الشرق الأوسطعاجل

العرب والكرد المصالح والمخاوف والمشتركات

اعداد : د. نجاح عبدالله سليمان – المركز الديمقراطي العربي

 

​ في ايجاز لقرابة المئة عام المنصرمة، هل يمكن مقارنة ما لحق بالأكراد منذ قيام الدولة السورية عام 1920 مثلاً بما يتعرّض له السوريون العرب منذ سبع سنوات؟ صحيح أنه تم تهجير نحو عشرين ألف كردي من قراهم في مشروع الحزام العربي عام 1973، وتم تجريد نحو 150 ألف كردي من جنسيتهم السورية في إحصاء عام 1962، وهي ممارساتٌ مستنكرة ومرفوضة، لكن الصحيح أيضاً أن نظام العروبة الجامعة المانعة، المتمترس في “قلبها النابض”، هجّر نصف السوريين وجرّدهم ليس فقط من جنسيتهم، بل من حقهم في الحياة، عندما استخدم لإخضاعهم كل أنواع الأسلحة، بما فيها الكيميائي.

بالعودة للعمق العربي الكردي، نجد العلاقات تعود بجذورها في عمق التاريخ؛ ولأكثر من ألف عام، شكّل العرب والكرد جزءاً من فضاء ثقافي واحد، لم يتمايز فيه الطرفان قومياً إلا بعد الحرب العالمية الأولى وانهيار الدولة العثمانية. ومع تنامي حدة النزعات القومية في المنطقة، بدأت عملية منهجية لتفكيك الشراكة التاريخية بين الطرفين. ويمكن اكتشاف ذلك، من جهة الكرد، من خلال محاولة إبعاد كل ما هو عربي أو من أصول عربية في الثقافة الكردية، ومن جهة العرب، في قيام الدولة التسلطية بإقصاء الكرد، وإنكار حقوقهم الثقافية واللغوية. وبمرور الوقت، بدأت تتضح معالم المشروع القومي الكردي، الذي أخذ يشدّ الحركات الكردية بعيداً عن مطالب المواطنة المتساوية في إطار الشراكة الوطنية مع العرب، وصولاً إلى محاولة رسم منطقة قومية خالصة، بالاستفادة من الظروف الإقليمية الراهنة.

الأكراد كثيراً ما جاء في ذهنهم تأكيد أمرين أساسيين: الأول أن ظلماً وحيفاً وقع عليهم من إخوانهم العرب على امتداد القرن الماضي، إلى درجةٍ استحالت معه إمكانية العيش المشترك. والثاني، متأتٍ من شعورٍ بفائض قوة، هو أن اللعبة قد انتهت، وأن إعلان قيام أول دولة كردية على جزءٍ من “كردستان الكبرى” بات قاب قوسين أو أدنى، فالأكراد، بحكم ظرف ضعف الدولة المركزية في العراق وسورية، وتحالفهم الأمني والعسكري الوثيق مع الولايات المتحدة، باتوا في موقع يسمح لهم بذلك، وأنهم ماضون في هذا الأمر، في استعادة مقولة رئيس إقليم كردستان العراق، مسعود البرزاني، “إن خرائط المنطقة ترسم حدودها اليوم بالدم”؟.

لكن هل ما حدث في العراق، يختلف كثيراً ما تعرّضت له مدن الأنبار العربية وبلداتها في عهد حزب الدعوة مثلاً عما تعرّضت له بلدات كردية في عهد نظام البعث؟ هل أن هوية السلطة في دمشق وبغداد عربية يعني أن العرب مسؤولون عن الظلم المرفوض والمستنكر الذي لحق بالأكراد، أم هل ردعت الهوية العربية للسلطة نظامي دمشق وبغداد من إلحاق أشد الأذى بمواطنيهم العرب؟ أليس الاستبداد كله ملة واحدة، لا دين له ولا مذهب ولا هوية؟.

هنا تأتي قضية الانفصال باعتبارها تمثل حلاً للمسألة الكردية، ولكن يبقى أن أقيم جداراً مع جاري لا يعني أن تنتهي مشكلاتي معه. تنتهي المشكلات فقط، عندما يعترف كل طرفٍ بحقوق الآخر، ويحترم خصوصيته. والانتقال من دولة العصبية القومية، حيث يتمايز الناس إثنياً وعرقياً وقومياً، إلى دولة القانون، حيث يغدون مواطنين متساوين في الحقوق والواجبات، وحيث يستطيع الكردي أن يحكم كما يستطيع العربي أن يغدو مواطناً في دولة الجميع.

نعم هناك شرخ آخذ في الاتساع بين العرب والأكراد، في سورية والعراق وجنوب تركيا وغيرهم. للوهلة الأولى يبدو للمراقب أن التدخل العسكري التركي، المدعوم من فصائل سورية معارضة للنظام، للسيطرة على مدينة عفرين هو ما يشكّل الخلفية الكبرى للشرخ. المشكلة إذاً ليست في الفضاء الذي نعيش فيه، بل في الثقافة السياسية وطريقة العيش والتفكير. يمكن للأكراد، بالتأكيد، أن ينفصلوا، لكن هذا لن يضمن لهم استقراراً، خصوصاً في ضوء انقساماتهم الشديدة، ليس فقط كقوى سياسية وعسكرية، انما أيضاً كقبائل وعشائر ولغات. عندها، سيحصل في دولة الكرد ما حصل في دولة العرب، وعندها لا تكون اللعبة قد انتهت، بل تكون هذه مجرد بداية.

على الرغم من أن استفتاء كردستان السابق ومحاولة تأسيس دولة كردية تناسب مع تطلعات سياسات ومصالح بعض القوى الدولية التي تريد إضعاف كل من إيران وتركيا، ومحاصرة نفوذهما في المنطقة، لم تعلن تلك القوى تأييدها لإجراء الاستفتاء، إذ تحفَّظ بعضها على توقيته، وأخرى اشترطت موافقة الحكومة العراقية، باستثناء موقف الاحتلال الإسرائيلي الذي يؤيد الاستفتاء، ودعوات بعض الأصوات الإعلامية الخليجية لتأييد انفصال كردستان نكاية بكل من إيران وتركيا وموقفها من الأزمة الخليجية. ولقد رفضت الأمم المتحدة إجراء إقليم كردستان الاستفتاء منفرداً دون موافقة الحكومة العراقية، وقالت إنها لن تقوم بأي شيء من شأنه دعم الاستفتاء، وكذلك الولايات المتحدة الأمريكية التي رأت في الاستفتاء تشتيتاً للجهود الدولية في مكافحة تنظيم داعش، ومن ثم فإن نتيجة الاستفتاء افتقرت إلى الشرعية الدولية، وزادت الموقع الجغرافي الحبيس لكردستان العرق من حاجتها إلى تفهم وتعاون دول الجوار والشرعية الدولية.

إيران الشريك الكردي، مثل تركيا، تخشى من تداعيات أي استفتاء على تطلعات الأكراد فيها إلى الانفصال عنها أو الانضمام لكردستان العراق مستقبلاً، كما تخشى إيران من علاقة الولايات المتحدة بكردستان العراق وتعاونهما العسكري، واحتمالية استخدام أمريكا لأراضي الدولة الكردية الوليدة مستقبلاً ضدها، ومحاصرة نفوذها الإقليمي. وتتوقع إيران قيام تحالف رسمي بين كردستان ودولة الاحتلال الإسرائيلي ضدها.

لم يحظَ استفتاء إقليم كردستان العراق بحماسة واشنطن المعهودة علانية مثل موقفها من انفصال جنوب السودان، حيث تحفظت الولايات المتحدة الأمريكية على الاستفتاء على انفصال إقليم كردستان العراق، وعدته أنه قد يصرف الانتباه عن أولويات أكثر إلحاحاً. لكن مواقف الولايات المتحدة والدول الغربية الداعمة للأكراد، خصوصاً في سوريا، تنبئ عن حقيقة مواقفها ورغبتها في الضغط على إيران وتركيا. ولقد تصاعدت الدعوات للضغط على حكومة الإقليم من أجل العدول عن ذلك عبر مطالبة حكومة بغداد باللجوء إلى مجلس الأمن الدولي لاستصدار قرار يلغي الاستفتاء، في ظل بروز تضارب في المواقف بين الأوساط السياسية الكردية حول الإقدام على إجراء الاستفتاء.

يبقى السؤال هل الاستفتاء في حالة نجاحه كان مُلزماً؟، هل يتمحور حول استطلاع رأي سكان المحافظات الثلاث في الإقليم (أربيل والسليمانية ودهوك) ومناطق أخرى متنازع عليها بشأن إن كانوا يرغبون بالانفصال عن العراق أم لا؟…

سبق للبعض أن وصف العروبة بحق.. أنها مصهر أو مجرى تلاقت فيهما روافد كثيرة من جنسيات وإتنيات مختلفة بحيث تحولت اللغة العربية بقوة الانتشار والتوسع الإسلاميين إلى لغة المعرفة والإنتاج المعرفي في شتى الحقول. ولم يكن الوافدون من أصول إتنية أخرى يشعرون بالاستلاب حيال العربية. لكن الواقع الحالي مُعقد، والقادم مجهول. فهل ستحمل الأيام القادمة للعلاقات العربية الكردية ما هو أصعب؟. أم أن الانفصال بات أمراً مفروضاً، تم التخطيط له مسبقاً على الخريطة؟. ويبقى التنفيذ على الأرض.

أضف تعليقك أو رأيك
الوسوم

المركز الديمقراطى العربى

المركز الديمقراطي العربي مؤسسة مستقلة تعمل فى اطار البحث العلمى والتحليلى فى القضايا الاستراتيجية والسياسية والاقتصادية، ويهدف بشكل اساسى الى دراسة القضايا العربية وانماط التفاعل بين الدول العربية حكومات وشعوبا ومنظمات غير حكومية.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق
إغلاق