fbpx
الشرق الأوسطتحليلاتعاجل

دور الثقافة السياسية المساهمة في الانتخابات البرلمانية العراقية

اعداد : احمد كريم صالح – جامعة الانبار \ كلية القانون والعلوم السياسية

  • المركز الديمقراطي العربي

 ثمة مقولة ذائعة الصيت للمؤرخ والمنظر السياسي الفرنسي  ( ألكسيس دو توكفيل) مفادها ” ان كل شعب ينال الحكومة التي يستحقها ” بمعنى كيفما يكون الشعب تكن حكومته ,اذ ان الطبقة الحاكمة ليست منفصلة عن المنظومة الاجتماعية السائدة , بل هي ولدت من رحم تلك المنظومة , وتتجلى هذه القاعدة في الانظمة الديمقراطية القائمة على ” الانتخاب ” والتي تعد  الشعب مصدر السلطات , على خلاف الانظمة الكليانية \ الشمولية التي تستمد شرعيتها ومصدرها من مصادر اخرى لن يكون الشعب احد هذه المصادر , وهنا تلعب الثقافة السياسية لأى شعب دوراً بارزاً في عملية الانتخاب , واختيار نوعية الحكومة التي تمثله , فالشعب الذي يمتلك الوعي السياسي , والثقافة السياسية المساهمة , والذي يدرك أهمية الانتخابات باعتبارها وسيلة ديمقراطية سلمية في اختيار الحكومة, وتحديد المعايير السليمة في اختيار من يتصدى للحكم , دون الركون الى المعايير السطحية القائمة على اعتبارات : القرابة , او القبيلة , او البراغماتية , قطعاً سينعكس ذلك على نوعية الحكومة . فالثقافة السياسية للشعب ستكون العامل الرئيس في تحديد نوع الحكومة , والدعامة الاساسية لتطور المجتمع , ولهذا يقول   (نيلسون مانديلا )  ” لا يوجد بلد يمكن أن تتطور حقاً ما لم يتم تثقيف مواطنيها ”  وهنا نجد ان الثقافة سيما الثقافة السياسية قرينة بتطور المجتمعات .

ولهذا فأن الحديث عن الانتخابات العراقية المزمع اجراؤها في12 مايو \ ايار المقبل , يدفعنا الى مجموعة من التساؤلات لعل اهما : 

–         الى أي مدى انعتق الشعب العراقي من ثقافة  الخضوع التي عاصرت فترة النظام العراقي قبل 2003 والذي اتسم بطابع الشمولية ؟

–         ما مدى قناعة الناخب العراقي بالانتخابات  بعد 2003, باعتبارها وسيلة سلمية ديمقراطية في اختيار الحاكم ؟

–         مدى الثقافة السياسية المساهمة للناخب العراقي  , والى أي مدى يمكن ان تمارس الثقافة السياسية المساهمة دوراً في التغيير؟

ان الإجابة على تلكم التساؤلات يقتضي أولاً واتساقاً مع منهجية البحث العلمي في تقصي الحقائق تحديد ماهية الثقافة السياسية , ثم ماهية ثقافتي الخضوع والمساهمة .

1-  الثقافة السياسية  :

      ويقصد بالثقافة السياسية مجموعة المعارف والآراء والاتجاهات السائدة نحو شؤون السياسة والحكم، الدولة والسلطة، الولاء والانتماء، الشرعية والمشاركة. وتعنى أيضاً منظومة المعتقدات والرموز والقيم المحددة للكيفية التي يرى بها مجتمع معين الدور المناسب للحكومة وضوابط هذا الدور، والعلاقة المناسبة بين الحاكم والمحكوم.

2-  ثقافة الخضوع :

         في هذا النوع من انواع الثقافة السياسية , يغيب دور المواطن عن اداء دوره السياسي , ولا يأبه للاكتراث في الشؤون السياسية , خوفاً من السلطة حيناً , والحفاظ على موقعه أحياناً اخرى , ولهذا تأخذ المؤسسات على عاتقها تحقيق المطالب الاجتماعية , ولكنها بكل الاحوال ستكون الاستجابة ضئيلة لحاجات الافراد .

3-  الثقافة المساهمة :

      يراد بهذا النوع من انواع الثقافة السياسية , ان المواطن يكون على دجة عالية من الوعي والادراك بالشؤون السياسية , والاوضاع القائمة , ولهذا يقوم بدور فعال اذ انه يؤثر في النظام السياسي بطرق مختلفة , ولعل في مقدمتها : الاحتجاجات او المشاركة في الانتخابات , فضلاً عن  ممارسته للنشاط السياسي من خلال العضوية في حزب سياسي او جماعات ضغط معينة .

بعد تحديد ماهية المصطلحات نعود الى التساؤلات الرئيسة , بهدف الوصول الى النتيجة النهائية المتمحورة حول دور الثقافة السياسية المساهمة في الانتخابات العراقية القادمة .

اولاً : النظام السياسي العراقي قبل 2003 وطغيان ثقافة الخضوع .

       ان دينامية الوصول الى السطلة , تمارس دوراً كبيراً , في تحديد عمل الحكومة ومدى تشبثها بالسطلة , ولهذا فأن الطريقة التي وصل بها الرئيس العراقي السابق ( صدام حسين ) الى السطلة في عام (1979)  لم تكن من خلال صناديق الاقتراع , وانما من خلال التصفية لمعارضيه والوصول الى السطلة بحد السيف , ولهذا فأن دينامية وصول ( صدام حسين ) الى السطلة,  كانت سبباً رئيسياً في تشبث صدام حسين بالسطلة , بل وتصفية كل ما يحاول ان ينافسه على الحكم .

       امام هذه الحقيقة ربما نجافي المنطق السليم , والقراءة الموضوعية , اذا تحدثنا عن امكانية اجراء انتخابات شفافة ونزيهة  , ابان تلك الفترة الممتدة منذ عام 1979 وحتى نيسان 2003 , مع وجود نظام شمولي \ عسكري صارم لن يكون مصير من يساومه على السطلة الا القتل  والتصفية من خلال الصاقه بمجموعة من التهم , ولعل اكثرها رواجاً : الخيانة للوطن ولمبادئ حزب البحث العربي الاشتراكي , والتي تحمل صفة ” القدسية ” بالنسبة للرئيس العراقي السابق (صدام حسين ) والذي ينحدر من ذات الحزب , فلم تشهد هذه الفترة اية انتخابات سوى تلك ” الدراما ” التي حدثت في 15 اكتوبر  1995 , وهي استفتاء رئاسي للتصويت ” بنعم ” او “لا ” للرئيس العراقي السابق ( صدام حسين ) ولم يكن هناك مرشح غيره , اذا جرى التصويت على شخص واحد لا غير , وجاءت النتائج لصالح ( صدام حسين ) بنسبة 99,96 %

       ولهذا سادت تلك الفترة نوع من الاستكانة وثقافة والخضوع من جانب الشعب  للنظام السابق , خصوصاً مع قمعه لأي احتجاجات يقوم بها الشعب وما يدلل على ذلك قمعه لما عرفت ” بالانتفاضة الشعبانية ” وبالتالي لا يمكن الحديث عن ثقافة سياسية مساهمة الا في اطار ما يتفق مع المزاج العام للحزب الحاكم , ودون المساس بهرم السطلة , وحتى لو وجدت هذه المساهمة لن تكون الا محاولة لإسباغ الشرعية على النظام , كالاستفتاء الرئاسي انف الذكر , ولهذا خيمت على المشهد في هذه الفترة ” ثقافة الخضوع ” دونما اية مساهمة شعبية في الشأن السياسي .

ثانياً:  مدى اقبال الناخب العراقي على الانتخابات  بعد 2003, باعتبارها وسيلة سلمية ديمقراطية في اختيار الحاكم ؟

       في التاسع من نيسان 2003 , شنت الولايات المتحدة الامريكية بمعية حلفاؤها حرباً عسكريةً على العراق اطاحت بالنظام السياسي العراقي الشمولي , وقد رفعت ومن على ظهور الدبابات , وفوهات البنادق شعار تطبيق الديمقراطية والتداول السلمي للسطلة .

       وتوالت ومنذ ذلك الوقت سلسلة من الاجراءات على الصعيد السياسي , بدأت بتشكيل حكومة انتقالية , ثم جرى التصويت على دستور دائم للبلاد في 15 اكتوبر 2005  بنسبة 78,40  من الشعب العراقي ونشره في الجريدة الرسمية وقد نشر يوم 28-12-2005 في العدد4012 من الوقائع  العراقية , لكون موافقة الشعب على دستور ونشره في الجريدة الرسمية شرطاً اساسياً لنفاذ الدستور , وبعد اقرار مشروع الدستور العراقي الجديد، أصبحت الخطوة القادمة اجراء انتخابات برلمانية يوم 15 ديسمبر/كانون الأول 2005  بهدف تكوين برلمان له صلاحيات دستورية كاملة لدورة تستمر اربع سنوات  , وهذا من تم بالفعل اذ اجريت الانتخابات البرلماني في الموعد المحدد لها وهي اول انتخابات تجرى بعد اقرار الدستور الدائم ثم توالت الانتخابات العراقية بشكل دوري وفق ما اقفره الدستور في  المادة (56): أولاً:- تكون مدة الدورة الانتخابية لمجلس النواب أربع سنواتٍ تقويمية، تبدأ بأول جلسةٍ له، وتنتهي بنهاية السنة الرابعة. ومذ اقرار الدستور العراقي الدائم اجريت ثلاث دورات انتخابية بموعدها المحدد .

       ولهذا بعد 2003 اصبح المواطن العراقي قادراً على الذهاب كل اربع سنوات للأدلاء بصوته واختيار الحكومة التي تمثله , وهنا تلعب الثقافة السياسية المساهمة والوعي السياسي للشعب دوراً بارزاً في اختيار الحاكم , ورغم اقبال المواطن العراقي على صناديق الاقتراع  , لم يكن ذلك ليخفي نسبة العزوف العالية عن الانتخابات , وقد بدأ عن هذا العزوف بعدم التصويت على الدستور في ثلاث محافظات عراقية وهي : الانبار وصلاح الدين ونينوى , ثم عزوف شبه تام في هذه المناطق عن المشاركة في الانتخابات التي جرت في 2005 , مقابل اقبال لم يكن بالمستوى المطلوب في محافظات العراق المتبقية .

ولهذا وبالرغم من ازدياد مساحة الحرية للمواطن العراقي بعد 2003 لم يشكل الناخب العراقي نقطة فارقة في عملية اختيار حكومة عراقية كفوءة , على مدى ثلاث دورات انتخابية جرت بعد اقرار الدستور العراقي الدائم , وان الاسباب الكامنة وراء هذه المشكلة هي موضوع تساؤلنا الثالث .

ثالثاً :  مدى الثقافة السياسية المساهمة للناخب العراقي  , والى أي مدى يمكن تمارس الثقافة السياسية المساهمة دوراً في المشاركة الانتخابية والتغيير؟ 

      ان الاجابة على هذا التساؤل يدعونا للعودة الى ماهية الثقافة السياسية المساهمة ؟ قلنا بهذا الصدد ان المواطن يكون على درجة عالية من الادراك والوعي في الشؤون السياسية وبالتالي سيحاول التأثير في النظام السياسي بمختلف الطرق سواء من خلال الاحتجاجات أو الانتخاب او المشاركة الفعلية في العمل السياسي من خلال الانضمام لحزب سياسي  معين .

        ان الامر الذي يمكن ملاحظته هنا ان جميع هذه الوسائل قد مورست بالفعل , فاغلب محافظات العراق شهدت احتجاجات  بعضها انتهت بنتائج مأساوية , كما شهد ثلاث دورات انتخابية والرابعة على الابواب , فضلاً عن تصدى كم هائل لممارسة العمل السياسي , ولكن هذه المشاركة ليست مؤشر على تنامي الثقافة السياسية المساهمة للفرد العراقي , اذ ان العبرة ليست في “المشاركة العشوائية ” التي تفتقر للرؤية الواضحة , والهدف السليم , والمعايير المنطقية , وبالتالي هنا لم يجني المواطن العراقي من تلك الوسائل غير الويل والثبور , ولهذا كانت نتائج المساهمة المفتقرة للرؤية السليمة عكسية النتائج , ولم تزيد الوضع الا سوءاً .

       فهذه الوسائل اعتراها الكثير من القصور , وبعضها اخذ غير مجراه الحقيقي : فالاحتجاجات على سبيل المثال المكفولة دستورياً انحرفت عن مجرها الحقيقي , من خلال تدخل اطراف خارجية بالتعاون مع الطابور الخامس من قادة هذه الاحتجاجات , وكانت النتيجة تهاوي ثلاث محافظات عراقية تحت سيطرة تنظيم مسلح يسمي نفسه ( تنظيم الدولة الاسلامية ) ولهذا فأن غياب الوعي لدى ” المتظاهر او المحتج ” بما يدور خلف الكواليس كان سبباً في استمرار تلك الاحتجاجات حتى انتهت تلك الاحتجاجات بنتائج تدميرية , ولهذا فقدت ” فكرة الاحتجاجات ” قيمتها الحقيقية باعتبارها اداة من ادوات التغيير السياسي والمساهمة السياسية .

       بقي امام المواطن العراقي وسيلة اخرى للمساهمة السياسية  والتغيير , وهي اكثر اتساقاً مع المبادئ الديمقراطية , واكثرها انسجاماً مع تطلعات الشعوب الحرة , وهي ” الانتخابات ” وبالفعل تجرى الانتخابات بشكل دوري , ولكن دون تحسن في الاوضاع القائمة , او تغيير في السياسة الحاكمة , وتتكرر اغلب الوجوه منذ أول دورة انتخابية بعد اقرار الدستور الدائم للبلاد , ولا نعتقد ان في الانتخابات البرلمانية الرابعة المزمع اجراؤها في 12 مايو المقبل , ما يدعوا للتفاؤل , ولعل السبب واراء هذه المشكلة يكمن في ” المعايير ” التي يحددها كل ناخب للأدلاء بصوته , فنسبة عالية من الناخبين لا يخرج عن اطار : المناطقية , والعشائرية , والقرابة , في اختيار من يمثله , وهذا ما يفسر لنا صعود شخصيات تتولى مقاليد الحكم وهي لا تفقه في السياسة اكثر ما يفقه ” القرد ” عن نظرية دارون الذي هو محور دراستها , وبالتالي تناسى الناخب ان لكل تخصص رجاله , وان السياسة كالطب والهندسة لها رجالها وليست عملية عشوائية لمن هب ودب .

         أما الانخراط في العمل السياسي المباشر من خلال الانضمام لحزب سياسي معين , فليس هناك نكوص عن هذه الوسيلة , فالعراق فيه اكثر من مائتي حزب , يتنافسان على السطلة , ولكن الاشكالية تكمن في المعايير ايضاً , اذا ان اغلب من يتصدى للعمل السياسي في الغالب يبحث عن ما تضفيه السطلة , من هالات المجد والهيبة والجاه , لمن يمارسها وليس بهدف المصلحة العامة وبالتالي  فأن كل حزب يضع مصلحة نفسه وأشخاصه اولاً , امام هذه الحقائق التي نعتقد انها تعبر عن جوهر الواقع  لكل من ينظر للأوضاع بموضوعية وتجرد  , نصل الى مجموعة من الاستنتاجات تتعلق بموضوع ( الثقافة السياسية المساهمة في الانتخابات البرلمانية العراقية ) يمكن ايجازها على النحو التالي : 

1-  تحول الغالبية من الشعب العراقي  بعد 2003 من سيادة ثقافة الخضوع الى سيادة الثقافة البراغماتية , وقد اصبح الانسان ذئب لأخيه الانسان .

2-  غياب شبه تام للثقافة السياسية المساهمة بمعناها السليم , القائم على الادراك والوعي بالأوضاع  القائمة والرغبة الحقيقية  في التغيير والشعور بالانتماء للوطن  .

3-  التركة الثقيلة لثقافة الخضوع التي عانى منها العراق نتيجة الحكم الشمولي الصارم , وبالتالي فأن الانتقال من ثقافة الخضوع الى الثقافة المساهمة , لن يتم الا من خلال حلقة وصل سليمة ونعتقد ان حلقة الوصل هذه تكمن في ذهن الناخب والمرشح على حد سواء , من خلال تغيير الاسس الخاطئة التي يتم على اساسها الترشح والانتخاب , وربما تتطلب هذا العملية اجيالاً عديدة لكلي تتحقق .

4-  ان المشاركة السياسية التي تفتقر للوعي والادراك السليمين للأوضاع السياسية القائمة , وكيفية سريان مقاليد الحكم , لن تغير من الواقع شيء .

5-  ان المساهمة السياسية والرغبة في التغيير يجب ان تستهدف الاسس التي تسير عليها الحكومة  , وليس تغيير الوجوه فقط , فالذي يريد تغيير الوجوه دون التركيز على تغيير الاسس غير السليمة لعمل الحكومة التي اوجدتها الظروف كالذي يريد تقويم ظل العود الاعوج ويترك العود نفسه .

6-  لا نعتقد ان الانتخابات البرلمانية الرابعة المزمع اجراؤها في 12 مايو المقبل ستشهد تغييرات ملحوظة , كما ان طريقة تنافس المرشحين القائمة على التسقيط  والتنكيل بالمنافسين تدلل على مستوى عقلية المرشح وهذه الصورة مدعاة للتشاؤم اكثر منها مدعاة للتفاؤل .

7-  لا يمكن ان ننكر الدور الخارجي وطول باعه في التحكم بمصير الانتخابات العراقية , والتحكم بمصير العراق بأكمله وهذا ما يزيد حدة التشاؤم في الانتخابات العراقية القادمة واعتبار نتائجها محسومة سلفاً .

الوسوم

المركز الديمقراطى العربى

المركز الديمقراطي العربي مؤسسة مستقلة تعمل فى اطار البحث العلمى والتحليلى فى القضايا الاستراتيجية والسياسية والاقتصادية، ويهدف بشكل اساسى الى دراسة القضايا العربية وانماط التفاعل بين الدول العربية حكومات وشعوبا ومنظمات غير حكومية.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق