fbpx
الشرق الأوسطعاجل

الدلالات الاستراتيجية للهجوم الأمريكي على سورية

اعداد : د. مصطفى إبراهيم سلمان الشمري – مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية/جامعة بغداد

 

شنت الولايات المتحدة الأمريكية وحلفائها بريطانيا وفرنسا في 14/4/2018، هجوماً على سورية، استهدف مواقع عدة ذات طبيعة عسكرية وعلمية، وبحسب التصريحات الرسمية الصادرة عن الدول المهاجمة (الولايات المتحدة وبريطانيا وفرنسا) فان هذا الهجوم استهدف تحييد وتدمير قدرات النظام السوري من الاسلحة الكيمائية،وقد تميزت الأسلحة المستخدمة في هذا الهجوم بدقة عالية.

وفي الواقع ان هذا الهجوم يحمل دلالات استراتيجية عدة وعلى أكثر من صعيد:

فعلى الصعيد الدولي:

أرادت الولايات المتحدة من هذا الهجوم ان تبعث برسالة واضحة إلى روسيا مفادهاان الولايات المتحدة هي صاحبة القرار الفاعل والاخير على الصعيد العالمي، وبخاصةً على صعيد منطقة الشرق الأوسط مهما كان حجم الوجود الروسي في هذه المنطقة، فضلاً عن ذلك أن هذا الهجوم جاء خارج نطاق موافقة مجلس الأمن والسبب يعود إلى أعلنته وزارة الخارجية الأمريكية بأن روسيا استخدمت حق النقض (الفيتو) ستمراتلمنع مجلس الأمن منإدانةاستخدام نظام الرئيس (بشارالأسد)للأسلحةالكيمياوية، بل أن روسيا استخدمت حق النقض (الفيتو) لوحدها (12) مرة في سبيل حماية نظام الرئيس (بشارالأسد) من أي ادانة أممية حتى نيسان/2014، وعلى الرغم من أن روسيا كانت قد وافقت على إزالة جميعالأسلحةالكيمياويةمنسورية إلا أنها لم تقم بذلك.

وأيضاً لا يفوتنا التأكيد على مؤشر مهم وهو ان هذا الهجوم حصل والقوات والدفاعات الروسية موجودة في الاراضي السورية، مما ينطوي على أكثر من رسالة ودلالة لعل أحدها ما عبر عنها الروس انفسهم بان هذا الهجوم يعتبر اهانة للرئيس الروسي (فلاديمير بوتين).

ومن نافلة القول الإشارة إلىان هذا الهجوم لم يستهدف المواقع التي يتواجد فيها الروس داخل سورية، وفي هذا الخصوص أكد الجنرال (جوزيفدانفورد)رئيسهيئةالأركانالمشتركةالأمريكية إنالولاياتالمتحدة أبلغت روسيا عن الضربات قبل موعد تنفيذها عبر الخط الساخن بينهما لتجنب أي تصادم عرضي قد يحدث بينهما، مما يعني أن هذه الضربات قد جرى التنسيق لها بعناية ودقة بحيث تضمن عدم تصادم الكبار وهيقاعدةتحكم طبيعة العلاقات بين الدول الكبرى منذ انتهاء الحرب الباردة، في حين يترك الصغار فريسة وضحية لتصادم مصالح القوى الكبرى.

وأما الرسالة الاخرى لهذا الهجوم فتتضمن دلالة استراتيجية واضحة مفادها ان الاعتماد على روسيا كحليف دولي من قبل الدول والقوى الاقليمية انما هو ان جاز القول أشبه بـ”الرهان على الحصان الخاسر في الحلبة الدولية”، وعليه فان على النظام السوري وغيره من الدول التي وثقت علاقاتها واختارت روسيا كحليف لها بان تدرك حقيقة أساسية وهي: انها اختارت الحليف الخطأ وان الولايات المتحدة والمعسكر الغربي هم الاجدر بالثقة للتحالف معهم.

الصعيد الاقليمي:

فان هذا الهجوم هو رسالة اطمئنانإلى اسرائيل بان الغاية الأساسية هي حماية الأمن الاسرائيلي عن طريق تحييد أهم سلاح ألا وهو الكيميائي،  وأن الأمن الإسرائيلي سيبقى في صدارة الاهتمامات الأمريكيةفي سياستها تجاه منطقة الشرق الاوسط، فضلاً عن ذلك ان هذا الهجوم سيوفر لإسرائيل أعباء عدة تحملتها نيابةً عنها القوى المهاجمة لسوريا.

وتنبغي الإشارة إلى أن هذا الهجوم هو رسالة واضحة لإيران بان دعمها للنظام السوري وتحالفها معه، سوف لن تمنع الولايات المتحدة وحلفائها من القيام باي عمل عسكري ضد سورية، بل أن الوجود العسكري الايراني المباشر في الاراضي السورية سوف لن يحيد أو يضعف أي عمل عسكري من شأنه أن تقوده الولايات المتحدة.

ومن جانب آخر فان هذا الهجوم يأتي قبيل انعقاد القمة العربية الـ(29) في السعوديةالتي عُقدت في 15/4/2018، بالوقت الذي يشهد العالم العربي انقسام واضح، ولعل من مؤشرات هذا الانقسام ان بعض الدول العربية قد ساندت هذا الهجوم باعتباره عقاباً لنظام الرئيس (بشار الأسد) على استخدام الاسلحة الكيماوية، في حين عارضت دول أخرى هذا الهجوم واعتبرته عدوان على دولة عربية ذات سيادة، وعليه فمن غير المنتظر الخروج من هذه القمة بقرارات عملية من شأنها ان تضع حلاً للأزمة السورية، ولنزيف الدم السوري المستمر منذ العام 2011 وما زالت معاناة سورية مستمرة، لا سيما وان الجامعة العربية كان من المفروض باعتبارها منظمة إقليمية تهتم بالقضايا العربية ان تكون هي صاحبة الحل لهذه الازمة وغيرها من أزمات المنطقة العربية.

وعليه فان هذا الهجوم جاء في ظل أوضاع استثنائية وعصيبة تمربها المنطقة العربية،إذ تواجه المنطقة تحديات عدة بلان هذه التحديات شملت جميع النواحي السياسية والاقتصادية والأمنية والاجتماعية والثقافية  والاعلامية،وتخندق واصطفاف وتجاذبا تتجاوزت المحيط العربي إلى الجوار الاقليمي وحتى الدولي وطبعا ًسيؤثر هذا الأمر بلاشك على طبيعة الموقف العربي.

وعلى هذا الاساس فأن توقيت هذه الضربة قد اختارته الإدارة الأمريكية بعناية فائقة، إذ لم تحدث ردود فعل عنيفة لا سيما من قبل الدول العربية على هذا الهجوم، وقدتنوعت ردود الفعل بين الشجب والاستنكار، أو الدعوة إلى ضبط النفس، أو ضرورة البحث عن حل سياسي بعيد عن الخيارات العسكرية.

وأما على الصعيد الداخلي:

أنه تحديال السوري فان هذا الهجوم جاء مركزاًوبوقت زمني قصير، واستهدف مواقع محدد وتحاشت اصابة المدنيين قدر المستطاع، وهذا ينطوي على عدة دلالات استراتيجية سعت الادارة الأمريكية إلى تحقيقها منها: ان الولايات المتحدة وحلفائها تساند الشعب السوري، وان هذا الهجومجاء كرد فعل طبيعي علىاستخدام نظام الرئيس (بشار الاسد) للأسلحة الكيمياوية ضد شعبه، وبالتالي فان الهدف من وراء هذاالهجوم هو عدم اثارة استياء الشعب السوري ضد الحلفاء وتحديداً الولايات المتحدة، فضلاً عن عدم اثارة استياء الشعب العربي والاسلامي.

كما ان هذه الضربة لم تكن بالمؤشرات الاستراتيجية ضربة إجهاضيه أي اسقاط النظام السوري، وانما الذي جرى استهدافه هو مراكز عسكرية وصفت بانها مواقع تصنيع وتجميع الاسلحة الكيميائية، وعليه سوف ستشل هذه الضربات قدرة النظام السوري على المدى القريب والمتوسط من قدرته على اعادة تصنيع وانتاج ما تم تدميره.

أضف إلى ذلك فان هذا الهجوم يأتي في سياق الدعم الأمريكي لحلفائها من المعارضة المسلحة في الداخل السوري، ومن ثم تقويتهم .

وبقدر تعلق الامر بالداخل السوري فالملاحظ أن الولايات المتحدة لم تتعامل باستراتيجية الحرب المفتوحة والشاملة مع النظام والجيش السوري وانما اتبعت استراتيجية الضربات عن بعد، ووجود محدود في بعض المناطق السوريةلدعم المعارضة، ولعل الغاية تكمن في ذلك اطالة أمد الأزمة وليس حلها بوقت قصير مما يسهم في استنزاف الداخل السوري واضعافه بمرور السنين.

فضلاًعما تقدم فان هذا الهجوم هو محاولة بعيدة المدى لإجبار نظام الرئيس (بشار الأسد) على تقديم تنازلات في أية مفاوضات مستقبلية، أو الاستجابةلشروط تفرضها الدول الغربية بقيادة الولايات المتحدة على نظام الرئيس (بشار الاسد).

وختاماً فان هذا الهجوم سوف يفتح المجال أمام الولايات المتحدة وحلفائها لمزيد من التدخلات العسكرية في سورية، وحتى خارج نطاق مجلس الأمن إذا لزم الأمر ذلك.

الوسوم

المركز الديمقراطى العربى

المركز الديمقراطي العربي مؤسسة مستقلة تعمل فى اطار البحث العلمى والتحليلى فى القضايا الاستراتيجية والسياسية والاقتصادية، ويهدف بشكل اساسى الى دراسة القضايا العربية وانماط التفاعل بين الدول العربية حكومات وشعوبا ومنظمات غير حكومية.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق