fbpx
احدث الاخبارعاجل

الصراع السياسي الليبي و تأثيراته علي الأوضاع الإقتصادية

اعداد :  فؤاد الصباغ  – باحث اقتصادي دولي 

  • المركز الديمقراطي العربي

 

علي الرغم من أن الديمقراطية تمثل البناء و التأسيس للمستقبل الواعد و تمثل النقد و التجاوز في إطار القانون إلا أنها أحيانا تصبح تخريبية إذا تجاوزت الخطوط الحمراء. إن المشهد السياسي الليبي يعد حاليا من أبرز الملفات الدولية الأكثر إهتماما علي الصعيد الداخلي و أيضا الخارجي.

إذ بعد سقوط النظام السابق للعقيد معمر القذافي و رموزه تزايد الصراع الداخلي علي السلطة و الأطماع لبسط النفوذ السياسي لكل جهة حزبية أو طرف معين علي كامل المدن الليبية. كما يمثل هذا الصراع الشغل الشاغل للمجتمع الدولي و الجزء الأهم من اللقاءات الدولية و الحوارات الوطنية بين جميع الأطراف المتنازعة لإيجاد مخرج لهذه الأزمة السياسية و الإقتصادية التي طالت مدتها. إذ من المعروف أن كل عدم إستقرار سياسي يؤدي بالنتيجة إلي عدم إستقرار إقتصادي.

إن الثورة الليبية التي اندلعت سنة 2011 و أسقطت جميع رموز النظام السابق و المبادئ الثورية للجماهرية الإشتراكية العظمي شكلت التحول الجذري السياسي و الإقتصادي حيث تم حرق الكتاب الأخضر و إسقاط كل شئ له رمزية أو تباعيه للنظام الإشتراكي الليبي السابق للعقيد معمر القذافي. إلا أن هذه الثورة لم تحقق أهدافها و إنحرفت عن مسارها خاصة بعد التدخل الأجنبي المباشر من خلال الحرب و القصف لبعض المنشآت و المراكز التابعة للنظام السابق أو مراكز بما يسمي تنظيم الدولة الإسلامية الإرهابي داعش.

إن هذا السرطان الإرهابي الخبيث الذي ضرب شرق ليبيا و بالتحديد مدينة بنغازي و درنة حول هذا البلد الآمن إلي بلد تعيس و كله دمار و رعب. إذ في هذا الصدد تشكلت تكتلات عسكرية للقضاء علي هذا السرطان الإرهابي خاصة من جانب قيادة الأحرار الليبيين تحت إشراف الجنرال المتقاعد خليفة حفتر.

بالتالي إزداد الصراع و إنقسمت ليبيا إلي مجموعات سياسية منها ما يمثل الإخوان المسلمين و طرف يمثل الشرعية الدولية و دعم القرار بقيادة الرئيس فائز السراج و جهة أخري بقيادة تكتلات القبائل الليبية تحت تنظيم أحمد قذاف الدم و عائشة القذافي و سيف الإسلام القذافي و جهة عسكرية بقيادة الجنرال خليفة حفتر.

فإنقسمت ليبيا إلي دويلات و حكومات منها ما يمثل النظام السابق الثوري القبائلي و منها ما يمثل حكومة طبرق و الأخرى تمثل حكومة طرابلس و مجموعة منفصلة تمثل القيادة العسكرية. إذ زاد هذا الصراع من تعقيد الأمور الداخلية خاصة بعد رحيل العقيد القذافي الذي حكم البلاد مدة أربعين سنة منها الإيجابي و الآخر سلبي و رسخ فيها الفكر الإشتراكي القومي الثوري و الولاء لثورة الفاتح من سبتمبر و للجماهيرية العظمي و لمبادئ الكتاب الأخضر الشهير.

تلاشي هذا الحكم بعد سقوط جميع الأقنعة التي كشفت حقيقة الأنظمة السابقة في دول الربيع العربي التي حققت ثراء فاحش علي حساب الطبقات الشعبية الفقيرة و مثلت تلك الأنظمة سياسة الإبتزاز و الفساد المالي و التكتاتورية و غياب الحوكمة الرشيدة و المحاسبة للحكومة.

تبين للعالم نظام حكام دول الربيع العربي الذي يماثل حكم قارون و فرعون اللذين أفسدوا في الأرض و فقروا شعوبهم و نهبوا أموالهم و ذلك وفقا لتقارير مصرفية أجنبية لبعض الحسابات البنكية للرؤساء العرب في البنوك الأجنبية و خاصة منها موقع ذي ريشاست « The Richest ». لكن البديل الذي كانت تطمح به تلك الشعوب الثائرة لم يتحقق.

إذ كانت المفاجأة الكبري وذلك بدخول جماعات إرهابية إسلامية عالمية إلي ليبيا لتقوم بعملية التخريب و التدمير لجميع المكاسب الإقتصادية الوطنية. إن ليبيا اليوم أصبحت تعاني الأمرين تحت ضغوطات داخلية و أخري خارجية منها الإرهاب و الإخوان المسلمين و رغبة النظام السابق في العودة للحكم أو البديل العسكري بقيادة الجنرال خليفة حفتر الذي يمثل سيسي ليبيا الجديد أو دعم القرار الدولي من خلال التوافق الداخلي و التشبث بالشرعية الدولية عبر التمسك بحكومة الوفاق الوطني التي تجمع جميع الأطراف المتنازعة علي طاولة واحدة.

كل هذه الأحداث أججت الصراع علي السلطة و إنعكست سلبا علي الأوضاع الإقتصادية و الثروة البترولية التي وقع نهبها من قبل بعض العصابات الإرهابية المتطرفة. كما أن جميع المؤشرات الإقتصادية تشير إلي تدهور نسبة النمو الإقتصادي و الإستثمار و القطاع المالي بالتالي كانت النتائج وخيمة علي التنمية الإقتصادية. إذ للتذكير بالتجربة الإشتراكية التنموية السابقة التي راهنت علي القطاع العام و السلطة الشعبية و التوزيع العادل للثروة و الحكم القبائلي بمقارنتها مع الأحداث الراهنة التي تزايدت فيها الصراعات الداخلية من إرهابيين و إخوان مسلمين و علمانيين رأسماليين و ليبراليين و عسكريين لا يمكن بأي حال من الأحوال مقارنتها بالتجربة السابقة.

إذ علي الرغم من التكتاتورية الإشتراكية للعقيد المتحالفة مع القيادة الروسية و التجربة السوفياتية السابقة كانت ليبيا تعيش نوعا من الإستقرار الإقتصادي و التنمية المركزية الإشتراكية الشعبية. إلا أن هذه التجربة لم تكن نتائجها مرضية مقارنة مع الثروة الطائلة البترولية و من الغاز الطبيعي التي لم تخصص في مجملها لتنمية البني التحتية و الإنفتاح الإقتصادي و التحرر المالي و الإندماج في العولمة الإقتصادية العالمية و الإستثمارات الرأسمالية الكبري. و بمقارنة الجمهورية الليبية حاليا بدولة قطر الصغيرة حجما أو دولة الإمارات العربية المتحدة أو الكويت فلا مجال للمقارنة بتاتا, بحيث لا تزال عجلة التنمية في البني التحتية الليبية متأخرة بكثير علي الرغم من تلك الخيرات الطبيعية في مجال الطاقة و التي هي في مجملها أكثر بكثير من مخزون دولة قطر أو الإمارات العربية المتحدة أو الكويت.

إن الصراع الليبي الحالي علي السلطة يعد نذير جرس الخطر الإقتصادي حيث فشلت أغلب الإتفاقيات الحوارية و من أبرزها إتفاقية الصخيرات و باريس و تونس حيث كانت جميع النتائج سلبية نظرا لتشبث كل طرف من الأطراف بمطالبه و عدم التنازل للطرف الآخر. بالتالي مثل هذا الجانب من الإضطراب و عدم الإستقرار السياسي عامل فوضي و عدم إستقرار إقتصادي إستغلته بعض العصابات الإجرامية خاصة بمدينة درنة الليبية لتقوم بأعمال تخريبية للمكاسب الوطنية الليبية.

إن الطموح لتحقيق الإزدهار و النهضة الإقتصادية و الإستفادة من عوائد النفط المالية يتطلب التعجيل بإجراء الإنتخابات الوطنية التي تمثل الحل الوحيد حتي تتحقق الشرعية الحقيقية داخليا و خارجيا و الإلتزام بنتائج الصندوق و التصويت الشعبي. كما أن الرهان التنموي الليبي المستقبلي يتمثل في التحول نحو الإستراتيجية التنموية الرأسمالية الليبرالية و إنفتاح الأسواق الداخلية علي الفضاء الخارجي و الإندماج في العولمة الإقتصادية و التحرر المالي و التجاري الكلي و جلب الإستثمارات الخارجية خاصة منها الأوروبية و الأمريكية و الإنطلاق مباشرة في المشاريع العملاقة و ذلك بالنسج علي التجربة الإستثمارية القطرية و الإماراتية و الكويتية قصد تحقيق التنمية و الإستقرار.

إن حكومة الوفاق الوطني الليبي تساهم إيجابيا في خلق تعاون دولي نظرا للشرعية التي تحظي بها من قبل المجتمع الدولي. كذلك تعتبر الأعمال الأمنية للقائد خليفة حفتر كبري نظرا للحروب الشرسة التي قادها ضد تنظيم دولة الإرهاب العالمي المسماة بداعش و التي تبينت أنها داهس علي نفوس الليبيين. إن الشجاعة التي تحلي بها هذا القائد العسكري الفذ حققت الإستقرار و جنبت دول الجوار من كارثة حقيقية. إذ تعتبر القيادة العسكرية الليبية تحت إشراف هذا القائد البطل مخلصة لشعوب دول شمال إفريقيا من خطر هذا السرطان الأسود الخبيث. أما بخصوص سيف الإسلام القذافي فيحق له الترشح للإنتخابات القادمة بإعتباره مواطن ليبي بحيث لا تهم عدلية له حاليا حيث تم تبريره من قبل القضاء الليبي و وفق للدستور الليبي الجديد يحق له المشاركة في هذا الإستحقاق الرئاسي للتنافس علي السلطة التنفذية بالطرق الديمقراطية.

إن نهاية هذا الصراع الداخلي لا تتم إلا بالإسراع نحو تنظيم الإنتخابات التشريعية و التنفيذية قبل موفي هذه السنة و تنظيم جميع قائمات الأطراف المتنازعة التي فشلت في جميع اللقاءات الحورية في باريس أو تونس. كما أن السلاح العسكري الليبي عليه أن يوجه فقط ضد الإرهاب التخريبي و يكون عامل لتحقيق الإستقرار السياسي و الإقتصادي و بالتالي تحقيق الإزدهار و التنمية الإقتصادية الليبية الشاملة.

الوسوم

المركز الديمقراطى العربى

المركز الديمقراطي العربي مؤسسة مستقلة تعمل فى اطار البحث العلمى والتحليلى فى القضايا الاستراتيجية والسياسية والاقتصادية، ويهدف بشكل اساسى الى دراسة القضايا العربية وانماط التفاعل بين الدول العربية حكومات وشعوبا ومنظمات غير حكومية.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق