fbpx
احدث الاخبارعاجل

المسوغات التركية للتدخل في العراق

اعداد الباحث السياسي: محمد كريم جبار الخاقاني – ماجستير علوم سياسية.

  • المركز الديمقراطي العربي

 

اثار تدخل القوات التركية في شمال العراق الكثير من الجدل بين الأوساط السياسية لعدة اعتبارات منها ما تعلق بسيادة العراق وعبور الحدود الدولية وتموضع تلك القوات العسكرية في شمال العراق , وكذلك اعتبارات أخرى تتعلق بالحق التركي في محافظة الموصل والذي تعده حقاً تاريخياً لها في التدخل في الشأن العراقي الداخلي بناءً على معاهدات وقعتها الحكومة الركية مع بريطانيا منذ انتهاء الحرب العالمية الأولى التي قسمت الإمبراطورية العثمانية بين الحلفاء المنتصرين .

لم تتخلى تركيا عن عائدية ولاية الموصل لها, إذ الُحقت بالعراق نتيجة معاهدة بين تركيا وريثة الإمبراطورية العثمانية وبريطانيا المحتلة للعراق في ذلك الوقت, وبموجبها تتنازل تركيا عن ولاية الموصل في مقابل توسعها في منطقة الحدود بينها وبين العراق مع إعطاءها حق التدخل في الموصل إذا ما تعرضت الدولة العراقية للتقسيم إلى عدد من الدويلات .

ومنذ ذلك التاريخ لم يجرؤ أي رئيس تركي للمطالبة بشكل علني باستعادة الموصل باعتبارها أراضي تركية التي تم اقتطاعها في زمن الاحتلال البريطاني وموازين القوى السائدة في تلك المرحلة, وبعد أحداث الخليج الثانية عام 1991 , طالب الرئيس التركي الراحل ( توركت اوزال) علانية بالموصل واستعادة كل الأراضي المستقطعة منها وإعادة رسم الخارطة التركية الجديدة وان الوقت أصبح مناسباً لفعل ذلك, كونه منسجماً مع معطيات الواقع الدولي الجديد الذي تمخض عن تفكك الاتحاد السوفيتي السابق وتفرد الولايات المتحدة الأمريكية بقيادة العالم, وعلى الرغم من معارضة المؤسسة العسكرية التركية لطروحات (اوزال) بسبب الخشية من القوى الكبرى لمعارضة التوجهات التركية الرامية للدخول عن طريق الشمال العراقي مستغلة الظروف التي رافقت انهيار السلطة السابقة للحكومة العراقية وبالتالي شكلت تلك التوجهات اساساً للمشروع الذي جاء به حزب العدالة والتنمية بزعامة( رجب طيب اردوغان) والذي عُرف بالعثمانية الجديدة وانطلقت منها سياسة خارجية تركية مغايرة عن كل السياسات السابقة , إذ أصبحت تلك السياسة الجديدة منطلقاً لتركيا لاستعادة نفوذها الإقليمي ورسم خطوط التفاعل مع كل مجريات الأحداث في المنطقة , إذ أدركت تركيا خطا ابتعادها عن تلك المنطقة في عزلة عن محيطها الجغرافي القريب منها فتوجهت نحو الغرب في محاولة منها للتقرب من أسوار الاتحاد الأوربي, فكانت حائط الصد للمحاولات الشيوعية في زمن الحرب الباردة, فأصبحت الرقم 2 بعد الولايات المتحدة الأمريكية في حلف شمال الأطلسي , وبعد عقود طويلة جداً أعادت السياسة الخارجية في عهد اردوغان اكتشاف الشرق الأوسط بإتباع سياسة الدبلوماسية الناعمة لتكون لاعباً مؤثراً في تفاعلات المنطقة المتشابكة والمعقدة جداً نتيجة التعارض في المصالح , فاتخذت آلية الوساطة للتقريب بين وجهات النظر المختلفة بين الأطراف المتصارعة فعملت على تحقيق التقارب بين الجانبين الفلسطيني والإسرائيلي وكذلك اتبعت نفس الأسلوب مع برنامج إيران النووي والتوصل لحل مرضي لكل الأطراف بشان ذلك, واستمرت تركيا بشكل فاعل ونشط في محاولاتها الناعمة للنفوذ في الشرق الأوسط وتعزيز دورها المؤثر في الخلافات ,الأمر الذي انعكس ايجابياً على قبولها وسيطاً ناجحاً ومقبولاُ بين دول المنطقة, بحيث لا يمكن تجاوزها في معادلات الأحداث المتزايدة فيها مما جعلها من أكثر الدول تأثيراً في أوضاع الشرق الأوسط وعززت من مكانتها كقوة إقليمية لا يمكن تجاهلها.

