الشرق الأوسطتقدير الموقفعاجل

الـقــمـة الــروســيـة ـ الأمـريـكـيـة: المـضـامـيـن والـتـوقـعـات

اعداد  : أميرة أحمد حرزلي، باحثة علوم سياسية وعلاقات دولية، جامعة باجي مختار / عنابة  

  • المركز الديمقراطي العربي 

مقدمة

تعتبر القمة الروسية الامريكية التي عقدت بهلسنكي عاصمة فنلندا في 16 جويلية 2018 قمة تاريخية، ذلك لأنها تعقد لأول مرة بشكل مباشر بين البلدين منذ انتخاب الرئيس الأمريكي دونالد ترامب في 2016 وإعادة انتخاب الرئيس الروسي فلاديمير بوتين في 2018، يذكر ان ترامب وبوتين التقيا أكثر من مرة على هامش اجتماعات ومؤتمرات دولية في قمة العشرين   G20التي عقدت في هامبورغ بألمانيا في جويلية 2017 وقمة دانانج في نوفمبر لمنظمة اسيا ـ المحيط الهادي “ايبك” في الفيتنام من العام نفسه.

سبق انعقاد القمة جدل ولغط كبيرين حول من موعد انعقادها ومن يعيق انعقادها، فروسيا أعلنت ترحيبها واستعدادها والولايات المتحدة الامريكية ترى بوجوب التحضير لها جيدا قبل عقدها، وترى روسيا أن الولايات المتحدة الأمريكية تعيش صراع بيروقراطي وسياسي غير مسبوق في إدارة ترامب، وفي إطار التحضير لها زار مستشار ترامب للأمن القومي جون بولتون روسيا في 27 / 06 /2018 لمناقشة القضايا الراهنة وتحسين العلاقات الامريكية الروسية، رغم أنه من أكثر مسؤولي الإدارة الأمريكية الحالية تشددا حيال روسيا[1].

تعتبر القمة مهمة لذلك يترقب العالم بفارغ الصبر ماذا سيتمخض عن القمة الكبار من اتفاقات وقرارات تهم العالم، وكيف ستنعكس نتائجها على القضايا الدولية الراهنة محل الخلاف الأمريكي الروسي خاصة النزاع السوري، يذكر أنه لم يفصح عن جدول أعمال مفصل للقمة، ولكن من المرجح أن قضايا كثيرة خلافية كالنزاع السوري والملف النووي الإيراني والعلاقات الروسية الأطلسية، التدخل الروسي في الانتخابات الامريكية 2016،الأزمة الاكرانية، سباق التسلح النووي، والأمن في شبه الجزيرة الكورية…محاور ومسائل مهمة للبلدين في القمة تتقدم وتتأخر كل مسألة عن الأخرى حسب أولويات ومصالح كل طرف. وعليه نطرح الإشكالية التالية:

    كيف تنعكس نتائج قمة بوتين ـ ترامب على القضايا الدولية الراهنة؟

  1. خلفية العلاقات الامريكية ـ الروسية

المتتبع لمسار للعلاقات الامريكية الروسية باعتبارهما قوتان عالميتان يلاحظ حجم التنافس والتوتر[2] الذي يشوب العلاقات في مختلف المجالات وعلى كامل جغرافيا العالم، فقد كتب الكيس دي تكفيل بأن العلاقات الروسية الامريكية سيصنعها التاريخ والجغرافيا و بعد نهاية الحرب الباردة وتفكك الاتحاد السوفياتي وصولا الى قمة هلسنكي ، فروسيا خرجت في تسعينات القرن الماضي مثقلة بمشاكل اقتصادية و سياسية وازمات اجتماعية وفقدت امبراطوريتها السوفياتية ، فبعد تراجع التيار الليبرالي الموالي للغرب ، صعد التيار القومي الشيوعي الذي ينادي بضرورة التخلي عن التوجه الغربي و بناء سياسة خارجية روسية تحترم أهداف ومصالح روسيا العليا ، وتعيد لروسيا مكانتها الإقليمية والدولية، وهنا بدأ الصراع الغربي الروسي يشتد في استلام بوتين للسلطة والقرارات التي اتخذها خلال أربع مرات والتي جعلت من روسيا منافس قوي يحسب له الغرب الف حساب.

  1. مضامين قمة ترامب ـ بوتين:
  • تطورات النزاع السوري: من بين القضايا المعقدة التي توتر العلاقات الروسية الامريكية بشدة في المنطقة العربية على خلفية التدخل الأمريكي في سوريا باسم “التحالف الدولي” بذريعة محاربة الإرهاب والقواعد العسكرية الامريكية المنتشرة في شمال وجنوب سوريا دون موافقة من السلطة الشرعية في سوريا، والالتزام التام بوقف إطلاق النار في مناطق خفض التصعيد خاصة تلك الواقعة في الجنوب السوري (درعا و القنيطرة ) ، والاختراق المتكرر لإسرائيل والجماعات المسلحة لها، كل ذلك يساهم في إطالة من امد النزاع ويعكر العلاقات بين البلدين.

    فضلا عن ذلك ترفض الولايات المتحدة الأمريكية واسرائيل أي دور لإيران وقوات حزب الله اللبناني في سوريا ودورهما المتعاظم في المنطقة الذي يقلقهما، مع العلم ان إيران ضمن الدول الضامنة لأي اتفاقات سياسية أو عسكرية أو إنسانية من شأنها تسوية النزاع السوري الى جانب روسيا وتركيا.

تناقش القمة الانتشار العسكري للقوات الأجنبية في سوريا والذي يعد محل خلاف كبير بين البلدين، فروسيا ترى في انتشار القواعد العسكرية الامريكية في كامل الجغرافيا السورية احتلالا وقوة غير شرعية ما دامت لم تدخل سوريا بإذن من الحكومة السورية والولايات المتحدة الامريكية تعتبره ضرورة لمحاربة الإرهاب، كذلك يعد التنسيق الأمريكي ـ التركي في العمليات العسكرية شمال سوريا امرا يعرقل التسوية السياسية حسب روسيا.

صرح بوتين في ختام قمته مع ترامب بشأن الوضع في سوريا أنه يجب تهدئة الأوضاع في جنوب سوريا والالتزام باتفاقيات فض الاشتباك بين السوريين والإسرائيليين في الجولان المحتل، ويجب التعاون الروسي ـ الأمريكي في تسوية النزاع السوري، في الأخير سلَم بوتين كرة قدم المونديال الذي اختتم قبل يوم من القمة إلى ترامب مُعبٍرا على أن الكرة الآن أصبحت في الملعب الأمريكي بشأن الوضع في سوريا.

  • الملف النووي الإيراني: أعلنت الولايات المتحدة الأمريكية خروجها رسميا من الاتفاق النووي الإيراني وفرض عقوبات اقتصادية جديدة وقاسية على ايران يوم 8 ماي من العام الجاري، بعد رفض طهران التعديل في بنوده، يذكر أن الاتفاق وقع في 14 جويلية 2015 من طرف مجموعة 5+1 وايران هي الدول الخمسة دائمة العضوية في مجلس الامن الولايات المتحدة الأمريكية وروسيا، فرنسا، بريطانيا، الصين بالإضافة الى ألمانيا[3]، وقد بررت الولايات المتحدة الأمريكية ذلك بأن الاتفاق لا يمنع ايران من مواصلة تخصيب اليورانيوم، وبالتالي سعيها إلى امتلاك السلاح النووي، وقد أكد ترامب أن الولايات المتحدة في عهد براك أوباما ارتكبت خطأ فادحا بتوقيع الاتفاق النووي على أساس انه لا يكبح جماح ايران ولا يقضي على طموحاتها النووية ولا على توسع نفوذها في المنطقة، رغم تأكيد الوكالة الدولية للطاقة الذرية وبقية الدول الموقعة التزام ايران بكافة شروط الاتفاق.

     روسيا من جهتها حذرت من الخطوة الامريكية وتداعياتها على الامن الدولي، وقد أعلنت عبر وزير خارجيتها سيرغي لافروف ان الاتفاق مع ايران يجب ان يبقى المرجعية الجوهرية الوحيدة لأي مفاوضات لاحقة بشأن هذا الملف و يجب الحفاظ عليه [4]، وأكد بوتين في المؤتمر الصحفي في ختام القمة الروسية الأمريكية أن الموقف الروسي واضح من الاتفاق النووي الإيراني ولن يتغير.

  • العلاقات الروسية الأطلسية: عاد الجدل يطفو الى السطح من جديد بشأن طبيعة العلاقات الروسية الأطلسية التي في الحقيقة لم تغب أصلا عنها منذ نهاية الحرب الباردة هل هي علاقات تحالفية ام تنافسية أم استراتيجية ام علاقات عدائية، فروسيا ترى ان الحلف الأطلسي ما يزال منذ الحرب الباردة يهدد الامن القومي الروسي، فقد رأى وزير الدفاع الروسي ان البنى التحتية العسكرية الأطلسية تقترب من الحدود الروسية.

سبق القمة الروسية ـ الامريكية قمة أوروبية للحلف الأطلسي NATO في بروكسل في 11 ـ 12 جويلية الجاري، التي شابها العديد من الخلاف حول رفع من ميزانية الدفاع والامن العسكري الأوروبي من 2% الى 4% كما تريد الولايات المتحدة وهذه نقطة خلاف بين دول حلف الأطلسي نفسه، بحيث يرى ترامب ان بلاده تنفق الكثير من المال على امن أوروبا وهذا يشكل عبء عليها وعلى أوروبا ان تتحمل مسؤولية من هذا العبء، رفضت قادة أوروبا الطرح الأمريكي ومقترحات ترامب معتبرينها تدخلا في شؤونهم.

وقد اتهم ترامب خلال قمة حلف الناتو ألمانيا وأوروبا بشكل عام بأنها رهينة امدادات الطاقة الروسية وانتقد مشروع السيل الشمالي 2 الروسي ويرى أن الغاز الأمريكي أفضل منه، وهو ما نفته ورفضته ألمانيا التي تخوض حربا تجارية مع الولايات المتحدة الامريكية.

  • التدخل الروسي في الانتخابات الامريكية 2016: ما يزال الجدل قائما حول التدخل الروسي في الانتخابات الامريكية في 2016 خاصة ما كشفته الاستخبارات الامريكية حول قيام 12 ضابط روسي بقرصنة بيانات أكثر من مليون الناخب الأمريكي لتغيير نتائج الانتخابات، رغم النفي والرفض الروسي المتكرر لهذه الاتهامات، وقد رأى ترامب أن هذه المسألة غير صحيحة والفوز على منافسته هيلاري كلينتون كان سهلا، وقد صرح الرئيس الروسي بأنه فرح عندما فاز ترامب بالسلطة لأنه وعد بإعادة اصلاح العلاقات الروسية الامريكية، وتبقى القضية محل جدل الى أن يفصل فيها القضاء الأمريكي.
  • الازمة الأوكرانية: من القضايا التي تعكر صفو العلاقات الامريكية الروسية، فضم شبه جزيرة القرم في 2014 إلى الأراضي الروسية تعتبره الولايات المتحدة الأمريكية عملا غير مقبول وغير شرعي، اما روسيا فأكدت على شرعية ضم شبه جزيرة القرم الى الدولة الروسية على اعتبار التاريخ المشترك وصلات القرابة خاصة وأنه اجري عبر استفتاء شعبي لسكان القرم الذين صوتوا بأغلبية ساحقة على الانضمام الى روسيا وبحضور مراقبين أمميين.

   ظهر هذا تباين بشكل واضح حول الازمة الأوكرانية في المؤتمر الصحافي في ختام القمة، حيث أصر كل طرف على موقفه ومصالحه هناك.

  • سباق التسلح النووي: تعزز قضية التسلح النووي لكل من روسيا والولايات المتحدة الامريكية الخلافات الجوهرية بينهما، فتعزيز الترسانة الاستراتيجية النووية لروسيا بأسلحة جديدة فائقة القوة والدقة التي تثير هواجس أمنية للولايات المتحدة الامريكية والعكس صحيح، ويسمى هذا في علم العلاقات الدولية ” المعضلة الأمنية ” التي تنجم عن سباق التسلح بمعنى في حالة زيادة الدولة (أ) لقوتها العسكرية يبعث برسالة الى الدولة (ب) بأنه تهديد لكيانها وترد الدولة (ب) بزيادة  قوتها كردة فعل فتفهمها الدولة (أ) تهديد لها، وهكذا تدخل الدولتان في سباق تسلح غير منتهي و قد يؤدي في أسوء الأحوال الى اندلاع حروب.

وقد قدم بوتين في هذا الشأن ورقة اقتراحات تتضمن خفض التسلح للبلدين، فقد سعى الطرفان الأمريكي والروسي ولو باتفاق شكلي في هذه القمة الى الحد من سباق التسلح النووي لهما وفتح قنوات اتصال وحوار لضمان الامن الدولي بعيدا عن القوة العسكرية.

  •   الأمن في شبه الجزيرة الكورية: يشكل الامن في شبه الجزيرة الكورية نقطة التقاء في الموقفين الروسي والأمريكي ويبقى الخلاف في طريقة كل منهما في إرساء ذلك، فالرئيس بوتين أثنى على القمة التي جمعت الرئيس الأمريكي دونالد ترامب والكوري الشمالي كيم جونغ أون في سنغافورة في 12 جوان 2018 للتفاوض حول اخلاء شبه الجزيرة الكورية من الأسلحة النووية مقابل تسهيلات اقتصادية ورفع العقوبات تدريجيا مع نزع كوريا الشمالية لأسلحتها النووية، في الظاهر رحبت روسيا  حسب أول تعليق لها على القمة الامريكية الكورية الشمالية، ولكن في نفس الوقت أكدت أنه يجب الأخذ بعين الاعتبار اقتراحات ومصالح الدول الأخرى أي روسيا والصين في هذه القضية[5].
  • مكافحة الإرهاب الدولي: الانتشار الخطير للإرهاب في العالم لم يغب عن القمة حيث أعلن الرئيسان ضرورة مكافحة الإرهاب الدولي وتنسيق الجهود الدولية في ذلك، حيث اقترح بوتين على ترامب إنشاء مجموعة عمل مشتركة تتكون من الخبراء والعسكريين … تعزز التعاون الدولي في مكافحة الإرهاب.
  1. التوقعات:

لا يمكن رفع سقف التوقعات عاليا ليس من باب التشاؤم بل واقعية قضايا العلاقات الدولية المعقد وتشابك المصالح الدولية تفرض ذلك، حيث لا يمكن توقع الكثير من قمة هلسنكي بين الولايات المتحدة الامريكية وروسيا، ذلك لان مصالح روسيا والولايات المتحدة الامريكية عبر العالم وفي مختلف المجالات متشابكة وتاريخ العلاقات بين البلدين مليء بل التوترات، فضلا عن ذلك القمة غلب عليها الطابع الدبلوماسي البروتكولي ولم تخرج بقرارات حاسمة ومهمة في القضايا الدولية كالنزاع السوري والأوكراني… و بقية دون حلول ملموسة في ظل تمسك كل طرف بموقف ومصالح بلاده الخارجية.

خاتمة:

ناقشت قمة هلسنكي مسائل خلافية مهمة ومقلقة لروسيا والولايات المتحدة الامريكية كتطورات نزاع في سوريا و الازمة الأوكرانية والملف النووي الإيراني، العلاقات الروسية الأطلسية، الامن في شبه الجزيرة الكورية …و اختتمت دون حلول نهائية وحاسمة لتلك القضايا، ذلك لان البراغماتية اضطلعت بدورا بارز فيها حيث بقي كل طرف متمسك بثوابت بلاده، حسب ما ظهر في المؤتمر الصحافي في ختام  القمة، وفي الحقيقة لا يمكن توقع حلول سحرية سريعة لكل هذه المسائل الجوهرية المعقدة في قمة واحدة في يوم واحد دامت لساعات قليلة، لكنها تعتبر بداية إيجابية لعقد لقاءات أخرى موسعة ومثمرة بالنظر للصعوبات التي سبقت انعقادها، وربما نشهد في قادم الأيام تجسيدات لبعض مما اتفقت عليه روسيا والولايات المتحدة الامريكية في القمة وغدا لناظره قريب.

[1] ـ تفاؤل بتقارب موسكو مع واشنطن بعد زيارة بولتون، موقع ارم نيوز، 27/ 06 / 2018 ، على الرابط الالكتروني:

https://www.eremnews.com/news/world/1390391

[2]ـ هالة حميد، العلاقات الامريكية ـ الروسية بعد 2003: المسار والمستقبل، جامعة بغداد ، ص 22 .

[3] ـ رفعت سليمان، ترامب يعلن انسحاب الولايات المتحدة من الاتفاق النووي مع ايران، موقع روسيا اليوم، 08/ 05 / 2018، على الرابط الالكتروني:

https://arabic.rt.com/world/942817

[4] ـ محمد حجاب، تداعيات انسحاب امريكا الاتفاق النووي الإيراني، موقع الاهرام، 07 / 05 / 2018، على الرابط الالكتروني:

http://www.ahram.org.eg/News/202639/115/650221/

[5] ـ أول تعليق من موسكو: عقد قمة ترامب وكيم أفضل من التهديد بإزالة بعضهما بعضا من وجه الأرض ، موقع روسيا اليوم ، 12/ 06 / 2018 ، على الرابط الالكتروني :

https://arabic.rt.com/world/949892

  • خاص – المركز الديمقراطي العربي
الوسوم

المركز الديمقراطى العربى

المركز الديمقراطي العربي مؤسسة مستقلة تعمل فى اطار البحث العلمى والتحليلى فى القضايا الاستراتيجية والسياسية والاقتصادية، ويهدف بشكل اساسى الى دراسة القضايا العربية وانماط التفاعل بين الدول العربية حكومات وشعوبا ومنظمات غير حكومية.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق
إغلاق