الشرق الأوسطتحليلاتعاجل

الأزمـة الـدبـلـومـاســيـة بــيـن الـسـعـــوديـة وكــنـدا: الخلفيات والتداعيات

 

اعداد : أميرة أحمد حرزلي، باحثة في العلوم السياسية والعلاقات الدولية،

جامعة باجي مختار، عنابة / الجزائر

  • المركز الديمقراطي العربي

مقدمة:

تمر العلاقات السعودية الكندية اليوم بأزمة دبلوماسية مفاجئة في سابقة خطيرة هي الأولى من نوعها في تاريخ العلاقات بين البلدين، حيث ان العلاقات بينهما قبل الازمة كانت طبيعية اذن هناك تعاون في المجال الاقتصادي والتجاري، علمي. شكل الانتقاد الكندي للسعودية فيما يخص تدهور حقوق الانسان الموضوع الأساسي للازمة الدبلوماسية بين البلدين، والفعل وردود الفعل والمواقف الدولية زادت من تصعيدها أكثر، لا نعرف بعد هل هي ازمة عابرة يمكن انهاؤها سريعا وبالتالي لن يكون لها تداعيات كبيرة وطويلة الأمد على العلاقات بين البلدين أم أنها أزمة كبيرة ستلقي بضلالها على مستقبل العلاقات بين البلدين، وعليه نطرح السؤال التالي:

كيف ستؤثر الازمة الدبلوماسية بين السعودية وكندا على مجالات التعاون بينهما؟

  1. خلفيات الازمة الدبلوماسية السعودية مع كندا

نشأت الازمة الدبلوماسية بين المملكة العربية السعودية وكندا على خلفية تصريح السفارة الكندية في الرياض قبل أيام 06 / 08 / 2018 بشأن اعتقال ناشطات عن حقوق الانسان على رأسها الناشطة السعودية سمر بدوي، حيث عبرت وزارة الخارجية الكندية عن” قلقها البالغ من الاعتقالات الإضافية لناشطات المجتمع المدني وحقوق المرأة في السعودية ومن بينهم سمر بدوي*”[1]، وطالبت السعودية بالإفراج فورا عن المعتقلين، ما اثار غضب السعودية واعتبرت التصريحات الكندية تدخل سافر في شؤونها الداخلية، موضحة على لسان وزير خارجيتها عادل الجبير بان المعتقلين عملاء يتعاملون مع جهات خارجية معادية ويشكلون خطر على استقرار المملكة ، وقد صرح الجبير عبر توتير قائلا ” الموقف الكندي مبني على معلومات مضللة و ان بلاده لن تقبل باي محاولة للتدخل في شؤونها الداخلية … وستتعامل مع ذلك بحزم”[2].

تجدر الإشارة ان الانتقادات بشأن ملف حقوق الانسان في السعودية ليست وليدة اللحظة بل لطالما انتقدت تقارير سابقة لمنظمة حقوق الانسان وجهات حقوقية أخرى أوضاع حقوق الانسان في السعودية بشأن المعارضين السياسيين لها، الصحافيين والمدونين كالمدون رائف بدوي شقيق الناشطة سمر بدوي الذي حكم كليه بالسجن 10 سنوات و 100 جلدة لانتقاده على موقعه الالكتروني ” الليبراليون السعوديون هيئة الامر بالمعروف و النهي عن المنكر و رجال الدين[3]، و حقوق المرأة …

  1. تطورات الازمة الدبلوماسية بين السعودية وكندا

    تفاعلت سريعا الازمة الدبلوماسية بين البلدين حيث اخدت منحى تصعيدي فاستدعت الرياض سفيرها في كندا للتشاور وامهلت السفير الكندي لديها 24 ساعة لمغادرة المملكة باعتباره شخصا غير مرغوب به في المملكة حسب ما هو متعارف عليه في العلاقات الدبلوماسية، واحتفظت السعودية بحقها في اتخاذ إجراءات إضافية أخرى، في المقابل علقت كندا أنها لن تتخلى عن جهودها لحماية حقوق الانسان، و في الوقت نفسه أبدت استعدادها للتواصل مع السعودية حسب الناطقة باسم الحكومة الكندية ماري بيير باريل ” اننا نشعر بالقلق الشديد و نريد التواصل مع المملكة” [4] .

المتتبعون لتطورات الازمة يرون ان رد الفعل السعودي كان متسرعا و مستعجل ومبالغ فيه ـ رغم احقية السعودية في الدفاع عن نفسها ـ عندما طردت السفير الكندي وقطعت العلاقات، لان الانتقادات الغربية كما أسلفنا الذكر ليست جديدة على السعودية بشأن حقوق الانسان فيها، فلماذا اذن ردت الفعل السعودية هذه إزاء التصريح الكندي ؟، رد الفعل السعودي يعكس سلوك خارجي جديد بقيادة ولي العهد محمد بن سلمان وهو غير معتاد لان الدبلوماسية السعودية متأنية حسب الخبير في العلاقات الخليجية خليل حرب ، من جهة أخرى قرأت كرستين ديوان من معهد الخليج العربي في واشنطن عبر تويتر ان رد الفعل السعودي رسالة أبعد من كندا الى دول أوروبية أخرى الغرض منها تأديب المنتقدين لها ، وهو ما تتفق معه مع الخبير في شؤون الشرق الأوسط جيمس دورسي الذي يقول ” أنها محاولة واضحة لتخويف الدول الهدف منها التخفيف من حدة انتقاهم للسعودية[5].

  1. المواقف الدولية من الازمة الدبلوماسية بين السعودية وكندا

تنوعت وتعددت المواقف الدولية العربية و الغربية الاولية بشأن الازمة الدبلوماسية بين مؤيد وداعما للخطوة السعودية، فقد أعلنت كل من روسيا و البحرين، الأردن ومصر، السودان رفضها للتدخل في شؤون السعودية  ولبنان عبر رئيس الحكومة سعد الحريري دعم السعودية والامارات عبر وزير خارجيتها أنور قرقاش صرح عن تضامن بلاده مع السعودية في الإجراءات التي اتخذتها ضد كندا ، أيضا عبرت  فلسطين عبر رئيسها محمود عباس عن رفضها و أدان التدخل الكندي، وكذلك جامعة الدول العربية رفضت التدخل الكندي في شؤون المملكة العربية السعودية، و بين قلق أبدته كل من الولايات المتحدة الامريكية وبريطانيا حيال أوضاع حقوق الانسان في السعودية وطالبتا طرفي الازمة بضبط النفس لحل الازمة[6].

  1. تأثير الازمة الدبلوماسية بين السعودية وكندا على مجالات التعاون بينهما

      بدون شك ان لهذه الازمة تداعيات خطيرة على واقع ومستقبل التعاون السعودي الكندي إذا لم يتم احتواؤها سريعا، فالأثار ما لبثت ان مست القطاع العسكري والقطاع الزراعي والاستثمارات، إضافة الى الجالية السعودية والطلبة المبتعثين للدراسة في الجامعات الكندية.

ففي المجال العسكري عقدت السعودية مع كندا صفقة قيمتها 15 مليار دولار لشراء مدرعات عسكرية خفيفة وتوفر الصفقة بموجبها ثلاثة الاف منصب عمل داخل كندا، يبقى مصير هذه الصفقة مجهولا في ظل تصعيد السعودية من إجراءاتها، وهو ما يتخوف منه الكنديون لأنه يؤدي بهم الى خسارة وظائفهم، اما في القطاع التجاري والاستثماري فقد جمدت السعودية كل تعاملاتها التجارية والاستثمارية الجديدة مع كندا وهو من انعكس سلبا على العملة الكندية التي خسرت قيمتها امام الدولار الأمريكي، فضلا عن ذلك اخطرت المؤسسة السعودية للحبوب التجار الأوروبيين وقف شراء القمح و الشعير ذي المنشأ الكندي في مناقصاتها العالمية[7].

اما في المجال التعليمي فقد تؤدي الازمة الى تضرر الطلبة من تداعياتها عليهم، حيث أوقفت السعودية برامج التعليم والتدريب و الابتعاث و الزمالة في كندا و أعلنت استدعاء 8200 طالب من طلبتها الذين يدرسون في الجامعات الكندية برفقتهم 6400 فرد من عائلاتهم لنقلهم الى جامعات دول أخرى كخطة مستعجلة، كذلك مست الازمة المرضى حيث أعلن الديوان الملكي السعودي إيقاف علاج المرضى السعوديين و نقلهم الى مشافي دول أخرى حسب رغبتهم[8].

وعليه كان لهذه الازمة الدبلوماسية المفاجئة أثر كبير على مجالات التعاون العسكرية والاقتصادية، والتعليمية وحتى الطبية، بحيث أوقفت وجمدت جل المشاريع.

خاتمة:

    الازمة الدبلوماسية بين السعودية وكندا نشأت سريعا وتفاعلت بشكل تصاعدي احادي الجانب من طرف السعودية وإجراءاتها، اما المواقف الدولية فقد صبت في معظمها مع السعودية رغم ما ابدته الولايات المتحدة الامريكية وبريطانيا من قلق إزاء الاعتقالات التعسفية في حق نشطاء المجتمع المدني.

الملف السعودي لتردي حقوق الانسان فيها كان موضوعه الأساسي، ردود الفعل السعودية المتعجلة والمبالغ فيها مؤشر ورسالة لكندا وكل الدول الغربية التي تنتقد حقوق الانسان فيها ومحاولة تهدف لتخويف الدول والكف عن انتقادها.

نأمل ان تنتهي الازمة سريعا كما بدأت، لان كلا الطرفان سيتضرران من تبعاتها عليهم في كافة المجالات، من جهة أخرى العالم العربي يمر حالة حرجة وليس بغنى عن الازمات سياسية إضافية.

  • سمر بدوي من مواليد 1981، ناشطة سعودية في حقوق الانسان والدفاع عن حقوق المرأة طالبت الحكومة بالسماح بالتصويت والترشح وقيادة السيارة، نالت الجائزة الدولية للمرأة الشجاعة في واشنطن عام 2012، تحمل الجنسية الامريكية، قاضت وزارة الشؤون البلدية والقرية السعودية لأنها لم تسجل ترشحها في الانتخابات البلدية عام 2011، منعت في ديسمبر 2014 من السفر خارج البلاد، وأوقفت مؤقتا عام 2016.
[1]ـ هذه “المرأة” وراء الازمة الدبلوماسية بين السعودية وكندا، موقع سبوتنيك، 06 / 08 / 2018، على الرابط الالكتروني:

https://arabic.sputniknews.com/arab_world/201808061034402254-%D8%A7%D9%84%D8%A3%D8%B2%D9%85%D8%A9

[2]ـ الجبير ينتقد على موقف كندا والدوحة تعلق على الازمة الدبلوماسية، موقع عربي 21، 06 / 08 / 2018، على الرابط الالكتروني:

https://arabi21.com/story/1114087/

[3] ـ الازمة تتفاعل بين السعودية وكندا، 06 / 08 / 2018، موقع الميادين، على الرابط الالكتروني:

http://www.almayadeen.net/news/politics/895797

[4] ـ المرجع نفسه.

[5] ـ الازمة الدبلوماسية بين السعودية وكندا: الجامعة العربية تدعم الرياض ولندن تدعو لضبط النفس، 07 / 08 / 2018، موقع فرانس 24، على الرابط الالكتروني:

http://www.france24.com/ar/20180807-

[6] ـ المرجع نفسه.

[7] ـ المرجع نفسه.

[8] ـ أزمة السعودية وكندا.. الطلبة المبتعثون يدفعون الثمن، 06 / 08 / 2018، موقع الجزيرة، على الرابط الالكتروني:

http://www.aljazeera.net/news/reportsandinterviews/

  • خاص – المركز الديمقراطي العربي
الوسوم

المركز الديمقراطى العربى

المركز الديمقراطي العربي مؤسسة مستقلة تعمل فى اطار البحث العلمى والتحليلى فى القضايا الاستراتيجية والسياسية والاقتصادية، ويهدف بشكل اساسى الى دراسة القضايا العربية وانماط التفاعل بين الدول العربية حكومات وشعوبا ومنظمات غير حكومية.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق
إغلاق