الشرق الأوسطعاجل

استنزاف ثروات دول الخليج

بقلم : د. رامى عاشور – عضو وفد مصر لدى منظمة اليونسكو – زميل كلية الدفاع الوطنى،

أكاديمية ناصر العسكرية العليا

تحرير: محمد ثابت حسنين – باحث فى العلوم السياسية – المركز الديمقراطي العربي

  • المركز الديمقراطي العربي

كشفت الولايات المتحدة الأمريكية الغطاء عن صفقة الأسلحة التى عقدتها مؤخرا مع كلا من الكويت والبحرين، وكان الرقم المعلن عن قيمة الصفقة تحدد بمبلغ مقداره 110 مليون دولار، حيث كانت تفاصيل الصفقة على النحو التالى: وقعت الكويت على صفقة لشراء 300 صاروخ من طراز  “AGM-114”  بقيمة 30.4 مليون، بينما وقعت البحرين على صفقة بقيمة 80 مليون دولار؛ لشراء 28 منظومة  “TWO” المضادة للدبابات.

وجدير بالذكرهنا، حينما تولى ” ترامب ” السلطة فى الولايات المتحدة الأمريكية، صرح بوجوب دفع دول الخليج مبالغ مالية نظير الحصول على الحماية الأمريكية، وقد تناولت وسائل التواصل الاجتماعى مقطع يعود لسن مبكر للرئيس الأمريكي يحتوى على وعد لناخبيه أنه فى حال أصبح رئيساً للولايات المتحدة؛ فسوف يطالب تلك الدول بدفع المقابل المالى للحماية التى يحظون بها، والملاحظ من تلك التصريحات أن تلك الأموال لا تعد مقابلاً للحصول على الأسلحة الأمريكية فقط، ولكن الحماية هنا يدخل فى طيها الحماية السياسية والعسكرية.

    لقد علمتنا أدبيات العلوم السياسية، أن العلاقات الدولية لا يحكمها سوى مبدأ المصلحة الوطنية؛ لذا ترسم الدولة سياستها الخارجية وفقاً لذلك المبدأ، من أجل الوصول إلى غايتها المنشودة بتحقيق هذا الهدف، ومن ثم تضع الدولة كل إمكانياتها وأجهزتها تعمل، ليس إلا من ثنايا تعظيم مكاسبها فى مقابل العالم الخارجى المتمثل فى الدول الأخري أعضاء المجتمع الدولى، والولايات المتحدة شأنها هنا شأن الدول الأخرى تسعى وتضع أجندتها لتحقيق مصلحتها الوطنية؛ ونجد هنا أنها تحركت وفقاً لذلك، ورسمت خطة محكمة لاستنزاف ثروات تلك الدول- أى دول الخليج – وتمثلت الخطة فى ضرورة خلق عدو قوى لهذه الدول يفوق فى قوته وامكانياته دول الخليج قاطبة، ولم تجد الولايات المتحدة الأمريكية أفضل من إيران للعب ذلك الدور؛ فإيران دولة إسلامية تتبع المذهب ” الشيعى “، بينما دول الخليج دولاً إسلامية تتبع المذهب ” السنى ” والعداء والضغينة بين الطرفين قائمة بالفعل، فدعمت الولايات المتحدة الأمريكية الدولة الإيرانية وزادت من إمكانياتها وقوتها، بل وعززت الفجوة المتواجدة بين الطرفين، وكان لها فى نهاية المطاف ما وضعت من أجله تلك الخطة، فلقد هرولت دول الخليج تطلب النجدة والحماية من الولايات المتحدة الأمريكية .

 وبناءً على ماسبق، استطاعت الولايات المتحدة الأمريكية فى منتصف عام 2017 توقيع أكبر صفقة عرفتها البشرية مع الجانب السعودى قدرت قيمتها بمبلغ 400 مليار دولار تقريباً، خلال زيارة الرئيس الأمريكي ” ترامب ” و زوجته و ابنته، و فى خلال فترة قصيرة جداً لم تتجاوز الشهر الواحد، استغلت الولايات المتحدة النزاعات البينية التى نشأت عقب الزيارة بين قطر و كلاً من السعودية والإمارات والبحرين ومصر، ووقعت صفقة منفردة مع دولة قطر قيمة الصفقة 100 مليون دولار، ويجب الإشارة هنا أن الجانب القطرى لم يسعى لإمتلاك السلاح بقدر سعيه لكسب الدعم الأمريكى وتخفيف حدة الحصار المفروض من جانب الدول سالفة الذكر.

     ويلاحظ الجميع هنا مدى براعة الجانب الأمريكي فى إختلاق الأعداء والأزمات البينية لتحقيق مصلحتها وتعظيم مكاسبها والنهوض بالإقتصاد الأمريكي على حساب الآخر، وقد يذهب البعض إلى تحليل مفاده أن إبرام تلك الصفقات الخاصة بالتسليح يصب فى مصلحة تلك الدول بجعلها أكثر قوة من إسرائيل، وهنا يمكن القول أن الولايات المتحدة الأمريكية والنظام السياسى هناك قائم على عدة ثوابت؛ من أهمها ضمان تفوق إسرائيل عسكرياً على الدول العربية مجتمعة وليس دول الخليج فقط، ومن ثم فإن الولايات المتحدة الأمريكية تعرف جيداً نوعية التسليح الذى تدعم به دول المنطقة، وتضع فى إعتبارها ضرورة تقدم جميع أنظمة التسليح التى تزود بها إسرائيل على ما عداها من أية أنظمة أخرى تمتلكها الدول العربية ، سواء من الولايات المتحدة أو بالحصول عليها من الدول الأخرى، وما يعزز ذلك الجانب، حينما قامت روسيا بتصدير منظومة صواريخ ” إس-300″ لمصر وإيران ؛ أدى ذلك إلى إنزعاج إسرائيل و سرعان ما أبرامت إدارة ” أوباما ” قبيل إنقضاء دورته ومغادرة البيت الأبيض بشهرين فقط صفقة تسليح منفردة مع إسرائيل لمدة 18 عام، وما يؤكد هذا الجانب أيضاً، تصريح البنتاجون عقب إبرام الصفقة مع دولة الكويت بأن تلك الصواريخ سوف تعزز من القدرات الدفاعية لدولة الكويت، ولكنها لن تغير من ميزان القوى فى المنطقة، ومن ثم فإن ما تم طرحه يثبت بما لا يدع مجالاً للشك حرص الولايات المتحدة على ضمان أمن إسرائيل؛ بضمان تفوقها العسكري.

   لقد حكم القارة الأوربية منذ قرون مبدأ حق العروش فى تقرير مصائر الشعوب لعقود طويلة، وكان يمثل واحدً من أظهر المبادئ التى تحكم دبلوماسية القارة الأوربية . وفى ل هذا المبدأ – والذى عرف أيضاً بمبدأ الشرعية – كانت السيادة تمثل خاصة من خصائص الملوك الشخصية، وكان مصير المدن والأقاليم – بسكانها – يتقرر تبعاً لمصير أصحاب العروش و إرادتهم ؛ والذين لا يعملون سوى من أجل المحافظة على عروشهم، ( وما أشبه الليلة بالبارحة )، التاريخ يعرف فى محتواه الاستنساخ؛ فلا جديد تحت الشمس أنه تعاقب الليل والنهار و دورة حياة الدول – أو إن شئنا – فكرة الصعود والهبوط، فدول الخليج والعديد من الدول فى عصرنا الحالى يحكمها نفس المبدأ الذى حكم القارة العجوز لقرون عديدة.

الوسوم

المركز الديمقراطى العربى

المركز الديمقراطي العربي مؤسسة مستقلة تعمل فى اطار البحث العلمى والتحليلى فى القضايا الاستراتيجية والسياسية والاقتصادية، ويهدف بشكل اساسى الى دراسة القضايا العربية وانماط التفاعل بين الدول العربية حكومات وشعوبا ومنظمات غير حكومية.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق
إغلاق