الشرق الأوسطتحليلاتعاجل

وسط التوتر الأمريكي – الإيراني: الانتخابات العراقية تعمّق خطوط الصدع السياسية

-المركز الديمقراطي العربي

بغض النظر عن الفائز في الانتخابات فإنه سيتعامل مع تداعيات قرار الرئيس الأمريكي دونالد ترامب الانسحاب من الاتفاق النووي الإيراني في خطوة أثارت مخاوف عراقيين من أن يصبح بلدهم ساحة للصراع بين واشنطن وطهران.

دعا رئيس الوزراء العراقي حيدر العبادي كل الكتل السياسية يوم الاثنين إلى احترام نتائج الانتخابات البرلمانية وقال إنه مستعد للعمل مع الكتل الفائزة لتشكيل حكومة خالية من الفساد.

والعبادي مهندس تلقى تعليمه في بريطانيا وتولى السلطة قبل أربعة أعوام بعد أن سيطر تنظيم الدولة الإسلامية على ثلث أراضي العراق. وحصل العبادي على دعم عسكري أمريكي للجيش العراقي من أجل هزيمة تنظيم الدولة الإسلامية حتى مع إطلاقه العنان لدعم إيران لفصائل شيعية مسلحة تحارب التنظيم.

قالت المفوضية العليا المستقلة للانتخابات في العراق يوم الاثنين إن التكتل الانتخابي لرجل الدين الشيعي مقتدى الصدر يتجه لتصدر سباق الانتخابات البرلمانية بعد فرز 91 في المئة من الأصوات في 16 من 18 محافظة عراقية.

وفي أول انتخابات منذ هزيمة تنظيم الدولة الإسلامية في العراق جاءت في المركز الثاني كتلة هادي العامري وهو قائد فصيل شيعي رئيسي مدعوم من إيران.

وحل رئيس الوزراء حيدر العبادي في المركز الثالث رغم أنه خاض الانتخابات باعتباره المرشح الأوفر حظا. واستندت النتائج الأولية إلى فرز أكثر من 95 في المئة من الأصوات في عشر من محافظات العراق وعددها 18.

وعلى عكس العبادي، الذي نجح في التحالف مع كل من الولايات المتحدة وإيران وهو أمر نادر، فإن الصدر خصم للبلدين اللذين يحظيان بنفوذ كبير في العراق منذ الغزو الأمريكي الذي أطاح بصدام حسين عام 2003 وأوصل الغالبية الشيعية إلى الحكم.

وقاد الصدر انتفاضتين ضد القوات الأمريكية في العراق وهو من الزعماء الشيعة القلائل الذين نأوا بأنفسهم عن إيران.

وصلت نسبة المشاركة في الانتخابات العراقية التي أُجريت في الثاني عشر من أيار/مايو إلى مستوى منخفض بلغ أقل من 45 في المائة، بعد أن كانت 60 في المائة في انتخابات عامي 2014 و 2010.

وقد خاب أمل الجمهور من العدد الكبير من الأحزاب التي شاركت في الانتخابات، والتي يُنظر إلى أعضائها على أنهم سياسيون فاسدون يتنافسون على مناصب في سوق سياسي في أعقاب كل انتخابات.

ويقول بلال وهاب، زميل “ناثان واستير ك. واغنر” في معهد واشنطن في مقال نشره “أكسيوس”: كانت الحكومات العراقية السابقة ضعيفة وغير فعالة بسبب التقاسم العرقي – الطائفي على السلطة. وقد أراد العراقيون حكومة جديدة خالية من الفساد تقوم بتوفير الخدمات والوظائف والأمن، و[قائمة مرشحين] تفوز في الانتخابات وتتمتع بجدول أعمال واضح وتفويض وطني قوي.

وبدلاً من ذلك، أسفرت الانتخابات التي أجريت يوم السبت المنصرم عن تعميق الشقوق السياسية في البلاد.

وحيث فشلت سياسة الهوية في إبقاء الأحزاب موحّدة، فقد ظهر التحزّب داخل المجتمع، فضلاً عن قيام انقسامات داخلية في صفوف الشيعة والسنة والأكراد واحتدام التنافس على الأصوات. وقد حصل مقتدى الصدر، الذي فاز في الانتخابات هذه المرة، على حوالي 55 من أصل 329 مقعداً.

ومن أجل تشكيل حكومة، ستحتاج أربع كتل رئيسية على الأقل إلى توحيد صفوفها، ولكن بدون تفويض صريح أو أجندة واضحة، ستلجأ الأحزاب إلى الممارسات القديمة في المساومة على المناصب الحكومية بطريقة ذكية وستعمل على ضمان رعاية مؤيديها.

وقد يؤدي مثل هذا التباين بين الحصول على حكومة أفضل وأكثر قوة وبين نتائج الانتخابات إلى إبقاء العراق في حلقة مفرغة. لكن نظام الحكم لا يتمتع هذه المرة بالدعم العام الذي اختبأ وراءه في الماضي، متسبباً في ازدياد السخط العام وعدم الاستقرار.

ويضيف “بلال وهاب” تحدث هذه الخلافات الداخلية في الوقت الذي تتجه فيه القوتان الأجنبيتان الرئيسيتان في العراق، الولايات المتحدة وإيران، نحو المزيد من العداء. وقد يؤدي انسحاب الولايات المتحدة من الاتفاق النووي مع إيران واحتمالات التصعيد، بالإضافة إلى المكاسب البرلمانية التي حققها أعضاء المليشيات العراقية السابقة، إلى تحويل العراق مرة أخرى إلى مسرح حرب.

وحيث خفف العراق لتوه من فظائع تنظيم «الدولة الإسلامية»، فلا يمكنه أن يتحمل جولة أخرى من هذه الاضطرابات.

كانت الادعاءات وحالات التزوير قد طاردت جميع الانتخابات العراقية وأضعفتها، الأمر الذي ساهم في بعض الأحيان في انعدام ثقة الجمهور بالعملية الانتخابية، مما أدى إلى تأخير التصديق على النتائج (كما رأينا في إعادة فرز  الأصوات عام 2010)، وإعاقة تشكيل الحكومة. وقد تم ترشيح أعضاء حاليين في “المفوضية العليا المستقلة للانتخابات” من قبل الأحزاب المشاركة في السلطة، وبالتالي فإن “المفوضية” ذات نكهة حزبية على الرغم من كونها تمثيلية.

وبينما استثمرت “المفوضية” في الآونة الأخيرة في تقنية حديثة للتصويت التي يمكن أن تساعد في الحد من التزوير وإعلان النتائج بشكل أسرع، إلّا أنّ البعض يخشى من أن تؤدي بطاقات التسجيل التي لم يتم جمعها من قبل أصحابها إلى فتح الباب أمام أصوات خيالية، وخاصة من قبل الأحزاب المشاركة حالياً في الحكومة (على سبيل المثال، يمكن لبعض المسؤولين عمل هويات مزيفة لمطابقة بطاقات الناخبين التي لم يتم جمعها وإعطائها لعراقيين آخرين).

دائماً ما تكون رغبة طهران في تحديد نتائج الانتخابات العراقية أمراً مفروغاً منه، لكن من غير الواضح مدى شدة هذا التدخل هذه المرة. وفي ضوء الضغوط العديدة التي تتعرض لها إيران – بدءً من الضربات الإسرائيلية [على مواقعها] في سوريا وإلى تخلي الولايات المتحدة عن الاتفاقية النووية – قد يكون انتباه النظام مشتتاً للغاية إلى درجة قد لا يولي اهتماماً كاملاً للتصويت في العراق.

وبدلاً من ذلك، يمكن أن يبقى سلبياً عن قصد، باعتماده على وكلائه المحليين في مختلف المؤسسات للتمتع بنفوذه في بغداد بينما يحاول إقناع الأوروبيين بأنه من الضروري مواصلة التعامل مع إيران. ولكن من الأرجح أن تتّبع طهران نهجاً مباشراً من خلال محاولتها لعب دور مفسد، وإصرارها على [تعيين] مرشحيها المفضلين لشغل المناصب العليا في الحكومة العراقية المقبلة.

وعلى الرغم من أن هذا المسار قد يخاطر بالإضرار بسمعة إيران الدولية، إلّا أنّ طهران قد تعتبر أن العراق الحيادي سيشكل خطراً على الجمهورية الإسلامية إذا ما اندلعت حرب في المنطقة.

 لا تزال الانقسامات العرقية الطائفية تلقي بظلالها على المشهد السياسي العراقي. ولكن الأمر الجدير بالاهتمام هو أن تعطش الجمهور للمساءلة قد تسبب في حدوث تجزؤ داخل كل مجموعة، تاركاً الطوائف الشيعية والسنية والكردية منقسمة داخلياً عشية الانتخابات. وقد يزيد ذلك من تعقيد عملية تشكيل الحكومة وتأخيرها.

ويصنف العراق بين أكثر دول العالم فسادا ويعاني من مستويات مرتفعة من البطالة والفقر المدقع وضعف المؤسسات العامة وسوء الخدمات رغم عائدات النفط الكبيرة. وابتلع الفساد المستشري موارد الحكومة المالية.

الوسوم

المركز الديمقراطى العربى

المركز الديمقراطي العربي مؤسسة مستقلة تعمل فى اطار البحث العلمى والتحليلى فى القضايا الاستراتيجية والسياسية والاقتصادية، ويهدف بشكل اساسى الى دراسة القضايا العربية وانماط التفاعل بين الدول العربية حكومات وشعوبا ومنظمات غير حكومية.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق
إغلاق