الشرق الأوسطتقدير الموقفعاجل

عندما تتحول الأوضاع السورية الداخلية لمعترك دولي … أين حق اللاجئين ؟

اعداد: د.محمد عبدالرحمن عريف – كاتب وباحث في تاريخ العلاقات الدولية والسياسة الخارجية

  • المركز الديمقراطي العربي

نعم تكالبت الأمم على عاصمة الأمويين كل ينهش منها، وكل يستبيحها، لم تعد هناك حدود للهمجية بعد أن نزعت الإنسانية من القلوب، حتى قرارات الأمم المتحدة لم يعد لها وزن ولا… الإيراني والروسي لتواصل هي الأخرى عملياتها العسكرية في شمالي سورية، ضاربة عرض الحائط قرارت أصدرتها الأمم المتحدة.

لقد ظلت السلطة السورية تعتقد بأنها قادرة على «المواجهة»، خصوصًا أنها تمتلك «جيوشًا جرارة» من القوات المسلحة والأمن والشبيحة. لكن تطورات الصراع أوجدت اختلالاً كبيراً في وضعها فرض هذا التدخل السافر لحزب الله والسلطة الإيرانية. ومن بعدهم الروس والأمريكان، وأخيرًا صواريخ الكيان الإسرائيلي، ولكي تصبح قوات هؤلاء وأولئك أساسية في الصراع المباشر، بعد أن لعبت إيران دوراً لوجستياً مهماً، وقامت بتدريب آلاف من «الجيش الوطني» (أو الشبيحة) على طريقة الحرس الثوري. وشاركت من خلال إرسال القناصة وربما الطيارين كذلك.

ما حدث هو أنه كانت السلطة تعتمد أساسًا على الفرقة الرابعة والحرس الجمهوري، وإلى حد معيّن على الوحدات الخاصة. ولقد عملت على إدخال قطاعات من الجيش تحت إشراف الشبيحة والأمن كي لا يحدث انشقاق فيها. لكن تطور الصراع وتوسعه إلى كل سورية تقريبًا، ومن ثم الانتقال إلى العمل المسلح بعد اشهر من سلمية الثورة، فرض تزايد الاحتقان لدى قطاعات الجيش إلى حدّ بات يمكن أن يتوسع الانشقاق فلا يعود انشقاق أفراد بل يصبح انشقاق وحدات عسكرية كاملة. وأدى ارتباك الشبيحة والأمن بعد توسع الثورة إلى العجز عن ضبط حراك الجيش، لهذا جرى تحييد كتلة أساسية منه عبر وضعها في معسكرات مغلقة دون إجازات أو اتصالات.

هذا الأمر كان يفرض تراجع السلطة عن كثير من المناطق لكي تحافظ على «مناطق إستراتيجية» بالقوى التي تستطيع تحريكها. ولقد سرّع استخدام السلاح من قبل الثوار في هذه العملية، وفرض أن يجري الحفاظ على المدن، ودمشق خصوصًا. لكن خلال كل ذلك كانت «القوة الصلبة» التي تستخدمها قد أصيبت بضربات قوية، خصوصاً أنها هي «العنصر الفاعل» في الصراع منذ البدء. ولهذا ظهر أن عليها التراجع أكثر، رغم أن أي تراجع جديد سوف يعني انهيار السلطة.

وإذا كانت السلطة تحاصر حمص وحماة وحلب ودير الزور فقد ظهر أن دمشق ذاتها باتت شبه محاصرة، وأن إمكانية التقدم للسيطرة عليها باتت قائمة. أو على الأقل أن أي معركة هنا سوف «تقصم ظهر» الباقي من «القوة الصلبة». لهذا باتت السلطة بحاجة ماسة لدعم عسكري مباشر وليس لخبرات وتقنية فقط. وهو الأمر الذي جعل الصراع يجري الآن ليس مع السلطة فقط بل مع حزب الله ومع السلطة الإيرانية. والشعب السوري يخوض الآن هذا الصراع العنيف وهو يكمل طريقه لإسقاط النظام.

في الثلاثين من حزيران/ يونيو ٢٠١٢م حاولت الولايات المتحدة وروسيا من خلال بيان جنيف ١، إيجاد تفاهم أولي للحل في سورية على قاعدة لا غالب ولا مغلوب يقضي بتشكيل جسم حكم انتقالي كامل الصلاحيات التنفيذية بالتوافق بين الطرفين. بالطبع هذا التفاهم لم يأخذ طريقه للتنفيذ لسببين: الأول أن التوافق بين النظام والمعارضة شبه مستحيل، وخصوصاً من قبل النظام فهو يعرف أن أي انتقال سياسي مهما كان شكله سيزيح آل الأسد عن السلطة. والثاني اختلاف تفسير البيان بين المعسكرين الغربي والشرقي؛ فقد طرح الفرنسيون مبكراً أن بيان جنيف يحوي ضمناً رحيل بشار الأسد قبل تشكيل جسم الحكم الانتقالي لأن وجوده ضمن الجسم يقتضي موافقة المعارضة وهذا غير ممكن. بالمقابل أصر الروس على أن البيان لا يتضمن شيئاً عن مصير بشار الأسد، ولا يجوز التطرق لهذا أبداً كشرط مسبق.

لم تثمر مفاوضات جنيف ٢ في كانون الثاني/ يناير وشباط/ فبراير ٢٠١٤م عن أي شيء كما هو متوقع وازداد التدخل الدولي في سوريا وازدادت المعارك ضراوة وازداد نظام الإجرام شراسة ببراميله المتفجرة على رؤوس المدنيين، تزامناً مع أداء تشرذمي كارثي للمعارضة السورية بشقيها السياسي والعسكري.

في الثلاثين من أيلول/ سبتمبر ٢٠١٥م حصل التدخل العسكري الروسي وبتوافق أمريكي مع بعض دول الإقليم وكان التدخل الأقسى في الثورة السورية، وهو وإن هدف إلى إنقاذ النظام السوري من سقوط وشيك إلا إننا نعتقد أنه كان يهدف أيضًا إلى لجم إيران ومنع ترسيخ وجودها الدائم في سوريا.

في أواخر ٢٠١٥م جرت محاولات للتفاهم بين الأمريكان والروس وحلفائهما وجرت مباحثات مكثفة في فيينا ثم أنشئت الهيئة العليا للمفاوضات لتشكيل طيف واسع من المعارضة يمثلها في المفاوضات، ثم صدر قرار مجلس الأمن ٢٢٥٤ وكان يمثل تغيراً ملحوظاً وذا دلالة، تم بموجبه تبني التفسير الأقرب لفهم الروس وبقاء بشار الأسد في المرحلة الانتقالية، مع احتمال التخلي جزئياً أو كلياً عن جسم الحكم الانتقالي. ولكن السؤال المطروح لماذا قبلت الولايات المتحدة بتمرير القرار برغم غلبة الروس فيه ظاهرياً؟.

نعتقد أن الولايات المتحدة وبرغم ميوعة القرار في البيت الأبيض أيام أوباما إلا إنها ومنذ الثلث الأخير من عام ٢٠١٤م وبعد سقوط الموصل بيد داعش وبتواطؤ من المالكي (وكيل أمريكا وإيران في العراق)، وذبح الصحفي الأمريكي جراهم فوللر، حسمت أمرها وسارت بمشروع خاص بها في سورية والعراق وافق عليه مجلس الأمن ولكنه عملياً كان بمعزل عن الأمم المتحدة والمجتمع الدولي، إنه مشروع تقسيم المنطقة وإقامة دولة الأكراد الكبرى تحت شعار محاربة داعش وإقامة مناطق آمنة في محيط سورية وعزل دول الجوار عن التأثر سلبًا بما يجري في سورية، ومن ثم حصر كل القوى المناوئة للولايات المتحدة (إيران والنظام وحزب الله وداعش والنصرة والجماعات الإسلامية المتشددة) داخل المثلث العربي السني في سورية الذي يسمى اصطلاحاً مثلث الفوضى.

خطة أمريكية واضحة المعالم مدتها خمس سنوات تتحقق فيها المصالح الأمريكية الكبرى في المنطقة وبالوقت نفسه تراقب ما يجري من مفاوضات في جنيف والأستانا، والتي تصر روسيا فيها على أن الانتقال السياسي الوحيد من قبلها هو الانتقال الدستوري الذي يقوم على أساس التفاوض على كتابة دستور جديد لسورية شكله روسي وروحه أمريكية، نظام رئاسي فيدرالي، يتم التوافق عليه ثم إجراء انتخابات حرة وديمقراطية بإشراف الأمم المتحدة وتشترك فيها كل الأطراف.

من الواضح أن المعركة هنا بالنسبة لهما هي معركة «مصير»، وهذا الأمر هو الذي فرض هذا التدخل المباشر. وربما كان حزب الله منقاداً في هذه المعادلة، أو تائهاً عن تغيرات الوضع العالمي، لهذا يعتقد بأن البديل عن السلطة السورية هو بديل «أميركي». رغم أن تصاعد تدخله ترافق مع وضوح مسار الصراع الدولي، ورجحان الكفة لمصلحة روسيا التي باتت أميركا الإمبريالية تقرّ لها بـ«مصالحها الحيوية» في سورية، وبالتالي تؤكد بأن البديل هو ليس أميركياً بل سيأتي عبر الدعم الروسي. ولهذا لن يكون في تناقض مع حزب الله، بل سيخضع لمنطق السياسة الروسية التي لازالت تتحالف مع إيران وتدافع عنها في المحافل الدولية. ربما كانت المسألة خاصة بإيران ذاتها، التي باتت تعتبر أن «سقوط دمشق» تهديد لها، وهو الخطوة الأولى لإسقاط السلطة فيها. وباتت تعتقد بأن المعركة الفاصلة ضد «الاستكبار الغربي» (وأميركا بالتحديد) هو في دمشق.

وهذا يطرح مسألة أثر التوافق الأميركي الروسي على حل في سورية ينطلق من مبادئ جنيف، على الموقف الإيراني ذاته. خصوصاً أن الحل هو حل روسي مدعوم أميركياً، وأن إيران مضطرة للخضوع للموقف الروسي نتيجة الدعم الروسي لها على الصعيد الدولي. وبالتالي هل أن هدف حماية السلطة الآن، وتحقيق بعض الانتصارات هو من أجل تعزيز وضع السلطة في المفاوضات التي دعت إليها كل من روسيا وأميركا، أم أنها أبعد من ذلك وتهدف إلى إنقاذ سلطة منهارة؟.

بالتأكيد لن يحمي السلطة الآن لا حزب الله ولا إيران، فقد وصلت إلى وضع من الصعب إنقاذه. وهذه المعادلة لا ترتبط بالعمل المسلح في الثورة فقط بل ترتبط أساساً بأن الثورة ذاتها قد هزّت بنية السلطة، وجعلت قوى أساسية فيها ليست معها، ولهذا باتت في غير صالح السلطة ذاتها. فمعظم الجيش لم يعد «جيش السلطة»، وهو الأمر الذي جعلها تضعه في معسكرات مغلقة، وبالتالي بات مضاداً لها. لهذا تقلصت قوتها الفعلية كثيراً، ولقد تعرضت كذلك لضربات أفضت إلى خسائر كبيرة فيها. بالتالي لم يعد تدخل هؤلاء قادراً على إنقاذ السلطة، الأمر الذي يفرض القول إن ما يجري في القصير وبعض المناطق الأخرى هو محاولة لتعزيز وضع السلطة قبل التفاوض فقط.

في كل الأحوال ليس من حل دون نهاية لنظام بشار الأسد، فكل عناصر الصراع يرتبط سيرها في مسار جديد بتحقيق ذلك. وكل من يتوهم بأن بقاء بشار الأسد ممكن لا يكون قادرًا على فهم الوضع بعمق. حيث أن كل المعادلات باتت مرتبطة بترحيل.

وسط كل ما سبق، يبدو أن الأمم اجتمعت على سورية، شرقها وغربها، مسلمها ومسيحيها ويهوديها وبوذيها، فقد تداعت الأمم على أهل سورية، كما تتداعى الأكلة على قصعتها، فبعد الموقف الروسي والصيني والاسرائيلي المدافع عن البعث السوري، وبعد الصمت الغربي وتبادل الأدوار بين التأييد وسحبه، جاءت الأكلة من ايران والعراق وحزب الله، مدعين حمل رايات الاسلام، لينصروا البعثيين، ويقتلوا السوريين بلا هوادة!!.

لعل من أكثر المبادئ الدولية غير المعلنة بؤسًا السماح لأنظمة دكتاتورية مجرمة أن تقوم بسحق شعوبها مقابل استقرار ظاهري هش في بلدانها تصمت الناس فيه صمت القبور. هذا ما فعله النظام السوري طيلة حكمه الذي امتد لما يزيد عن خمسين عاماً، فهو دور وظيفي يؤمن من خلاله استقرار الإقليم مقابل انفراده التام بالقرار داخلياً، وأن  يسحق كما يشاء أي مطلب سياسي أو اجتماعي يطالب به أفراد الشعب.

ولكن هذه المعادلة انهارت بقيام الثورة السورية، فلم يعد النظام السوري قادراً على سحق الشعب وإعادته إلى القمقم الذي وضع فيه منذ الانقلاب في الثامن من آزار/ مارس عام ١٩٦٣م، كما لم يعد قادراً على القيام بدوره الوظيفي في ضمان استقرار المنطقة وحماية أمن الكيان الصهيوني.. فلماذا يحافظ المجتمع الدولي على مثل هذا النظام؟!.

من هنا بدأ الغرب وعلى رأسهم أمريكا الأكثر نفوذًا في المنطقة التفكير جديًا بتغيير النظام والقبول بنظام شبه ديمقراطي بديل عنه يحقق شيئًا من تطلعات الشعب السوري في الحرية والكرامة ويخفف الاحتقان الداخلي الشديد الذي رافق حكم البعث والأسد. ولكن كانت المعضلة: ما هي الضمانات التي سيقدمها النظام الجديد للاستقرار في المنطقة وقيام نظام علماني يمكن أن يتفهم المعاصرة وما يريده المجتمع الدولي، خصوصاً بعد سيطرة الجماعات الإسلامية المسلحة على الساحة السورية وتغير المعادلة الرئيسة في الثورة من مواجهة بين نظام استبدادي وشعب مقهور أعزل ينشد حريته، إلى معادلة أخرى: نظام مستبد يمكن أن يتأقلم مع المجتمع الدولي في مواجهة جماعات إسلامية متشددة يمكن أن تشكل خطرًا على العالم أجمع، فالمجتمع الدولي يمكن أن يسمح للنظام بقتل شعبه لكنه لن يسمح أبداً بقيام نظام بديل يمكن أن يقاتل الغرب أو يناكفه.

بالمقابل فإن روسيا وإيران وجدتا الفرصة سانحة للتدخل في سورية وزيادة نفوذهما نكاية بالولايات المتحدة ومساومة لها على ملفات أخرى في العالم، فروسيا تريد مجابهة الولايات المتحدة، وأما إيران فتريد إحكام سيطرتها على العالم العربي ومن ثم الإسلامي وإكمال الهلال الشيعي لتشكل به كماشة تضيق الخناق على بلاد الحرمين وتنشر التشيع في صفوف السنة وتقوض كيانهم.

من هنا ازداد التدخل الدولي وتأزم الموقف، فالولايات المتحدة تعتبر أن فشلها في التحكم بالمعارضة هزيمة لها، والروس يَرَوْن أن هزيمة النظام سقوط مدوٍ لهم، وفي ظل هذا لم يكن يبدو حل يلوح بالأفق طيلة السنوات الست السابقة؛ فالكل يحشد، أمريكا والغرب ودول الخليج وتركيا والأردن، وأصدقاء الشعب السوري يريدون انتقالاً سياسياً سلمياً في سوريا يضمن شيئاً من الديمقراطية، وأن يرحل الأسد دون انهيار مؤسسات الدولة، في المقابل يحشد النظام وإيران وروسيا ومن ورائهم الصين في مجلس الأمن لدعم صمود النظام والحفاظ على رأس بشار الأسد لأنه يمثل نظاماً يشبه الأنظمة الدكتاتورية القائمة في إيران وروسيا والصين، ولا يريدونها سابقة أن تقدر الشعوب على إزاحة نظام شمولي.

نعتقد أن التوافق الأمريكي الروسي الأخير على المنطقة الآمنة الجنوبية سيفتح الطريق لمزيد من الاتفاقات القادمة التي يمكن أن تمهد لحل مستقبلي في سورية على طريقة اتفاق دايتون للسلام في البوسنة والهرسك، ولكن السؤال المتجدد ما دور السوريين في كل ذلك؟ لقد صدق من قال مبكراً تعليقاً على صدور بيان جنيف ١ إن السوريين نظاماً ومعارضة لم يعد لهم أي دور في تقرير مستقبل بلادهم وأنه لن يكون لهم إلا شرف توقيع الاتفاق النهائي إن كان هذا يعد شرفاً.

لا أجد مبررًا واحدًا أمام دخول جنود حزب الله في قتل الشعب السوري الحر، بحجة المقاومة، والكل يعرف كذب هذه الشعارات وعدم مصداقيتها، حتى كبيرهم صدق نفسه، وقال أن قتل الشعب السوري لكي لا تسقط القدس!! فهل هي معركة طائفية؟!. ولا أجد مبررًا واحدًا أمام الدعم الاعلامي من قبل بعض نواب الأمة، معاكسين توجهات السلطة السياسية، ومعاكسين توجهات الشعب الكويتي!! أم هي استفزازية؟!.

أين الحقوق الصحية للاجئين السوريين؟

الواقع أنه مع استمرار الأزمة الداخلية في سورية، تشهد الحاجات الإنسانية داخل البلاد وخارجها تصاعداً سريعاً. فلقد تأثرت قدرة المنظمات الدولية على توفير المساعدات داخل سورية وخضعت إلى قيود كبيرة. ولذلك، ركَّزت معظم الهيئات الدولية اهتمامها على وضع اللاجئين الذين عبروا الحدود إلى كل من تركيا ولبنان والأردن والعراق.

نعم كان هناك أثر كبير للتدفق الجماعي للاجئين خلال الأعوام الماضية على دول الجوار، لكنَّ المجتمع الدولي لم يعالج ذلك الأثر على نحو ملائم. فما زالت معظم الأولويات الحالية والممارسات الخاصة بتوفير الرعاية الصحية في بيئات النزاع، لسوء الحظ، قائمة لعقود منصرمة كان يُنظر للنزاع فيها على أنه مصاحب لمخيمات اللاجئين المكتظة التي تؤوي فئات من الشباب من البلدان النامية. لكنَّ الأمر غير ذلك، فالحروب المعاصرة تندلع في بيئات ذات مستويات أعلى من الدخل يصاحبها مؤشرات صحية أساسية أفضل وعادة ما تكون مدتها مطولة. وتغير هذه الحقائق التركيبة السكانية تغييراً كبيراً وكذلك تغير السمات الرئيسية للأمراض التي تصيب السكان المتأثرين بالنزاع. شمالي العراق خلال عام 2012، فرَّ كثير من الأكراد السوريين إلى العراق المجاور، وخاصة إلى إقليم حكومة كوردستان. وفي محافظة دهوك العراقية، افتُتح مخيم دوميز في أبريل/نيسان 2012 وكذلك افتتحت الحكومة المركزية في بغداد مخيمين آخرين في المنطقة الجنوبية الغربية للعراق. وبعد ثمانية عشر شهراً، اتضح أنّ المساعدات المقدمة في مخيم دوميز أقل من المستوى المقبول، فلم يكن الاستثمار المطلوب في المياه والإصحاح كافياً ولم يكن هناك أي تخطيط صحيح وسليم لمختلف مراحل المخيم.

فيما يخص حضور المنظمات الدولية، فهو لا يكاد يُذكر. وهناك شح كبير في رؤية متوسطة إلى بعيدة الأمد في توقع وصول اللاجئين الجدد إلى المخيم. وفي حين أبدت السلطات الكردية الحدودية في البداية سياسة ترحيبيه بالاجئين، ما زال غياب دعم المجتمع الدولي سببًا في دفعهم إلى تقييد المساعدة بطرق مختلفة تضمنت. ومع أنَّ حكومة إقليم كوردستان سمحت للاجئين بالوصول إلى الخدمات العامة، دون مقابل، فقد بدأت هذه الخدمات تشح عما كانت عليه في السابق. ومع اندلاع المناوشات مؤخراً شرقي سوريا، أعادت سلطة حكومة كوردستان العراقية فتح الحدود.

إن المنظومات الصحية رغم تدمُّر المستشفيات في سورية وتضرر الصناعة الدوائية فيها، فقد حظيت سورية بأفضل منظومة صحية في المنطقة قبل الأزمة ولذلك تختلف السمات الرئيسية للأمراض الوبائية التي يعاني منها السكان وكذلك الحاجات المرتبطة بها اختلاقا كبيراً عما يعاني منه اللَّاجئون في بيئات اللجوء الأخرى المألوفة لدى الفاعلين الإنسانيين. ففي العراق، سبق واستُنزفت المنظومة الصحية العراقية عبر سنوات من الحصار تبعها احتلال قادته أمريكا ثم حرب أهلية. أما في لبنان، فتعتمد المنظومة الصحية على القطاع الخاص ما يجعل الحصول على الرعاية الصحية أمراً صعباً لمعظم المستضعفين.

سبق وأجرت منظمة أطباء بلا حدود دراسة مسحية وجدت من خلالها أن قرابة 15% من اللاَّجئين المقابَلين لم يتكمنوا من الحصول على الخدمات في المستشفيات لعدم قدرتهم على دفع الرسوم (مع أنَّ نسبة مشاركتهم في التكاليف تساوي 25% في حين تغطي المفوضية باقي الرسوم). وأفاد 9 من أصل 10 مقابَلين أنَّ أسعار الأدوية الموصوفة كانت العائق الأساسي لحصولهم على العناية الطبية. أما استمرار تدفق اللاَّجئين فقد مارس ضغوطاً على كلا المنظمتين الصحيتين. وتؤدي الضغوطات الكبيرة تلك إلى منع البنى الصحية من استقبال أعداد أكبر من المرضى. وتثير هذه الصعوبات، من جهتها، حالات التوتر بين المجتمعات المضيفة والسكان اللاَّجئين، وهو أمر يستدعي المعالجة بأقصى سرعة وفعالية.

إن عبء الأمراض على متوسطي الدخل تختلف صفات اللاَّجئين من دول متوسطي الدخل من ناحيتي التركيبة السكانية وعبء الأمراض عن صفات اللاَّجئين التقليديين الذين اعتاد الفاعلون الإنسانيون في جميع أرجاء العالم على العمل معهم. وفي الماضي، شهدت أوضاع التدفقات الجماعية للاجئين ارتفاعاً كبيراً في معدلات الوفيات عندما تحتد حالات الطوارئ. وكانت تلك الوفيات نتيجة رئيسية للأوبئة أو لتردي الأوضاع المرضية المعدية وسوء التغذية الحاد. ففي تلك الحالات، كان استمرار العلاج أمراً ضرورياً. ومن هنا، تفرض تعقيدات الأمراض المزمنة وطول أمدها ضرورة انتهاج استراتيجية جديدة لمواجهتها.

وقوع حالات انتشار الأمراض المعدية، حتى لو كان أقل مما عليه في البيئات الأخرى، يبقى أمراً لا يمكن تجاهله. وبالنظر لهذه الوقائع، لا بد من تطوير الاستجابات الوقائية والعلاجية ولا بد من عدم حصرها بالرعاية الصحية الأساسية بل يجب أن تمتد لتغطي العلاج الثانوي والثالثي أيضاً دون مقابل. التحديات الصحية في البيئات المفتوحة والمخيمات من المسائل الأساسية المثيرة للاهتمام العلاقة التي تربط تسجيل الأشخاص والوصول إلى الخدمات بما فيها الخدمات الصحية. فقد أشار 41% من المقابَلين إلى أنهم لم يكونوا مسجلين ويعود السبب في ذلك بصورة رئيسية إلى افتقارهم للمعلومات حول أين وكيف يمكنهم أن يسجلوا أنفسهم أو لبعد نقاط التسجيل عنهم أو بسبب التأخيرات التي عانوا منها في مراكز التسجيل أو لأنهم كانوا خائفين من عدم حصولهم على الوثائق الرسمية المناسبة ما يجعلهم يخافون أيضاً من إعادتهم قسراً إلى سوريا.

في نهاية المطاف، يجد معظم اللاَّجئين أنفسهم مضطرين لدفع النقود من أجل الحصول على الخدمات الصحية الثانوية. يعيش معظم اللاَّجئين السوريين حالياً في البيئات الحضرية وليس في المخيمات. وهذا ما يمثل تحديات كبيرة جداً على التدخلات الصحية. فوفقاً لمفوضية الأمم المتحدة للاجئين يعيش 65% من اللاجئين بالمنطقة خارج المخيمات. وفي حين يعيش اللَّاجئون السوريون في لبنان في مناطق مبعثرة ضمن أكثر من 1000 بلدية معظمها في الأماكن الحضرية الفقيرة، يعيشون في العراق في المخيمات والمدن. ويمثل هذا التنوع في مكان الإقامة تحدياً أمام التدخلات الطبية والصحية. وفي المخيم، يمكن تصميم منظومة شاملة ومركزية لضمان الحصول على الخدمات الصحية وقد يكفي لذلك تقديم منظومة بسيطة للرقابة للتأكد من التصدي للأمراض الرئيسية التي يمكن أن تتفشى بين الناس. لكنَّ ظهور تلك الامراض، لسوء الحظ، يحدث بين اللاَّجئين المشتتين في لبنان وهكذا لا يتمكن نظام الرقابة من التنبؤ بتلك الأمراض خلال مدة مبكرة كافية.

يواجه اللَّاجئون في البيئات الحضرية على أي حال تقطعاً في القدرة على الوصول إلى الخدمات الصحية نتيجة الضغوط الكبيرة على المنظومات العامة في البلاد المضيفة لهم التي لا تتمكن من استيعاب ضغوط مواطنيهم أصلاً. وغالباً ما يعيش اللاجئون الحضريون بصورة غير رسمية مع المواطنين الأصليين. وبما أنَّ كلا الفئتين من الناس لديهما الحاجات والاستضعافات نفسها ويشتركان بالمنظومة الصحية ضعيفة الموارد فذلك سيؤدي حتماً إلى توليد الإقصاء وعدم المساواة في تقديم الخدمات. وفي العراق، يعيش معظم اللاجئين في بيئات حضرية. ومع أنَّ العلاج الصحي الأساسي والثانوي مجاني في الظاهر، يلاحَظ أنَّ المنظومة الصحية تستقبل أعداداً تفوق طاقتها الاستيعابية. وكذلك الحال في لبنان حيث لا يمكن التنبؤ بتوزيع المساعدات على اللاجئين السوريين ما يقود إلى ارتفاع التنافس على الموارد النادرة. وينتج عن هذا التوزيع غير المتكافئ تبايناً اقتصادياً ما يلبث أن يولِّد مقتا وكراهية تجاه اللاجئين السوريين. وتبقى الظروف المعيشية للاجئين في البيئات المفتوحة غير متناسبة، فدفع إيجارات المنازل تمثل عبئاً إضافياً على الموارد المالية للاجئين ناهيك عن أنَّ معظمهم يعيشون في دور إيواء غير مناسبة كالمدارس والمساجد والأبنية المهدَّمة، أما المساعدات المقدمة إلى اللاجئين السوريين فما زالت عموماً قاصرة عن تلبية حاجاتهم.

لم تتكمن السياسات ولا التدخلات الصحية من مسايرة التغيرات العالمية العميقة في بيئات النِّزاع. وليست الأزمة السورية استثناءً لتلك القاعدة. وعلى الفاعلين الإنسانيين أن يكيفوا استراتيجياتهم حسب الواقع الذي يعيشه اللَّاجئون اليوم وحسب أعباء الأمراض الخاصة. وحيث إنَّ عبء الأمراض انتقل إلى الأمراض المزمنة، فهذا يفرض ضرورة تقديم التدخلات الأكثر تعقيداً التي تضع في الاعتبار مسألة استمرار الرعاية الصحية. ومع ذلك، ما زالت الأمراض التي يحتمل تفشيها بين الناس أمراً قائماً ما يتطلب إقامة منظومات رقابية جيدة يمكنها التنبؤ بما سيحدث واتخاذ الإجراءات اللازمة. ثم هناك عوائق أمام الحصول على الرعاية الصحية الثانوية، مثل تكلفة الخدمات وضيق أوقات الدوام وبعد المسافات، ويجب وضعها في الاعتبار عند مساعدة اللاجئين السوريين. وهناك أيضاً حاجة لدمج منظم لعلاج يمكن تحمل نفقاته للأمراض غير السارية.

علاوة على ذلك، ينبغي توفير الرعاية الكاملة والسريعة في المستشفيات لجميع اللاجئين المستضعفين الذين يعانون من الظروف الصحية الحادة. وفيما يخص الاجئين الحضريين المشتتين في جميع أنحاء كوردستان العراق ولبنان، فيواجهون كثيراً من المصاعب في الحصول على المساعدات، وهذا ما يثير أيضاً قضية الكيفية الأفضل للتعامل مع حاجات الأشخاص المهجرين في البيئات المفتوحة.

لا بد من حشد مزيد من الدول لمساعدة جيران سورية في تولي العبء عن طريق تقديم خيار اللجوء أو إعادة التوطين في بلد ثالثة. فقد انكشفت الأزمة السورية على فجوة كبيرة بين الحاجة للمساعدات والاستجابة الحقيقية لتلك الحاجة. وهذا النوع من الأزمات بعيدة الأمد يتطلب أيضاً التخطيط والالتزام بعيدي الأمد من المانحين والدول والهيئات الدولية. وفي حين رحب جيران سورية في معظم الأوقات باللاَّجئين واستضافوهم وأعانوهم، فإنَّ نقص الدعم اللازم للسلطات المحلية والبنى سوف يجعل التدفقات الجماعية سبباً في إثارة الرفض لدى المجتمع المضيف عند بدء تجاوز الطاقات الاستيعابية المحلية واستنزافها.

  • خاص – المركز الديمقراطي العربي
الوسوم

المركز الديمقراطى العربى

المركز الديمقراطي العربي مؤسسة مستقلة تعمل فى اطار البحث العلمى والتحليلى فى القضايا الاستراتيجية والسياسية والاقتصادية، ويهدف بشكل اساسى الى دراسة القضايا العربية وانماط التفاعل بين الدول العربية حكومات وشعوبا ومنظمات غير حكومية.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق
إغلاق