fbpx
الشرق الأوسطتحليلاتعاجل

أدوات التغيير السياسي : دراسة في الادب ومواقع التواصل الاجتماعي

اعداد : احمد كريم صالح  – جامعة الانبار – كلية القانون والعلوم السياسية

  • المركز الديمقراطي العربي 
المقدمة :
ثمة مقولة ذائعة الصيت للروائي السويسري ” جو تفريد كيلر ” مفادها ) كل شيء سياسة حتى الادب سياسة (  فقد تغلغلت السياسية في كل مفاصل الحياة , فهناك تدخل بين السياسة  وكل من الادب , والاقتصاد , والجغرافية , والتاريخ , وبذلك اصبحت السياسة تتفاعل وتؤثر وتتأثر بشتى المجلات والعلوم , وجل مفاصل الحياة بالنسبة للدول والافراد على السواء , وما عزز ذلك هو الثورة في ميدان التواصل والاعلام بحيث صار كل مواطن مراسل صحفي , واصبحت المعلومة تنتقل كالبرق.
بناءً على ذلك  تنوعت الاساليب والادوات التي تقود الى احداث تغييرات في البنية السياسية للدولة , فالأدب , ومواقع التوصل الاجتماعي ) السوشل ميديا ( تقف الى جانب الثورات والانقلابات في احداث التغييرات السياسية على مستوى الدولة , فالرواية يمكن ان تلعب دوراً كبيراً في التعبير عن القهر , والكبت السياسي والارهاب الفكري ولقد زخر التاريخ بالعديد من النماذج التي تشير الى ذلك ومن الممكن ان يكون الادب اداة لنشر الوعي السياسي الذي يسبق الثورة , فكل ثورة لابد وان يسبقها وعي كما تحدث كارل ماركس وبالتالي يؤسس هذا الوعي انطلاقة حقيقية للتغيير السياسي , وربما هذا ما يفسر لنا الرقابة الشديدة على كل ما يكتب في مجال الادب والسياسية  قديماً وحديثاً , فقد كانت الكنيسة   في اوربا تفرض رقابة صارمة في كل ما من شأنه زيادة الوعي السياسي , بل وحكمت بالإعدام على الكثير من الفلاسفة بعد ان اتهامهم بالهرطقة , وحرق نتاجاتهم العلمية التي من شأنها زيادة الوعي السياسي  , ولازالت هذه القيود سارية لحد الأن خصوصا في الانظمة الشمولية \ الكليانية , ولنا في كوريا الشمالية اجلى بيان , اذ انها  تفرض رقابة صارمة على قراءة  الادب , والتواصل الخارجي بل انها تحكم بالإعدام على كل شخص يقرأ الادب الامريكي او ان يجري  مكالمة هاتفية دولية , وهذا ما يؤكد اهمية هاتان الوسيلتان في زيادة الوعي السياسي ومن ثم التغيير السياسي , بالإضافة الى ذلك لعبت مواقع التواصل الاجتماعي دوراً كبيراً في احداث الكثير من التغييرات السياسية , فلا يمكن اغفال الدور الذي لعبته مواقع التواصل الاجتماعي في ثورات ما تسمى ” بالربيع العربي ” فقد اصبحت الشبكة العنكبوتية ومواقع التواصل الاجتماعي بمثابة جيفارا  القرن الواحد والعشرون , فهي اليوم تحرك الشعوب بعيداً عن البنى والمؤسسات والمنظومات الثقافية والسياسية التقليدية .
وفي الوقت الذي احدثت تغيرات سياسية اصابت عمق الكثير من الانظمة السياسية العربية , الا انها لا تخلوا من عيوب كثيرة والتي من الممكن ان تقود الى الفشل  , ولعل اهم هذه العيوب : غياب التنظيم السليم , وعدم امتلاك الرؤية الواضحة والواقعية , فضلاً عن غياب شبه تام لبرنامج سياسي منظم من شأنه تشكيل حكومة مؤقتة او غرفة عمليات منظمة لديمومة زخم الثورة والعمل على انجاحها , فالثورة التي لا تنجح ستأكل ابنائها اولاً .
وبناءً على ما تقدم سوف يتم تناول هذه الورقة البحثية من خلال مطلبين , يتناول المطلب الاول دور الادب في الوعي والتغيير السياسي من خلال الكتب الادبية والروايات والقصائد التي تلهب الجماهير , في حين يتناول المطلب الثاني دور مواقع التواصل الاجتماعي في التغيير السياسي داخل الدولة , ومن ثم الوقوف على  اهم الاستنتاجات التي توصلت اليها هذه الدراسة :
المطلب الاول : الادب ودوره في الوعي والتغيير السياسي :
يعد الادب تراث الامة وسجلها الحضاري والفكري ,ويحدث الادب في قائله وسامعه اثراً بالغاً, وانفعالاً خاصاً يحرك فيه المشاعر والاحاسيس تجاه مختلف القضايا , فقد وجد الادب قديماً وحديثاً, فهو يلبي حاجة انسانية فكرية وثقافية وروحية وقد تجاوز هذا الدور الى الدور السياسي وهذه الميزة نجدها في الادب العربي والاجنبي على حد سواء , وهنا يبرز التساؤل المحوري الى أي مدى يؤثر الادب بكل ما يشمله من تفرعات وانواع وبما يشتمل عليه من صور في التغيير السياسي او عالأقل في زيادة الوعي السياسي ,  وعلى النحو التالي :
اولاً – الادب العربي ودوره في الوعي والتغيير السياسي :
ثمة مقولة رائجة ل كارل ماركس مؤداها ) ان الوعي يسبق الثورة ( وبالتالي  من هنا تأتي اهمية الادب باعتباره اداة لزيادة الوعي السياسي , فلا يمكن ان نتصور اندلاع ثورة ما , يسبقها جهل في حقيقة الاوضاع السياسية والاقتصادية والاجتماعية لأي بلد .
ان البلدان العربية وعلى مر العصور من حيف الحكام تارة ومن العدو تارة اخرى , وقد مثلت القصيدة والرواية ادوات فائقة الاهمية لإثارة الجماهير ورفض الظلم والعمل على دغدغة المشاعر الجماهيرية بغية الثورة على الظلم الاستبداد  (1 ) . فهذا الشاعر المصري ) محمود سامي البارودي (  الذي ينحدر من اسرة ضليعة بشؤون  الحكم والسياسة , له قصيدة ينتقد فيها الوضع السياسي , ويمجد وطنه , ويحث على دفع الظلم , وكان لهذه القصيدة دوراً بارزاً في ادامة زخم ثورة ) احمد عرابي ( حتى انه سجن بسبب تأييده لذه الثورة . فقد نشد فيه قصيدته ) أبى الدهر ( ابياتاً تحرض على الثورة بوجه الظلم والاستبداد , وتنقد الاستكانة للظلم (2 ) . فهو الذي يقول :
علام يعيش المرء في الدهر خاملاً  أيفرح في الدنيـــــــا بيوم يعده     يرى الضــــــــــــــــــــــــــــيم يغشاه فيلتذ وقعه كذي جرب يلتذ بالحك جلــــــــــــده   من العـــــــــــــار ان يرضى الفتى بمذلة وفي السيف ما يكفي لأمر يعده .
فقد مارس الأدب وبأشكاله وانواعه المختلفة  عند جميع الأمم والشعوب دوراً مؤثراً وفعالاً في غرس القيم والأفكار والمفاهيم التي تساهم في بناء النفوس وتغييرها، أو تحفيزها  على الأقل  لاتخاذ مواقف معينة تجاه كثير من القضايا الاجتماعية أو السياسية أو الدينية أو غير ذلك , ولعل كل من يبحث في بواطن الادب يكتشف وبلا تكلف الدور السياسي للأدب , نظراً لما يمتلكه من التأثير والجاذبية , فهو ليس مجرد كلمات انه بالأحرى عبارات منمقة , تشحذ الهمم وتحفز النفوس  , وهذا ما عبَّر عنه حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم بقوله: “إن من الشعر لحكمة، وإنَّ من البيان لسحراً” ولهذا كان الادب سلاحاً من أسلحة التحفيز والتحريض  واتخاذ مواقف مغايرة (3) . فالقصائد والرسوم الساخرة , والقصص القصيرة , ودور السينما , والمسرحيات , والمنتديات  الثقافية والصالونات الفكرية , كلها تحمل رسالة معينة في الغالب ما تتناول الشأن السياسي في موضوعاتها  والتي من شأنها بث الروح الحماسية في الجماهير وحملها على الثورة وتغيير الاوضاع القائمة , فهذه الاماكن وعلى مر التاريخ كانت الداينمو المحرك للثورات  , . فالأدب العربي لم يكُن بمعزل عن السياسة منذ نشأته ، إذ اهتم بالأحوال السياسية والاجتماعية للشعوب والقادة العرب على السواء. فرواية (عودة الروح ) لتوفيق الحكيم أثَّرت في تشكيل فكر الزعيم الراحل جمال عبدالناصر وفى تكوينه (4) . فالأدب احياناً يمارس تأثيراً مزدوجاً على مستوى الحكام والمحكومين .
ثانياً : الادب الاجنبي : 
قلنا بأن الأدب أداة من أدوات التغيير السياسي ، فهو يعبر عن روح الأمة وأزماتها وطموحاتها، من خلال تنوير الجماهير والقادة على حد السواء بحقيقة الأوضاع السياسية والاجتماعية، وتجسيد أزماتها العامة، وتصوير كيفية الخلاص، وعلى هذا لم يكن الادب الاجنبي بمنأى عن الواقع السياسي ومحاولة احداث تغييرات من خلال ما تجسده الروايات, او  ما تتناوله القصص الادبية  .
ولقد زخر تاريخ الأدب الروسي والانكليزي  بالعديد من النماذج الدالة على ذلك، وحقَّق هذا الأدب العالمية من خلال اهتمامه بالأوضاع السياسية والاجتماعية ونقدها، والتوجه نحو تصور مستقبل أفضل. فكان الكُتاب الروس معلمي شعبهم وقادته (5) . ولعل اهم الصور الادبية التي كان لها التأثير العميق في الشأن السياسي هي الرواية , فهناك كم هائل من الروايات التي تتناول مواضع السياسة والاستبداد وجور السلطة , فالرواية لا تنفصل عن الواقع السياسي , فكثيراً ما تتنبأ به , او تساهم في تغييره , ولعل اهم تلك الروايات التي تشكلت ادراكنا للعالم ومن حولنا سياسياً واجتماعياً , رواية) الحرب والسلم) للأديب الروسي) ليو تولستري ) والتي صنفت على راس افضل مائة كتاب في التاريخ , والتي ارخت لفترة مؤثرة في تاريخ اوربا , بالإضافة الى رواية (1984) للمؤلف )جورج اورويل    (فقد كان لهذه الرواية بالغ الاثر لأهمية الصورة السياسية التي قدمتها , بل وكانت مرجعا لأغلب الكتاب الذين يتحدثون عن الانظمة الشمولية والدكتاتورية  (6) . ولم تكن رواية   )مزرعة الحيوان ( للكاتب نفسه و )كوخ العم توم ( للأمريكية “هارييت ستو”  و )باب الخروج ( للكاتب المصري  عز الدين شكري  اقل تأثيراً من تلك الروايات فهذه الروايات قدمت صورة سياسية بالغة الدقة .
ولكن الامر الذي تجدر الاشارة اليه هنا , ان الادب وما يشمله من تفرعات قد تراجع الى حد كبير مع الثورة التكنولوجية في ميدان التواصل والاعلام والاتصالات , اذ اصبح العالم كله بمثابة قرية صغيرة , حيث تنتقل المعلومة بسرعة فائقة , ولهذا اخذت مواقع التواصل الاجتماعي وخصوصاً ) توتير , واليوتيوب , والفيس بوك (من محركات الثورة , واداة لتغيير السياسي , وهنا يبرز السؤال التالي كيف تؤثر مواقع التواصل الاجتماعي في التغيير السياسي ؟
المطلب الثاني : مواقع التواصل الاجتماعي :
بدأت شبكات التواصل الاجتماعي Social Mediea  بالظهور منذ العام 1997 ولكنها لم تلق انتشاراً خارج الولايات المتحدة الامريكية الا بعد 2004 , ولعل من ابرز هذه الشبكات واكثرها استخداماً : موقع فيس بوك Facebook  للتطبيقات الاجتماعية , الذي ابتكره الطالب الجامعي مارك زوكربرغ , ومقع تويتر  Twitter للتعليقات والتغريدات القصيرة المحددة بعدد من الكلمات , وموقع يوتيوب Youtube  لنشر وتداول لقطات الفيديو (7) .
ولعنا لا نجافي الحقيقة اذا قلنا : ان هذه المواقع قد احدثت ثورة في ميادين الاتصال والمعلومات والتواصل , بل انها مست وبشكل فاق التصور منظومات القيم الاجتماعية والثقافية بل وحتى الاخلاقية , ولأننا بصدد دور هذه المواقع في التغيير السياسي سينصب تركيزنا على هذه الجزئية بالذات , فقد تدخلت مواقع التواصل الاجتماعي في تغيير البنى والمؤسسات السياسية , وفي التلاعب بموازين القوى السائدة  , وثمة اجماع بين خبراء الاتصالات ان دخول هذه المواقع الى مجتمع ما يؤدي حتماً الى تعديلات وتغييرات في البنى السياسية الاجتماعية  (8) .
اذ انها لعبت دوراً كبيراً في زيادة الوعي السياسي والذي من شأنه التمهيد لتغيرات سياسية في الدولة (9) وقد تجلى دور مواقع التواصل الاجتماعي بشكل قل نظيره في ثورات الربيع العربي , واثرها في احداث تغييرات سياسية في هرم السلطة , وقد برز دور هذه المواقع خصوصاً في ثورتي تونس ومصر ولهذا سنقف هنا على الدور  الذي لعبته مواقع التواصل الاجتماعي في ثورة تونس ومصر :
اولاً : تونس :
في اواخر 2010 وبداية 2011 اندلعت ثورة شعبية في تونس احتجاجاً على سوء الاوضاع القائمة , وكان حرق “محمد البوعزيزي” لنفسه القشة التي قصمت ظهر النظام السياسي التونسي , فعلى اثر اهذه الحادثة اندلعت الثورة التونسية , ثم اخذت تسري كالنار في هشيم الزيتون (10) . ولعل من الاهمية بمكان الاشارة الى انه لا يمكن ان نتصور اندلاع ثورة دونما اسباب داخلية وخارجية ولم تكن ثورة تونس بمنأى عن هذه القاعدة , ولكن ما يهمنا هنا الوقوف على الدور الذي مارسته مواقع التواصل الاجتماعي والتحشيد للثورة , وكيف اثرت السوشل ميديا في تحشيد المحتجين في بوتقة ساحات الاعتصام ؟
في البدء : ان الاعلام في تونس مقيد بأغلال السلطة , ومن العبث الحديث عن وجود الصوت الاعلامي الحر الذي يستطيع ان يخرج عن مزاج السلطة و يعبر عن معاناة الناس التي ترزح تحت وطأة الجوع والفقر والبطالة , فقد اظهر تقرير الاتحاد الدولي للصحافة انه بين ايار 2009 وحتى ايار 2010 واجهت الصحافة التونسية اسوأ حالاتها منذ الاستقلال , ومضايقة لم يسبق لها مثيل , امام هذا الكبت والتضييق الاعلامي برزت شبكات التواصل الاجتماعي والتي كانت حاضرة بقوة  في الحراك التونسي , واتاحت الفرصة للتغيير لصالح عناصر وقوى جديدة .
ان اهمية مواقع التواصل الاجتماعي في تونس تكمن  في توفير الاتصال المجاني بين الملايين , وبالتالي التحشيد للثورة في ظل ظروف مختمرة لاندلاع ثورة جماهيرية في أي لحظة . ويمكن تلخيص الدور الذي لعبته مواقع التواصل الاجتماعي في الثورة التونسية على النحو التالي :
• نجاحها في تحشيد الجمهور وتحقيق الشعبية : ففي الوقت الذي تعاني تونس من غياب الاعلام المرئي والمسموع والمقروء بسبب سطوة السلطة , لجأ المحجتين الى مواقع التواصل الاجتماعي لتحشيد الجماهير من خلال تحديد مواعيد يتم الاتفاق عليها بين رواد القائمين على هذه المواقع .
•  ساهمت في بروز المواطنة الفاعلة والايجابية : اذ  انها ساهمت وبشكل كبير في الحفاظ على الاماكن العامة والابتعاد عن الاضرار بأموال الشعب العامة وممتلكات الدولة , واعطاء صورة واضحة لسلمية هذه الثورة  فقد استحقت وبجدارة لقب ثورة الياسمين .
• كانت ادوات مضادة للدعاية الاشاعات : نظراً لعالمية هذه المواقع , واتساع مستخدميها في الداخل التونسي كانت تفند كل الاخبار المضادة , التي تحاول التشكيك بالثورة واهدافها السامية .
• ساعدت الناس في تحليل البيانات  التي تصدر عن الحكومة : فهذه المواقع قد جعلت من كل تونسي محلل سياسي او صحفي .
فلم تكن مواقع التواصل الاجتماعي مجرد وسيلة لنقل الاخبار والاحداث وتداولها , بل كانت من المحركات الاساسية , وساهمت بشكل كبير في تشكيل الوعي وربط النشطاء ببعضهم فقد كان لهذه الوسائل تأثير غير مسبوق في احداث التغييرات السياسية  (11) .  ضربت هرم السلطة واطاحت بالرئيس التونسي زين العابدين بن علي , بمعنى هي اداة بالغة التأثير في التغيير السياسي , ان التغيير يقوم به افراد وجماعات فالأفراد هم  الاداة الاولى للتغيير السياسي عندما تفشل الحكومات في تحقيق تطلعاتهم , ولكن هذه التغيير يحتاج الى ادوات احيانا تكون الادوات في الاستخدام المباشر للسلاح من خلال الاغتيالات للرؤساء وغيرها , واحياناً من خلال الانقلابات العسكرية , بالإضافة الى هذه الوسائل برزت مواقع التواصل الاجتماعي كأداة بالغة الاهمية في التغيير السياسي .
ثانياً : مصر 
 لعل كل من يتصفح سجلات التاريخ ويقرأ عن الثورات سوف يجد ان جل الثورات وبمختلف البلدان تقف خلفها اسباب داخلية وخارجية , ولعل من بين اهم الاسباب الخارجية لأي ثورة داخلية , هو اندلاع ثورة في بلد مجاور ,وخصوصاً في البلدان ذات السمات والروابط المشتركة .
من هنا كان لثورة تونس والاطاحة بالرئيس زين العابدين بن علي اثر بالغ الاهمية في اندلاع الثورة المصرية , خصوصاً وان البلدين يتشاطران ظلم وجور السلطة , وانتشار البطالة , وتردي الخدمات.
من هنا جاء دور مواقع الواصل الاجتماعي , فقد امتلأت صفحات الفيس بوك المصرية بالتعليقات التي تحدثت عن ثورة تونس بأسلوب ساخر بحت, من خلال ” النكتة ” ولكن لم تكن هذه التعليقات خالية من مدلول عميق يكشف عن تململ الشعب المصري ويمهد لانتفاضة ربما تفوق انتفاضة تونس , وهذا ما حصل فعلاً .
ففي ثورة مصر وتونس كانت السوشل ميديا حاضرة وبشكل كبير جداً , وخصوصاً في الثورة المصرية , فالفيس بوك كان بمثابة الحزب البديل في الوقت الذي تهاوت فيه الاحزاب الكلاسيكية , فقد لعب الفيس بوك وتوتير دوراً رائداً في استقطاب  الجماهير المليونية , وعمليات التوعية والترشيد, بالإضافة الى فاعليتها  في التنسيق والتخطيط وتنظيم مواعيد التظاهر , فقد تضاءلت المنشورات الورقية لصالح وسائل التواصل الاجتماعي في ظل غياب الاعلام الحكومي او بالأحرى في ظل تغييب الاعلام الحكومي عن دوره الموضوعي والانساني .
على غرار محمد البوعزيزي الذي احرق نفسه في تونس والذي الهب الجماهير , اعتقلت السلطات المصرية المواطن خالد سعيد الذي توفي من شدة التعذيب ليضرم الاخير النار في هشيم ثورة جديدة ولكن في مصر هذه المرة , فقد تم انشاء صفحة على الفيس بوك حملت عنوان ” كلنا خالد سعيد ” ثم توالت عملية انشاء صفحات الفيس بوك التي اخذت تتناول احداث الثورة التونسية تارة ولانتقاد السياسات الحكومية المصرية تارة اخرى  (12) .
وقد كانت صفحة ” كلنا خالد سعيد ” من ابرز هذه الصفحات واكثرها تنظيماً , فقد ابتدأت هذه الصفحة بالدعوة الى تنظيم احتجاجات بالزي الاسود تعبيراً عن اليأس والوقوف باتجاه النيل تعبيراً عن انتظار الامل , ثم دعت هذه الصفحة الى تنظيم تظاهرة اخرى 25\6\2010 وقد تجمهر المحتجون وكان التطور اللافت هنا , هو مشاركة محمد البرادعي وعدد من شباب الاخوان المسلمين فقد وصل عددهم الى 5000 الاف شخص لتعطي دليلاً على تعاظم مستوى الاحتجاجات , ثم دعت هذه الصفحة الى انطلاق تظاهرة مليونيه في ميدان التحرير في 25 يناير والذي يتزامن مع  يوم عيد الشرطة  , وبالفعل في 25 يناير انطلقت ثورة شعب يتضور جوعاً ( 13) . وقد استمرت هذه الثورات الى ان تم الاطاحة بالرئيس المصري حسني مبارك وتقديمه للمحاكمة مع مجموعه من قادة النظام المصري , ووصول محمد مرسي الى الحكم  وبهذا اسدل الستار عن الصفحة الاولى للثورة  , والتي  لم يكن يعلم ابنائها ان الثورة المضادة كانت بانتظارهم , وعلى اية حال يبدوا جلياً دور مواقع التواصل الاجتماعي في الثورة المصرية وبمختلف مراحلها ومفاصلها , وبهذا يتضح دور هذه المواقع في زيادة الوعي السياسي من جهة والتغيير السياسي من جهة اخرى الى درجة راح البعض يسمي على هذه الثورات بثورة الفيس بوك , و ثورة الياسمين , و ثورة الكرامة وثورة الفراعنة (14) . لما ادوته مواقع التواصل الاجتماعي من زخم هائل للثورة .
الخاتمة والاستنتاجات :
يمثل الادب ومواقع التواصل الاجتماعي جيلين مختلفين من ادوات التغيير السياسي , يفصلهما التطور التكنولوجي , فقديماً ثمة صعوبة في نقل المعلومات بسبب غياب وسائل الاتصال السريعة , أما اليوم وبفضل الثورة الهائلة في ميدان الاتصالات تضاءلت اهمية الادب مع قلة الاقبال على القراءة , ولذلك اصبحت مواقع التواصل الاجتماعي اكثر استخداماً وتأثيراً في زيادة الوعي السياسي , وقد اعتبرت ايقونة ثورات الربيع العربي الى الحد التي اخذت تعرف بثورات الفيس بوك لما اثرته في جمهرة المتظاهرين والنتائج التي تحققت , ولم يكن في حسبان هؤلاء المتظاهرون ان هذه الاحتجاجات ستكون وبال عليهم , فلم تأتي اغلب تلك الثورات بجديد , بل انها شهدت ثورات مضادة ونتائج ارتدادية قد نسفت كل التضحيات وبهذا نستنتج .
• تتنوع ادوات التغيير السياسي بين الوسائل السلمية وغير السلمية , ويمثل الادب واحدة من ادوات التغيير السياسي بالإضافة الى اهمية الادب في زيادة الوعي السياسي من خلال ما يكتب في كل فروع الادب .
•  مارست مواقع التواصل الاجتماعي دوراً كبيراً في التغيير السياسي , قادها شباب وقد اخذت هذه   المواقع دور الاحزاب التقليدية في استقطاب الجماهير .
• ان مواقع التواصل الاجتماعي قادت حراكاً سياسياً افضى الى تغييرات في هرم السلطة ولعل اهما في مصر وتونس.
•  في الوقت الذي يعترف الجميع بفاعلية هذه المواقع في التغيير السياسي , الا ان غياب البرنامج الشامل الذي يشتمل الى ما بعد سقوط النظام قد ادى الى نتائج معاكسة لم تأتي بتغيير من شأنه تحسين الاوضاع في البلدان الثائرة .
•  غالباً ما يتم اللجوء الى هذه المواقع سبب السطوة الحكومية على الاعلام  المرئي , سيما وان هذه المواقع متاحة لكل شخص فقلما نجد ان شخص ما ليس لديه حساب في الفيس بوك .
• اخيراً مهما تنوعت الادوات والوسائل , تبقى اسيرة قوى اخرى تقود من الخلف ممكن ان تجير أي ثورة لصالحها , وهذه سياقات العلاقة بين الدول الكبرى والصغرى , فمهما سعى الشباب العربي لتغيير سياسي فأن القوى المهيمنة عالمياً تبقى هي التي تقرر المصير .
المصادر :
1- الادب والنصوص , دار الكتب والوثائق , بغداد , 2010 , ص 4 .
2- المصدر نفسه , ص 11 .
3- الادب والتغيير , مجلة البيان , العدد 294 , متاح على الرابط :
4- كل شيء سياسة حتى الادب , مقال متحاح على الرابط  :
5- المصدر نفسه .
6- جورج ارويل , رواية 1984 , ترجمة انور الشامي , ط3 , المركز الثقافي العربي , بيروت , 2013 , ص354 .
7- مركز الحرب الناعمة للدراسات , شبكات التواصل الاجتماعي منصات الحرب الامريكية الناعمة , جمعية المعارف الاسلامية , ط 1 . 2016 , ص24 .
8- المصدر نفسه , ص 4 .
9- موسى عبد الرحيم حلس وناصر علي مهدي ,  دور الاعلام في تشكيل الوعي الاجتماعي لدى الشباب الفلسطيني ( دراسة ميدانية  على عينة من طلاب كلية الاداب  جامعة الازهر , مجلة جامعة الازهر , المجلد 12 , العدد2 , 2010 . ص152 .
10- – مصطفى محمد جاسم العبيدي , الامبراطورية الناعمة السياسة الخارجية الامريكية تجاه الشرق الاوسط , ط1 , لبنان , 2015 , ص128.
11- عبدالله ممدوح مبارك الرعود , دور شبكات التواصل الاجتماعي في التغيير السياسي في تونس ومصر من وجهة نظر الصحفيين الاردنيين , رسالة ماجستير غير منشورة , جامعة الشرق الاوسط , 2011 , ص 65-67 .
12- مجموعة باحثين , يوميات الثورة المصرية 25 يناير2011 , مركز الجزيرة للدراسات , ط1 , 2011 , ص16 .
13- المصدر نفسه , ص49 .
14- نادية بن ورقلة , دور شبكات التواصل الاجتماعي في تنمية الوعي السياسي والاجتماعي لدى الشباب العربي , الجزائر , جامعة الجلفة , ص13 .
الوسوم

المركز الديمقراطى العربى

المركز الديمقراطي العربي مؤسسة مستقلة تعمل فى اطار البحث العلمى والتحليلى فى القضايا الاستراتيجية والسياسية والاقتصادية، ويهدف بشكل اساسى الى دراسة القضايا العربية وانماط التفاعل بين الدول العربية حكومات وشعوبا ومنظمات غير حكومية.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق