اللاتسامح” الإسلامي والرغبة في تأكيد الذات من جانب الصين. لكن هنتغتون يرى أن الحضارة الغربية ليست كونية كما يفنّد الفكرة الخاطئة والشائعة في الغرب، التي مفادها أن العالم برمّته يسير نحو ثقافة عالمية شاملة ومنسجمة بقيادة الغرب، وذلك لأن الدول غير الغربية لا يمكن أن تتخلى عن قيمها الخاصة لترتبط بالقيم والمؤسسات الغربية بالسهولة التي يتصورها البعض..( فمثلا، في مؤتمر فيينا لحقوق الإنسان سنة 1993 ظهر تكتلان: تكتل الدول الأوروبية والأمريكية الشمالية المدافع عن كونية حقوق الإنسان وإطلاقيتها وتجاوزها لكل الحدود الجغرافية والثقافية المختلفة، وتكتل من حوالي 50 دولة غير غربية تطالب بنسبية حقوق الإنسان وضرورة احترام الخصوصيات الثقافية والهويات المحلية). وفي ظل هذا العالم المتعدد الحضارات، يقترح هنتغتون على الغرب الحفاظ عل تفوقه العسكري وعدم الاسترخاء وتعزيز الاندماج السياسي، الثقافي والاقتصادي بين أوروبا و الولايات المتحدة واستقطاب شعوب باقي الحضارات للاندماج في الثقافة الغربية. وإذا كان الصراع بين الحضارات يتفاوت في حدته، فإن الصراع بين الحضارة الإسلامية وباقي الحضارات يتسم في نظره بالعنف والدموية.

وبخصوص الأهداف الإستراتيجية للأطروحة، يرى الباحث أن هذه الأخيرة جاءت لملأ الفراغ الإستراتيجي والفكري قصد توجيه صانعي السياسة الإمبريالية في الاتجاه الذي يخدم المحافظة على القيادة الأمريكية للعالم وحماية مصالحها والحيلولة دون صعود قوة مهيمنة سياسية وعسكرية في أوروبا وآسيا. كما أن هذه الأطروحة هي محاولة لصياغة دور استراتيجي جديد للولايات المتحدة لفترة ما بعد الحرب الباردة، يتوافق مع مصالحها القومية ويستجيب للمتغيرات الدولية الجذرية. وحسب الدكتور السعدي دائما، فإن هاته الأطروحة تقدم أهم مجهود في الفكر الجيو-استراتيجي تمت صياغته بعد سياسة الاحتواء لجورج كينان عام 1947.

3 براديغم الفوضى/ The Anarchy

حسب ”المدافعين عن أطروحة الفوضى، فإن النظام الدولي يفتقد شيئا فشيئا قدرته على حفظ النظام وإدارة علاقات القوة وإنتاج نموذج معياري له قدرة على فهم الأداء الفعلي للتفاعلات الدولية” (ص.75). ويسترشد المؤلف ب”علم الانتقالية” الذي يعتمد دعاته على مجموعة من المبادئ، من بينها كون الفوضى العالمية ليست سوى حالة غير طبيعية وأن النظام الدولي هو دائما نظام توازني قائم على “الضبط الذاتي” وقادر بالتالي على استيعاب وتجاوز الاضطرابات والاختلالات التي تشهدها لعبة الأنساق والأنظمة المشكلة لهذا النظام. وفي مقابل ذلك، يرى بعض المنظّرين، أن حالة الفوضى التي تطبع العالم اليوم حالة طبيعية، وذلك ببساطة لأن الهجرات والصراع والحروب، أمست دائما حاضرة في العلاقات الدولية على مرّ تاريخ المجتمعات الإنسانية. بل ويذهب هذا البعض إلى القول بأن اللانظام الذي يتبدى للمتتبع هو نظام في حد ذاته وإن كانت معالمه ومحدداته من طبيعة معقدة ومختلفة.

وفي هذا الإطار، يرى ”بيير هاسنر” في مرحلة ما بعد الحرب الباردة بوادر أولية لرجوع قرون وسطى جديدة، حيث يتمظهر ذلك من خلال: سقوط مبدأ الشرعية والقانون وانهيار السلطات المركزية وانتشار التسلط والعنف، بالإضافة إلى اهتزاز القيم وسيادة الرأسمالية المتوحشة والفردانية ونبذ العنف ورفض الآخر وعودة النعرات القبلية والإثنية  (…)
أما بالنسبة ل”جون كريستوف روفان” فيتحدث في كتابه” الإمبراطورية والبرابرة الجدد” الصادر سنة 1991عن الانقسامات الجديدة لعالم ما بعد الحرب الباردة، ويشبهها بالانقسامات التي سادت العالم في العصر الروماني خلال القرن الثاني قبل الميلاد. بل وثمّة من الأصوات ما يدعو –في هذا السياق- إلى إعادة استعمار جديد للعالم “الثالث”.. مثل الأمريكي ”وليام بفاف” والمؤرخ الإنجليزي ”بول جونسون” الذي يدافع بحماس شديد وصراحة وقحة عن الإيديولوجية الاستعمارية الجديدة.

الكتاب الذي بين أيديكم، أيها القراء الأعزاء، عبارة عن دراسة علمية قيّمة تستحق القراءة والمطالعة، دراسة غنيّة وثريّة بمعطيات أكاديمية مهمّة حول واقع العلاقات الدولية الجديدة في عالم يسود فيه ويحكم “رعاة البقر” الذين يتحكمون في مصائر الأمم  ورقاب “البشر”، وذلك في إطار نظام عالمي أحادي القطبية رغم ما تعاكسه من تحديات آسيوية ومنافسة أوروبية ومشاكسة أمريكا اللاتينية، وغيرها من القوى الإقليمية الصاعدة والساعية نحو إعادة إحلال التوازنات المأمولة في الساحة الدولية.

  • عنوان الكتاب/ محمد سعدي، أطروحات لفهم العالم الجديد : نهاية العالم، صدام الحضارات، الفوضى العالمية الجديدة، دار السلام للطباعة، الرباط،2001
الوسوم

المركز الديمقراطى العربى

المركز الديمقراطي العربي مؤسسة مستقلة تعمل فى اطار البحث العلمى والتحليلى فى القضايا الاستراتيجية والسياسية والاقتصادية، ويهدف بشكل اساسى الى دراسة القضايا العربية وانماط التفاعل بين الدول العربية حكومات وشعوبا ومنظمات غير حكومية.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق