fbpx
الشرق الأوسطتحليلاتعاجل

القيادة الفلسطينية والمواجهة المعقدة

بقلم : فادي قدري أبو بكر – كاتب وباحث فلسطيني

  • المركز الديمقراطي العربي

 

منذ تولي الرئيس الأميركي دونالد ترامب دفة الحكم في الولايات المتحدة الأميركية، والعقبات والأعباء والتحديات تزداد أمام القيادة الفلسطينية، خصوصاً في ظل شن الولايات المتحدة وربيبتها “إسرائيل” حرباً على الفلسطينيين في كل مكان. فبينما يستهدف قانون القومية العنصري فلسطينيي الداخل المحتل، فإن الحرب على وكالة الأمم المتحدة لإغاثة وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين (الأونروا) تستهدف اللاجئين الفلسطينيين في كافة أماكن تواجدهم. من جانب آخر فإن استمرار حالة الانقسام الفلسطيني، وما يرافقها من نفاق دولي وإقليمي ومحلي، وما يُحاك للقضية الفلسطينية من صفقات جانبية يمس الكل الفلسطيني بكافة تمثلاته.

نستعرض في هذه الورقة أبرز هذه التحديات – وليس كلها – التي تواجهها القيادة الفلسطينية ؛ المستجدة المشتعلة منها والقديمة المستمرة، وذلك من باب التشخيص، للانطلاق نحو رؤى مبدئية للانتصار عليها.

قانون القومية العنصري:

يمثل وجود الاحتلال الاستعماري الاستيطاني الإسرائيلي التحدي الأكبر أمام القيادة الفلسطينية، ومن المعروف أن سياسة الاحتلال في التمييز ضد الفلسطينيين استندت منذ نكبة عام 1948م إلى مبادئ تقوم على فوقية اليهود، وتقليل النسبة الديموغرافية للفلسطينيين، بما في ذلك إنكار حق اللاجئين الفلسطينيين بالعودة . ومع ذلك، هناك فرق بين ممارسات عرقية وعنصرية، وقانون يُلزم التعامل بعنصرية. حيث أن مصادقة الكنيست الإسرائيلي على “قانون القومية”، جعلت الممارسة العنصرية تكتسب دعماً دستورياً يُلزم النظام الحاكم بموجب القانون بالتمييز ضد العرب. وبذلك، فإن قانون القومية يحول التمييز إلى مبدأ دستوري، ومنهجي، ومؤسساتي، وكأحد أركان النظام القانوني الإسرائيلي.

بإمكان القيادة الفلسطينية مواجهة هذا القانون وتداعياته في المنظومة الدولية، وذلك انطلاقاً من حقيقة أن هذا القانون العنصري يوسع الفجوة بين إسرائيل وبين يهودية الولايات المتحدة – التي في الغالب ليبرالية – وكذلك بين إسرائيل ودول الغرب، التي تعتبر حليفة مهمة لإسرائيل. هذه النقطة المهمة تعتبر أداة فريدة بيد القيادة الفلسطينية وكل من يحاول إدانة إسرائيل ويتسبب بتآكل وضعها الدولي، مثل نشطاء “بي. دي. اس” وغيرهم ممّن يسعون لتقويض وجود إسرائيل.

الحرب على الأونروا:

الحرب الصهيوأمريكية على الأونروا هي حرب ذات مضامين هوياتية وسياسية واقتصادية واجتماعية، فهي تستهدف الأونروا كونها شاهد على النكبة التي تمثل صفر الهوية الفلسطينية. كما وتأتي هذه الحرب ضمن سياسة الخنق الاقتصادي ضد منظمة التحرير الفلسطينية عبر خلق أعباء اقتصادية جديدة على عاتقها في سبيل إضعاف الهرم القيادي الفلسطيني، خصوصاً وأن الأونروا تشغل ما يزيد عن 30000 فلسطينياً في مختلف أماكن تواجدهم (غزة ولبنان وسورية والأردن والضفة الغربية).

في نفس السياق، فإن طرح الكونغرس الأميركي مشروع قانون جديد يتعلق بالمساعدات الأميركية لوكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين “الاونروا”، يهدف إلى إعادة تعريف اللاجئ الفلسطيني وذلك تمهيداً لشطب حق العودة. حيث يرى المشروع أن عدد اللاجئين الحقيقي لا يتعدى الأربعين ألف، وهو عدد اللاجئين الفلسطينيين الذين تشردوا إبان نكبة عام 1948 “. إن هذه الحملة الصهيوأمريكية تهدف إلى إفقاد الفلسطينيين القدرة على المواجهة كبنية اجتماعية واحدة، المفقودة إلى حدٍ كبير بطبيعة الحال نظراً لاستمرار حالة الانقسام.

تنص المادة الخامسة من الميثاق الوطني الفلسطيني على أن “الفلسطينيون هم المواطنون العرب الذين كانوا يقيمون إقامة عادية في فلسطين حتى عام 1947 سواء من أخرج منها أو بقي فيها، وكل من ولد لأب عربي فلسطيني بعد هذا التاريخ داخل فلسطين أو خارجها هو فلسطيني”. من هنا فإن مشروع القانون الأميركي يهدف أيضاً إلى ضرب المعيار الإجماعي الفلسطيني الذي يمثله الميثاق الوطني الفلسطيني. وعليه فإن القيادة الفلسطينية يجب أن تُبقي نص المادة الخامسة مترجمة في السياسات الوطنية والدولية والإعلامية والاقتصادية الخاصة بمنظمة التحرير الفلسطينية.

الانقسام الفلسطيني الفلسطيني:

يمثل استمرار الانقسام الفلسطيني عقبةً ومطباً كبيراً أمام المشروع الوطني الفلسطيني، والنافذة المفتوحة أمام الاحتلال الإسرائيلي والولايات المتحدة  للتسلل وضرب مفاصل المنظومة الوطنية الفلسطينية. إن إنهاء هذا الملف وإنجاز المصالحة ليس بالمستحيل، فالذي نلاحظه في تاريخنا الإسلامي هو أن النبي قد عفا عن أخطر المجرمين من أمثال “وحشي” الذي قتل حمزة بن عبد المطلب عم النبي وقبل النبي توبته.

هذا لا يعني أن المصالحة متيسرة بسيطة، بل أنها من أصعب الأمور، حيث أن ما مارسته ميليشيات حماس من أعمال قتل بحق أبناء حركة فتح في غزة في صيف عام 2007، والتعويض في هذا المجال ليس بالأمر اليسير، والمصالحة إن أريد تحقيقها تحتاج إلى بذل وتضحيات كبيرة للتعويض عما خلفه الانقسام من آثار خطيرة وسيئة على المجتمع.

إن استبدال حركة فتح لمصطلح “الانقلاب” بمصطلح “الانقسام” في خطابه الإعلامي الرسمي، يمثل بحد ذاته تنازلاً يجب أن يُقابل بالمثل من قبل حركة حماس. في الوقت نفسه على الحكومة الفلسطينية تقديم تصوراً متكاملاً في شأن إجراءاتها وآلية تعاملها مع تحقيق المصالحة الوطنية، إضافة إلى ضرورة تشكيل لجنة مشتركة من المجلس المركزي لمنظمة التحرير والحكومة الفلسطينية لصياغة مشروع للمصالحة الوطنية، بما يتضمنه من صنع إعلام هادف ومناهج تعزز الجبهة الداخلية والوحدة الوطنية وهي مسؤولية الأجهزة الإعلامية والتربوية والتعليمية.

إن استمرار حالة الانقسام يفقد الفلسطينيين القدرة على المواجهة – أي مواجهة، ولذلك فإن إنهاء هذا الملف مسألة ذات أهمية قصوى، ولا بد من معالجته بأسرع وقت خصوصاً في ظل هذه المواجهة المعقدة والظرف الدقيق، وإلا فإننا لن نكون سوى طريقاً للعواصف الإسرائيلية والأميركية. وكما يقول  الروائي التركي رشاد كنتكين “من يفترقون يختلطون بالرمال ويصبحون طريقاً للصحراء”.

النفاق المحلي والإقليمي والدولي:

إن عدم الاعتراف بفلسطين دولة كاملة العضوية حتى اللحظة يعكس وحده مدى النفاق الدولي، ولا يخفى على أحد أن تمسك القيادة الفلسطينية بمبادئها واستقلالية قراراها جعلها تدفع ثمناً غالياً على المستوى الإقليمي منذ عقود وحتى يومنا هذا.

أما محلياً، فإن سياسة التشكيك التي تمارسها بعض القوى من داخل البيت الفلسطيني (منظمة التحرير الفلسطينية) لا يخدم أحداً ولا يضع سوى عقداً إضافية في المنشار. إن ممارسة التشكيك عوضاً عن النقد البناء، وارتفاع وتيرة “الانزلاقات اللفظية” لبعض قيادات هذه القوى، أصحبت تظهر وكأنها منهج خطابي، وهدف بحد ذاته!.

لماذا لا ينصب التركيز على وضع إستراتيجية جديدة للانتصار والبدء بصفحة جديدة من الفكر والقول والعمل سياسياً ووطنياً .. وعوضاً عن العمل بسياسة التشكيك والتخوين، يكون العمل على لملمة الجراح والأوراق والأفكار لوضع إستراتيجية صائبة لمستقبل وطني أفضل ؟! .

خاتمة:

في ظل الهجمة الشرسة على الفلسطينيين في كافة أماكن تواجدهم في العالم، لا شك أن المنظومة الرسمية الفلسطينية بكافة ألوانها وتشكيلاتها بحاجة إلى إتباع خطوات من شأنها أن تحطم الألم، فالوضع الفلسطيني أصبح لا يطاق وكل قضية من القضايا العالقة كافية لتكون شرارة لثورة تكتسحنا جميعاً.

في النهاية يبقى الاحتلال الإسرائيلي التناقض الرئيسي والعقدة الأكبر، ومواجهته هو الأساس. ليس أمام القيادة الفلسطينية في ظل المواجهة المعقدة التي تخوضها على الصعيد المحلي والإقليمي والدولي، خياراً سوى العمل وفق مبدأ  “سياسة حكيمة تحرّك الأحقاد أفضل من سياسة عقيمة تدمّر البلاد”.

الوسوم

المركز الديمقراطى العربى

المركز الديمقراطي العربي مؤسسة مستقلة تعمل فى اطار البحث العلمى والتحليلى فى القضايا الاستراتيجية والسياسية والاقتصادية، ويهدف بشكل اساسى الى دراسة القضايا العربية وانماط التفاعل بين الدول العربية حكومات وشعوبا ومنظمات غير حكومية.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق