fbpx
الشرق الأوسطعاجل

تحديات فرض العقوبات الاقتصادية الأمريكية على إيران وتبعاتها

بقلم : د. رامى عاشور – عضو وفد مصر لدى منظمة اليونسكو – زميل كلية الدفاع الوطنى،

بأكاديمية ناصر للدراسات العسكرية

تحرير : محمد ثابت حسنين – باحث فى العلوم السياسية – المركز الديمقراطى العربى

 

منذ التصريح الذى أدلى به الرئيس الأمريكى ” ترامب ” عن الرؤساء السابقين للولايات المتحدة الأمريكية ووصفهم ” بالحماقة “، شرع فى إتخاذ حزمة من القرارات الاقتصادية التى كان لها تأثيرات بالغة، ورد فعل مناوئ من جانب كل طرف على حدى، غير أن الحدث الجلل الذى سوف تؤدى إليه تلك القرارات فى ظل وجود العديد من الملفات السياسية الأخرى؛ هو عملية التقارب التى من الممكن أن تتم بين الأطراف المعنية بتلك القرارات الاقتصادية.عقب انسحاب الولايات المتحدة من الإتفاق النووى مع إيران، أعادت الولايات المتحدة، فرض عقوبات اقتصادية شديدة من طرف واحد على إيران، كانت رفعت إثر توقيع الاتفاق التاريخى حول الملف النووى عام 2015 مع الدول الست الكبرى، قبل أن ينسحب منه الرئيس دونالد ترامب فى مايومن العام الحالى.وتستهدف الدفعة الأولى المعاملات المالية وقطاعى السيارات والطيران التجارى، إضافة إلى واردات المواد الأولية.

   في ظل الحديث عن العديد من الشعارات، مثل طموحات إيران وتهديد الأمن القومى العربي، و إرتفاع الأصوات التى تنادى بضرورة مقاطعة الدول العربية لإيران، نجد أن دولا عربية مثل الإمارات العربية المتحدة بلغ حجم وارداتها من إيران من السلع النفطية فقط خلال الخمسة أشهر الماضية 16 مليار دولار بمعدل نمو يصل إلى 15% سنوياً . بالإضافة إلى أن السياسة الإيرانية قائمة على إنشاء مصالح وعلاقات مع كل دولة بمفردها، فتتحرك من خلال معرفة تكوين المجتمع المزمع التعامل معه، ومن ثم تقوم بإرسال شركاتها و رجال أعمالها لإقامة المشروعات المطلوبة، وبتلك الطريقة استطاعت إختراق القارة الأفريقية؛ وأصبح لها نفوذ فى 28 دولة أفريقية، بالإضافة إلى آسيا، فضلاً عن أمريكا الجنوبية، أضف إلى ذلك أن أبرز الدول المستوردة من إيران هى ( الصين – العراق – الإمارات – أفغانستان – كوريا الجنوبية )، ومن الملاحظ أن القرارات الاقتصادية التى تفرضها الولايات المتحدة على إيران؛ لها تأثير بالضرورة على تلك الدول التى تربطها علاقات اقتصادية قوية مع إيران، وذلك انما مرده إلى حجم التعاملات بين إيران وتلك الدول؛ فعلى سبيل المثال وليس الحصر، فإن واردات الصين تمثل ما يبلغ 20% من الصادرات الإيرانية، وبلغت واردات الإمارات 18% من الصادرات الإيرانية .

    بدون مبالغة يمكن القول إن الولايات المتحدة الأمريكية قد باتت فى حالة متعثرة إزاء التعامل مع إيران، خصوصاً أن جميع المنظرين والاستراتيجين الأمريكيين قد اعترفوا بهذا الواقع، و اعترافوا بمقدرة إيران على التصدى للعقوبات الاقتصادية الأمريكية، ويتضح ذلك من القرار الذى أتخذته إيران عقب فرض الرئيس الأمريكي عقوبات عليها بإعلانها عن تخليها عن التعامل بالعملة الأمريكية ” الدولار ” فى المعاملات النفطية، ولقد تم بالفعل التعامل بالعملة الإيرانية من جانب جميع الدول، بإستثناء الإتحاد الأوروبى ولكنه أيضا لا يتعامل معها بالعملة الأمريكية، ولكن بعملته الخاصة ” اليورو”.

    على الجانب الآخر، أن الصين أتخذت نفس القرار بعدم التعامل بالعملة الأمريكية فى المعاملات النفطية؛ عقب فرض الرئيس الأمريكى ” ترامب ” رسوم جمركية على الواردات من الصين، من ناحية ثالثة أعلنت روسيا عن نيتها فى انتهاج نفس نهج الصين و إيران والإنضمام إلى معسكر وقف التعامل بالعملة الأمريكية ، والأمر المثير للجدل نشوب أزمة العملة التركية و انخفاض قيمتها بشكل مستمر، فقد تلجأ تركيا للإنضمام إلى صف تلك الدول للتخفيف من حدة الأزمة التى تمر بها، على خلفية رفضها الإفراج عن القس الأمريكى المحتجز لديها وتوتر العلاقات السياسية بين الطرفين لتعقد العديد من الملفات، ولا يجب – بأى حال من الأحوال – إغفال التوقع بإحتمالية انضمام الهند لنفس ذات المعسكر، عقب أزمتها هى الأخرى مع الولايات المتحدة الأمريكية بعد فرض الرئيس الأمريكى ” ترامب ” لرسوم جمركية على الواردات من الهند وتذبذب العلاقات بينهما، وذلك يقودنا فى نهاية المطاف إلى تكوين تلك الدول لحلف اقتصادى مناوئ للولايات المتحدة، ومن هنا فإن تعاون تلك الدول وتطبيق قرار عدم التعامل بالدولار الأمريكى يستلزم بطبيعة الحال استعاضة النفط الخليجى بالنفط الإيرانى لسهولة التعامل والدفع، نظراً لرفض دول الخليج لأى مقترح بالتعامل بعملة أخرى خلافاً للعملة الأمريكية؛ ومن ثم فإن واردات تلك الدول من النفط الخليجى سوف تقل بشكل تدريجى، والمتابع لحركة التجارة بين الولايات المتحدة و دول الخليج فى التعامل النفطى يجد رغبة الولايات المتحدة فى تقليل وارداتها من النفط الخليجى بسبب النفط الضخرى، إذاً فإن فرض العقوبات الاقتصادية على إيران يؤدى إلى الإضرار بمصالح دول الخليج الحليف الرئيسى للولايات المتحدة فى منطقة الشرق الأوسط.

إن ما كانه يراه ” فرانسيس فوكوياما ” الكاتب الأمريكى الشهير، وصاحب نظرية ” نهاية التاريخ ” من ضرورة طرح الاستراتيجية العسكرية جانباً، وعبر عن ذلك بقوله : ” إن الأعمال العسكرية والمخابراتية والاحتلال قد ثبت فشلها فى الوقت الحالى، ومن ثم يتحتم التوصل مع الميول الإسلامية المعتدلة فى الشرق الأوسط عبر استراتيجية سياسية ما … تلك الاستراتيجية الأمريكية التى تكمن فى شن حرب نفسية، ومساعدة المعارضة الإيرانية فى الداخل والخارج بالدعم المالى المناسب، بالإضافة إلى ممارسة الضغوط عبر وسائل حقوق الإنسان والحريات وغيرهما …” . ثبت صعوبة – إن لم يكن استحالة – تطبيقه على إيران، وبتحليل وجهة نظر الكاتب الأمريكى نجد أنه استعار السيناريو الذى استخدمته الولايات المتحدة مع الاتحاد السوفيتى، غير أن كل حالة ولها ظروفها الخاصة بها، فما يصلح لحالة معينة، ليس بالضرورة أن يصلح مع كل الحالات الأخرى؛ نظراً لإختلاف المكونات والزمان هذا من ناحية، ومن ناحية أخرى نجد أن ذلك الطرح الذى عرضه ” فرانسيس فوكوياما ” جاء لتعزيز نظريته عن نهاية التاريخ، وإنفراد الولايات المتحدة بزعامة العالم، و هو ما يتعارض مع نظرية الأنساق الدولية و دورة حياة الدولة.

فى الختام – يمكن القول – أن ما يحدث الآن على الساحة الدولية ما هو إلا إعادة تشكيل النظام العالمى، فكل الظروف والأحداث تشير إلى أن الأمور تسير فى إتجاة هدم المعبد و إعادة بناءه، ونستدل هنا بمقولة الدبلوماسى الأمريكى المحنك ” هنرى كسينجر” ، ” إن من لم يسمع طبول الحرب العالمية الثالثة فهو أصم ” ،للتأكيد على إختلاط الأوراق، ومن ثم يجب إعادة ترتيبها لتفرز لنا نسق دولى جديد، وهو ما ستكشف لنا الأيام القادمة عنه.

الوسوم

المركز الديمقراطى العربى

المركز الديمقراطي العربي مؤسسة مستقلة تعمل فى اطار البحث العلمى والتحليلى فى القضايا الاستراتيجية والسياسية والاقتصادية، ويهدف بشكل اساسى الى دراسة القضايا العربية وانماط التفاعل بين الدول العربية حكومات وشعوبا ومنظمات غير حكومية.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق