الشرق الأوسطعاجل

علاقة إيران بالبوليساريو – هل هو صراع المذاهب أم السياسة ؟

اعداد :د.محمد عبدالرحمن عريف – كاتب وباحث في تاريخ العلاقات الدولية والسياسة الخارجية

  • المركز الديمقراطي العربي

 

ما حدث بين المغرب وإيران أنه مع مرور الزمن وبخلاف الفترة التي تلت استقلال المغرب 1956، وحتى قيام الثورة الإيرانية 1979، وهي فترة تميّزت فيها العلاقة بين الملك المغربي الراحل الحسن الثاني وشاه إيران محمد رضا بهلوي بالتواصل المستمر والزيارات المتبادلة، فإن العلاقات بين المغرب وإيران تميّزت بالصراع المحتدم. فبعد سقوط نظام الشاه، غادر الأخير باتجاه مصر. هكذا، وبعد زيارة قصيرة إلى المغرب، غادر الشاه إلى جزر الباهاماس. لكن العلاقات المغربية الإيرانية دخلت بعد ذلك نفقاً من قطع العلاقات استمر طويلاً، إذ ردّت إيران بالاعتراف بجبهة البوليساريو، وتلت ذلك مجموعة من المواقف الحادة بين البلدين.

في سنة 1980، قام الحسن الثاني بجمع العلماء وأعضاء المجالس العلمية في المملكة من أجل إصدار فتوى تكفّر قائد الثورة الإيرانية، وذلك على خلفية تصريح للخميني حول “مكانة المهدي المنتظر” أثار استهجاناً من طرف معتنقي المذهب السني في العالم أجمع. هنا برز في مسلسل الصراع المذكور توظيف السياسي والديني، ما يدفعنا إلى طرح تساؤلات عن جوهره. هل هو صراع سياسي يتلبّس بلبوس ديني-مذهبي؟.. أم هو صراع ديني بين مشروعيتين يتم تصريفه في إطار قرارات سياسية؟.. وما هي حدود الدين والسياسة في هاتين المشروعيتين؟. وهنا قد يكون اللجوء إلى قطع العلاقات الدبلوماسية بين المغرب وإيران بشكل مستمر “أكبر بكثير من مجرد خلافات ظرفية حول نقاط بعينها كنشر التشيع واتخاذ مواقف ضد السيادة أو القول بتمويل جهات ما”، ذلك أن المسألة محكومة بثقل التاريخ الإسلامي.

نعم في مسلسل العلاقات المغربية الإيرانية منذ ثورة 1979، تجد التدافع المذهبي بين البلدين و”كانت للمؤجلات الدينية والمذهبية أشكال من الحضور وستكون حاضرة لرسم أي تدافع مستقبلي”، ومرجع ذلك إلى أن ما جرى “بالتوازي مع منعطفات جيوسياسية دولية تحفّز هذه المؤجلات التاريخية، وتوفّر للنظامين الملكي المغربي السني والإيراني الشيعي فرصاً لتجديد إثبات الذات أو الامتداد والتوسع”. حالياً فإن الجو السياسي الملائم لإعادة انبعاث “المؤجلات التاريخية” خلقته عودة روسيا إلى المشهد السياسي الدولي وصراع القوى الدولية في الداخل السوري، وعودة طرح قضايا تقرير المصير والانفصال من خلال مشاريع إقامة الدولة الكردية، ومحاولة انفصال كاتالونيا، وتطور سلوكات البوليساريو. وكذلك قضية كردستان العراق التي تظهر وتختفي بين الحين والحين.

لا يتعلق الصراع بين المغرب وإيران بصراع مذهبي سني-شيعي، ذلك أن العلاقات المغربية الإيرانية كانت متميزة بالإيجابية قبل قيام الثورة الإيرانية، ولعب الملك الراحل الحسن الثاني أدواراً في ردم الهوة بين قائد الثورة الإيرانية، حين كان يقيم في العراق، وبين الشاه محمد رضا بهلوي الذي كان يحظى باحترام كبير من طرف الملك. وكان الحسن الثاني أيضاً يحظى باحترام منقطع النظير في إيران على اعتبار انتمائه لآل البيت. ولكن الأمر هنا يتعلق بسلطتين دينيتين لهما حضور في الواقع السياسي. فما هي طبيعة كل سلطة منهما؟ وبمَ يتميز حضورهما في الحقل السياسي للبلدين؟.

الحقيقة الواقعة أن إيران سعت وبشدة للدخول إلى إفريقيا، وسخّرت لذلك طاقات إعلامية واقتصادية وبشرية من رجال حزب الله اللبناني، أو اللبنانيين الشيعة الموالين لها، وأغلبهم يتحكم في اقتصاد بعض الدول مثل ساحل العاج وسيراليون ونيجيريا وحتى جنوب إفريقيا. وساهمت في تأسيس حزب الله النيجيري بقيادة الشيخ النيجيري إبراهيم الزكزاكي الذي يُطلق عليه لقب “خميني نيجيريا”، وأصبح الشيعة في نيجيريا أكثر من سبعة ملايين شخص يوالون إيران.

قد يكون المغرب تنبه للمد الإيراني ومحاولته تغيير الهوية الدينية السنية للقارة عبر نشر المذهب الشيعي، فقرر مواجهته، وإلى أن إيران تحاول استغلال مشكلة الصحراء الغربية للتغلغل في المنطقة معتمدة في ذلك على علاقاتها القوية مع الجزائر، لتضع بذلك قاعدة لوجستية للتمدد أفقياً في منطقة شمال إفريقيا. وهنا المغرب، حاول أن يعزز حضوره الاقتصادي والديني في عمق القارة الإفريقية، وأسس الملك المغربي محمد السادس رابطة للعلماء الأفارقة ومؤسسات دينية تقوم بتوزيع المصاحف وترعى المساجد في عموم إفريقيا جنوب الصحراء. كما أن المملكة المغربية عزز من دورها في تكوين الأئمة والمرشدين الأفارقة داخل المؤسسات الدينية المغربية كدار الحديث الحسنية وباقي المؤسسات.

الحقيقة الواقعة أن العلاقات المغربية الإيرانية دئمًا بين الشد والجذب، فسبق للمغرب أن قطع علاقاته الديبلوماسية مع إيران مطلع 2009، عقب احتجاج على تصريحات إيرانية اعتبرتها الرباط غير مقبولة إثر تضامنها مع البحرين في الأزمة التي نشبت مع طهران حينها. وتجدّد التدخل في قم الإيرانية يوم 25 كانون الثاني (يناير) 2017، إذ مرّت واقعة بتر خريطة المملكة المغربية من صحرائها خلال حفلة افتتاح المؤتمر الدولي للحوار الثقافي بين إيران والعالم العربي، وأيضاً في حفلة الختام في مدينة مشهد، فضلاً عن رفع علم “الجمهورية الصحراوية”، في صمت مطبق من دون أن تثير أي ردود فعل رسمية أو شعبية. لقد عرض المؤتمر الذي أشرفت عليه وزارة الثقافة الإيرانية خريطة المغرب مبتورة في شكل واضح من منطقة الصحراء، طيلة مدة الملتقى، وحضره عدد من البلدان العربية، كما تم عرض علم البوليساريو على واجهة اللافتة الرئيسة الحاملة لأعلام جميع الدول العربية.

برر البعض حينها أن بتر خريطة المغرب وعرض علم “الجبهة الانفصالية” خطأ مقصود. حيث إن إيران عاشت عزلة قبل الاتفاق النووي مع القوى الغربية، وأيضاً إبان الصراع المفتوح في المنطقة بين إيران ومحيطها العربي على خلفية قضايا شائكة كثيرة، أبرزها الملفان السوري واليمني. كذلك فإن طهران بعد كسب معاركها في سورية والاطمئنان إلى ترسيخ أقدام الأسد، تحاول كسب نقاط أخرى.

إيران بدأت حينها تسعى إلى كسب نقاط جديدة هذه المرة في المجال الثقافي والعلاقات العامة، واستثمار مكتسباتها في الملفين النووي والسوري من أجل تثبيت صورة البلد الذي يؤمن بالحوار الثقافي مع العالم، ومع المحيط العربي على وجه التحديد. ما يفسر إقدام إيران على تنظيم المؤتمر الدولي للحوار الثقافي بين إيران والعالم العربي، برعاية وزارة الثقافة وإشراف فعلي لمنظمة الثقافة والعلاقات الإسلامية شبه الرسمية، حيث شاركت فيه شخصيات عربية مدعوة من تونس والجزائر وعمان والكويت وسورية ولبنان والعراق. لقد نُظم المؤتمر تحت يافطة ثقافية، لكن غاب عنه الكثير من الدول العربية، ومنها المغرب. كذلك جاء المؤتمر ليفتح مجالاً للديبلوماسية الثقافية الإيرانية للتحرك في التربة العربية والترويج للريادة الإيرانية على مستوى العالم الإسلامي؛ احتفاء بمدينة مشهد كعاصمة له. وطرح مراقبون سؤالاً عن الخلفيات الحقيقية وراء إقدام الجهات المسؤولة عن تنظيم المؤتمر على عرض خريطة المغرب مبتورة من صحرائه، ورفع علم «الجمهورية الصحراوية» المزعومة، وما إذا كان العمل سهواً وقع فيه المسؤولون، أم أنه أمر مقصود ينطوي على رسائل معينة.

الأيام أثبتت أنه عمل مقصود، فلا يمكن الاقتناع بتاتاً بأن ما حدث خطأ، ولا يجب تبريره وتوسل الأعذار لذلك؛ لأن الخريطة المبتورة للمغرب عرضت في جلسات أعمال المؤتمر في مدينة قم طيلة الأيام التي استغرقها الملتقى، وتكرر الأمر في خريطة أخرى، غير الأولى، في مدينة مشهد حيث كانت حفلة الختام في حضور وزير الثقافة الإيراني. أكثر من ذلك، تم وضع علم «الجمهورية العربية الصحراوية» إلى جانب علم ليبيا في اللافتة على خلفية المنصة، ولم يصدر عن إيران أي اعتذار، أو ما يفيد بأن الأمر كان خطأً غير مقصود.

قد يكون ما حدث حينها هو أن إيران وجهت رسالة إلى المغرب بأنها لم تنس تحالفه مع الدول الخليجية ودعمه لها في مختلف المحطات، وتنديده المتكرر بالتدخلات الإيرانية في شؤون دول الخليج العربي؟.. فهل كانت رسالة أخرى مفادها أن دعم المغرب لدولة الإمارات العربية المتحدة بخصوص جزر أبي موسي، وطنب الصغرى، وطنب الكبري، المتنازع عليها مع إيران، لن تسكت عنه طهران، وقد تقابله بدعم مماثل تقدمه إلى جبهة البوليساريو في المستقبل القريب؟.

بالطبع هذا ما حدث بعد سنوات وشهور قليلة جدًا، ففي أول أيار (مايو) 2018، أعلنت المملكة المغربية إنها ستقطع علاقاتها الديبلوماسية مع إيران بسبب ما وصفته بدعم طهران لـ «الجبهة الشعبية لتحرير الساقية الحمراء ووادي الذهب» (بوليساريو) ومدها بالأسلحة. وقال وزير الشؤون الخارجية والتعاون الدولي المغربي، ناصر بوريطة، في مؤتمر صحافي إن الرباط ستغلق سفارة إيران وتطرد سفيرها. واتهم الوزير المغربي «حزب الله» اللبناني بالضلوع في إيصال الأسلحة إلى جبهة البوليساريو. وقال بوريطة: «الشحنة الأولى من الأسلحة أُرسلت أخيراً إلى الجبهة عبر عناصر في السفارة الإيرانية في الجزائر». هنا أصدر حزب الله» بياناً جاء فيه أنه «ينفي هذه المزاعم والاتهامات جملة وتفصيلاً». وأضاف البيان نفسه أنه “يعتبر أنه من المؤسف أن يلجأ المغرب بفعل ضغوط أميركية وإسرائيلية وسعودية لتوجيه هذه الاتهامات الباطلة، ويرى أنه كان حرياً بالخارجية المغربية أن تبحث عن حجة أكثر إقناعاً لقطع علاقاتها مع إيران”.

نعم الصحراء الغربية تمتد على مساحة تبلغ 266 ألف كلم مربع ويعتبرها المغرب جزءاً من ترابه الوطني ويقترح منحها حكماً ذاتياً، بيد أن بوليساريو تصر على إجراء استفتاء على الاستقلال برعاية الأمم المتحدة. وقالت بوليساريو مطلع العام الحالي إنها مستعدة للدخول في مفاوضات مباشرة مع المغرب في شأن المنطقة المتنازع عليها. ولم يعقد الجانبان أي مفاوضات مباشرة منذ العام 2012، فأين إيران من هذه المفاوضات؟ الواقع أنه يمكن أن نخلص إلى أن هذه كلها أسئلة قد تعيد بعثرة أوراق العلاقات المغربية الإيرانية، التي بالكاد استعادت نسقها العادي بعد تعيين السفير المغربي في طهران واستقباله رسمياً من طرف الرئيس حسن روحاني. فهذه معركة ديبلوماسية، ولا يجب أن تطرق إلى صراع مذهبي طائفي.

فإذا كان التعرف على أية مشكلة هو طريق حلها، فإنه ينبغي أن نقوم بدراسة المشكلة الطائفية بهدوء وموضوعية. ولا يعقل أن يجري حوار بين الأديان، ولا يدور حوار بين فرق وطوائف ومذاهب المسلمين أنفسهم، فعلى الجميع تبني دعوة إلى حوار دائم بين الفرق والمذاهب الاسلامية في عموم العالم الاسلامي، وفي المغرب منفردة أيضاً.

ذلك أن في الدين قواعد لا يجوز أن يختلف عليها الناس. واجتهادات مبنية على أدلة ظنية لا يجوز أن تكون سببًا لاختلافِ الأمةِ، وانما مدعاة للحوار والنقاش. والخلاف بين الشيعة والسنة لا يدور حول القواعد الثابتة، وانما يتعلق بالقضايا الاجتهادية القائمة على أساس الأدلة الظنية. وأن الخلاف المذهبي (الشيعي – السني)، اذا كان يحمل في نشأته أي معنى، فان جماهير المسلمين من الطائفتين لا يدركون اليوم له أي معنى أو مضمون، وآن له ان يدفن في مقابر التاريخ وعلى أي حال فان انقراض العباسيين والفاطميين والعلويين، وقيام الأنظمة الجديدة الملكية والديموقراطية، وضع المسلمين من كل المذاهب أمام مرحلة جديدة من الوحدة على أساس إسلامي أو اقليمي أو قطري أو قومي، وبناء مجتمعاتهم السياسية الموحدة على أساس التعايش والمساواة والعدالة بغض النظر عن هوياتهم الطائفية.

يبقى في النهاية أن المهم هي إرادة التعايش وبعدها تهون الأمور. وان ترك الأمور السلبية بين الطوائف المختلفة ليس في صالح الوحدة والتعايش المشترك، ولا يجوز دفن الرؤوس في الرمال، وإنما تجب المبادرة إلى معالجتها بروح أخوية، بعيدًا عن التضخيم والتهويل والحرب الإعلامية.

الوسوم

المركز الديمقراطى العربى

المركز الديمقراطي العربي مؤسسة مستقلة تعمل فى اطار البحث العلمى والتحليلى فى القضايا الاستراتيجية والسياسية والاقتصادية، ويهدف بشكل اساسى الى دراسة القضايا العربية وانماط التفاعل بين الدول العربية حكومات وشعوبا ومنظمات غير حكومية.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق
إغلاق