الشرق الأوسطتحليلاتعاجل

الدبلوماسية الإقتصادية لدول الخليج العربي

اعداد : فؤاد الصباغ – باحث اقتصادي دولي

  • المركز الديمقراطي العربي

إن الدبلوماسية في مدلولها اللفظي تعني كلمة دبلوم و هي الوثيقة الرسمية التي يسندها صاحب السلطة إلي شخص معين تتوفر فيه ميزات و خصائص من الرقي و السامية مقارنة مع أشخاص أخرين و ذلك في إطار إنجاز مشروع معين يتم تحقيقه بنجاح. أما المصطلح الحديث للدبلوماسية الإقتصادية يعني إستخدام الموارد الأولية و الثروات الوطنية و الطاقات البشرية و المكاسب الإقتصادية و توظيفها في مشروع المقايضة و المساومة التفاوضية بين الدول و رجال الأعمال المستثمرين.

كما تمثل الدبلوماسية الحديثة الحراك التفاوضي بالطرق السلمية و الحضارية لإكتساب ثقة الطرف الآخر  بالأقوال و الأفعال.

و قد أثبتت التجارب التفاوضية في المجالات الإقتصادية و خاصة منها التجارية علي أهمية هذا النوع من الدبلوماسية قصد تعزيز مكاسب الأمة من إنجازات عبر جلب الإستثمارات و تحفيز المبادلات التجارية و الرفع من نسق المساعدات بين الدول و الحلفاء. إذ في هذا الصدد يمكن رفع شعار من “لا يملك خبزه, لا يملك قراره”, بحيث أصبح عالمنا تهيمن عليه القوي العظمي  صاحبة النفوذ المالي و الإقتصادي و التي تعتبر نقطة القوة في العلاقات الدولية العالمية الحالية.

إن مهنة التمثيل الدبلوماسي اليوم أصبحت حساسة جدا لأنها يمكن أن تخلق مشاكل إقتصادية أو سياسية أو حتي تأزم و قطع علاقات دولية و وضع علي قائمات سوداء إذ لم تحسن بعض الأطراف في التعامل مع بعض الملفات مع الجهات المفاوضة و التي تجمعهم مصالح سياسية و إقتصادية مشتركة. إذ تمثل الدبلوماسية الإقتصادية لدول الخليج العربي سيف علي رقاب كل من تجمعه بهم مصالح تجارية, إستثمارية أو علاقات مالية.

فسلاح النفوذ المالي و التعامل مع أسعار النفط و الغاز و أيضا التمويلات من قبل صناديق التنمية و الإستثمار و الهبات و الدعم المالي وقت الأزمات أصبحت كلها من أبرز الأسلحة الإقتصادية و الأوراق التفاوضية لدول مجلس التعاون الخليجي. كما أن الحروب الإقتصادية أصبحت اليوم من أبرز أنواع الحروب تطورا و ذلك عبر الضغوطات في المعاملات و الإملاءات وفق أجندات و شروط تخدم مصالح الجهات المانحة.

و أبرز دليل علي ذلك الأزمة القطرية مؤخرا مع بلدان مجلس التعاون الخليجي, حيث أثبتت بعض التقارير الدولية علي تورط المال القطري في دعم مجموعات إرهابية قصد قلب أنظمة و خلق الفوضي في المنطقة و خاصة منها الدول المتضررة و التي تعرف بدول الربيع العربي.

بالتالي تمكنت قطر من كسر هذا الحصار العربي الخليجي بفضل حنكة دبلوماسيتها و مصالحها الإقتصادية مع الدول الغربية.

إذ تمثل الدبلوماسية الإقتصادية القطرية سلاح قوي و صامد تجاه أي أزمات داخلية أو خليجية, بحيث يمثل الدعم المالي و الإستثمارات الضخمة بالدول الأوروبية و الولايات المتحدة أكبر نقاط قوة لهذه الدبلوماسية التي ترتكز بالأساس علي النفوذ المالي و دبلوماسية النفط مقابل دبلوماسية الدولار منذ مخطط مارشال لإعادة الإعمار بعد الحرب العالمية الثانية.

و قد أصبحت صناديق التنمية و الإستثمارات الخليجية سلاح ذو حدين يستعمل لأغراض سياسية عن طريق مصالح إقتصادية, بحيث تم في هذا الإطار تفعيل دور البعثات الدبلوماسية الخليجية قصد جلب أكبر نصيب من كعكة الإستثمارات و التجارة مع دول الإتحاد الأوروبي و رفع نسق التداول بالأسواق المالية العالمية و بسط النفوذ المالي و اللوبي الخليجي بأوروبا و الولايات المتحدة الأمريكية.

بالإضافة إلي ذلك تمثل العلاقات السعودية مع الولايات المتحدة الأمريكية من خلال قمة العزم يجمعنا و التي تم خلال إبرام العديد من الصفقات و الإتفاقيات في شتي المجالات عنصر داعم و مؤسس لدبلوماسية إقتصادية ناجعة مع هذا الحليف الإستراتيجي في منطقة الشرق الأوسط.

  • بخصوص العلاقات الخليجية – العربية فتبقي تلك الإستثمارات الضخمة في شتي المجالات الحيوية خاصة منها البني التحتية و المرافق الترفيهية و التي تديرها بعض الشركات العقارية و الإستثمارية الخليجية خاصة منها شركة سما دبي رافد من روافد التعامل الدبلوماسي الإقتصادي الخليجي و ذلك لأغراض و أجندة سياسية بعيدة الأمد.
  • بخصوص الفوضي العارمة و الدمار و الإرهاب التي شهتدها الدول المجاورة لدول الخليج العربي أصبحت من أبرز عوامل عدم إستقرار المنطقة كلها مما يهدد المصالح الإقتصادية و التجارية و المالية لدول مجلس التعاون الخليجي.

بالتالي توجهت الدبلوماسية الإقتصادية الخليجية نحو قطع جميع علاقاتها الإقتصادية و التجارية مع الأطراف الداعمة و الممولة للإرهاب. أما بخصوص الملف القطري فقد تم إستثنائه نظرا لأهمية النفوذ المالي و المصالح المشتركة لدولة قطر مع حلفائها الإستراتيجيين و هو الإتحاد الأوروبي و الولايات المتحدة الأمريكية.

إذ علي الرغم من الحصار العربي الخليجي علي دولة قطر لم تقطع العلاقات الدولية مع هذه الدولة بل تعززت من خلال إعلان وزارة الشؤون الخارجية الأمريكية بأن قطر حليف رئيسي و إستراتيجي و داعم لوجستي لقوات المارينز في المنطقة عبر قاعدة عتيديد الأمريكية علي الأراضي القطرية.

إذ علي الرغم من كل هذه التهم الصادرة في حق دولة قطر من دعم للإرهاب و الإخوان المسلمين في مصر و قلب بعض الأنظمة العربية و مشاركتها في خلق الفوضي الخلاقة التي أصدرتها وزيرة الشؤون الخارجية الأمريكية السابقة كوندوليزا رايس سنة 2006 و صدرتها للدول العربية مع بداية سنة 2011, لتخلق الحروب و الفوضي و القتل المنظم في العراق و سوريا و ليبيا طبقا لنظرية لورانس العرب فرق تسد, إلا أن الدبلوماسية الإقتصادية القطرية إنتصرت علي هذه التهم عبر قوة النفوذ المالي و الإقتصادي.

عموما تمثل الدبلوماسية الإقتصادية لدول الخليج العربي المصدر الرئيسي لتنظيم العلاقات التجارية و الإقتصادية مع الحلفاء الباريزين و الشركاء الدائمين و ذلك من خلال تقديم المخططات الإستراتيجية و الدعم اللوجستي و التنسيق بين رجال الأعمال و المستثمرين الخليجين من جهة, و الأطراف الأجنبية أو العربية المشاركة في الحوار التفاوضي من جهة أخري, و ذلك عبر التمثيل الدبلوماسي في البلدان التي تربطهم معها مصالح و شراكة تجارية و إقتصادية و سياسية قصد تبسيط إجراءات الحركة و العمليات المالية و الإستفادة من التقنيات الرقمية و التكنولوجيات الحديثة مع تقديم صورة حضرية متطورة لدول الخليج العربي.

كما أن التوجه الأخير نحو سياسة تطبيع العلاقات الخليجية – الإسرائيلية له أغراض جيوسياسية و مصالح إقتصادية مشتركة خاصة منها الدور الفعال للولايات المتحدة الأمريكية بالمنطقة لتحقيق الإستقرار الأمني و الإقتصادي و إعتبار الخطر الإرهابي و النفوذ الإيراني في الشرق الأوسط أهم خطر مشترك يجب مواجهته و التحرك لإجتثاثه من عروقه و القضاء عليه بصفة نهائية.

إذ تمثل القنصلية الإسرائيلية بدولة الإمارات العربية المتحدة و التمثيل التجاري بين قطر و إسرائيل و خاصة التحالف السعودي – الإسرائيلي مؤخرا من خلال زيارة الأمير محمد بن سلمان إلي دولة إسرائيل و لقائه ببعض المسؤولين و رجال الأعمال الإسرائيلين أبرز دليل علي مدي تطور العلاقات الدبلوماسية الإقتصادية الخليجية مع دولة إسرائيل.

أما بما يعرف بصفقة القرن فهي تعد فرصة حقيقية نحو حل الأزمة في منطقة الشرق الأوسط تحت رعاية الولايات المتحدة و بالتنسيق مع مصر لإيجاد علاقات تدفع عملية السلام إلي الأمام و وضع المنطقة كلها في حالة سلم دائم.

إن القوة المالية و الإقتصادية لدول الخليج العربي قادرة اليوم علي مجابهة الشتاء الإرهابي القارس الذي دمر العراق و خرب سوريا و هدد إستقرار دول الجوار.

فالدعم المالي الخليجي قادر علي إعادة الإعمار بعد الدمار و تحقيق الإزدهار في منطقة الشرق الأوسط. بالتالي تمثل هذه القوة المالية الدولية من خلال اللوبي الخليجي القادر علي التحكم في أسعار النفط و الغاز و خلق الإستثمارات الضخمة بالدول الغربية و العربية عبر القروض و الهبات المالية من صناديق التنمية و الإستثمار و الجمعيات الخيرية الخليجية مصدر القوة الحقيقية للدبلوماسية الإقتصادية الخليجية التي تفرض مواقفها و مكانتها المرموقة علي الصعيد العالمي.

أضف تعليقك أو رأيك
الوسوم

المركز الديمقراطى العربى

المركز الديمقراطي العربي مؤسسة مستقلة تعمل فى اطار البحث العلمى والتحليلى فى القضايا الاستراتيجية والسياسية والاقتصادية، ويهدف بشكل اساسى الى دراسة القضايا العربية وانماط التفاعل بين الدول العربية حكومات وشعوبا ومنظمات غير حكومية.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق
إغلاق