ومع قيام ما يُعرف بثورات الربيع العربي في دول مصر وسوريا وليبيا واليمن وتونس, تباينت ردود أفعال الحكومة التركية بشأنها , فاختلفت درجات تدخل تركيا في مجريات الأحداث فيها, فهي ترى بان الأوضاع فرصة لا تعوض لتعزيز دورها الإقليمي واستثمار تلك المعطيات للمطالبة باستعادة كل اراضيها المستقطعة منذ عقود طويلة , ومن ثم إن تلك الأراضي هي تاريخياً تعد اراضي تركية وتنازلت عنها ارضاءً لسياسات القوى الكبرى في حينها.

وبعد سقوط الموصل بيد تنظيم داعش في حزيران 2014 وما ترتب عليه من أحداث افرزت واقعاً جديداً في العلاقات الدولية , إذ لأول مرة  ومنذ الحرب العالمية الثانية , تتمكن مجموعات من غير الدول من السيطرة على اراضي دولتين متجاورتين مثلما حدث في العراق وسوريا, فالمتغيرات الجيو سياسية في الخارطة الجغرافية العراقية واحتمالية تقسيم العراق من الناحية العملية إلى دويلات على أساس طائفي وقومي التي ترى إمكانية تقسيم العراق إلى ثلاث أقاليم طبقاً للنظرة الإقليمية الضيقة واعتماداً على منطلقات طائفية , حفًزت تركيا من جديد للمطالبة بالموصل وإمكانية تدخلها فيها اعتماداً على معاهدات سابقة كانت تعطيها ذلك الحق , فانتهزت تركيا تلك الأوضاع التي رافقت دخول داعش للموصل , فقامت بعمل عسكري متمثل بدخول قواتها إلى عمق الأراضي العراقية بحدود 150كم في مدينة بعشيقة وكما تدًعي تركيا بان دخولها للعراق جاء بطلباً عراقياً كجزء من متطلبات تدريب عسكري وبموافقة عراقية رسمية مسبقة, وهذا ما نفته الحكومة العراقية بل طالبت الجانب التركي إلى سحب قواته فوراً ودون تأخير من الأراضي العراقية, ولم تستجيب الحكومة التركية لتلك المطالب العراقية الرسمية بل بقيت مصًرة على البقاء في الأراضي العراقية بسبب ادعاءاتها بتهديد أمنها القومي بسبب تواجد فصائل حزب العمال الكردستاني الذي تعده تركيا فصيلاً إرهابياً, ولم تكتفي تركيا بذلك بل واصلت تنفيذ مخططاتها في العراق عبر قصف مواقع عراقية مؤخراً مما تطلب رداً من وزارة الخارجية العراقية وعلى لسان الناطق الرسمي الدكتور محمد محجوب , اذ دعا الى الكف عن تلك الاستفزازات التركية وبالخصوص فيما يتعلق بسقوط ضحايا مدنيين عراقيين .

الوسوم

المركز الديمقراطى العربى

المركز الديمقراطي العربي مؤسسة مستقلة تعمل فى اطار البحث العلمى والتحليلى فى القضايا الاستراتيجية والسياسية والاقتصادية، ويهدف بشكل اساسى الى دراسة القضايا العربية وانماط التفاعل بين الدول العربية حكومات وشعوبا ومنظمات غير حكومية.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق