fbpx
الشرق الأوسطتقدير الموقفعاجل

الأزمة الدبلوماسية البريطانية – الروسية : الدوافع والمسارات المحتملة

اعداد : اكرام محمد زيادة- باحثة دكتوراه علوم سياسية

  • المركز الديمقراطي العربي

شهدت العلاقات الروسية- البريطانية خلال الأسابيع الماضية توتراً ملحوظاً على خلفية اتهام لندن لموسكو بالتورط في اغتيال العميل الروسي “سيرجي سكريبال” باستخدام غاز سام، في الرابع من مارس/آذار الجاري (2018)؛ حيث عمل سكريبال جاسوسا لصالح بريطانيا. التوتر الحادث في العلاقات الثنائية بين البلدين بناء على تلك الحادثة اتخذ أبعادا جديدة بعد أن شنت العديد من الدول الأوروبية هجوما إعلاميا حادا على روسيا باعتبارها قد خرقت القانون الدولي، وانتهكت سيادة الدولة البريطانية. وأعقب الهجوم الإعلامي طرد عدد من الدبلوماسيين الروس العاملين ضمن البعثات الدبلوماسية لروسيا لدى عدد من الدول الأوروبية، فضلاً عن التهديد بفرض عقوبات جديدة على موسكو. وهو ما ردت عليه روسيا بالمثل. فإلى أين تتجه الأزمة الدبلوماسية بين روسيا وبريطانيا بعد تبادل طرد الدبلوماسيين؟ وكيف يمكن أن تنعكس المواجهة مع لندن على علاقة موسكو المتوترة أصلاً مع الاتحاد الأوروبي؟

أولاً:شرارة الأزمة

تعرض العميل البريطاني السابق سكريبال (66 عامًا) وابنته يوليا (30 عامًا)، في الأول من مارس، لغاز أعصاب لا تمتلكه سوى الحكومات، بالقرب من مركز تجاري في سالزبوري جنوب بريطانيا، حيث يعيش الجاسوس السابق بعيدًا عن الأضواء، بعد خروجه من السجن في روسيا. نقل سكريبال وابنته للمستشفى، وأصيب الشرطي الذي حاول إسعافهما هو الآخر، الأمر الذي كشف عن عملية تسمم متعمدة، يحتمل أن تكون بغاز الأعصاب، واتهمت بريطانيا الاستخبارات الروسية بتسميم العميل السابق.

وقبل الخوض في أبعاد الأزمة وما ستؤول إليه، أعاد حادث تسميم سكريبال إلى الأذهان، ملف حرب الجواسيس وعملاء أجهزة المخابرات. وعلى الرغم من تفكك الاتحاد السوفيتي، فإن حرب الجواسيس لا تزال قائمة بين الولايات المتحدة وأوروبا من جهة، وروسيا من جهة أخرى. وبالعودة إلى التاسع من يوليو/ تموز 2010، استقبلت العاصمة النمساوية فيينا، عشرة جواسيس أدينوا في الولايات المتحدة بتكوين شبكة تجسس لصالح روسيا تمهيدًا لنقلهم إلى موسكو، ضمن صفقة لتبادل الجواسيس مقابل أربعة جواسيس روس أدينوا بالتجسس لصالح الغرب، وحكم عليهم بالسجن، وأصدر الرئيس الروسي ديمتري مدفيديف عفوًا عن الأربعة ضمن صفقة التسليم، بعد أن أدانتهم المحكمة الروسية وقضى كلٌّ منهم فترة في السجن. وقد ضمت القائمة – وقتها –عقيد الاستخبارات العسكرية الروسية السابق سيرجي سكريبال، الذي تعرض لمحاولة تسميم.

سيرجي سكريبال، عقيد سابق في الاستخبارات العسكرية الروسية، جندته المخابرات البريطانية “إم آي 6” عام 1990، وانكشف أمره وقبض عليه عام 2006، وقال جهاز المخابرات الروسية “إف إس بي”، إن سكريبال سلّم المخابرات البريطانية أسرارًا ومعلومات مقابل مال، وتمت محاكمته عسكريًا وأدين بالخيانة العظمى، وتمَّ تجريده من الأوسمة والألقاب التي منحت له خلال خدمته في المخابرات العسكرية الروسية، وحكم عليه بالسجن (13 سنة)، حتى أطلق سراحه ضمن صفقة تبادل جواسيس بين الغرب وروسيا عام 2010؛ حيث أطلقت المحكمة الأميركية سراح المتهمين العشرة في شبكة التجسس، وتمَّ تبادلهم مع الأربعة ومنهم سكريبال.[i]

ورداً على واقعة تسميم الجاسوس الروسي السابق وابنته ، وبعد أن خلصت التحقيقات البريطانية  بأن موسكو تقف “على الأرجح” وراء تسميم سكريبال، في أول اعتداء بواسطة غاز الأعصاب في أوروبا منذ الحرب العالمية الثانية.بغاز أعصاب ، أعلنت  رئيسة الوزراء البريطانية تيريزا ماي أن بلادها ستطرد (23)دبلوماسياً روسياً رداً على الهجوم بغاز الأعصاب الذي استهدف عميلاً روسياً سابقاً في جنوب إنجلتراوذلك بموجب ميثاق فيينا.[ii]

لم يقف الأمر عند هذا الحد، حيث سرعان ما توالت الدول التي أعلنت التضامن مع الموقف البريطاني تباعاً، إذ أعلنت عشرون دولة طرد أكثر من مائة عنصر استخبارات، وأمرت دبلوماسيين روس- متهمين بالقيام بنشاطات تجسس تحت غطاء الدبلوماسية- بمغاردة أراضيها. وهي كالتالي: الولايات المتحدة (60)ديبلوماسياً، فرنسا (4)، ألمانيا (4)، بولندا (4)، جمهورية التشيك (3)، ليتوانيا (3)، الدنمارك (2)، هولندا (2)، إيطاليا (2)، إسبانيا (2)، استونيا (1)، كرواتيا (1)، فنلندا (1)، المجر (1)، لاتفيا (1)، رومانيا (1)، السويد (1).أوكرانيا(13)، كندا(4)إضافة إلى رفض ثلاثة طلبات دخول روسية.ألبانيا: (2) مقدونيا: (1)النرويج(1).كما أعلن حلف شمال الأطلسي “الناتو” طرد (7) من الدبلوماسيين العاملين في البعثة الروسية في مقر الحلف ورفضه منح ثلاثة روس آخرين تصاريح للعمل في البعثة الروسية .[iii] وهو ما يمثل انتصاراً لمساعي بريطانيا لحشد استجابة دولية لاستخدام غاز الأعصاب على أراضيها. كما يمكن وصف طرد الدبلوماسيين الروس بأنه أكبر عملية جماعية من نوعها تشمل ضباط استخبارات من روسيا في التاريخ، وأسوأ أزمة ديبلوماسية بين الغرب وموسكو منذ ضم شبه جزيرة القرم.

ثانياً:  أبعاد الأزمة ودوافعها

كانت العلاقات الأوروبية الروسية الأمريكية قد شهدت العديد من الأزمات الأكثر أهمية من أزمة اغتيال سكريبال، والتي لم تشهد تصعيدا لنبرة التهديد الأوروبية الأمريكية لروسيا كتلك التي ارتبطت بأزمة الجاسوس التي تعتبر نقطة في قائمة خلافات بينية طويلة.

ويعود السبب في الأزمة البريطانية-الروسية إلى تحليق الطائرات العسكرية الروسية في المناطق القريبة من الحدود الجوية لبريطانيا بين الشهرين الأول والخامس من سنة 2015، ورداً على ذلك انطلقت الطائرات البريطانية وتم نقل هذه الحادثة إلى حلف الشمال الأطلسي، وذكر الحلف أن روسيا تتجاوز الحدود الجوية لبعض دول البلطيق أيضاً، ولهذا السبب تم إدانة الدولة الروسية والإعلان عن أخذ الاحتياطات اللازمة في الدول المتعرضة للمضايقة من قبل روسيا .وبناء على هذه التطورات اتخذ حلف الشمال الأطلسي في سنة 2016 قراراً ينص على رفع مستوى الدفاع الجوي في أوروبا الشرقية، وفي سنة 2017 تم دعم دول البلطيق وبولونيا بـ (4) آلاف جندي و (87) دبابة.[iv]. حيث يعد الملف الأوكراني من نقاط الخلاف الكبرى بين لندن وموسكو، فمنذ بدء المواجهات في أوكرانيا أواخر 2013، نددت بريطانيا بشدة بالسياسة التي ينتهجها الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، وادت التجاوزات الجوية التي بادرت بها روسيا إلى اثارة المخاوف تجاه روسيا في جميع أنحاء أوروبا

وأيضًا عام 2016، شهد توترًا كبيرًا في العلاقات على خلفية ما اعتبره نواب بريطانيون تدخلاً روسيًا عبر مواقع التواصل الاجتماعي، في حملة الاستفتاء حول البريكست. كما سبق واتهمت رئيسة الوزراء، تيريزا ماي، روسيا بإطلاق حملات “للتجسس المعلوماتي”، والتأثير على الانتخابات من خلال نشر معلومات خاطئة على الإنترنت.[v]

ويضاف إلى ما سبق، معارضة لندن للتدخل الروسي في سوريا. ففي مطلع مارس/آذار الجاري اتهم البريطانيون، مجددًا، الجيش الروسي بالمشاركة في عمليات القصف إلى جانب الجيش السوري، رغم التصويت على وقف لإطلاق النار في الأمم المتحدة. وحملت بريطانيا روسيا، مسؤولية وقف إطلاق النار، طالبًا منها “وقف أعمالها العدائية فورًا”، في حين أجهضت موسكو، باستعمال حق الفيتو، مشروعي قرار من بريطانيا بشأن سوريا، الأمر الذي ولّد غضبًا في بريطانيا وانتقادات حادة للروس.

من جانب أخر ،  نجد أن بعض تلك الدول التي أخذت قراراً بطرد دبلوماسيين روس ربما لم يتعرض مواطنوها للتسمم، ولكن في وقت سابق تم التدخل في انتخاباتهم ، كما تعرضت شبكاتهم الإلكترونية للاختراق الروسي، وتتدعي روسيا، أنه تم اختراق الحملة الانتخابية لإيمانويل ماكرون في فرنسا، بينما في عام 2015 قرصن المتسللون محطة تليفزيون فرنسية كاملة وهى TV5Monde.، أما في الولايات المتحدة، فبذل جيش من الحسابات الآلية الروسية قصارى جهدهم لتعطيل الانتخابات الرئاسية لعام 2016. وفى ألمانيا، تم اختراق وزارة الخارجية من قبل المتسللين الروس في الشهر الماضي مما أجبر أنظمة الكمبيوتر على الإغلاق. أما في بولندا، تقول وزارة الدفاع إنها استهدفت وغيرها من المؤسسات بمعدل هجوم إلكتروني واحد محتمل في الأسبوع على مدار الأشهر الستة الماضية. وفى ليتوانيا، وجدت الحكومة برامج تجسس روسية على أجهزة الكمبيوتر الخاصة بها منذ عام 2007، كما عانت استونيا من موجة من الهجمات الإلكترونية الروسية. وفى جميع الأوقات والمناسبات، أنكرت روسيا مسؤوليتها.[vi]

في الأزمات السابقة، انحصر رد الفعل الأوروبي بشأنها في فرض عقوبات نوعية على موسكو؛ كأزمة أوكرانيا، وضم روسيا للقرم من ناحية، فضلاً عن الاتهامات الأمريكية لروسيا بالتورط في قضية الانتخابات الرئاسية من ناحية ثالثة، بالإضافة إلى أزمة الدروع الصاروخية للناتو وموقف روسيا المتشدد بشأنها، من ناحية ثالثة. لكن هذا التصعيد الشديد في العلاقات بين روسيا وكل من الدول الأوروبية والولايات المتحدة حاليا أوضح أن الأمر يتجاوز مجرد حادثة اغتيال لجاسوس، ليرتبط بمشهد دولي شديد التوتر والتعقيد في العلاقات بين تلك الأطراف في ساحات الضغط الاستراتيجية لنفوذ كل منها، وتحديداً في إقليم الشرق الأوسط وفي أوروبا. بما يدعو إلى التساؤل حول الدوافع والأسباب الكامنة وراء حالة التصعيد تلك، وما يعنيه هذاالتصعيد في التوقيت الحالي؟

  • الدافع الأول، يُحتمل أن يكون التحرك البريطاني يهدف إلى تضييق الخناق على تحركات العملاء الروس وتصفية شبكات التجسس الروسية في بريطانيا واستهدافها في أوروبا. كما أنه يمكن أن يتخذ آليات أخرى للعمليات بعمليات خاصة وربما هجمات إلكترونية وفقاً لتقدير بعض الخبراء الروس تستهدف الأجهزة الخاصة الروسية.
  • الدافع الثانى، وجود مؤشرات تقول بأن ثمة رغبة أوروبية- أمريكية مشتركة بالربط بين ملف الأسلحة الكيماوية السورية وملف روسيا الكيماوي؛ على خلفية اتهامات بأن المادة المستخدمة في اغتيال سكريبال شبيهة بتلك التي كان يتم إنتاجها خلال الحقبة السوفيتية.وأن الغاز المستخدم من قبل النظام السوري في الغوطة مصدره روسيا. وهو ما يعني مزيدا من الضغط الأمريكي الأوروبي على موسكو قد يصل إلى حد اتهامها بتهديد الأمن والسلم الدوليين، وقد يتبعه حملة دولية تمهد لفرض مزيد من العزلة على روسيا، خاصة أن التغييرات التي طالت الإدارة الأمريكية الحالية بإقالة مستشارين معتدلين لصالح تعيين آخرين متشددين تزيد من احتمالات إقدام هذه الإدارة على سياسات متشددة قد تُدخل المنطقة في دوامة لا نهائية من العنف وعدم الاستقرار. في هذا السياق، ثمة من يرى أن حالة التصعيد الأوروبية- الأمريكية ضد روسيا على خلفية حادثة الجاسوس سكريبال تستهدف تهيئة المجتمع الدولي لقبول ضربة عسكرية بريطانية أمريكية محتملة ضد النظام السوري خلال المرحلة المقبلة، بهدف كسر الهيبة الروسية الداعمة للأسد من ناحية، وتوضيح أن الانتصار الروسي في سوريا ليس انتصارا كاملا، من ناحية ثانية. وهو ما تعتبره روسيا احتمالا ممكنا، لذلك أعلنت هيئة الأركان الروسية في تصريح غير مسبوق بأن “إقدام الولايات المتحدة أو أيا من الدول الأوروبية على استهداف دمشق سيكون له عواقب وخيمة”، في مؤشر على احتمال استهداف روسيا للوجود العسكري الأمريكي في سوريا.
  • الدافع الثالث، توقيت هذه الخطوة الجماعية ضد روسيا قد لا يكون مصادفة أيضاً، إذ يأتي بعد أسبوع من إعادة انتخاب بوتين رئيسا،ً وبنسبة كبيرة، وبانتخابات وصفت بأنها نزيهة. بوتين الذي يتمتع بشعبية كبيرة داخل روسيا، استطاع أن يرد الاعتبار للقومية الروسية التي وصلت الى الحضيض بعد انهيار الاتحاد السوفييتي، كذلك استطاع أن يرفع مقام روسيا سياسياً وعسكرياً لمصاف الدول العظمى. خطورة هذا التصعيد يأتي في ظل عدم استقرار، وتشكل النظام العالمي،بحيث يبدو أن الهدف الحقيقي وراء هذا التصعيد الغربي مرتبط أكثر بالرغبة في تحجيم الدور الروسي سواء كان في سورية أو على المسرح العالمي، وتوجيه رسالة للحلفاء المحتملين وبخاصة الصين بخطورة الاقتراب أكثر، والتحالف مع روسيا ضد الغرب. فهناك اعتقاد بأن بريطانيا وبتحريض أميركي عمدت إلى استغلال اغتيال سكريبال من أجل تنظيم حملة ضغط واسعة ضد روسيا وإحراج الدول الأوروبية ودفعها، تحت يافطة التضامن الأوروبي، للاشتراك في اتخاذ الإجراءات العقابية ضد موسكو، ، ويبدو أن ما يجري إنما هو نوع من الضغط الأميركي- البريطاني، من دون أدلة أو إثباتات، وأن الحملة مبنية على افتراضات بريطانية تقول إن لدى لندن أدلة لكنها لا تعلن عنها، وذلك بهدف الضغط على الاتحاد الأوروبي لاتخاذ مواقف وإجراءات ضد روسيا، وتهدف واشنطن من وراء التصعيد ضد موسكو إنما هو منع ولادة نظام دولي جديد متعدد الأقطاب، وإعادة تعويم الهيمنة الأميركية على العالم والتي باتت مرتبطة بإعادة روسيا إلى داخل حدودها والتوقف عن السعي لتحقيق طموحاتها باستعادة أمجاد الاتحاد السوفياتي السابق. وتسعى واشنطن أيضا إلى احتواء روسيا في قضايا التوازن الاستراتيجي والمواجهة مع حلف الأطلسي وتقويض الدور الروسي في سورية وتعطيل التعاون الروسي التركي الإيراني.ولتحقيق هذا الهدف كان لابد لأميركا من أن تستعيد الدول الأوروبية إلى جانبها، ووجدت الفرصة باتهام روسيا بتسميم سكريبال، لدفع دول الاتحاد الأوروبي وجعلها تتراصف معها في مواجهة روسيا والاشتراك في فرض العقوبات ضدها.

ثالثاً:الموقف الروسي من التصعيد البريطاني الاوروبي

نفت روسيا المسؤولة عن تسميم سكريبال ذلك بشكل قاطع واصفة هذه  الاتهامات بأنها جزء من مخطط غربي واضح لتخريب العلاقات بين الشرق والغرب وعزل موسكو، مؤكدة أن المزاعم الزائفة بتورط روسيا في ذلك يعد استفزازا. اذ يؤكد المسؤولون الروس عدم وجود أي علاقة لهم بالهجوم وأنهم سيتجاهلون الإنذار حتى تقدم لندن عينات من الغاز الذي استخدم في الهجوم وتبدأ روسيا حينئذ في الالتزام بتعهداتها بناء على معاهدة الأسلحة الكيماوية التي تنص على إجراء تحقيقات مشتركة في مثل هذه الحوادث…

ويقوم الموقف الروسي على أنه سيكون من الصعب تقديم أدلة على تورط موسكو بشكل مباشر في الحادثة، وحتى لو ثبت أن غاز الأعصاب المستخدم مصدره روسي، لكن لن يكون بمقدور لندن إثبات أن السلطات الروسية أمرت بتنفيذ عملية اغتيال. وبرزت من خلال تعليقات دبلوماسيين وبرلمانيين وخبراء روس 10 نقاط تتعلق بالأزمة الروسية – البريطانية، ويلقي بعضها الضوء على مخاوف جدية لدى روسيا من تداعياتها ومسارات تصاعدها المحتملة:[vii]

  1. في هذا التوقيت بالتحديد عندما زاد الحديث عن الكيماوي السوري، وعندما تستعد موسكو لاستحقاق انتخابات الرئاسة ولاستضافة مونديال كرة القدم ليس من مصلحة موسكو أن تقوم بأي عملية استفزازية للمجتمع الدولي. والتطورات الجارية تدل على أن الضغوط على موسكو سوف تتصاعد في المرحلة المقبلة.
  2. المادة المستخدمة كان يتم إنتاجها في الاتحاد السوفياتي في أوزبكستان، وتولت الولايات المتحدة مساعدة طشقند على تدمير المخزون الكيماوي بعد ذلك، لذلك فإن بعض الخبراء الروس يرون أن إجراء تحقيق مهني سوف يُظهر أن المادة إذا وصلت بالفعل من المخزون السوفياتي السابق فهي تسربت عبر واشنطن، في اتهام غير مباشر للأجهزة الخاصة الأميركية بالوقوف وراء الحادث لتأجيج الوضع حول روسيا.
  3. الآلية التي اتبعتها لندن في إطلاق الإنذارات وتحديد مهلة للرد، وتجنبها العمل مع موسكو ضمن القنوات الدبلوماسية، دلّت على رغبة مسبقة لدى لندن بتأجيج الموقف، وأن ما يتم حالياً هو استخدام عملية التسميم لأغراض أوسع من ذلك، وكمثال فإن الحديث في البرلمان البريطاني عن طرد وسائل إعلام روسية في بريطانيا لا يمكن أن يكون مرتبطاً بحادثة التسميم، بل له أسباب سياسية أخرى تتعلق باتهامات الغرب لموسكو بالتدخل في مسارات انتخابية.

في المقابل سارعت  روسيا بالرد بالمثل إعلانها عدداً من الدبلوماسيين المعتمدين لديها، أشخاص غير مرغوب بهم في روسيا، وهو مطابق لعدد الدبلوماسيين الروس الذين طردوا من كل دولة بسبب ما يعرف بـ “قضية سكريبال”. وبريطانيا (50) دبلوماسيا، أمريكا (60)،هولندا (2)، فنلندا (1)، ايطاليا (2)، ليتوانيا (3)، بولندا (4)، لاتيفيا (1) استونيا (1) السويد (1)، التشيك (3)، ألمانيا (4)، أ,كرانيا (31)، مولدوفيا (3)، رومانيا (1) ، النرويج (1)، ايرلندا (1)،  كما اعلنت الخارجية الروسية بأنها تحتفظ بحق الرد على بلحيكا والمجر والجبل الاسود لسبب طرد دبلوماسيها من هذه الدول.[viii]

إن الرد الروسي يسير بثبات انفعالي واضح ، تَبدي في خطوات الرد المتدرج على طرد السراء ، عملا بمبدأ المعاملة بالمثل، مع بعض الاجراءات الاضافية ذات الرمزية البالغة على المستوي الدبلوماسية.

رابعاً: سيناريوهات مستقبل العلاقات الروسية- البريطانية الغربية في ظل التصعيد

حالة التصعيد المستمرة بين روسيا وبريطانيا، من ناحية، وبينها وبين الولايات المتحدة، من ناحية ثانية، تفرض تساؤلات بشأن مستقبل العلاقات المتأزمة بين هذه الأطراف وسيناريوهاتها المحتملة:

  • السيناريو الأول، هواستمرار حالة التصعيد في إطارها الدبلوماسي ؛كالطرد المتبادل للدبلوماسيين التي بدأتها بريطانيا ودعمتها الدول الأوروبية بخطوات مماثلة، أو في إطار العقوبات الاقتصادية كتجميد الأصول الروسية في عدد من الدول الأوروبية، واستهداف أنشطة تجارية لرجال أعمال روس داخل بريطانيا وباقي الدول الأوروبية، إلى جانب استمرار فرض العقوبات الاقتصادية على الحكومة الروسية نفسها.، الى جانب عقوبات اعلامية، فربَّما تلغي الهيئة المنظمة لوسائل الإعلام المرئية والمسموعة البريطانية، الترخيص الممنوح لشبكة “روسيا اليوم”، على اعتبار أنها أداة دعاية موالية للكرملين، فيما حذرت روسيا من أنه لن يسمح لأي وسيلة إعلام بريطانية بالعمل في روسيا في حال إغلاق محطة “روسيا اليوم” في بريطانيا.ومن الناحية الاقتصاديةوالقانونية، يمكن للحكومة البريطانية أن تقوم بتطبيق قانون “مصادر الثروة  غير المبررة” على مجموعة من رجال الأعمال الروس الذين يعملون على أراضيها، والقانون هو مجموعة إجراءات محاسبة تمَّ وضعها في يناير / كانون الثانيالماضي، وتتيح للسلطات مصادرة ثروات وأموال المشتبه تورطهم بأعمال إجرامية. ومن الأوراق التي يمكن لبريطانيا استخدامها أيضًامقاطعتها لكأس العالم الذي سيقام هذا العام في روسيا،والذيسيقوم حتماً بإرباك وإحراج حكومة بوتين.هذا السيناريو يفترض توقيع المزيد من العقوبات النوعية على موسكو تدريجيا، أي الدخول في حالة من حالات الحرب الباردة بين أطراف الأزمة. يمكن القول إن قضية “سكريبال”، دفعت العلاقات بين لندن وموسكو إلى حافة الهاوية، لكنها لن تنزلق إلى مواجهة عسكرية بين البلدين، وربَّما تمهد لحرب باردة بين موسكو ولندن، مع استبعاد التحرك العسكري نظراً إلى أن بريطانيا بموجب نشاطها في حلف الأطلسي تنشر قطعات عسكرية في إستونيا على مقربة من الحدود الروسية، لكن زيادة هذه القوات قرار أطلسي وليس بريطانياً.
  • السيناريو الثاني، هو استهداف المصالح الاستراتيجية الروسية ؛ فوقد نرى حزما أكثر شدة من بريطانيا في التعاطي مع روسيا في ملفات كسوريا وأوكرانيا وفي هذا السياق قد تذهب لندن إلى ما ذهبت إليه واشنطن في الملف الأوكراني أي إمداد كييف بأسلحة، او عبر توجيه ضربة عسكرية للنفوذ الروسي في سوريا، باستهداف النظام السوري على خلفية القناعة الأوروبية بأنه يستخدم الغاز السام ضد المدنيين في الغوطة. كذلك  من الطبيعي بمكان عودة التنسيق الأمريكي الغربي ضد إيران أولاً، وهو ما ظهرت ملامحه الأولى مع تولي دونالد ترامب سدة الحكم في البيت الأبيض، وتوجه الغرب إلى زيادة العقوبات على طهران، لمواجهة طموحاتها في تطوير الصواريخ البالستية، ومواجهة مساعيها في مدّ النفوذ. وفي سياق المواجهة الجديدة بين الغرب وروسيا، سيكون من الطبيعي أن يزداد الاعتماد الأوروبي على حلف “الناتو”، وهو ما سيعني بطبيعة الحال تبني الحلف توجهات جديدة، وزيادة في الميزانية، وردود فعل أكثر حدة، وبالتالي تنسيق استخباراتي أكثر من ذي قبل ويُلاحظ أن هذا السيناريو لا يعني تحول التصعيد من مرحلته الدبلوماسية إلى مرحلة الاستخدام الفعلي للقوة بين روسيا والقوى الأوروبية، ممثلة في بريطانيا بالأساس، لوجود ما يسمى بحدود الدور الذي يجب أن تقف عنده خيارات كل طرف تجاه الآخر، وهي الخيارات المرتبطة بعدد كبير من المصالح في العديد من الملفات. فالشرق الأوسط يمثل في هذه المواجهة حالة نموذجية، مع حاجة الطرفين إلى الابتعاد قدر الإمكان عن المواجهة المباشرة.
  • السيناريو الثالث، يفترض أن الأزمة الحالية في العلاقات بين الدولتين قد بلغت ذروتها بعد تبادل الطرفين بالخطوات الخاصة بطرد الدبلوماسيين وإدخال تعديلات على نظام إدخال التأشيرات وبهذه الإجراءات فيمكن القول إنه البعد السياسي قد انتهى ومن ثم اتخاذ بعض الخطوات بتدرج تدريجيا لتجاوز هذه الأزمة وإعادة العلاقات في مجراها الطبيعي بما يلبي المصالح الاقتصادية والإستراتيجية بين الدول، ويرتكز هذا السيناريو على أن بريطانيا حظيت بالدعم الأخلاقي من بعض الدول الأوروبية أخرى ولكنني لا أرى أي من دول الأوروبية الأخرى تتصرف بنفس الطريقة وتطرد الدبلوماسيين فهذه تعبيرات عن الدعم هناك أوقات صعبة حرجة عدد من الدول الأوروبية قلقة بشأن روسيا حيث أن روسيا الآن تسيطر على مخزون كبير من الغاز والنفط والذي تعتمد عليه أوروبا الغربية وخاصة ألمانيا ، فروسيا الآن في موقف مقايضة قوي. لذا فلا يمكن أن تدخل الأزمة دائرة الحرب الباردة بين بريطانيا وبين الاتحاد الروسي.
  • السيناريو الرابع: هو احتواء أطراف الأزمة لخلافاتهم عبر عقد قمة روسية- أوروبية، وقمة روسية- أمريكية ؛ فثمة رأي يقول بأن حالات التصعيد الحادة في علاقات الدول بعضها ببعض قد تستهدف في أحد دوافعها عقد قمة على مستوى القيادات لاحتواء الأزمات، من خلال طرح كافة أوراق الضغط المتبادلة في الملفات الخلافية للتوصل لتسوية بشأنها.

وفي النهاية فإن العلاقات الروسية- البريطانية- الأوروبية، والعلاقات الروسية- الأمريكية مرشحة لمزيد من التصعيد خلال المرحلة القادمة، وأن حادثة اغتيال سكريبال كانت بمثابة الفتيل الذي دفع العلاقات بين تلك القوى للاشتعال والتأزم، وأدخلتها في حالة حرب باردة متصاعدة المراحل. فهل سنشهد تحولات نوعية في مسار تلك الأزمة تدفعها نحو الاحتواء والانفراج خلال الأيام القادمة، أم سيظل التأزم في العلاقات دافعا نحو حافة الهاوية؟!.

يبدو سيناريو عودة المواجهة في النظام الدولي بين الغرب وروسيا هو السيناريو المرجح ،بل أن هذا السيناريو يكتسب حالة من الوضوح أكبر، وإذا كانت الساحتان الأوكرانية والسورية قد كانتا المسرح الرئيس للمواجهة غير المباشرة بين موسكو والغرب خلال السنوات الماضية، فإن تمدد مسرح المواجهة يبدو أمراً طبيعياً، كما أن اللجوء إلى عدد من الوسائل الجديدة سيكون أمراً لا مناص منه، مثل قطاعات المعلوماتية والإعلام الافتراضي والحرب الإلكترونية.

هذا المشهد من التصعيد والتصعيد المضاد يؤشر بوضوح إلى أن العالم قد دخل فعلا مرحلة جديدة من الصراع، عشية ولادة عالم متعدد الأقطاب، انطلاقا من موازين القوى الاقتصادية والعسكرية الجديدة التي نشأت وأدت إلى تراجع القوة الأميركية ووضع حد لهيمنتها الأحادية، وهذا الصراع يؤكد أن العالم عاد إلى الحرب الباردة لكن بسمات جديدة، حرب باردة أكثر سخونة مما كانت عليه أيام الاتحاد السوفياتي، وفي ظل انتفاء الصراع الأيديولوجي ، لأن الحرب العالمية ليست ممكنة بسبب التداخل الاقتصادي العالمي من ناحية، وامتلاك جميع الدول المتصارعة الأسلحة النووية القادرة على تدمير العالم. باختصار إنها معركة النظام العالمي الجديد الذي باتت ولادته محتمة انطلاقاً من موازين القوى العالمية الناشئة والتي لم تعد تسمح باستمرار نظام القطب الأوحد، وإن حاولت أميركا ممانعة ذلك لحين، لكنها في النهاية ستسلم بهذه الحقيقة باعتبارها أمرا واقعا لا يمكن تجاهلها أو الحيلولة دونه

[i]من هو الجاسوس البريطاني الذي جرت مبادلته بالجاسوسة الروسية “الأكثر سحرا”؟6، موقع بي بي سي،مارس/ آذار2018:  http://www.bbc.com/arabic/world-43303673

[ii]العلاقات البريطانية-الروسية إلى أين؟ ، موقع ايرونيوز،14 مارس/اذار2018:

http://arabic.euronews.com/2018/03/14/uk-russia-crisis-updates-london-now-expel-23-russian-diplomats-theresa-may

[iii]تسميم الجاسوس الروسي سكريبال: حلف الناتو يطرد 7 دبلوماسيين روس، موقع بي بي سي،27 مارس/ آذار 2018 :

http://www.bbc.com/arabic/world-43560435

[iv]أسباب ترحيل الدبلوماسيين الروس من الدول الأوروبية، بريل ديديأوغلو ترجمة وتحرير موقع ترك برس، 31مارس2018:https://www.turkpress.co/node/47328

[v]ماي تندد بـ”عدائيات” روسيا وترفض حربا باردة جديدة، موقع الجزيرة، 14 نوفمبر/تشرين ثاني 2017: http://www.aljazeera.net/news/international/2017/11/14/%D9%85%D8%A7%D9%8A-%D8%AA%D9%86%D8%AF%D8%AF-%D8%A8%D9%80-%D8%B9%D8%AF%D8%A7%D8%A6%D9%8A%D8%A7%D8%AA-%D8%B1%D9%88%D8%B3%D9%8A%D8%A7-%D9%88%D8%AA%D8%B1%D9%81%D8%B6-%D8%AD%D8%B1%D8%A8%D8%A7-%D8%A8%D8%A7%D8%B1%D8%AF%D8%A9-%D8%AC%D8%AF%D9%8A%D8%AF%D8%A9

[vi]Expulsions of Russians are pushback against Putin’s hybrid warfare,Patrick Wintour, The Guardian, 26 Mar 2018:

https://www.theguardian.com/world/2018/mar/26/expulsions-of-russians-are-pushback-against-putins-hybrid-warfare

[vii]المخاوف والمسارات المحتملة لتطور الأزمة البريطانية ـ الروسية، رائد جبر، صحيفة الشرق الاوسط ، 16 مارس 2018:https://aawsat.com/home/article/1206576/%D8%A7%D9%84%D9%85%D8%AE%D8%A7%D9%88%D9%81-%D9%88%D8%A7%D9%84%D9%85%D8%B3%D8%A7%D8%B1%D8%A7%D8%AA-%D8%A7%D9%84%D9%85%D8%AD%D8%AA%D9%85%D9%84%D8%A9-%D9%84%D8%AA%D8%B7%D9%88%D8%B1-%D8%A7%D9%84%D8%A3%D8%B2%D9%85%D8%A9-%D8%A7%D9%84%D8%A8%D8%B1%D9%8A%D8%B7%D8%A7%D9%86%D9%8A%D8%A9-%D9%80-%D8%A7%D9%84%D8%B1%D9%88%D8%B3%D9%8A%D8%A9

[viii] روسيا تتخذ إجراءات الرد بحق الدبلوماسيين الأوروبيين ، موقع سبوتيك نيوز، 30 مارس/اذار2018 :https://arabic.sputniknews.com/russia/201803301031193132-%D8%B1%D9%88%D8%B3%D9%8A%D8%A7-%D8%A7%D9%84%D8%B1%D8%AF-%D8%A7%D9%84%D8%AF%D8%A8%D9%84%D9%88%D9%85%D8%A7%D8%B3%D9%8A%D9%8A%D9%86-%D8%A3%D9%88%D8%B1%D9%88%D8%A8%D8%A7/

  • خاص – المركز الديمقراطي العربي
الوسوم

المركز الديمقراطى العربى

المركز الديمقراطي العربي مؤسسة مستقلة تعمل فى اطار البحث العلمى والتحليلى فى القضايا الاستراتيجية والسياسية والاقتصادية، ويهدف بشكل اساسى الى دراسة القضايا العربية وانماط التفاعل بين الدول العربية حكومات وشعوبا ومنظمات غير حكومية.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق