fbpx
الشرق الأوسطتحليلاتعاجل

قضية مسعود أوزيل في سياقها الأوسع: كيف أصبح الفتى المدلل “كبش فداء”؟

اعداد : أ. أمين اليافعي – كاتب وباحث – اليمن – مقيم في ألمانيا

  • المركز الديمقراطي العربي

أحدثت كلمات اللاعب الألماني من أصول تركية مسعود أوزيل عاصفة شديدة من الجدل والنقاش الحادين في أوساط الرأي العام الألمانية، وعلى كافة المستويات؛ السياسية والاجتماعية والرياضية وحتى الثقافية المهتمة بقضايا الاندماج والتي كانت تُقدّم أوزيل كواحد من أفضل رموز الاندماج، وتم منحه في العام 2010 أرفع جائزة للاندماج الناجح المعروفة بجائزة بامبي.

وفي بيانه الطويل الذي نشره على موقع التواصل الاجتماعي (تويتر) وأعلن فيه اعتزاله اللعب مع المنتخب الألماني، اشتكى اللاعب من تصرفات وألفاظ عنصرية طالته من قِبل الاتحاد الألماني لكرة القدم، ووسائل الإعلام ، وبعض الجمهور الألماني، مبدياً تضايقه الشديد من التركيز على أصوله التركية، وتقديمه وحده ككبش فداء لأداء المنتخب الباهت ، ومحاولة الإعلام تأليب الأمة الألمانية ضده، على حد تعبيره، وتنكرهم لإنجازاته السابقة، والتشكيك الدائم في ولائه وألمانيته، والتي كثّفها بعبارة كان لها وقع مؤثر جدا ( أنا ألماني عندما نفوز، ولكنني أصبح مجرد مهاجر عندما نخسر)، العبارة التي انتشرت كالنار في الهشيم في وسائل الإعلام العالمية ومواقع التواصل الاجتماعي.

كان لقاء أوزيل وزميله إلكاي غوندوغان، لاعب المنتخب الألماني الآخر من أصول تركية، بالرئيس التركي أردوغان في لندن قد ولَّد أزمة عميقة جداً، وأخذت أبعاد مختلفة، استدعت تدخل كبار المسئولين في الدولة الألمانية. ومع إن المستشارة انغيلا ميركل حاولت الدفاع عن اللاعبين بقولها انهما لم يُدركا العواقب، وقد نصحت الجمهور الألماني بالتصفيق لهما في أرض الملعب ونسيان ما حدث في مقابلة تلفزيونية اُجريت معها قبيل انطلاق بطولة كأس العالم في روسيا، فضلاً عن اجتماع شهير للرئيس الألماني فرانك شتاينماير باللاعبين لتلطيف الأجواء وامتصاص الغضب الشعبي، إلا أنه لم يتم التعامل مع الأزمة كما يجب، وهذا ما أشار إليه اللاعب الألماني من أصول عربية سامي خضيرة، في إحدى الحوارات مع صحيفة “شبورت بيلد” الألمانية: “كانت القضية أكبر بكثير مما كان يُعتقد داخل أروقة الاتحاد الألماني لكرة القدم، وكان من المفترض التعامل معها بشكل أكثر عمقا”.

ربما ساد التعويل على تقديم نتائج جيدة في بطولة كأس العالم لنسيان ما جرى وتخفيف وطأة الأزمة، لكن فضيحة الخروج من الدور الأول في ذيل المجموعة وبطريقة لم تحدث منذ العام 1938م كانت ضربة لا تُحتمل، مما سمح للأزمة أن تأخذ أبعاداً عاصفة لم تكن في الحسبان قط.

الأزمة في سياقها الأوسع:

لم تكن هذه هي المرة الوحيدة التي يظهر فيها مسعود أوزيل في صورٍ تجمعه بالرئيس التركي الحالي رجب طيب أردوغان، فقد تعددت اللقاءات التي جمعتهما منذ لقائهما الأول في العام 2010 بعد مباراة بين المنتخبين الألماني والتركي في العاصمة برلين، فكيف يُمكن لأزمة أن تأخذ كل هذه الأبعاد من النقاش والجدل الجارف على خلفية صورة تكررّت مراتٍ عديدةً دون أن تُثير أي اعتراض في السابق. هذا ما سنحاول أن نستكشفه من خلال سبر أغوار الأزمة في سياقها الأوسع.

ومما لا شك فيه أن خروج المنتخب الألماني من بطولة كأس العالم وبطريقة دراماتكية لم تتكرر منذ 80 عاماً كان السبب الأخير الذي دفع بالأزمة إلى أن تتفجر بقوّة وتأخذ مداها الأوسع، خصوصاً وأن لقاء أوزيل وغوندوغان بأردوغان تم قبل أيام قليلة من انطلاق البطولة، لكن يبقى هذا السبب على أهميته أشبه برأس جبل الجليد الذي يخفي تحته كُتل كبيرة من التعقيدات والقضايا والأزمات، ولو كان مثل هذا الخروج قد حدث في ظروف اعتيادية، لما كان للقضية أن تأخذ كل هذا الاهتمام الصاخب.

أحد أهم الأسباب، بالإضافة إلى توقيت اللقاء، يرجع إلى التطورات الكبيرة التي حدثت في تركيا خلال السنتين الماضيتين، سواء تلك المتعلقة بممارسات تعسفية تجاه الحريات العامة في تركيا ينتهجها النظام الحاكم تجاه معارضيه ومنتقديه، وظهور نزعات استبدادية وتسلطية مفرطة لدى أردوغان مما جعله محط نقد عنيف في كل وسائل الإعلام الألمانية، أو تلك المتعلقة بتوتر العلاقات الرسمية بين برلين وأنقرة على خلفية قضايا عديدة، من ضمنها محاولة النظام التركي التأثير على الجالية التركية وكذلك الألمان من أصول تركية ودفعهم إلى تبني خيارات تصب لصالح سياسيات وغايات السلطان العثماني الجديد. لهذا السبب، وبعد ظهور أوزيل مع أردوغان، وجد الأول نفسه وحيداً في معركة طاحنة كانت كل السهام مصوبة إليه. فاليمينيون فَرِحوا بهذه الهدية الثمينة، وحاولوا تقديمها كدليل قاطع على زعمهم القائل بعدم وجود ولاء لدى الألمان من أصول أجنبية؛ خصوصاً أنها جاءت من شخص فُتِحت له كل سُبل وفرص وأفاق النجاح الكبير، بينما كانت الجماعات ذات التوجهات الليبرالية تُعنّف اللاعب بشدّة على وقوفه بجانب رئيس بات في الفترة الأخيرة واحد من أكثر الزعماء العالميين المكروهين لدى الأوساط الألمانية.

في موازاة ذلك، كانت التطورات والتغيّرات الداخلية التي تحدث في ألمانيا كبيرة جداً مع قدوم موجات كبيرة من اللاجئين في العام 2015، ومعظمهم مسلمين، وقد أثرّت بالضرورة على طبيعة النقاشات المحتدمة واتجاهات الرأي العام، بحيث صارت مواضيع اللاجئين والهجرة والأجانب في صدارة النقاشات العامة، وحاضرة بقوة في صلب الغالبية العظمى من قضايا ومواضيع الساعة الألمانية حتى تلك التي تبدو لا روابط بينهما.

ومع إن الغالبية الساحقة من الألمان استقبلوا اللاجئين بكل ترحاب وفرح حتى بدت الصورة في أول الأمر كملحمة أسطورية من التضامن والاقدام والإيثار لمساعدة مئات آلاف الهاربين من الموت ممن كانوا يتدفقون يومياً على المُدن الألمانية، إلا أن صعود نجم الحركات اليمينية المتطرفة، وبفعل أسباب كثيرة لا يتسع المجال لذكرها، واستغلالها لأخطاء وجرائم كان أبطالها لاجئين في سبيل تكريس صورة نمطيّة في منتهى السوء عن الأجنبي، والعربي والمسلم على وجه التحديد، فتكون ديناميت دعايتها السياسية وتوجهاتها المعادية للأجانب، وقد نجحت من خلالها في استقطاب جمهور واسع من الأنصار والمؤيدين أوصلها في الانتخابات الأخيرة إلى تحت قبّة البرلمان كثالث أكبر كتلة نيابية، وللمرة الأولى منذ الحرب العالمية الثانية.

الرهانات الخاسرة:

كان مسعود أوزيل يُمثل رمز كبير في خلفية وعمق هذا الصراع، سواء كان يتم استدعاءه بصورةٍ واعيةٍ أم غير واعيةٍ، خصوصاً في بلد تحظى فيه لعبة كرة القدم بشعبية جارفة، ويسعى المجتمع من خلال تحقيق الانتصارات إلى التعويض نفسياً عن أي خيبات أو انتكاسات أو حتى الهروب من المشاكل الداخلية والضغوطات اليومية.

وأوزيل، المسلم، ينتمي إلى جالية (التركية) تُعد الأكثر انعزالاً وتقوقعاً على ذاتها، ويُنظر إليها كجماعة موازية داخل المجتمع الألماني، بجانب الجالية العربية، مع الفارق الكبير في نسبة الجاليتين لصالح الأولى، ولطالما استغلت الجماعات اليمينية المتطرفة تلك الحالة الانعزالية لتُعزز مشاعر الفزع والخوف لدى الألمان من الأجنبي. في هذا السياق كان رهان الجهات الرسمية، والنُخب والمناصرين للانفتاح والتعايش في مجتمع متعدد الثقافات، وما زال، كبيراً جدا على مسعود أوزيل لتفنيد مزاعم اليمين المتطرف عملياً ولإظهار صورة مشرقة عن النجاح الذي حققته سياسة الاندماج حتى مع تلك الجماعات المنغلقة على ذاتها، خصوصاً بما يمثله اللاعب من رمزية شديد الدلالة والتأثير، من جهة أصوله وديانته وموقع جماعته في المجتمع وسياق الأحداث والتجاذبات الحادة بخصوص الأجنبي التي أصبحت تعصر النقاشات العامة عصرا. لقد نجح هذا الرهان لسنواتٍ طويلةٍ، وبصورةٍ مذهلةٍ، ولكن هذه المرة لم يكن حتى في مستوى أدنى التوقعات تشاؤما، وقد يعود جزء كبير من الغضب تجاه اللاعب مردّه خيبة أمل كبيرة، ليجد مسعود أوزيل نفسه في نهاية المطاف كـ”كبش فداء” لكل التوقعات والرهانات الخائبة السياسية والثقافية في المقام الأول، والإحراج الكبير الذي اعترى النخب أمام خصومها من اليمينين.

من وجهة نظر رياضيّة، كانت التقارير الصحفية تصف مسعود أوزيل بأنه اللاعب المفضل والمدلل لدى مدرب المنتخب الألماني يواخيم لوف، ولسنواتٍ طويلةٍ، فالأخير يُحبذ الطريقة التي يلعب بها أوزيل. وربما قد تكون أحد الأسباب غير المباشرة لهذه الأزمة هي أن الانسجام والتناغم بين المدرب واللاعب، وكذلك تعلّق المدرب نفسياً وعاطفياً بالجيل الذي حقق معهم بطولة كأس العالم في عام 2014، جعله غير قادر على اتخاذ قرارات قاسية لاستبعاد بعض اللاعبين ممن تراجع مستواهم كثيراً، كأوزيل وتوماس مولر وسامي خضيرة وآخرين، وقد كانت النتائج السلبية في المباريات الودية قبيل البطولة كفيلة بدفعه عنوة إلى إجراء تعديلات هامة على التشكيلة، لكنه لم يفعل سوى في مباراة السويد، وهي بالمناسبة المباراة الوحيدة التي فاز بها. وبالنسبة لمسعود أوزيل فبالرغم من تراجع مستواه الفني في السنوات الأخيرة حتى استدعى الأمر مدربه السابق في الارسنال أرسين فنجر إلى توجيه نقد شديد له بسبب عدم قتاله على الكرة خصوصاً عندما تفقد منه، فضلاً عن ضعفه البدني الذي يظهر بقوة في الجزء الأخير من المباراة، لكن وفي نفس الوقت، ودون وضع اعتبار لكل هذه المعطيات الواضحة، كانت الآمال والرهانات كبيرة بقدرة اللاعب على تبديد كل الانتقادات التي وُجِهت له على خلفية إشكاليات كثيرة: اللقاء مع أردوغان وإهداءه قميصاً مكتوب عليه “إلى رئيسي المُبجل”، عدم ترديده للنشيد الوطني الألماني في بداية كل مباراة،  التزامه الصمت وعدم تقديم أي توضيح لملابسات كل ذلك على عكس ما فعل زميله غوندوغان مما خفف عنه كل الضغط وجعل جميع السهام موجهة صوب أوزيل فقط. وقد تجلى هذا الرهان الكبير في حديث المسئولين عن الكرة الألمانية وبنوع من التفاؤل المفرط بان أوزيل سيرد على كل تلك الانتقادات بأقدامه في الملعب. وباعتقادي الشخصي، لو لم يُعط أوزيل فرص كبيرة في المباريات وكنوع من الرهان على إحداث مفاجئة سارة اشبه بمعجزة، بجانب زملاءه ممن تراجع مستواهم، لما كانت النقاشات والانتقادات قد وصلت إلى هذا الحد القاسي، ولربما كان بإمكان البدلاء تقديم نتائج أفضل لتعمل بطريقة ما على تهدئة الجماهير ذات الحماس الملتهب وتخفيف التركيز على قضية أوزيل وكما حدث في المباراة مع السويد. ثم زاد التعاطي مع هذه القضية سوءاً وحدّة حينما خرج رئيس الاتحاد الألماني رايهارد غريندل ومدير المنتخب أوليفر بيرهوف ليدليا بتصريحات فُهِمت على أنها محاولة لتقديم أوزيل كـ”كبش فداء” لهذا الخروج المُهين من البطولة، فكانت هي أخرى هدايا ثمينة لليمين المتطرف (لكن من الموضوعي ذكره هنا أن الاتجاه العالم للإعلام الألماني اعترض بشدّة على هذه التصريحات، ورفض تحميل لاعب واحد تبعات الخسارة النكراء مهما كان حجم أخطاءه، الرياضية وغير الرياضية، على أن أوزيل لم يُشر إلى ذلك في بيانه وهو بصدد اتهام الإعلام بتأليب الجماهير ضده، كما لم يشكر أو يُشر إلى النخب التي قامت بالدفاع عنه ضد هذه الاتهامات).

في بيانه الطويلة الذي رد به على منتقديه، واشتكى من تعرضه للعنصرية من قبل رئيس اتحاد كرة القدم والإعلام وكثير من المشجعين الألمان، بدت كلمات أوزيل عاطفية جداً. وعلى الرغم من الضجة التي أحدثتها، وكشفها عن تجاوزات وسلوكيات عنصرية مشينة هي موجودة بالفعل ولا يستطيع أحد إنكارها، إلا أن تبريره للقاء مع الرئيس التركي كان باهتاً وفيه الكثير من الاستخفاف حيث أصر على القول بأنه لم يكن هنالك أي هدفٍ سياسيٍّ يقف خلف هذا اللقاء، فضلاً عن وقوفه بجانب رئيس بات محط انتقادات لاذعة بسبب تعدياته السافرة على الحريات العامة في تركيا دون أن يعني له ذلك شيئاً، وكان الأمر يتطلب منه بعض الشجاعة وتقبل النقد في جانبه الموضوعي وليس تقديم تبريرات مخاتلة. ومن أبرز انفعالاته العاطفية رداً على منتقديه، هو ذلك التناقض الفاقع الذي وقع فيه، فمن جهة عاتب بشدة الإعلام بسبب التركيز على اصوله التركية عند توجيه انتقادات له بينما لا يتم التعامل مع زملاءه الأخرين من ذوي الأصول المهاجرة بالمثل،(وهو ذكر على نحو خاص لاعبي المنتخب الألماني السابقين من أصول بولندية لوكاس بودولسكي وميروسلاف كوزه). لكنه في موضع آخر من البيان يعترف بأن له قلبان، أحدهم ألماني والآخر تركي، وفوق ذلك يحرص على لقاء الرئيس التركي باستمرار، ولا يُردد النشيد الوطني الألماني في كل مباريات المنتخب، بينما لا أحد من زملاءه الآخرين ذوي الأصول الأجنبية يفعل كل ذلك عداه!

خاتمة:

كشفت “أزمة أوزيل” عن الكثير من التجاذبات الانفعالات الحادة التي باتت تعصف بالنقاش العام في ألمانيا خلال الفترة الأخيرة، بل كانت حالة شديدة التكثيف لهذه التجاذبات والانقسامات نظراً لارتباطاتها وتعقيداتها الكثيرة التي أشرنا إليها أنفا، لكن هذه الأزمة في محصلتها النهائية، ومنذ ظهور الصورة مع الرئيس التركي إلى غاية نشر أوزيل لرسالته شديدة اللهجة والغضب من كل شيء، ستصب في صالح تعزيز مزاعم ودعاوى الحركات اليمينية المتطرفة سواء من خلال محاولتها إثبات عدم ولاء الأجانب لبلدهم الجديد، أو من خلال دفع الجاليات الأجنبية، خصوصاً التركية والمسلمة، إلى التخندق أكثر خلف أسوار انغلاقها وعزلتها، فتكون نقطة إضافية في صالح التوجهات المعادية للأجانب، بينما ستواجه السياسات والبرامج الرسمية والتوجهات النخبوية والعامة الساعية إلى توثيق عرى الانفتاح والاندماج وتمتين أواصر التعايش بين الثقافات المزيد من المعوقات والعقبات. لقد كانت هذه الأزمة برمتها إنذار شديد اللهجة ينبغي التعامل معه بجدية أكبر.

الوسوم

المركز الديمقراطى العربى

المركز الديمقراطي العربي مؤسسة مستقلة تعمل فى اطار البحث العلمى والتحليلى فى القضايا الاستراتيجية والسياسية والاقتصادية، ويهدف بشكل اساسى الى دراسة القضايا العربية وانماط التفاعل بين الدول العربية حكومات وشعوبا ومنظمات غير حكومية.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق