الشرق الأوسطتحليلاتعاجل

حصار إيران من الداخل إلى الخارج

إعداد : حسام السيد ذكى – المركز الديمقراطي العربي

 

تشكل إيران اليوم قوة إقليمية فعالة فى التطورات الإقليمية التى تشهدها البلدان العربية، وتشكل عبر برنامجها العسكري والنووي تهديداً مباشراً لدول المنطقة العربية وبخاصة الخليج العربي، فالتمدد الإيراني فى العراق وسوريا ولبنان وأخيراً اليمن غَّير من طبيعة التركيب الديمغرافي والسياسي لمعظم هذه البلدان، وأصبحت القوي الموالية لإيران تسطير على المشهد السياسي فى هذه الدول، وتشكل تهديداً مباشراً لدول الخليج العربي وبخاصة المملكة العربية السعودية العدو التقليدي لإيران، وفي ظل هذه القوة المتنامية بدأت الدول الخليجية تسعي لوضع حد للنشاط الإيراني، خاصة وأن إيران تطلع للاستيلاء على إمارات الخليج العربي الواحدة تلوي الأخرى، فالأطماع التاريخية لإيران فى المنطقة واضحة ومعروفة للجميع.

هذه القوة المتنامية لإيران دفعت الدول الخليجية إلى البحث عن حلول لمواجهة هذا الخطر المتنامي، تمثلت فى تعزيز التعاون العسكري بين دول الخليج عبر تأسيس قوة خليجية مشتركة ” قوات درع الجزيرة”، وإقامة تعاون عسكري وثيق مع الولايات المتحدة الأمريكية، وكذا دعم القوي المعارضة لإيران فى  العراق وسوريا ولبنان واليمن، إلا أن هذه التحركات ليس لها تأثير يذكر فى مواجهة إيران.

ويبدو أن دول الخليج من الواجب عليها أن تضع خطة جديدة لمحاصرة إيران من الداخل إلى الخارج، وقبل الحديث عن هذه الخطة يجب الإشارة إلى عدة نقاط، هي:

  • النظام السياسي فى إيران هو نظام ديكتاتوري بغطاء ديمقراطي، فالسلطة الحقيقية فى إيران فى يد المرشد الأعلى والحرس الثوري، أما النظام الرئاسي فهو مجرد غطاء لإدارة المشهد السياسي فيها.
  • تواجه إيران أزمة اقتصادية طاحنة فى ظل الحصار النفطي والاقتصادي المفروض عليها وتفشي الفساد فى الدولة، فيعيش أغلب سكان إيران تحت خط الفقر، هذه الأزمة أدت إلى حدوث موجات ثورية متعاقبة فيها منذ ثورات الربيع العربي، إلا أن هذه التحركات قوبلت بحملات قمعية.
  • يعتبر المجتمع الإيراني من أكثر المجتمعات تفككاً، حيث تتألف إيران من عدة قوميات: فارسية وتركية (أذرية، تركمان) وبلوشية وكردية وعربية وغيرها، إذ يزيد عدد القوميات الكبيرة والصغيرة فيها على 30 قومية، ويشكل الفرس نحو 50٪ من هذه القوميات، يأتي بعدهم من حيث العدد الأذربيجانيون وهم من أصل تركي تتري (نحو 20٪) والأكراد (نحو 9٪)، والبلوش، وهناك مجموعات من القوميات القليلة العدد نسبياً وعلى رأسهم التركمان والقاجار والأفشار والقشقاي، ومن الناحية الدينية والطائفية تضم إيران شيعة وسنة ومسيحيون ويهود بجانب الديانات الأخرى كالزردشتية والبهائية وغيرها.
  • يوجد فى إيران قوميات تسعي إلى الاستقلال كالكرد والأذربيجانيون وعرب الأحواز (عربستان)، كما يوجد حركات معارضة تحمل السلاح ضد الدولة كحركة ” مجاهدي خلق”.

في ظل هذا العرض المبسط للوضع الداخلي فى إيران، فإن دول الخليج عليها أن تجعل أساس خطتها لمواجهة إيران هو ضرب الداخل الإيراني قبل مواجهتها فى الخارج، فالقوميات العرقية فى إيران تتطلع إلى أقل دعم ممكن للتحرك ضد الدولة؛ فالكرد فى إيران أقل نشاطاً فى أقاليم كردستان، فكرد العراق باتوا يتمتعون بالحكم الذاتي ويتمتعون بالاستقلال الفعلي عن الدولة العراقية، أما كرد سوريا فقد استغلوا الثورة لصالحهم وتمكنوا من إقامة مجتمع كردي مستقل، وأما كرد تركيا فهم فى مواجهة مستمرة مع الدولة التركية.

في ظل هذه التحركات فإن إثارة كرد إيران ضد الدولة لن يكلف الكثير، وتحرك كرد إيران ضدها لن يكون منفردا بل سيصحبه دعم كردي واسع من العراق وسوريا وتركيا، والدلائل التاريخية تشير إلى صحة هذا الرأي، فبمجرد أن اتيحت الفرصة لكرد إيران خلال الحرب العالمية الثانية أرهقوا قوة إيران خلال سنوات الحرب، وأسسوا ” جمهورية مهاباد” المستقلة عام 1946م، ولولا تخلي السوفييت عنهم لظلت هذه الدولة شوكة فى ظهر إيران.

ولا يختلف الأذربيجانيون عن الكرد كثيراً، فهم دائماً يتطلعون إلى الاستقلال، ففي أواخر عام 1945 تمكن الأذربيجانيون من تأسيس جمهورية أذربيجان، إلا أنها سقطت كما سقطت ” جمهورية مهاباد”، وبالرغم من أن حركة التمرد فى أذربيجان أقل بكثير من حركة التمرد الكردي، غير أنه يسهل تحريك الأذربيجانيون ضد الدولة فى ظل الوضع الاقتصادي المتردي، وتحرك الأكراد سيشجع الأذربيجانيين على التحرك ضد الدولة.

أما عرب الأحواز فمنذ احتلال إيران للإقليم عام 1925م يتعرض سكانه لاضطهاد ممنهج من جانب الدولة الإيرانية، وتسعي دائماً لتغيير التركيب الديمغرافي فيه، إذ يبلغ عدد سكانه ما يزيد عن (12) مليون نسمة غالبيتهم من العرب رغم محاولة التفريس التي قامت بها الحكومات الإيرانية المتعاقبة، وقد شهد الإقليم منذ احتلاله ما يزيد عن (15) انتفاضة ضد الدولة الإيرانية، إلا أن هذه الانتفاضات قوبلت بعنف مفرط ومجازر وحشية ضد أبناءه، ومن ثم يجب على الدول العربية بشكل عام ودول الخليج بشكل خاص إبراز قضية الأحواز على الصعيد العربي والدولي، وتسخير كافة الطاقات الإعلامية لتسليط الضوء على التهجير القصري والمذابح والمجازر الوحشية التي يقوم به النظام ضد أبناء هذا الإقليم.

في الوقت نفسه يجب على دول الخليج دعم الحركات المسلحة في الإقليم بشكل أكثر فاعلية، خاصة وأن الحركات المسلحة فيه بدأت تظهر في السنوات الأخيرة بشكل فعال، ومنها ” حركة النضال العربي لتحرير الأحواز”، والتى تخوض نشاطاً مسلحاً ضد إيران منذ عام 2005م، وكان آخر أعمالها اغتيال “حسين شريفي” مدير جهاز المخابرات في “الخليفة” جنوب شرق الأحواز في فبراير 2017، ونظراً لما أحدثته هذه الحركة من قلق للحكومة الإيرانية، فقد قامت باغتيال رئيس الحركة ” أحمد مولي” أمام منزله في هولندا في نوفمبر 2017م، وبجانب هذه الحركة يوجد حركات أخري تتبني الكفاح المسلح ضد إيران كالجبهة الوطنية لتحرير عربستان، وحركة النضال العربي لتحرير الأحواز وغيرها، ومن ثم يجب على دول الخليج التركيز على دعم هذه المنظمات، وتجدر الاشارة أن إقليم الأحواز من أغني المناطق النفطية في إيران، وأي اضطرابات مسلحة فيه ستحدث أضراراً بالغة بالاقتصاد الإيراني.

بجانب هذه القوميات توجد حركات معارضة مسلحة كحركة ” مجاهدي خلق”، وحركات معارضة سلمية فى الداخل الإيراني تنتظر الفرصة للتحرك ضد نظام إيران القمعي.

فى ظل هذه الأوضاع فإن الدول الخليجية عليها أن تغيير من استراتيجيتها لمواجهة إيران، فلو قامت بدعم وتشجيع هذه القوميات والحركات المعارضة، سيؤدي ذلك إلى إحداث هزة عنيفة فى الداخل الإيراني، ولو نجحت هذه الخطة بنسبة 40 إلى 50% سيؤدي ذلك إلى انسحاب إيران من المشهد السياسي فى الخليج العربي، وانخفاض الدعم العسكري والاقتصادي للحركات الموالية لإيران بشكل كبير، وستتمكن دول الخليج من القضاء على هذه الحركات بدون أي مجهود يذكر مقارنة بالمجهود الحالي، ولو نجحت الخطة بنسبة 70 إلى 80% قد تشهد إيران تغييراً فى الأوضاع السياسية ونظام الحكم القائم.

إضافة إلى ذلك فإن الدول الخليجية عليها أن تضع فى حسبانها الأوضاع الدولية والإقليمية فى المنطقة، فيجب بذل جهد أكبر لدفع روسيا إلى الوقوف على الحياد، وذلك عن طريق تعزيز التعاون الاقتصادي معها، فمصالح روسيا الاقتصادية قد تدفعها إلى تغير استراتيجيتها تجاه إيران والخليج، وإذا تعذر ذلك فعلى الأقل يجب دفع الولايات المتحدة لزيادة دعمها لدول الخليج فى مواجهة إيران.

كما يجب على الدول الخليجية أن تُخفض من حجم العلاقات الاقتصادية مع إيران لإحكام الحصار، ويجب أن تضع فى الحسبان أن إيران قد تسعي إلى إثارة حرب إقليمية للخروج من المأزق الداخلي، فعلى دول الخليج أن تتكتل وتتوحد فى مواجهتها، فالأنظمة الحاكمة فى إيران مهما كانت توجهاتها وانتمائتها فهي تتطلع نحو هدف واحد هو الاستيلاء على إمارات الخليج، وتحويل الخليج العربي إلى خليج فارسي.

وأخيراً، فإن هذه الخطة ليست بجديدة فخير وسيلة للدفاع الهجوم، إلا أن دول الخليج عليها أن تثق فى قدرتها الذاتية لمواجهة إيران، وتتعاون فيما بينها لمواجهة هذا الخطر المحدق بها، ويجب أن تدرك دول الخليج أن المواجهة مع إيران الآن متوازنة نوعاً ما، أما إذا نجحت إيران فى امتلاك سلاح نووي فستكون المواجهة كارثية للمنتصر قبل الخاسر.

أضف تعليقك أو رأيك
الوسوم

المركز الديمقراطى العربى

المركز الديمقراطي العربي مؤسسة مستقلة تعمل فى اطار البحث العلمى والتحليلى فى القضايا الاستراتيجية والسياسية والاقتصادية، ويهدف بشكل اساسى الى دراسة القضايا العربية وانماط التفاعل بين الدول العربية حكومات وشعوبا ومنظمات غير حكومية.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق
إغلاق