الدراسات البحثيةالمتخصصة

قراءة في الواقع الأمني لمنطقة المغرب العربي وتأثيره على القضية الصحراوية

  • المركز الديمقراطي العربي

اعداد : 

  • العايب نصر الدين –  أستاذ مساعد أ جامعة الطارف.
  • بامجيد عبد المجيد – ماستر دراسات إستراتيجية ودولية/ المدرسة الوطنية العليا للعلوم السياسية.
  • بوصالح محمد  –  ماستر إدارة النزاعات الدولية./ المدرسة الوطنية العليا للعلوم السياسية.

 

مقدمة :

تعتبر القضية الصحراوية آخر قضية لتصفية الاستعمار في القارة الإفريقية، ولا تزال مستمرة منذ سبعينيات القرن الماضي، فلم تستطع الظروف الدولية المتعاقبة من الحرب الباردة إلى الأحادية القطبية إيجاد حل للقضية، فهي لا تزال تتجاذب بين رغبة الشعب الصحراوي في تحقيق مصيره وبناء دولته في إطار النصوص والمواثيق الدولية، واستمرار الإدارة المغربية في سياساتها التوسعية لضم الصحراء بدعوى الحقوق التاريخية للملكة المغربية في المنطقة، يحدث هذا في ظل مواقف دولية غامضة تجاه المسألة خاصة مواقف الدول الفاعلة في العلاقات الدولية، بسبب ربطها للمسألة بمصالحها الخارجية أو الجيو إستراتيجية في منطقة تتمتع بأهمية كبيرة من الناحية الاقتصادية والجغرافية،أما الواقع الإقليمي للمنطقة فلا يختلف عن نظيره الدولية، بين مؤيد ومعارض ومحايد لاستقلال الصحراء الغربية، ونظرا للترابط الجغرافي فمما لا شط فيه أن الواقع الإقليمي للمنطقة له تأثيرات كبيرة على القضية الصحراوية، خاصة في ظل الظروف الحالية للمنطقة المستمرة منذ 2011، وبالتالي سنحاول من خلال هذه المداخلة إيجاد العلاقة مابين واقع منطقة المغرب العربي، وتأثيره على قضية الصحراء، مع توضيح أهم التحديات والرهانات، وكذا السيناريوهات في ظل هذه الظروف. ومن هذا فإن الإشكالية العامة للمداخلة هي:

  • ماهي أهم التحديات التي تواجه القضية الصحراوية؟
  • ما هي الخيارات المتاحة في ظل هذه التحديات ؟

وقد ارتأينا تقسيم هذه الدراسة إلى ثلاثة محاور أساسية:

  • المحور الأول نناقش فيه الواقع والأوضاع السياسية والأمنية والاقتصادية لمنطقة المغرب العربي منذ 2011.
  • المحور الثاني: نستعرض فيه أهم التحديات والرهانات التي تواجه قضية الصحراء الغربية.
  • المحور الثالث والأخير: يدرس في الخيارات والسيناريوهات المتاحة كمقاربة لحل القضية الصحراوية.

المحور الأول: الواقع الإقليمي لمنطقة المغرب العربي.

شهدت المنطقة العربية في مطلع العام 2011، موجة من الاحتجاجات الاجتماعية سرعان ما تحولت إلى سياسية تحمل مطالب بتغيير الأنظمة السياسية، وقد كانت البداية من تونس ولكن سرعان ما انتشرت إلى باقي دول الجوار الإقليمي، مخلفة أوضاعا سياسية وأمنية واقتصادية وخيمة على المنطقة العربية بما في ذلك شمال إفريقيا، أو ما يعرف بالمغرب العربي، في تطبيق عملي لمقاربة الدومينو في السياسة الدولية، وكما سبق وان أشرت أن المغرب العربي منطقة لم تسلم من هذه التغيرات بحكم تأثر بعض دوله بهذه الاحتجاجات، فأفرزت واقع جديدا في المنطقة يرتبط بالمتغير الذي تحدثنا عنه.

  • الواقع السياسي للمنطقة.

من الناحية السياسية فإن المنطقة المغاربية قبل العام 2011، تميزت عموما باستمرار واقع سياسي مستمر منذ الحرب الباردة، إلى أن شهدت تغيرات في بنية بعض وحداتها السياسية، بسبب ما عرف ثورات الربيع العربي ، مما انجر عنه تغييرات في الأنظمة السياسية كأقصى احتمال، وتغيير بعض المنظومات الدستورية في دول أخرى، فالدول التي شهدت الربيع العربي، لا تزال في حالة من الفوضى من جراء غياب السلطة السياسية ” الحالة الليبية”، أو إعادة بناء منظومة الحكم الجديدة ” الحالة التونسية”، أما بقية المغرب والجزائر فإنهما منشغلتان بإصلاحات دستورية بغض النظر عن عمقها ومدى جديتها[i] ، أما بالنسبة لموريتانيا فقد اختارت الخيار الاستباقي، والمتمثل في مواجهة الاحتجاجات بحزمة من الإصلاحات الدستورية، فقد صادق البرلمان الموريتاني في 06 مارس 2012، بأغلبية الثلثين على مجموعة من الإصلاحات الدستورية مست 15 مادة[ii]، مما سبق يتجلى لنا أن الوضع السياسي الداخلي لدول المغرب العربي يتقارب لحد ما، بين دول تحاول إعادة بناء نفسها ودول أخرى تسعى للتكيف مع الواقع أو المتغيرات الجديدة في إشارة ضمنية إلى تأثير الظروف الخارجية على الوضع الداخلي لهذه الدول.

أما من الناحية الخارجية، فإن الوضع الداخلي لهذه الدول مما لا يترك فرصة للشك اثر على السلوك السياسي الخارجي لهذه الدول في العلاقات الثنائية والمواقف تجاه القضايا الدولية المختلفة، والمتتبع للسياسات الخارجية لدول المغرب العربي سيجد أنها تمتاز بوجود عدم التناسق في المواقف خاصة في القضايا الإقليمية المرتبطة بمصير المنطقة.

وبالطبع لا يمكن فصل هذا الوضع عن التجاذبات الجهوية والدولية، بحكم وجود المنطقة في موقع جغرافي له من الأهمية ماله، حيث يعتبر بوابة ومفتاح للتغلغل في أوساط إفريقيا، ومحل تنافس فرنسي أمريكي، وبخصوص السياسة الخارجية المغاربية فإنها مستمدة من الإرث التاريخي، خاصة لما نتحدث عن مسائل الحدود و الوحدة الترابية وأيضا العلاقة مع المستعمر القديم، وكذلك النفوذ الأمريكي الآخذ في التعاظم منذ نهاية الحرب الباردة[iii]، ومن مظاهر غياب هذا التنسيق في المسائل السابقة:

التنافس والتنازع في السياسة الخارجية:

يتجلى بالدرجة الأولى حاليا بين دولتين وهما: الجزائر والمغرب، من قبيل وجود حدود مغلقة بين الدولتين منذ 1994، واختلاف المواقف تجاه قضية الصحراء الغربية، هذا من باب النزاع أما مجال التنافس فيتجلى في تسابقهما في رغبة كل دولة في فرض مقاربتها في حل الأزمة الليبية لريادة المنطقة، فالعلاقة بين البلدين لم تشهد أكثر من تسع عشرة  سنة من التطبيع والاستقرار، وثمان وعشرين سنة من الحدود شبه المغلقة[iv]، أما المظهر الأساسي لغياب التنسيق في رسم السياسات الخارجية وتوفيق المصالح هو المسار المتعطل لبناء الاتحاد المغاربي منذ 1989، نظرا لعدم وجود الإرادة الفعلية لتحقيق التكامل، وهو ما يسميه الأستاذ أمحمد مالكي بالعجز الديمقراطي المغاربي في وضع أرضية تشاركية للحوار، وحل المشاكل بالحوار فيما بين هذه الدول[v].

  • الواقع الأمني للمنطقة :

يعتبر الأمن مطلب أساسي في العلاقات الدولية، ليس فقط في المقاربات النظرية المفسرة للعلاقات ما بين الدول، الأكثر من ذلك أنه أصبح من الضروريات التي تسعى لتحقيقها السياسات الخارجية للدول.

وفي موضوعنا سنركز الحديث عن مفهوم الأمن المشترك الذي يمس مجموعة من الدول، ضد تهديد أو تهديدات مشتركة تكون محتملة الحدوث أو عابرة للحدود، في ظل تنامي التهديدات الإرهابية مما يتطلب نوعا من التكامل ما بين الدول لمواجهة هذه التهديدات[vi]، وبإسقاط التصور النظري للأمن المشترك على حالة الدراسة نرى انه لابد على الحكومات المغاربية السعي لتحقيق هذا المسعى بغية قوة مغاربية مشتركة لوجود أي تهديد محتمل، في ظل تنامي الظاهرة الإرهابية من جراء الأوضاع المتردية في ليبيا وأيضا دولة مالي بحكم الجوار الإقليمي لهذه الأخيرة للمنطقة. مما يتطلب نوع من التنسيق الأمني و الاستخباراتي الموحد. وفي سياق القراءة الإقليمية للمنطقة سنستعرض تأثير الأزمتين الليبية والمالية على المنطقة وانعكاس ذلك على ما تعيشه المنطقة .

الأزمة الأمنية في ليبيا:

يعتبر الملف الأمني الليبي، من أبرز التحديات أمام عملية بناء الدولة الليبية، نظرا لفشل الخطط والبرامج التي تم اعتمادها منذ تأسيس المجلس الانتقالي الليبي في 27 فبراير 2011[vii] ،ويتمثل تأثير الأزمة على المنطقة في واقع انتشار السلاح الليبي من مخازن السلاح ووصوله إلى الجماعات الإرهابية وانتشار هذه الجماعات خارج التراب الليبي في دول الجوار، مما يشكل تهديدا أمنيا صريحا للمنشآت الاقتصادية والسكان خاصة في مناطق الالتحام الحدودي، فالوضع المتردي في ليبيا أبان عن وجود غياب شبه تام للتنسيق الأمني بين دول الحوار المتمثلة في المغرب العربي بالدرجة الأولى وأيضا أوضح عدم قدرة هذه البلدان على إدارة الملف بسبب التدخلات الخارجية لتسيير الملف بصورة التدخل الفرنسي و الإماراتي وحتى التركي في ليبيا.

أزمة مالي:

من أهم الإشكاليات الأمنية في المنطقة أزمة مالي وبعدها المغاربي، فلهذه الأخيرة تداعيات كبيرة على أمن دول الجوار، نظرا لصلتها الجغرافية معها، أو لأن الإثنيتين التارقية والعربية، لما صلات مد وانتشار في عموم المنطقة[viii].

    محور الاهتمام بهذه القضية، أن الجماعات الإرهابية المنتشرة في شمال مالي، من جراء الفراغ الأمني الناتج عن غياب الدولة في شمال مالي بعد التمرد الذي قادته حركات الأزواد، يشكل تهديدا مشتركا ليس فقط على المستوى الإقليمي بل حتى على المستوى الدولي، بحكم أن التهديد بات عابرا للحدود الجغرافية، فدولة مالي تمثل الفناء الخلفي لدول المغرب العربي وامن مالي من أمن هذه الدول، فهي اليوم تعيش على وقع أزمة أمنية حادة كان سببها الرئيس الانقلاب العسكري الذي قاده الجيش في مارس 2012، وما زاد الطين بلة قيام الجيش المالي بهجمات في الشمال ضد الطوارق المتمردين، بغطاء جوي فرنسي، فيما يعرف ب “عملية سيرفال” عملت من خلالها على السيطرة على الشمال[ix]، وفي المقابل يتم دفع الجماعات تلقائيا نحو دول الجوار من قبيل الجزائر ليبيا وموريتانيا، مما يشكل تهديد مباشر لهاته الأخيرة، في ظل هشاشة الواقع الأمني لبعضها.

إن الواقع الأمني المتأزم في المنطقة، والمتأثر بأزمتين قد خلق نوعا من الفراغ الأمني في المنطقة هو في الحقيقة نتاج أساسي لغياب التنسيق الأمني المغاربي المشترك[x]، بواقع عدم وجود أي اتفاقيات أمنية مشتركة مفعلة، موازية لفكرة الاتحاد المغاربي، وقد أدى هذا الوضع إلى فسح المجال لتدخل قوى إقليمية ودولية لفرض مواقفها في المنطقة في ظل تنازع الإرادات الدولية، مما يشكل خطرا على القضايا الأخرى للمنطقة، خاصة أزمة الصحراء الغربية.

الواقع الاقتصادي للمنطقة:

    إن غياب التنسيق الأمني والسياسي في المنطقة قد ألقى بظلاله على الواقع الاقتصادي، فالتحدي الاقتصادي والاجتماعي الأول لدول المنطقة هو الانتقال من اقتصاد ريعي، مسير مركزيا وغير تنافسي، إلى اقتصاد تنافسي يضمن حماية الأفراد وتطوير الفرد والجماعة بشكل منسجم[xi].

وبحسب الاقتصادي الجزائري، ورئيس الحكومة الأسبق: الدكتور أحمد بن بيتور، فإنه يمكن تمييز ثلاثة أنواع من الأنماط الاقتصادية في منطقتنا المغاربية[xii]:

  1. الاقتصاد الريعي والنظام السياسي الريعي.
  2. اقتصاد مسير وفلسفة الحزب الواحد رغم تعدد الأحزاب.
  3. اقتصاد غير تنافسي ونظام سياسي أبوي.

فاقتصاديا تعاني دول المغرب العربي من اختلالات على المستوى الداخلي، أو ما يعرف بالاقتصاد المحلي، فالاقتصاد الجزائري والليبي بل وحتى المغربي، يعتمد على الثروات الطبيعية ” المحروقات والمعادن”، الموجه بشكل أساسي نحو التصدير، 95% من صادرات الجزائر من المحروقات[xiii]، 50% من صادرات المغرب أيضا من المحروقات[xiv]، ولعل هذا الوضع الاقتصادي دفع بالدول المغاربية إلى البحث عن شركاء خارج المنطقة في مجال المبادلات التجارية، الأمر الذي خلق غياب رهيب للتبادل الاقتصادي الثنائي أو الجماعي بين دول المغرب العربي، وفي حقيقة الأمر هذا تعبير عن عدم وجود ثقة بينها، مصدره تغليب المصالح الخاصة على حساب المصالح المشتركة[xv]، ويمكن أن نستشف من هذا الوضع العراقيل والمعوقات التي تعانيها المنطقة في جانبها الاقتصادي[xvi]:

  • ضعف المبادلات التجارية بين دول المغرب العربي
  • ضعف التعاون متعدد الأطراف.
  • التبعية الاقتصادية والتجارية للخارج.
  • التباين والاختلاف في السياسات والنظم الاقتصادية وتخلفها.

نافلة  القول: أنه بعد القراءة الأمنية والسياسية والاقتصادية لمنطقة المغرب العربي، أنها تعاني من ضعف التنسيق بين الحكومات في المجالات الثلاث مما خلق ثغرات أمنية في المنطقة، ومشاكل مابين هذه الدول باتت تشكل تهديدا لاستقرار المنطقة في ظل وجود فواعل دولية أخرى لها يد في إدارة المنطقة وفي ظل تنامي التهديدات الإرهابية اللاتماثلية، ولعل أبرز قضية في هذا السياق هي القضية الصحراوية التي تتأثر أولا بالوضع العام لدول الجوار الإقليمي، وثانيا بالتدخلات الأجنبية وتداعياتها، مما يجعلها أمام تحديات ورهانات كبيرة فما هي أبرز هذه التحديات؟

المحور الثاني: أهم التحديات التي تواجه القضية الصحراوية.

تواجه القضية الصحراوية في الوقت الراهن جملة من التحديات والرهانات حيث تختلف مستوياتها وسبل واستراتيجيات مواجهتها، بسبب الترابط والتداخل الكبير بينها.

الوضع السياسي والقانوني للجمهورية العربية الصحراوية.

       التحدي الأول للقضية الصحراوية هو تحدي الوجود، أو ما يعرف في الأعراف الدولية ب: الاعتراف الدولي، من خلال توضيح المكانة السياسية والقانونية للقضية في الأروقة الدولية، فبين من يعتبرها قضية داخلية مغربية، ” المغرب وحلفائه”، وبين من يربطها بجهود تصفية الاستعمار[xvii]، بحسب اللوائح الأممية الصادرة عن الأمم المتحدة، من خلال المواثيق والأعراف الدولية.

وبالتالي فإن القضية الصحراوية تعاني من التجاذبات بين القوى الكبرى من خلال عدم إبداء موقف صريح جدا تجاه القضية، من طرف القوى الكبرى خاصة فرنسا والولايات المتحدة الأمريكية وإسبانيا على اعتبار أنها المستعمر القديم، ففرنسا بحكم نفوذها في المنطقة، تبدي ميلا ظاهرا وصريحا للطرح المغربي لكن للحد الذي لا يغضب الجزائر، فهي تستفيد من حالة النفور بين الدولتين، أما الموقف الأمريكي فيسوده الغموض فهي لحد الآن لم تعترف بسيادة المغرب على الصحراء رغم ميلها لسياسة الملك المغربي، ولكن لديها مشاريع للحل “مشروع بيكر“، فموقفها رهين الحسابات الجيو سياسية[xviii]. وبالنسبة لدول الجوار فهي أيضا مواقفها متضاربة تجاه القضية فالجزائر وتماشيا وعقيدتها السياسية والدبلوماسية تؤيد جبهة البوليساريو في مطلبها كحركة تحررية، أما موريتانيا فارتبط موقفها بالتحولات السياسية الداخلية واستقرت على الاعتراف بها كدولة في 1984، أما ليبيا فبعد الاعتراف فقد سحبت اعترافها في 16 جوان 2012 [xix]، وبالتالي فإنه من الناحية السياسية فإن التحدي هو ضرورة انتزاع الاعتراف الدولي بالصحراء الغربية كدولة محتلة مما يتطلب معركة دبلوماسية وجب أن يتجند لها الشعب الصحراوي بكل أطيافه وهياكله ومؤسساته.

بالعودة للسياق القانوني، فإن محكمة العدل الدولية في استشارتها حول القضية أكدت أن الأطراف المدعية لتبعية الصحراء لا تملك الإثبات الكافي واعتبرت أن الصحراء تعود لأهلها وسكانها الذين يسكنون فيها ولهم الحق فيها[xx]، غير أن أطراف الأزمة رفضت الإعلان الدولي، واتجهت صوب التقسيم فيما يعرف باتفاق مدريد. وهناك تحدي آخر للقضية يتعلق بسحب بعض الدول للاعترافات أو تجميد العلاقات مع الصحراء الغربية، وبالتالي فإن التحدي الأول في هذا السياق هو ضرورة سعي جبهة البوليساريو لتوضيح المواقف الدولية تجاه القضية من أجل انتزاع اعتراف دولي بضرورة تقرير المصير وأحقية جبهة البوليساريو كممثل وحيد للشعب الصحراوي.

مسألة حقوق الإنسان. 

 إذا كان التحدي الأول هو ما ارتبط بالجوانب الدبلوماسية والسياسية، فإن التحدي الثاني للقضية الصحراوية هو ما ارتبط بمسألة انتهاكات حقوق الإنسان المتواصلة من طرف السلطات المغربية. وضرورة كشفها للرأي العام الدولي، مما يعني ا نهاته المسألة ليست تحدي فحسب، بل هي رهان وجب المراهنة عليه بغية تحقيق نصر إضافي لما تم تحقيقه في الجانب القانوني والسياسي من خلال مراعاة وكشف انتهاكات المملكة المتواصلة في صورة منع حرية التعبير، و التجمع السلمي وتكوين الجمعيات سلميا، وتورط القوات المغربية في أعمال العنف التعسفية[xxi].

وبالتالي فإن إثبات هذه جرائم ضد الاحتلال، رهان لصالح كسب مزيد من التضامن مع القضية الصحراوية، خاصة من طرف المنظمات الدولية الإنسانية.

تحدي العمل العسكري:

  تأسست جبهة البوليساريو عام 1973، ومنذ بداياتها عملت على اتخاذ الخيار العسكري، كإستراتيجية لمواجهة الإسبان، حيث قامت بعدة عمليات عسكرية، ثم بعد ذلك ضد المغرب، مما شكل نوع من اتساع الهوة بين المغرب والجزائر، بسبب دعم هذه الأخيرة لمطالب جبهة البوليساريو، أما الآن فالعمل العسكري متوقف والطرفان في مفاوضات منذ 1991، والتحدي المطروح هنا هو مدى إمكانية عودة البوليساريو للعمل المسلح، وهل تتحمل المنطقة أي عمل عسكري ؟ قد يدخل المنطقة في حرب استنزاف المنتصر فيها منهزم، كما أن العمل المسلح سيحول المنطقة إلى بؤرة إلى تجارة الأسلحة والمخدرات، مما يعني أن أصحاب المصالح من القوى الكبرى خاصة، ستسعى للحفاظ على الوضعية المتأزمة للقضية[xxii].

عموما يمكن القول أن الكفاح الذي يخوضه الشعب الصحراوي، رهين التحديات الثلاث السابقة، الاعتراف الدولي” حقوق الإنسان” العمل المسلح” وتفعيل هاته التحديات هو مسؤولية العوامل الشخصية الصحراوية خاصة الدبلوماسية بمختلف جوانبها، من أجل تحقيق الإضافة اللازمة لتحقيق الهدف المنشود والمتمثل في الاعتراف الدولي بالصحراء الغربية كجمهورية مستقلة.

المحور الثالث: المقاربات والحلول المتاحة للقضية الصحراوية.

منذ أكثر من 42 سنة والنزاع مستمر في الصحراء الغربية، الكثير من التغيرات عرفتها البلدان المغاربية من حكومات وأنظمة سياسية وقضية الصحراء تستنزف موارد البلدان المغاربية، وتوسع الهوة وترمي بالمشروع التكاملي المغاربي بعيدا، بسبب تضارب المواقف تجاه هذه الأخيرة[xxiii]، بات ضروريا الآن إيجاد حل توافقي، لهذه القضية من أجل المضي قدما، نحو تفعيل مسار الوحدة المغاربية، فالرهانات الأمنية في المنطقة متمثلة بشكل أساسي في الإرهاب والجريمة المنظمة[xxiv]، وفي نفس الوقت هما رهانان مؤثران على قضية الصحراء الغربية، ومن خلال ما سبق من قراءة أمنية واقتصادية لواقع المنطقة ومن خلال المتغيرات الدولية خاصة ما ارتبط بالقضية الصحراوية، فإن هناك خيارات ومقاربات سنحاول استعراضها على النحو التالي:

الخيار الأول: الضم الكامل للأراضي الصحراوية من طرف المملكة المغربية:  

واحتمالية حدوث هذا الطرح على الأرض تشترط دعم دولي للمملكة المغربية من طرف القوى الكبرى، طبعا لن يكون هذا إلا من خلال حصول هذه الأخيرة على ضمانات سياسية أو اقتصادية في المنطقة من طرف المملكة المغربية، ولن يكون هذا الخيار إلا من خلال هذا المسار، وبالتالي فإن الظروف الدولية على الأقل في الفترة الراهنة تستبعد هذا الطرح، بسبب ضبابية مواقف الدول الكبرى، مما سمح بوجود أدوار وقوى خفية عملت وتعمل على عرقلة أية جهود مبذولة لحل المشكلة واستغلال القضية كذريعة لبقاء الخلاف في المنطقة[xxv]، كما أن  رفض البوليساريو لأي حلول أو مبادرات لا تراعي حقوق الشعب الصحراوي يجعل من هذا الخيار مستحيل الحدوث.

الخيار الثاني: السيناريو التوافقي” التوصل لصيغة توافقية”: 

يبنى هذا التصور على مقاربتين وهما: مبادرة الحكم الذاتي” طرح مغربي”، والمقاربة الثانية صيغة توافقية في إطار الاتحاد المغاربي، بمعنى اتجاه دول المغرب العربي نحو إيجاد صيغة فيدرالية بين الصحراء والمملكة وهذا أمر مستبعد الحدوث، أما بالنسبة لمبادرة الحكم الذاتي فقد تقدم بها المغرب في 2007، تقوم المبادرة أساسا، على أن سكان الصحراء هم من يتولى إدارة الإقليم عبر انتخاب هيئات تنفيذية وتشريعية وقضائية[xxvi]، في استنساخ للتجربة العرقية مع إقليم كردستان أو إقليم كاتلونيا في إسبانيا، غير أن البوليساريو قابلت المبادرة بالرفض مما يعني أن حتى هذا السيناريو مستبعد وصعب القبول به في ظل وجود قيادة صحراوية مؤيدة لفكرة الاستقلال.

الخيار الثالث: الاستقلال التام للجمهورية العربية الصحراوية:

كل الظروف الحالية للقضية توحي بأن هذا الخيار في الطريق الصحيح حتى يترجم على أرض الواقع، بواقع سلسلة الاعترافات الدولية بالجمهورية العربية الصحراوية، إضافة إلى رضوخ المغرب للمفاوضات تحت رعاية الأمم المتحدة، وخيار الاستقلال يمكن بناءه على مقاربتين الاستقلال عبر مفوه القوة الصلبة من خلال العمل المسلح الذي قد يكون ضروريا في الظروف الحالية، بسبب تعنت الإدارة المغربية وإصرارها على مبادرة الحكم الّذاتي من جهة، ومن جهة ثانية ضعف المبادرات الأممية وتعاملها ببرودة مع الانتهاكات المغربية المستمرة للاتفاقيات مع البوليساريو[xxvii]، فهذه العوامل كلها قد تعجل بالدخول في حرب تحريرية، كما أن الانتصارات الدبلوماسية التي تحققها البوليساريو تفتح المجال لتحقيق هذا السيناريو عبر القوة الناعمة فمن الممكن أن تلجا المغرب إلى إجراء المفاوضات أو استفتاء برعاية أممية لوضع حد للقضية خاصة إذا ما دخلت في حرب استنزاف هي في غنى عنها.

الخاتمة:

إن إيجاد حل للقضية الصحراوية يجب أن يكون نابع من المنطقة بمعنى تراجع المغرب عن سياساته التوسعية في المنطقة، أو وفقا للقوانين واللوائح الدولية المتعلقة بتصفية الاستعمار، فالإشكالية في القضية أنها قضية استعمار أو تقرير مصير وبالتالي هي عبارة عن وضع قانوني وجب التعامل معها وفق مقتضيات القانون الدولي على أنها مسألة تصفية استعمار، وعدم الزج بالحسابات السياسية للدول ضمن القضية، لأن العائق الأول لإيجاد حل للقضية المستمرة منذ سبعينات القرن الماضي هو ربط القضية بالحسابات السياسية التي تتم بين الدول وفقا للمصالح الجيو سياسية للدول، وبالتالي فإن مواقف الدول تجاه القضية تبنى بناءا على المصالح السياسية والاقتصادية لكل دولة، وبالتالي فإن الحل الأمثل للجمهورية العربية الصحراوية هو تفعيل الدبلوماسية الصحراوية، من خلال استغلال كل ما هو صحراوي لتحقيق نصر دبلوماسي يكون دعامة أساسية لخيار المقاومة المسلحة الذي يجب أن يبقى قائما، من خلال انتهاج مقاربة عمل تمزج بين القوة والدبلوماسية فيما يعرف بالأدبيات الإستراتيجية بالقوة الذكية(smart  approach) تقوم على استخدام المسلحة من أجل استغلالها كوسيلة لجر العدو للمفاوضات، والتفاوض من موقف قوة، واستغلال ملفات حقوق الإنسان، حيث يعتبر السجل المغربي أسود في هذا المجال.

الهوامش:

[i] شفيق شقير، ندوة المغرب العربي والتحولات الإقليمية الراهنة، مركز الجزيرة للدراسات، الدوحة قطر 2013، ص 03.

[ii] أمينة المسعودي، الإصلاحات الدستورية في  دول المغرب العربي، مركز الجزيرة للدراسات، الدوحة، قطر 2013، ص 05

[iii] أمحمد مالكي، الاتحاد المغاربي ورهانات التكامل الإقليمية، مركز الجزيرة للدراسات، الدوحة، قطر 2013، ص 04.

[iv] أمحمد مالكي، المرجع نفسه، ص 05.

[v] أستاذ العلوم السياسية، مدير مركز الدراسات الدستورية والسياسية بمراكش، المملكة المغربية، خلال ندوة المغرب العربي والتحولات الدولية الراهنة، مركز الجزيرة للدراسات الدوحة، دولة قطر.

[vi] زواتي صورية، التهديدات الأمنية الجديدة وإعادة مفهمة الأمن، المجلة الجزائرية للدراسات السياسية، المدرسة الوطنية العليا للعلوم السياسية، الجزائر، العدد الأول، 2014، ص 130.

[vii]  السنوسي بسيكري، ليبيا: التحديات الأمنية وانعكاساتها على العملية السياسية، مركز الجزيرة للدراسات، الدوحة، قطر ص 02.

[viii]  شفيق شقير، المرجع السابق، ص 05.

[ix]  عبد العزيز عبد المؤمن، عمق الجزائر الاستراتيجي تجاه منطقة الساحل الإفريقي ” دراسة استشرافية“، مذكرة تخرج لنيل شهادة الماستر في الدراسات الإفريقية، المدرسة الوطنية العليا للعلوم السياسية، 2016، ص89.

[x] أمحمد مالكي، المرجع السابق،  ص 02.

[xi] أحمد بن بيتور، المغرب العربي ضمن منطقة متحولة وعالم تسوده العولمة، ” ندوة المغرب العربي  والتحولات الدولية الراهنة“، مركز الجزيرة للدراسات، الدوحة قطر 2013، ص 04.

[xii] المرجع نفسه، ص 04.

[xiii]  Jean François/ Troin et autres  Le grand Maghreb]: Paris 2006 / p 12

[xiv]  Abdelkader Sid Ahmed/ Les relations économique entre l Europ et le Maghreb– http//www.presse.fr/web/reues/home/ 12/11/2009.

[xv]  فيصل بهلولي، إقامة منطقة التجارة الحرة المغاربية كمدخل لتحقيق التكامل الاقتصادي بين دول المغرب العربي في ظل التحديات الاقتصادية الدولية الراهنة، مجلة الباحث، عدد 14، جامعة البليدة، الجزائر 2014، ص199.

[xvi] محمد الطيب حمدان، التنافس الفرنسي الأمريكي على منطقة المغرب العربي- بعد الحرب الباردة، مذكرة تخرج لنيل شهادة الماجستر في العلوم السياسية والعلاقات الدولية، تخصص: دراسات مغاربية، جامعة محمد خيضر، بسكرة الجزائر، ص 65.

[xvii] حسب الرأي استشاري لمحكمة العدل الدولية، حيث أوصت بتطبيق القرار1514 المتعلق بتصفية الاستعمار من الصحراء الغربية، وعلى الخصوص مبدأ تقرير المصير من خلال التعبير الحر والحقيقي عن إرادة سكان المنطقة.

[xviii] زينة العزابي، القضية الصحراوية  الشوكة التي عفنت كامل الجسد، http// www.lexpertjournal.net/blog/1705..

تاريخ الزيارة: 12/02/2018.

[xix] موسوعة ويكيبيديا: الحالة السياسية للصحراء الغربية. https:// ar.wikipedia.org/wiki.

[xx] زينة العزابي، المرجع السابق .

[xxi] للمزيد في هذا المجال ، يرجى الإطلاع على : حقوق الإنسان في الصحراء الغربية وخيمات تندوف للاجئين، تقرير منظمة:

HUMAN RIGHTS WATCHM      ديسمبر 2008.

[xxii] محسن حسن، أزمة الصحراء الغربية… الأسباب والتوقعات، تقرير مركز بحث للأبحاث والدراسات https:// barq-rs.com/barq   تاريخ الزيارة: 10 فبراير 2018.

[xxiii] الشيخ البومي- مسعود هدنه ما هو الحل الأفضل لنزاع الصحراء الغربية، جريدة أصوات مغاربية: جريدة أصوات مغاربية 28/09/2017 .

[xxiv] ركاح عميروش، الأهمية الجيو إستراتيجية لمنطقة المغرب العربي بالنسبة للولايات المتحدة، المجلة الجزائرية للدراسات السياسية، العدد 5، المدرسة الوطنية العليا للعلوم السياسية، جوان 2016، الجزائر ص 23.

[xxv] جاسم شعلان، مشكلة الصحراء الغربية وانعكاسها على مستقبل الأمن القومي العربي، مجلة جامعة بابل، العلوم الإنسانية، المجلد 19، العدد04 ، ص681.

[xxvi] الشيخ البومي- مسعود هدنه، المرجع السابق.

[xxvii] الديش محمد الصالح، ماذا تحمله سنة 2017 فيما يتعلق بقضية الصحراء الغربية 9/01/2017، تاريخ الزيارة 12/02/2018

https://www.adamir.net/?p=26200.

  • خاص – المركز الديمقراطي العربي   
أضف تعليقك أو رأيك
الوسوم

المركز الديمقراطى العربى

المركز الديمقراطي العربي مؤسسة مستقلة تعمل فى اطار البحث العلمى والتحليلى فى القضايا الاستراتيجية والسياسية والاقتصادية، ويهدف بشكل اساسى الى دراسة القضايا العربية وانماط التفاعل بين الدول العربية حكومات وشعوبا ومنظمات غير حكومية.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق
إغلاق