fbpx
مقالات

من تختار أمريكا: الكورد أم تركيا ؟ لكن ماذا عن المرحلة الثانية من صلح عفرين؟

اعداد الباحث السياسي : سيهانوك ديبو

  • المركز الديمقراطي العربي

أمريكا مثل أعضاء مجلس الأمن. ومثلها في ذلك جميع الدول الأعضاء في الأمم المتحدة؛ يختارون مصالحهم. هذه المسألة مُتَخَذُ قراره ليس في قضية عفرين إنما مأخوذٌ به منذ قيام الدولة السومرية؛ كنموذج أول دولة في التاريخ البشري؛ في أن الدولة هي الشمس والشعب هو النجوم؛ فظهور الشمس/ الدولة يؤدي بالضرورة إلى عدم مشاهدة النجوم/ الشعب.

وهنا يطرح الفيلسوف أوجلان في مجلده الخامس/ مانيفستو الحضارة الديمقراطية- القضية الكردية وحل الأمة الديمقراطية؛ مدخلاً –قيد البحث- وضرورة أخلاقية سياسية مجتمعية في تأسيس اتحاد الأمم الديمقراطية بدلاً من هيئة الأمم المتحدة.

ألم تشهد الكرة الأرضية قيام عصبة الأمم بعد الحرب العالمية الأولى التي تحوّلت إلى هيئة الأمم المتحدة من بعد الحرب العالمية الثانية؟ وفي أتون الحرب العالمية الثالثة التي نعيشها بشكل مُقَنن؛ غير منفلت العقال؛ مسيطَر عليه بدرجة شديدة؛ ألا يبدو من المجدي أن نفكر بهذه القضية وقضايا مهمة مطروحة في الأوجلانيزم؛ بخاصة أنها تدعو قبل ذلك إلى اتحاد الأمم الديمقراطية الشرق أوسطية؟ في الوقت الذي -بدون استئذان- يتردد على مسامع شعوب الشرق الأوسط؛ مصطلح الشرق الأوسط الجديد؛ الكبير… الزمن كفيل أن يصبح هذا الجديد قديماً فيتم إعادة أزماتنا الآنية لتبدو هي المستقبل الذي ينتظرنا كقاطع طريق. خلافه تماماً؛ أن الزمن في صالح الديمقراطية دائماً، وأية تجربة ديمقراطية كلما شابها الزمن؛ ينالها الجمال الكفيل في انهاء الأخطاء التي تظهر أمام ومن التجارب والمشاريع الديمقراطية.

نكاد أن نقول أن كل شيء لصالح الديمقراطية؛ فالديمقراطية الجذرية هي كل شيء.

ولأنها كل شيء فالزمن إيجابي عند هذه الديمقراطية. فالزمن هنا بحد ذاته كوانتوم يؤدي دوراً نشوئياً إلى جانب مجموعة هائلة من الكوانتومات.

نشهد في عفرين صراعاً فريداً من نوعه. صراع بين الشركاء المرحليين والشركاء الاستراتيجيين؛ قسم موجود هنا وهناك في الوقت نفسه.

صراع بين شركاء مرحلة الأزمة السورية وشركاء في أحلاف نشأت؛ لضرورات المرحلة الباردة المنقضية بعد انهيار السوفييت. أما نتيجة الشد والجذب الملحوظتان بقوة فيدفع أكلافه شعب سوريا والشعب في عفرين؛ إضافة إلى انهيار متدرج في الاقتصاديات السياسية التي باتت قديمة وتؤدي بدورها كشهود اقتصاديات سياسية جديدة.

  • لكن تركيا أدركت بأنه ليس بمستطاعها أن تحسم عدوانها ومرتزقتها على عفرين لصالحها.

إنه اليوم الواحد والأربعين؛ دون نتيجة تركية/ عثمانية تُذكر. لكن تركيا تعلم بأنها لن تستطيع أن تعيد الزمن إلى الوراء؛ فهي غير المشاركة بل المستبعدة من أهم تحريرين في الألفية الثالثة: تحرير الرقة والموصل. لكنّ أمريكا تعلم بأنه في تحرير الرقة كان الحديث على أشده عن مرحلة ما بعد داعش. الذي جرى بأن تركيا سحبت السيف المسلط على ظهر داعش من قبل وحدات حماية الشعب والمرأة وعموم قوات سوريا الديمقراطية ومشاركة فعالة من قبل التحالف الدولي بقيادة أمريكا ضد الإرهاب. سحبت تركيا هذا السيف وشدته نحو صدر عفرين:

المدينة الآمنة المُنَظَمة المستقرة. أنعشت داعش مرة أخرى وأصبح في ذلك الحديث عن المرحلة الرابعة من الحرب (النتيجة المتحققة  بأقل التكاليف) ضعيفاً وباحتمالية التحول إلى المرحلة الأولى أي إلى المواجهة المباشرة ما بين أمريكا/ التحالف الدولي وداعش. فكيف يقاتل ابناء وبنات عفرين وكوباني والجزيرة ضد داعش في دير الزور مثالاً؛ وتركيا مع مرتزقتها من داعش والنصرة والمرتبطون معهما تقتل وتدمِّر عفرين وفي شهرها الدمويِّ الثاني؟

  • لكن ماذا عن المرحلة الثانية من صلح عفرين؟

من منطلق مصطلح الشمس/ الدولة وليس من منطق الشعب/ النجوم؛ انقسم (الضامنون) في آستانا حيال العدوان التركي على عفرين.

نكاد نشهد تفتيتَ الآستانا؛ إيران من جهة وروسيا وتركيا من جهة أخرى. النتيجة السورية من آستانا أنها كانت شديدة السلبية ومرتبطة بالدمار.

 يبدو أن شمس آستانا يأفل. من الضروري أن يأفل؛ على الأقل سورياًأما الرعد/ سوتشي الذي خرج من آستانا فإنه أنتج كمأة؛ كانت كافية لتكون وجبة لذيذة للبعض.

انتهت هذه الوجبة؛ فلا داعي من أن يلوك البعض هذه الوجبة. يبدو أنها انتهت؛ من الضروري أن تنتهي أيضاً.

 فثلاث وعشرين مليوناً سورياً من غير المقدور أن يعيشوا على (روشيتا/ وصفة) أصدرتها سوتشي حتى لو كان اسمها الدستور. جوع سوريا وألمها من أمراضها. والعقد الاجتماعي السوري الجديد/ الدستور الديمقراطي السوري حتى يكون الدواء فيصبح فيه الشعب هو الشمس والنجوم في الوقت نفسه.

حصل تفاهم ما بين عفرين ودمشق فدخلت وحدات عسكرية تتبع إلى الجيش السوري بهدف الدفاع المشترك عن سوريا في جزئها العفريني. حصل تفاهم ولم يحصل الصلح/ الاتفاق. ولأنه لم يحصل الاتفاق فإن العدوان التركي على عفرين لم يتوقف. جنديرس؛ مثالاً؛ ناحية منكوبة بكل معنى الكلمة. وصدر القرار الأممي 2401 الداعي إلى وقف فوري لإطلاق النار على كامل الجغرافية السورية ومنها عفرين؛ لكن العدوان التركي لم يتوقف.

ضربت تركيا في عدوانها على عفرين بشكل خاص بأنها مثال الدولة المارقة. استخدمت القنابل العنقودية والكلورين السام. وهدمت عديد من القرى في عفرين، وسببّت نزوح عشرات الآلاف من المدنيين العفرينيين؛ من قراهم ونواحيهم إلى مناطق أخرى من عفرين. وسببت استشهاد عدداً كبيراً من المدنيين/ أغلبهم من الذين نزحوا إلى عفرين في وقت سابق/ ومن وحدات حماية الشعب والمرأة. ولكن تركيا تجهر علناً أنها عازمة على إبادة الكرد في عفرين. عازمة على احتلال عفرين واقتطاعها فضمّها إلى تركيا. لكنها تعلم يقيناً في أنها تفشل في مثل ذلك.

مثلما سقطت مصطلحات أو بالأحرى اصطلاحات وأدبيات تم انتاجها في خضمِّ الأزمة السورية؛ المعارضة المعتدلة: محاولة تبييض وجه النصرة الأسود. مناطق خفض التصعيد: محاولة شرعنة الاحتلالات. المجلس الوطني السوري المُعَدَّل لاحقاً إلى الائتلاف: محاولة تبييض صفحة الإخوان المسلمين الشديدة السواد…. وغيرها؛ حان الوقت لإسقاط مصطلح غرب الفرات وشرقها؛ أيضاً.

لم يؤمن بها ولم يقتنع من خلالها أيّاً من سكان شمال سوريا لا بل كل السوريين.

طالما كان الشمال السوري واحد وهو جزء اتحادي متوحِّد من عموم سوريا. وهذا هو قرار الشعوب في شمال سوريا: نجومها وشمسها الذين يساهمون بدورهم في انتاج دولة وطنية اسمها: جمهورية سوريا الفيدرالية: دولة المواطنة؛ لا ضير من التكرار هنا مرة أخرى: بأن دولة المواطنة تتحقق عن طريق مشاريع/ حوامل وطنية وليس عن طريق الفرض والاستعلاء قومياً كان أمْ دينياً. الوقت جيد أن نفكر بأن سوريا تبدو صغيرة جداً ومعروضة على سيف التفتيت حينما يتم إدارتها مركزياً أو لا مركزياً إدارياً؛ أحد وجوهها الساذجة أن يتم تصوير المشكلة السورية كلها في تعيين محافظٍ من أبناء المحافظة نفسها! الشعوب في شمال سوريا- ليس الشعب الكردي في سوريا فقط- وجهتهم الوطنية وانتمائهم السوري يُخلق عن طريق الفيدرالية الديمقراطية لشمال سوريا: أكثر من مليون ونصف المليون من ابنائها استفتوا على ذلك من خلال مرحلتين من مراحل الانتخابات في هذا النموذج الديمقراطي (22 أيلول و1 كانون الأول 2017).

وحينما يسقط مصطلح شرق وغرب الفرات فإن في قضية عفرين السورية يمكن أن ينجم تمثيل فعلي للتحالف الدولي ضد الإرهاب أو على الأقل لأعضائه في مجلس الأمن مِنْ أن يقوموا بالفصل بين الجيش التركي ومرتزقته وسوريا في عفرين أيضاً، عفرين التي يدافع عن حدودها اليوم قوات سوريا الديمقراطية وبمشاركة من وحدات عسكرية تابعة للجيش السوري دخلت عفرين في اليوم الثالث والثلاثين من أيام المقاومة العفرينية.

ستفكر تركيا كثيراً حتى تقول بأن وجود التحالف الدولي على حدودها يشكل خطراً على (أمنها) (القومي). حتى الناتو العربي؛ تسمية أطلقتها الصحف المكتوبة باللغة العربية بعد انعقاد قمة الرياض بمشاركة خمس وخمسين دولة بقيادة أمريكا. وأيضاً الجامعة العربية من المفترض أن ترى في ذلك مخرجاً أممياً يحول دون احتلال عفرين؛ الجزء من سوريا. على الرغم من المقاومة في عفرين مستمرة وهي تسير في أن تتوسع وأن تكسب رمزية عالمية مثلما حدث للتؤام كوباني؛ لكن من الأهم أن يتم قطع أية ذريعة في تدمير عفرين ويستخدمها السلطان العثماني كمادة انتخابية ومخرجاً لديه في الهروب من الأزمة الداخلية التي تخنق الشعوب في تركيا.

ضبابية أمريكا غير المفيدة

على اعتبار أن الملف السوري بات بغالبه ملفاً دولياً؛ فإن الكثير من الأصوات التي قالت بأن أمريكا لا تمتلك خطة متماسكة متكاملة في سوريا؛ هي محقة إلى درجة كبيرة. النظام السوري –برغم وهنه الشديد- لم يزل يمثّل الشخصية الاعتبارية لسوريا، ويحضر مندوبها جميع اجتماعات مجلس الأمن المتعلقة بدمشق؛ آخرها البارحة.

والمتفق عليه –كما في الجنيفات- أنه يمثل جزءً من الحل. بالرغم من أنه أساس الأزمة السورية. لكن أمريكا وحتى في تبيان استراتيجيتها المتعلقة بحل الأزمة السورية أظهرت فيها المزيد من عدم الوضوح أو أنصاف الحلول مع اضفاء بعض من جرعة تفاؤل. إن انتقال أمريكا إلى الجانب الآخر من الفرات؛ هي الموجودة بالأساس في منبج غرب الفرات؛ إلى عفرين، وعلى اعتبارها قائداً للتحالف الدولي ضد الإرهاب، راعياً أساسياً لحل الأزمة السورية؛ العضو الدائم في مجلس الأمن، وأن تلعب دور الضامن لمنع الاحتلال ومنع اقتطاع عفرين من قبل تركيا فإن ذلك يكون بالخطوة  (الأولى) المهمة وتقطع الطريق على تعكيك الجغرافية السورية: لكل دولة قطعة وإلّا تبقى نيران الحرب السورية مستعرة.

وعلى السلطة في دمشق أن تفكر بالمزيد من الواقعية وأن مشهد 2011 لن يرجع، وأن من يرضى ذاتياً في أن يكون جزء من الحل – حضرت دمشق حتى اللحظة 16 اجتماعاً في ذلك- فيجب التفكير قبل ذلك بأنه ليس سوى جزء من الإدارة على ومن وفي سوريا. بالنهاية هي لحظة حاسمة في تاريخ سوريا؛ ولأنها كذلك؛ يلزم قرار يناسب هذه اللحظة وأن نفكّر جميعاً بعودة الأمن إلى عفرين، ومن ثمّ بعودة جرابلس والباب واعزاز إلى سوريا، وعودة جميع السوريين الموجودين في تركيا.

 هذه كلها تكون بعهدة الصيف السوري الذي يقدم. فأهلاً بمثل هذا الصيف. 

الوسوم

المركز الديمقراطى العربى

المركز الديمقراطي العربي مؤسسة مستقلة تعمل فى اطار البحث العلمى والتحليلى فى القضايا الاستراتيجية والسياسية والاقتصادية، ويهدف بشكل اساسى الى دراسة القضايا العربية وانماط التفاعل بين الدول العربية حكومات وشعوبا ومنظمات غير حكومية.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق