fbpx
الشرق الأوسطتحليلاتعاجل

اللاجئون السوريون في مصر بين عراقة التاريخ وإجحاف الواقع

اعداد : د.محمد عبدالرحمن عريف – كاتب وباحث في تاريخ العلاقات الدولية والسياسة الخارجية

  • المركز الديمقراطي العربي

 

كانت البداية بحثًا عن حياة آمنة، مع بداية لأوضاع في سوريا متفجرة، عندها شد الكثير من السوريين الرحال إلى القاهرة.. لكن ظروف المعيشة الصعبة في مصر انعكست كذلك على السوريين. مصر كباقي دول الجوار السوري..نعم واقع ووضع اللاجئين السوريين يختلف ويتقلب تمامًا كباقي أوضاعهم في باقي دول الجوار، ولا يختلف حال اللاجئين السوريين في مصر كثيرًا عن أحوال باقي السوريين في دول اللجوء، ومن غير المستغرب أن تؤثر المشكلات السياسية التي تجري حولهم سلبًا على واقعهم الاجتماعي والاقتصادي. وحول واقعهم في مصر.

على الرغم من مغادرة كثير من السوريين الأراضي المصرية، في فترات متغيرة، إلا أن عددًا لا بأس به منهم، لا يجد بديلًا من الاستمرار بالإقامة في مصر، ويتراوح عدد السوريين الموجودين في مصر بين 130 و150 ألفًا، بعد أن كان عددهم يتجاوز الـ 300 ألف. فكثيرًا ضيّقت الحكومة المصرية  على السوريين بعد حزيران/ يونيو، وتموز/ يوليو 2013، فمنعت دخولهم أراضيها إلا بتأشيرة، ومارست تشديدًا أمنيًا واسعًا على الموجودين منهم، إلا أنه ما لبث أن تراجع بعد فترة قصيرة.

الواقع أن الجالية السورية في مصر تتوزع في مختلف المحافظات المصرية، ويتفاوت وضعهم الاقتصادي بحسب المكان، وطبيعة العمل أو المساعدات التي تُقدّم لهم. فالمعاناة الكبيرة التي تواجه السوريين في مصر اليوم هي حرمانهم من اللقاء بأهلهم وأقاربهم الذين يقطنون خارج مصر، فتقديم الزيارة إلى مصر من قِبل السوريين، يتطلّب الحصول على كثير من الموافقات الأمنية المستحيلة، وخروج السوريين من مصر يعني -بالضرورة- عدم قدرتهم على العودة إليها، وهذا ما فرّق العائلات السورية وشتّتها.

نعم مُعظم السوريين في مصر، يعملون بأعمال فردية، ذات طبيعة موسمية، إذ لا تمنح مصر اللاجئين تصاريح عمل مؤمنة. ويجد تضييق متزايد على أصحاب المشاريع والأعمال، ولا يخفى على أحد أن رجال الأعمال السوريين، افتتحوا مصانع كثيرة في مناطق مختلفة من مصر، على الرغم من تقلّص عددهم بعد التضييق على استثمار السوريين، وفرض التأشيرة على دخولهم مصر. استطاع السوريون تأسيس مشاريع صغيرة وكبيرة في مصر، حيث شغّلت هذه المشاريع عددًا لا بأس به من السوريين، وكان لها طابعها الخاص؛ فتركت أثرًا إيجابيًا عند الشعب المصري، حتى صار المصريون يقصدون منتجات سورية بالتحديد، ويستغنون عن مثيلاتها المصرية، سواءً أكانت بضاعة أم أصناف طعام.

فنجد أصحاب الأعمال يانون من بعض العراقيل والإجراءات الروتينية التي تفرضها الحكومة المصرية عليهم، حيث تشترط بتشغيل نسبة 90 بالمئة من المصريين في المشاريع السورية، ويعدّ هذا الأمر ليس سهلًا على السوريين، بسبب الاختلاف الثقافي بينهم وبين المصريين، وخاصة في المطاعم والفنادق، كما تراجعت الأوضاع المادية للسوريين في الآونة الأخيرة، بسبب موجة الغلاء التي اجتاحت الأسواق المصرية، خاصة بعد تعويم الجنيه المصري،وهذا الأمر أثّر على المواطن السوري والمصري على حدٍ سواء.

يرتبط الوضع الاقتصادي للسوريين المقيمين في مصر بأماكن إقامتهم، ففي محافظة القاهرة -مثلًا- يتمركز معظمهم في منطقة (6 أكتوبر)، حيث افتتحوا فيها كثيرًا من المطاعم متوسطة المستوى، إضافة إلى المقاهي والبسطات، التي يعمل فيها الشباب السوريون من سكان المنطقة، وتتراوح أجرة المنزل الجيد في (6 أكتوبر) بين 800 و1700 جنيه مصري، بينما يتراوح متوسط الدخل الشهري للسوريين بين 1700 و2000 جنيه مصري، ما يعادل 200 دولار أميركي.

كذلك الحال بالنسبة للطلاب والمستثمرون، الهم سواء لمن يحصل على الإقامة، حيث تفيد إحصاءات المفوضية السامية لشؤون اللاجئين، أن 127 ألف سوري حصلوا على (الكارت الأصفر)، كطالب لجوء في مصر، فأُعطي لكل منهم إقامة مدتها 18 شهرًا، تُجدّد كل 6 أشهر. وتتنوع إقامات السوريين في مصر ما بين إقامة دراسة أو للاستثمار، وهما الأفضل، إذ تسمح لحاملها السفر والعودة إلى مصر من دون معوقات، أما الإقامة السياحية وإقامة اللاجئ، فتنتهي عند مغادرة حاملها البلاد.

أكثر من نصف السوريين الموجودين في مصر لا يملكون الإقامة الدراسية أو الاستثمارية؛ لذلك لا يستطيعون الخروج من مصر، ووضعهم القانوني غير سليم، فهم مهدّدون بالترحيل بشكل دائم. فالمشكلات التعليمية مقبولة، وتتّحفظ مصر في اتفاقية اللاجئين لسنة 1951 على بنود التعليم والصحة والتأمينات الاجتماعية والتموين، وتستثني السوريين والسودانيين من البندين الأولين، إذ يُسمح للسوريين بالتعليم والعلاج في مدارس ومستشفيات الدولة كالمصريين، لكن لا يحصلون على تصاريح عمل. وقد ساعد هذا القرار في حل مشكلة التعليم المدرسي والجامعي للطلبة السوريين الموجودين في مصر، ولكن الأمر لا يخلو من وجود بعض العوائق البيروقراطية والإدارية التي تواجه بعض اللاجئين، نتيجة عدم امتلاكهم الأوراق الثبوتية الكاملة.

قد يكون المستقبل مجهول ويضطّر معظم اللاجئين السوريين في مصر إلى الزواج من مصريين أو من سوريين موجودين معهم في مصر؛ لأن الزواج من خارج مصر يحتاج إلى إجراءات قانونية صعبة ومادية باهظة، وهذا ما خلق مشكلة عند كثير منهم، فالعديد من النساء السوريات أصبحن يخشين العنوسة، بسبب قلة الفرص المتاحة. وخفّضت المفوضية السامية لشؤون اللاجئين المساعدات الإغاثية للاجئين السوريين بشكل تدريجي حتى وصلت إلى 200 جنيه مصري، ما يعادل 20 دولار أميركي، تُعطى على شكل قسائم غذائية فحسب.

اللاجئون السوريون والاقتصاد المصري

رغم أن كثيرًا من السوريين لم يحصلوا على تصاريح عمل في مصر، وينتهي بهم الأمر للعمل بطريقة غير قانونية، فإن المال الذي ينفقونه يغذي الاقتصاد. فمصر استقبلت أكثر من 500 ألف سوري خلال 5 سنوات، وذلك حسبما أفاد رئيس تجمع رجال الأعمال السوري بمصر ورئيس لجنة المستثمرين السوريين في اتحاد غرف التجارة المصرية، المهندس خلدون الموقع. حيث يعمل السوريين في الصناعة والتجارة والمهن الحرة والخدمات، وهنا يحدث مغادرة للكثيرين وخاصة من الشباب بسبب صعوبة حصولهم على الإقامة وتراخيص العمل. وقدر الموقع عدد رجال الأعمال السوريين في مصر بحوالي 30 ألف رجل أعمال، معتبرًا أن الصناعات النسيجية وصناعة الملابس بأنواعها من أهم الصناعات التي أقامها السوريون بمصر.

سبق وأضاف رئيس لجنة المستثمرين في مصر، أن السوريين حققوا نجاحهم كونهم عملوا في المساحة الضعيفة من الاقتصاد والصناعة المصرية، وهي حقل الصناعات الصغيرة والمتوسطة التي تعاني من مشاكل في الإدارة والخبرة والعمالة الفنية وهجرة المصريين لها، وبالأخص صناعة الملابس منها، وهي المعوقات التي تجاوزها الصناعيون السوريون من خلال الإدارة الجيدة، وخبرتهم وكفاءتهم في الإنتاج والتسويق. فالسوريين في مصر شكلوا علامة فارقة في الاقتصاد والمجتمع المصري، وقد ساهموا بمنتجاتهم الصناعية في دعم السوق والاقتصاد المصري، فمصانع الملابس السورية تضخ في السوق المصري شهريًا ما لا يقل عن 10 ملايين قطعة ملابس تسهم في تلبية حاجة السوق المحلي وتوفير السيولة الأجنبية التي كانت مصر تنفقها سابقًا على استيراد مثل هذه الكميات من الخارج، ولا يكاد يخلو شارع من محل أو مطعم أو منتج سوري يباع في مختلف المحلات.

استنادًا لتقارير الأمم المتحدة، يعتبر السوري هو المستثمر الأول في مصر منذ العام 2013، وتبرز أهمية الاستثمارات السورية وقيمتها اليوم بمصر. واختار السوريون مصر للإقامة فيها كون العلاقة التاريخية بين الشعبين هي الأقوى عربيًا وكون العادات هي الأقرب، وعندما قرر السوريون العمل كانت مصر هي الأفضل، كونها تمتلك السوق الداخلي الأكبر عربيًا، والموقع الجغرافي الأفضل والأقرب إلى الأسواق التصديرية في الخليج وأفريقيا وأوروبا. وانتشرت المطاعم السورية في “القاهرة” بشكل لافت، وكذلك في عدد آخر من المحافظات، وقد زاد عددها خلال السنوات الماضية الذي دفع السوريين إلى البحث عن أعمال خاصة يجيدونها في بلدان اللجوء، وقد كانت الساحة المصرية منفتحة لتقبل ذلك الحضور السوري بشكل مميز.

نعم يُقبل المصريون على المطاعم السورية بصورة لافتة للنظر، كما ذاع صيت العديد منها خلال السنوات الماضية لتنافس أكبر المطاعم المصرية والعالمية التي تزدحم بها القاهرة وأكبر المدن. كما شهدت كل من مدينة 6 أكتوبر والتجمع الأول ومدينة نصر والشروق افتتاح معارض كبرى للمفروشات لتنافس المفروشات التركية ذات السمعة الجيدة في السوق المصرية. وظهر حديثًا ميل بعض رجال الأعمال إلى الاستثمار في المجال العقاري في مناطق مثل المعادي، مصر الجديدة والقاهرة الجديدة، وتحولت الأفران الصغيرة إلى شركات لصناعة الخبز والحلويات، كما تطور في منطقة الحصري والأحياء القريبة منها كالحي الثاني والسابع، النشاط الاقتصادي السوري في مجالي التعليم والصحة.

من المجحف أن نصف مصر الدولة رغم تقلباتها السياسية بدءاً من 2011 حتى 2018،  حيث قرارت بعرقلة حصول السوريين على تأشيرة لدخول أراضيها، وإغلاق مركز النخبة للأطباء السوريين وإيقاف خدماته المجانية للمرضى، وإلغاءها لقرار التعليم المجاني لطلاب الدرسات العليا، بأنها “فشلت فشلاً ذريعاً في احترام واجباتها الدولية بمرعاة ظروف اللاجئين السوريين” كما ذكرت علانية منظمة العفو الدولية في بيان لها.

حقيقة من الظلم أيضاً أن تترأس الدعاية النازية العنصرية ضد وجود السوريين في مصر، المشهد المصري أمام المجتمع الدولي، ليكون إعلامهم هو الظالم لنفسه ولصورة بلده لا نحن، فيظهر الإعلامي يوسف الحسيني عبر شاشة جماهيرية متهجماً بألفاظ دنيئة على اللاجئين السوريين ليأتي بعده توفيق عكاشة مسخراً قناته الفراعين لتحريض أبناء جلدته على السوريين ودعوته العلنية لحرق بيوتهم، زاعماً هو وغيره، أن بين السوريين من شارك بآراء سياسية تخص الداخل المصري ومن سعى لترجيح كفة على أخرى.

يبقى إذاً أن كل هذا الظلم والإجحاف تلمس حقيقته عندما تعلم أن مصر إذا ما استثنينا دول الجوار التي فرضت عليها الطبيعة الجغرافية وقرب المكان حتمية الاستقبال، تعتبر الحاضنة الأولى للاجئين السوريين منذ بداية عملية التهجير في السنة الثانية من الثورة السورية، حيث استوعبت بحسب إحصائيات حكومية أكثر من أربعمئة ألف لاجئ، قُدم لهم بشكل سخي إعانات إغاثية من جمعيات خيرية مصرية نشطت خلال السنتين الماضيتين بشكل كبير، كما انفردت بمنحهم إقامة قابلة للتجديد، وأحقية التعليم المجاني بكافة المراحل الدارسية كما سهلت أيضاً معاملاتهم التجارية عن طريق امتيازات مصرفية أفادت رجال الأعمال بالدرجة الأولى، لتتجلى مساهماتها أخيراً بنقل جسم المعارضة السورية متمثلة بالائتلاف الوطني من مدينة اسطنبول التركية إلى القاهرة لتكون بذلك مركزاً رئيسياً لنشاطها السياسي.

الواقع أنه في حين أن حجم أزمة اللاجئين السوريين يمثّل تحدّيًا صعبًا، يجب أن تُفهم استجابة الحكومات المصرية المتعاقبة منذ 2011، لتدفق اللاجئين السوريين باعتبارها استمرارًا للاستجابة التاريخية… كذلك لم يكن مفاجئًا أن يُظهر الشعب المصري الاستجابة الإقليمية الأكثر تطورًا تجاه أزمة اللاجئين السوريين من بين جميع شعوب البلدان المضيفة المجاورة الكبرى.

الوسوم

المركز الديمقراطى العربى

المركز الديمقراطي العربي مؤسسة مستقلة تعمل فى اطار البحث العلمى والتحليلى فى القضايا الاستراتيجية والسياسية والاقتصادية، ويهدف بشكل اساسى الى دراسة القضايا العربية وانماط التفاعل بين الدول العربية حكومات وشعوبا ومنظمات غير حكومية.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق